eKtab
EN ع
شرفة أرملة
اقرأ عينة مجانية

شرفة أرملة

بقلم جمال القيسي

صفحة 1
خامس -ب-
 
هي غير واثقة من ان الرقم الذي تطلبه صحيح، ولكنها واثقة ان صاحب الصوت متلاعب او مجنون··· لا تدري، كلما قالت: مرحبا السفارة الإيطالية ؟ يرد بصوت هادئ: مرحبا·· كلا الرقم خطأ، ويغلق الخط·
 
هذا الأمر تكرر أكثر من ست مرات، وأخيرا قررت ان تحاول مرة أخرى لتقف على حقيقة أمره·
 
- مرحبا·· السفارة الإيطالية ؟·
 
- مرحبا·· كلا الرقم خطأ·
 
- اتسمح لي بسؤال ؟
 
بهدوء قال:
 
- تفضلي·
 
- هل أنت مجنون ؟
 
بالهدوء نفسه أجابها :
 
- كلا·
 
- ما هذا الرقم إذن ؟
 
- ليس رقم سفارة· بل منزل·
 
- منزل من ؟
 
- لست ادري·
 
- وكيف تجلس فيه ؟
 
-لست ادري·
 
- هل أنت مجنون أم سكران ؟
 
- لا هذه ولا تلك·
صفحة 2
- لم لغتك ركيكة ؟
 
- لغتي مشروخة·
 
- بل ركيكة، كان عليك ان تقول لا هذا ولا ذاك·
 
- أنا احب أسماء الإشارة المؤنثة !
 
قالها دون ان يضحك·
 
- هل تعاني فشلا مع الرجال ؟
 
- مع الذكور تقصدين·· ؟
 
- اعرف ماذا اقصد·· اسمع··· ماذا تعمل ؟
 
- أجيب على أسئلتك الذكية·
 
- أنت غبي·· اقصد ما وظيفتك·· ما هو عملك ؟
 
- مُعلِّم·
 
- مدرس تعني ؟
 
- مُعلِّم اعني·
 
- مُعلِّم ماذا ؟ مُعلِّم شاورما ؟
 
على الرغم منه انطلقت من أعماقه ضحكة جاهد في جعلها قصيرة، وتراءى له ان المرأة خفيفة الظل، ولكنه استعاد رباطة جأشه فأجاب:
 
- معلم لغة عربية·
 
- أين ؟
 
- في مدرسة الأغبياء الأساسية·
 
- للإناث·
 
- لكليهما·
 
- بدأت أفهمك·
صفحة 3
بسخرية-حسبتها جدية- سألها:
 
- كيف ؟
 
لاح لها إنها بدأت تؤثر فيه وتدير دفة الحوار· بصوت جّملته بنبرة التعاطف والتودد قالت:
 
- لا ادري، اشعر انك مللت حياة التدريس فلجأت الى كل تلك الإجابات معي، وانك في ضائقة ومسؤولياتك كبيرة·
 
- أنت ذكية جدا !
 
- اجل، والمعلم شمعة تحترق لتنير الدرب للأجيال·
 
- اجل !
 
- ولكن دعني أسألك سؤالا·
 
-سؤال واحد فقط !
 
- كم عمرك ؟
 
- خمسون·
 
- خمسون عاما·
 
دون ان يضحك :
 
- خمسون يوما·
 
أطلقت ضحكة مجلجلة وقالت :
 
-أقصد حقا خمسون عاما· لا يبدو ذلك·
 
-خمسون سنة·
 
- ما الفرق ؟
 
- لا اعرف·
 
- لم اعترضت ؟
 
- هل يجب ان اعترض على ما افهمه فقط ؟
صفحة 4
- طبعا·
 
- لماذا ؟
 
حولت مجرى الحديث قائلة :
 
- اسمع·· اسمع أستطيع ان أساعدك·
 
- بماذا ؟
 
- بأي شيء، فأنت تبدو مرحا وطيبا وصبورا·
 
- هل تعرفين شيئا عن مشكلتي غير أني مللت حياة التدريس ؟
 
- يكفيك هذا·
 
- يا سيدتي أنا لست مدرسا ولا معلما، بصراحة أنا كذاب·
 
- بصراحة اكثر أنت خفيف الظل جدا· وعمرك ليس كما كذبت·
 
- ذكاؤك مزعج·· كم عمري ؟
 
- ثلاثون·
 
- صحيح·
 
- أنت تشرب ؟
 
- طبعا وآكل الطعام وامشي في الأسواق·
 
- والله انك خفيف الظل·· ما اسمك بالمناسبة ؟
 
- أية مناسبة ؟
 
- مناسبة تعارفنا·
 
- وكيف تعتبرين أنَّا تعارفنا·
 
- صدقني يا·· ما اسمك بالله ؟
 
- صعب·
 
- لا تخفْ لن اخبر أحدا·
 
- تخبرينه بماذا ؟
صفحة 5
- بأنك ستقول لي اسمك·
 
- يا سيدتي قلته، اسمي (صعب)·
 
- صعب !
 
- اجل ولكنني سهل·
 
- سهل المنال ؟
 
- سهل المنال، سهل التعامل، حتى أنني احتملت كل مكالمتك وحشرك انفك في خصوصيات الآخرين·
 
- بدأتَ تثور·
 
-أثور ! أنت ذكية جدا !
 
- أستاذ صعب·· حدثني بصراحة ما هو عملك ؟
 
- بلا عمل·
 
- لماذا·· ما هي مؤهلاتك ؟ أستطيع مساعدتك·
 
- مؤهلاتي النفسية؟
 
- كن جادا·· ما هي شهادتك ودرجتك العلمية ؟ تبدو مثقفا·
 
- أنهيتُ الصف الخامس فقط·
 
- أنتَ تضحكني بهذه السخرية· خامس ب ؟
 
- بل خامس أ رغم أني لا زلت أتمنى لو أنهيت الخامس في الشعبة ب
 
- لماذا تحب الباء ؟
 
- لاسباب كثيرة·
 
- ما هي أو ما أهمها ؟
 
- انه كان سيكون هنالك شعبة اخرى في مدرستي·
 
- هل كانت مدرستك ذات شعبة واحدة للصف الخامس ؟
 
- اجل·
صفحة 6
- عظيم، هذه مدرسة راقية تركز على التعليم· أين تقع مدرستك ؟
 
- مدرستي لا تقع· ما زالت واقفة رغم السيول التي تجتاح القرية·
 
باتت على قناعة ان هذا الرجل دمث ولطيف· سألته بلهفة :
 
- أنت ابن قرية ؟
 
- أنا ابن قرية·
 
- وتسكن المدينة ؟
 
- ما الغريب ؟
 
- الغريب أنت·
 
- كيف ؟
 
- اسمك غريب وحديثك، وأعصابك باردة، وشكلك مريب·
 
- شكلي مريب ؟
 
- نعم، دون ان أراه، على الرغم من أنني أحب ذلك·
 
- تحبين الشكل المريب !
 
- اجل·· اقصد احب ان أراك·
 
- لماذا ؟
 
خطر لها ان الفرصة مناسبة لمداهمته بطلب لن يطول تمنعه أمامه فسارعت قائلة :
 
- لأني أريد ان اضحك·
 
- تفضلي·
 
- العنوان ؟
 
- بجانب السفارة الإيطالية تماما· هل عدلتِ عن فكرة مهاتفة السفارة ؟
 
دونما تردد حسمت أمرها· انها فرصتها· بلا خوف ولا شكوك وبجرأة قالت :
 
- اجل، أنا في طريقي إليك·
 
كأنما يستدرك قال :
صفحة 7
- لحظة من فضلك، أنا أعزب، أعيش وحدي·
 
- لا عليك أنا أرملة وأمي إيطالية···
 
قاطعها بهدوء:
 
- أنت تفهمينني خطأ· أنا لا أستطيع استقبالك·
 
- لماذا ؟
 
- لأنني سأعمل الآن·
 
- تعمل في البيت·
 
- اجل·
 
- ماذا ستعمل ؟
 
- سأكتب !
 
- ماذا ستكتب·· وصيتك !
 
- كلا سأكتب قصة·
 
- أنت كاتب إذًا·
 
- أجل·
 
- ما هي القصة التي ستكتبها·
 
- لست ادري·
 
- ما عنوانها على الأقل·
 
-لا اعرف·· اقصد أنني أضع عنوان القصة بعد كتابتها·
 
- لم لا آتيك الآن وستكتب رواية·
 
-أنت ذكية· ولكنني لست روائيا··
 
- سأجعل منك روائيًا·
 
- كيف ؟
 
لا مناص من التراجع· لابد ان تكمل خطتها وتنجز ما عزمت عليه· قالت بلهجة جادة متحدية :
 
- سترى· أنا قادمة·
 
- كلا أرجوكِ، على الرغم من أني احب ذلك جدا·
 
- لماذا ؟
 
- سأكتب قصة وضعت عنوانها الآن لأول مرة قبل ان اكتبها·
 
- ما اسمها·
 
- مكالمة قصيرة
 
وتبدد صوته، ولم يعد يجيب، يبدو انه ترك السماعة مرفوعة·
 
أنا ذاهبة إليه رغما عنه· (صعب) ولكن ليس عليّ !
 
قالت في نفسها·
صفحة 8
الاستاذ معروف
 
كمعلم ومربٍ كبير قال صديقي :
 
- إحترس··· إياك والوقوع في منزلق كهذا···
 
سألته مستفهمًا:
 
- أي منزلق ؟
 
كمن ضبط طفلاً مزعجًا قال :
 
- أقصد الوقوع في مطب ثقافي كبير كالذي كان منك في جلسة البارحة·
 
بهدوء سألت:
 
- أي مطب ؟ أي منزلق ؟ منزلق أم مطب !
 
وكأنه شرع في محاضرة :
 
- اعني السقوط في حالة استفهام من الآخر قد لا تغتفر·
 
- أية حالة !
 
طفح الكيل على ما يبدو وخلته سيصفعني :
 
- عندما عَرَّفُتَك الى الاستاذ معروف أمس·
 
سألته بحيادية :
 
- نعم، بماذا أخطأت ؟
 
علا صياحه:
 
- قلت له أهلا وسهلاً··· أظن أننا التقينا قبل ذلك !
 
أجبته صادقًا :
 
- نعم هذا ما كنت أعتقده·
صفحة 9
صاح :
 
- يا رجل··· يا أبله ! الاستاذ معروف أشهر من أن أعرفك به أصلا·· والأصل ان تبتسم بامتنان في وجهه وتدعي الارتباك والغبطة بأنك التقيته أخيرا وتتعرف إليه·
 
سألته جادًا :
 
- وماذا يعني هذا ؟
 
صرخ بحماسة خطيب فاشل :
 
- حتى يعلم أنك متابع ومثقف···
 
خلت شررًا يتطاير من عينيه وانه لابد سيصفعني، ثم وكأنه تذكر شيئًا، قال مؤنبًا :
 
- ثم ما هذه الأسئلة التي سألته إياها ؟
 
- أية أسئلة ؟
 
- عندما تحدث في واقع الأمة وتحديات العصر ماذا سألته !
 
- ماذا سألته ؟
 
بسخرية وقد أخذ يقلّد صوتي بصورة جارحة :
 
- سألته عفوا أستاذ معروف ما معنى (انطولوجيا) ؟ ثم ماذا تعني
 
(بالأتمتة) و(الأبستمولوجيا) ؟
 
أجبته بكل براءة :
 
- كنت أريد ان اعرف معانيها·
 
سكتَ ونيران الغضب تمور في جوانبه :
 
- كنتُ أريد ان اعرف معانيها·
 
كررت أنا بكل براءة·
 
خلته لم يسمع·
 
لكنه صرخ في وجهي :
 
- يا أخي حين تتعرف الى شخص من وزن الاستاذ معروف يجب ان تبدي أنك تعرفه كما قلت لك·
 
ابتسمتُ، فأردف :
 
- وحين يتحدث بأي موضوع يجب ان تهز رأسك بالموافقة علامة فهم لكل ما يقول·
 
سرحت بعيدًا وسألته :
 
- بماذا ينفع هذا ؟
 
عجبت لهدوئه المفاجىء :
 
- حتى يعرف أنك على درجة من الثقافة وأنك جدير بصداقتي· ثم هل نسيت إنني قلت لك قبل فترة من الزمن أنه عندما أعرفك على أحد وأضيف هو شقيق فلان، عليك ان تبتسم وتقول أجل أجل يا مرحبا·· طبعا·· معروف·· معروف·
 
سألته بمنتهى البراءة :
 
- وبماذا يفيدني أن اظهر جديرًا بصداقتك ؟
صفحة 10
قال بفخر :
 
- لأني راديكالي بطبعي، وكل من أعرفهم يجب ان يكونوا على شاكلة باقي معارفي في الفكر !
 
بهدوء سألته :
 
-أحقا أنت راديكالي ؟
 
ابتسم بتواضع كاذب :
 
- هل لديك أدنى شك ؟
 
أجبته وجلاً :
 
- بصراحة أخشى ان أسألك معنى راديكالي فتغضب مني ولكني أظن أنني لست بحاجة الى صداقة أمثالك·
 
صاح وخلته غاضبا لولا ضحكته العالية :
 
- ها أنت راديكالي الآن·
 
أجبته بصوت يشبه الحشرجة :
 
- لستَ صديقي·· وما أنت إلا دعي فكر وثقافة··· مالي وتفاهات أصدقائك·
 
صمت كمن خُرِس·
 
تابعت بهدوء :
 
- الاستاذ معروف التافه لم أجد سببًا واحدًا لمحاولاته التعيسة في حشو كل مصطلحاته الغريبة في جلسة عادية، ولم ادرِ هل ينسى واحد من وزنه وأظنه من وزن الفراشة انه ليس في ندوة أو محاضرة تضم نخبة من سياسيين أفذاذ أمثاله· وأنا لم اقدم له نفسي بصفة ثقافية أصلا بل أنت·
 
صمت من كنت أظنه صديقي، وتابعت متسائلاً :
 
- ثم أنت أيها الراديكالي·· لماذا لم تخبرني ان مؤهلات يجب ان تتوافر بي كي أكون صديقك· ومنذ متى كانت الصداقة تحتاج الى مؤهلات !
 
سأل مستهجنًا :
 
- كيف ؟ كيف لا تحتاج الصداقة الى مؤهلات·
 
-ما هي الصداقة برأيك ؟
 
- حالة انسجام وتلاقٍ في أفكار وميول وإلا···