eKtab
EN ع
شمعة في أعماق السجون
اقرأ عينة مجانية

شمعة في أعماق السجون

بقلم محمد طحنون

صفحة 1

الإهـــــداء

إلى أمي

إلى نفـسي

لا لا لا.. لا يكفي

إلى من حُبها يطغى على نفـسي

لا لا لا.. لا يكفي

إلى روحي.. إلى قلبي.. إلى عيني

إلى الدم الذي يملأ شراييني

إلى شوقي وحنيني

إلى دنياي وآخرتي

إلى من جنتي أسفل قدماها

إلى من طاعة الرحمن برضاها

إلى من قالها أحمد وثنـّاها وثناها

إلى أمي

صفحة 2

اليوم يا أماه يحتفل العالم بيوم الأم وأحتفل أنا بعالمك يا أمي

وإن كانوا قد وضعوا للأم يوماً فأنتِ الأمس لي واليوم لي والغد يا أمي.

وإن عجزت شفتاي عن تقبيل قدميك فروحي قد سبقتها إلى تقبيل أقدام روحك يا أمي.

تعبت وأنا أفكر في هدية تليق بك، وكلما فكرت أجد الدنيا بما فيها وعليها صغيرة في عيني من حبك يا أمي.

فهل أهديكِ إياها؟

لا لا لا.. لا يكفي

فكيف أوفيك يا أمي؟

ولن أوفيك ولن يوفيك سوى من قال رضاي برضاها

فإليه أرفع كفوفي ذليلاً خاشعاً راجياً أن يوفيك عني يا أمي

ويوفي أبي بقدر ما يوفيك يا أمي

صفحة 3

شمعة في أعماق السجون

لم أعرف الظلم يوماً ولم يمارَس عليِّ بشكله الحقيقي، وثقافتي عنه لم تكن تتعدى ما أسمعه هنا وهناك، فطبيعة حياتي كانت بعيدة عن هموم مجتمعي وكنت في مستوى معيـشي معين مبني على استغلال كل مباهج الحياة والعيش في أحضانها والتلذذ بما طاب منها، كنت بعيداً عن المجتمع بشتى أطيافه، إلا من كان يحمل شعار ”عش يومك“.

اخترت البعد عن مجتمعي ومشاكله فابتعد هو عني بدوره، ولم نعد نشعر ببعضنا ولا نستلطف بعضنا، وكنت سعيداً بذلك البعد وبتلك الفجوة بيننا لأن عالمي الخاص كان أهم بالنسبة لي، بل كان كل همي.

وفي غفلة الايام.. وجدت نفـسي في قلب أحداث جرت في منطقتي، وإذ بي أدفع ضريبة انتمائي لمعتقدي الذي لم أكن أعلم عنه سوى الولاء فقط.. والذي اكتشفت لاحقاً أنه جوهر الاعتقاد.

منذ أول دقيقة من اعتقالي تغيرت لديّ مفاهيم كثيرة، أولها أنني لم أكن أعلم بقيمة الحواس التي أنعم َالله بها علّي ولم أكن أعيرها اهتماماً إلا بعد أن عُصبت عيناي، حيث برز السمع قوياً ليعوّض فقدان الرؤية، حتى خيل لي أنني أسمع دبيب النمل على الأرض.

وبدأ لساني يلهج بذكر الله واكتشفت الله في قلبي بما لم أكن أشعر به من قبل، وبدأت أدعو وأستجير وأناجي حتى ظننت أنني مودع لا محالة.

كانت هذه بداية اكتشافاتي والتي ربما تبدو للبعض تافهة إلا أنها كانت عظيمة بالنسبة لي في ذلك الوقت بعد أن خرجت من عالمي الخاص الذي لم يكن سوى نقطة صغيرة على هامش الحياة.

صفحة 4

قاومت ظلم الإنسان للآخر وجبروت الإنسان ضد أخيه الإنسان وبدأت أشعر بالظلم..

نعم الظلم، الذي لم أشعر به من قبل، بدأ يتسلل إليّ شيئاً فشيئاً وبدأت أتذوق مرارته رويداً رويداً، حتى أصبحت أعيشه بكل ما فيه وبكل ما يعنيه.

في زنزانة طولها مترين وعرضها متر ونصف، كنت أعيش، لم يكن بها شيء، لم تكن بها حياة سواي، لا شمس لا هواء، لا شيء سوى جمود الموت، نظرت بها متفحصاً مرات ومرات، لم تكن زنزانة بل كانت قبراً، وكأنني كنت أنتظر الملائكة لتحاسبني!

من هنا بدأت رحلتي مع نفـسي التي لم أعرفها ولم أرها على حقيقتها سوى في تلك الزنزانة- القبر..

* * *

وجدتني أتجاذب أطراف الحديث مع نفـسي، وبدأت أستعيد شريط حياتي منذ أن وعيت وحتى تلك اللحظة، وأحاسبها على كل كبيرة وصغيرة.. ولم أجد في حياتي ما أستحق من أجله أن أكون إنسان.

وزاد من عذابي وحسابي لنفـسي قراءتي للقرآن، فقد كنت أقرأه وكأنها المرة الأولى!

بدأت أتمعن في آياته، بدأت أشعر بوضوحها وقوة معانيها وما فيها، وددت لو أضرب برأسي الجدار وأصرخ.. أين كنت من هذا؟ أين كان قلبي وعقلي؟

قسوت كثيراً على نفـسي في تأنيبها، حتى عندما كنت أدعو ربي في الصلاة كنت أقطع دعائي حياءً من الله وأقول لا تستحق الإجابة، فلم تتذكر الله سوى الآن في محنتك.

صفحة 5

ومع مرور الأيام، خفّت قسوتي على نفـسي، إلا أن الوحدة كانت قاتلة مع التفكير والتفكّر في كل شيء.

وفجأة.. وفي خضم ذلك.. شاهدت نملة تتسلق الجدار فانتفضت وقفزت من مكاني، أفي زنزانتي كائن حي؟ أيوجد معي روح تشاركني المكان؟

وقفت أنظر إليها متأملاً متعجباً ومرحباً في نفس الوقت، سألتها من أين أتيتي؟

قلت لها لا تذهبي، لكنها ذهبت في ذلك الشق اللعين، وكادت نفـسي أن تتبعها.

ثم عدت إلى صوابي وخاطبت نفـسي، أمجنون أنت؟

إنها مجرد نملة شاهدتها كثيراً ودهستها بقدمك كثيراً!

قلت لا أعلم، لم أنظر إليها كنملة بل كروح ككائن حي يشاركني عزلتي ووحدتي، كم أنت عظيم يا الله، أرسلت لي أصغر المخلوقات التي لم أكن أشعر بوجودها سابقاً لأعلم بقيمتها وقيمة الحياة وأعلم بعظمتك.. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

أخذت بعضاً من فتات الخبز ووضعته جانباً، علها تعود فأفاجئها بالطعام وأخبرها بأنني كنت في انتظارها، وعادت ورميت لها الفتات وحملت منه ما استطاعت ثم ذهبت.

صفحة 6

وبعد قليل أصبحت النملة ثلاث من النمل، وكانت سعادتي لا توصف بوجودهم معي.

كنت كالطفل الذي يتعلم كل يوم شيء جديد، وأصبحت أنظر للحياة وللأحياء بنظرة مختلفة تماماً عن تلك التي عهدتها في حياتي، نظرة عميقة عمق الحياة نفسها.

إزددت قوة عجيبة وأدركت أن النفس البـشرية جبارة وتملك طاقة كامنة هائلة، لكن في اتجاهين، والخيار للإنسان.

كنت أسمع بالمرض النفـسي وكنت أسخر منه عن جهل وقلة معرفة في الحياة، حتى عشته ومارسته وعانيت منه وكأنه حساب الله العادل جزاء الجهل والسخرية، بدل الحمد والشكر.

وتغلبت عليه بفضل الله وتجاوزته وكأنه لم يكن.

في عزلتي شعرت بمعنى الطهارة النفـسية، وتساقطت العوالق مني كما أوراق الخريف، وأصبحت نظرتي قوية متفائلة، وأصبح للحياة لون آخر وطعم آخر.

نظرت إلى ما أمضيته من حياتي السابقة، فوجدتها برهة أو ساعة أو شيء لا يزيد عن ذلك، وكأنها لم تكن عمراً وكأنني لم أعشها بطولها وعرضها قبل إقامتي القسرية في هذه الزنزانة..

صفحة 7

خرجت من زنزانتي إلى مكان أرحب وأوسع، مكان به أناس آخرين، مكان لا يزال مغلقاً لكنه كان كالدنيا بالنسبة لي مقارنة بالقبر.

كنت فرحاً بالناس، كنت فرحاً بأخي الإنسان، كان معيار الحميمية في أعلى درجاته، وكان تعايشنا وتعاملنا مع بعضنا يعبِّر عن أسمى معاني الإنسانية.

كانت قيمة الواحد منا عند الآخر لا تقارن بثمن أياً كان ذلك الثمن، وأدركت حينها أن الإنسان لم يخلق ليعيش وحيداً وأن لا معنى لحياته أبداً إلا بأخيه الإنسان.

بدأت مرحلة جديدة من الاكتشافات عن هذا الإنسان وعن طبيعته وتكوينه وعن الإنسانية نفسها كقيمة ومعنى، معتمداً في ذلك على ما خرجت به من تجربة العزلة والوحدة.

أصبح لدي فراسة أستطيع من خلالها استشفاف الكثير من شخصية الإنسان وطباعه، لم تكن موفقة دائماً لكنني ومع الوقت أصبحت أتقنها، وكان من الصعب جداً على أي شخص أن يتلبس صفة أو ميزة ليست فيه لأنها ستنكشف سريعاً، ولا مجال لدس العيوب إنما كانت فرصة لمن أراد أن يصلح من عيوبه.

ربما كان لضيق المكان دور في ذلك، وربما لأننا مع بعضنا دائماً وفي كل الحالات.

قادني ذلك إلى تقليب صفحات الذاكرة بحثاً عن موقف بدأ يتراءى أمامي، صادفت فيه والدي رحمه الله يوماً، وكان بصحبتي أحد الأصدقاء، فقال لي والدي لن يوردك هذا الصديق خيراً رغم أنها المرة الأولى التي يشاهده فيها، وحاججته حينها وقلت بأنه نعم الصديق، إلا أنني وبعد فترة زمنية اكتشفت أن والدي كان محقاً في نظرته وانتهت صداقتي بذلك الشخص، فهل كانت تلك فراسة والدي؟

كان في داخلي شوق وحنين جارفين لأسرتي لم أعهدهما من قبل بهذه القوة، وحسبت كم عشت مع أهلي وكم من الوقت قضيته بدونهم، فوجدت أننا لم نعش مع بعضنا بالمعنى الحقيقي للعيش.

صفحة 8

كنا نلتقي على وجبات الطعام فقط، كنا نجتمع في المناسبات، كنت دائماً مشغول وكانت مواعيدي لا تنتهي، وكان جل وقتي للعمل والأصدقاء.

كانت صدمةً قوية حينما اكتشفت أن ارتباطي بأهلي لم يكن سوى بالإسم والواجبات!

عضضت على أصابعي ندما لإضاعتي ذلك الوقت بعيداً عنهم، وتمنيت لو أن كل دقيقة من حياتي كانت معهم ولهم ومن أجلهم.

فما حياة الإنسان منا بدونهم – أم أب أخت أخ زوجة إبن إبنة؟

كان الندم اكتشافي الجديد، الذي عشت ألمه وتجرعت مرارته.

خصوصاً وأن بعضهم قد رحل ولن أراه ثانية.

* * *

كانت الأيام تمر ثقيلة وأنا ومن معي في عزلة عن العالم الخارجي، ولم تكن الزيارات والاتصالات قد فتحت بعد، وكنت أفكر كثيراً في مشاعر أسرتي وردود أفعالهم إزاء سجني، وأقاربي أيضاً وأصدقائي.

كنت أنتظرهم بفارغ الصبر وشديد الشوق، كنت أتخيل قدومهم إلي وكيف سيكون لقائي بهم، كنت أراهم يتسابقون لزيارتي والسؤال عني.

صفحة 9

كنت أتساءل عن موقف كل واحد منهم حتى أسرفت في التفكير واختلطت علي الأمور وكثرت لدي علامات الاستفهام وسيطر الحزن على فكري.. حزن المجهول.

مرت الأيام وفتحت الزيارات والاتصالات وبدأت من خلالها أرى بوضوح ما كان عصيّاً عليّ، وبدأت علامات الاستفهام تنجلي شيئاً فشيئاً.

اعتقدت أن الحياة قد توقفت لديهم، ثم اكتشفت أن الحياة قد توقفت لدي أنا فقط، اعتقدت أنهم قد افتقدوني وتأثروا بغيابي، ثم اكتشفت أن أهلي فقط هم من عانى وتأثر، وكانت صدمتي في الأقارب والأصدقاء كبيرة وقاسية.

تداخلت أحاسيـسي في بعضها وشعرت بألم وحنق تجاههم في بادئ الأمر، ثم ما لبثت أن تخلصت منه وقلت الحمد لله أن كشف لي ما كان خافيا عني، ووضعت أمراً واحداً نصب عيني.. أسرتي ولا سواها.

وبعد صفاء عقلي وقلبي من شوائب الحنق والألم، سألت نفـسي، هل كان العيب فيّ أم فيهم؟ هل كان الخطأ مني أم منهم؟

وأسئلة كثيرة لم أجد لها إجابات شافية، إلا أنني ومع الوقت اكتشفت أني أنا المـسيء والمخطئ والملام.

فلم أحسن اختيار الأصدقاء ولم أعطِ للأقارب حقهم من صلة الرحم، ولم أنتهج الأولوية في حياتي، وأصبحت من يطلب الصفح والغفران.

زملائي الذين معي يمثلون كافة الـشرائح، المتعلم ورجل الدين والطالب والموظف والعاطل، وكانت أعمارهم ما بين الثامنة عـشرة والتسعين عاماً، وكنا خليطاً من ثقافة دينية واجتماعية وأدبية وسياسية وثورة وجهل وذكاء وغباء وعبقرية، وتوفرت البيئة المناسبة لمن أراد أن يتعلم ويصقل ما في داخله من مواهب وطموح.

كنا في جامعة، لكنها مختلفة عن كل جامعات العالم.

صفحة 10

بدأت أثقف نفـسي دينياً وعلمياً وثقافياً باحتكاكي بالزملاء، المتعمق منهم والخبير ومن وصل إلى درجة من العلم تفوق الدكتوراة، وكنت أحرص على الاستماع لسِيَر آل بيت محمد عليه وعليهم السلام، وكانت هي المعلم والمؤدب والمهذب للنفس.

أدركت عظمة الدين وعرفت الارتباط الأزلي العظيم لعقيدتنا بدءاً من سيدنا آدم عليه السلام ومروراً بكل العصور، إلى الفيلسوف سقراط وتلامذته، إلى سيدنا عيـسى عليه السلام وحوارييه، إلى ثورة الفجر الجديد الشامل سيدنا محمد بن عبدالله عليه وعلى آله السلام، إلى مقتل سيدنا الحسين عليه السلام، إلى شروق الشمس من مغربها – الدولة الفاطمية عليها وعلى أهلها السلام، إلى عظمة وسمو ونبل وشمولية عقيدتنا وحقيقة ما نحن عليه.. في شتى أصناف الحياة وكافة أشكالها.

* * *

كان ما تعلمته من تلك العلوم بمثابة الانفجار الكبير في داخلي، أدخلني في حالة من التأمل العميق في كل شيء واستنتجت من خلاله أن الكثير منا يظنون أنهم يعيشون حياتهم، بينما الحقيقة تقول أن القليلين فقط هم من يعيش الحياة بما تعنيه وأن الغالبية العظمى على هامش تلك الحياة.

فكيف أعيش الحياة وأنا لا أعلم عنها سوى أبجدياتها الاولى؟

وكيف أعيش الحياة وعقلي لا يدرك من سمو معناها سوى ما يرشده إلى سلوك ذلك الطريق الخاوي وانتهاج ذلك الروتين الرتيب الممل؟

كنت أظن أنني أعلم الكثير وأفقه في الكثير وأن ليس هناك شيء أيما كان يصعب علي فهمه.

كنت أظن أنني أقوم بـشيء كبير أو بما يتوجب علي القيام به أو بما خلقت لأجله كإنسان، وتمـضي سنين العمر وأنا على ذلك الظن أعيش الوهم.

كنت أظن أنني أعيش الحياة..!

احتوت علوم أولياء الله عليهم السلام علوم السابقين واللاحقين فكانت جوهر الوجود وعصارته وزبدته التي بها يعيش العقل وتحيا الروح وتسمو النفس.

وذلك ما كنت أجهله ويجهله الكثير منا.