صفحة 1
حضور الغائب
قبل عدة أيام، زرت منزلنا القديم، منزلنا الذي ولدت فيه أشبه بجنة من زهور القرنفل وهو يطل على النهر، وعلى مقربة من حدائقه السلطانية الكبيرة كانت هنالك مفازة من الآس والسدر، حيث كان موج النهر يلفّ بلسانه خاصرة البساتين؛ لقد دخلت صالته الرطبة الباردة بهدوء، رميت حقائبي الجلدية السود على بلاطه المرمري الصلب وسرت قرب زهريات سيراميكية ثلاث موضوعة في الزاوية، توقفت، خلعت معطفي الأسود ورميته على الأريكة الخشبية، ثم صعدت السلم المرمري إلى الدور الثاني· كان ضوء المصباح المتوهج ينعكس بقوة على البلاط الشطرنجي الذي يظهر في المساحات التي لا يغطيها السجاد الثقيل، فتحت باب الحجرة الكبيرة ودخلت، كانت خزانة الصور موضوعة قرب السرير تماماً، خشبها الساج المطعم بالعاج وقد علاه الغبار جذبني بقوة، رائحة الذكريات الشبيهة برائحة فاكهة مخمرة جذبتني، وهناك ماض موحش ينبعث من كل مكان·
فتحت خزانة العائلة بيدي فصر بابها الثقيل بصورة ناعمة، جلست على الكرسي المطل على النافذة، وأخذت أقلب صوراً قديمة، دفاتر ذكريات، عقوداً رسمية، فاتورات، وفي تلك اللحظة سقطت صورة من يدي على الأرض، كانت صورة باللونين الأسود والأبيض لعمتي وهي شابة، فنظرت إليها، نظرت إلى عينيها القاتمتين المسحوبتين برقة، أنفها المرتفع قليلاً، استدارة وجهها الناعمة، وملابسها الجميلة المحتشمة· وضعتها برفق على المنضدة، وأخذت أقلب دفتر ذكرياتها، فتذكرت حفلة جدي ليلة رأس السنة، كنا في حديقة الطاووس المنسقة تنسيقاً هندسياً رائعاً آنذاك، وكان شعاع القمر الفضي ينهمر على قبعات النساء الحريرية، وعلى طوب الشرفات الشائهة برقة، بينما كانت الكلاب اليابانية البيض تتحلق حول أقدامنا تحيل فضاء السهرة إلى شيء شبيه بالأحلام·
فجأة تذكرت المنزل المنيف المشيد في الضاحية الراقية المطلة على ضفة النهر، حين اعتمرت النساء قبعات نحاسية وارتدى الرجال جلوداً مكعبة ليلة رأس السنة· كنت سهرت هناك في بيت جدي محلقاً على الشرفات العالية، حتى شهدت شروق الشمس على القنصليات الأجنبية المشيدة مثل منازل مخروطية قبالة المتنزه الملكي، وكان الدخل يتربص بالأسيجة الواطئة لشجر الزعرور في الحدائق الغابيّة بأزهارها الصباحية المخضلة التي تمتد على ضفة النهر المرتجف أول الشمس·
صفحة 2
لم أزر عمتي في المنزل الذي ولدتُ فيه إلا في تشرين الماضي، وحين اجتزت السياج من بوابة المنزل الحديدية الضخمة المنحوتة قبالتُها التماثيل الرخامية، سرت في ممر خاص، كان هناك صفّا أزهار شتوية وآس، ثم باب المنزل المشرّح الذي يقود إلى ممر طويل أصفر مثل زهرة حلق السبع·
الستائر المخملية مرسومةً باليد، الصحون كذلك، والأبواب كانت مضلعة، وفي خوان المكتبة ثلاث ريشات قرمزية وزهرية صغيرة· وفي الصحون الفضية بضع ليمونات صفر كنّا ننظر نحوها وهي كثيرة التبدل، بينما كان الجدار قبالتي يحفزّني إلى ذوقه الرفيع العالي وهو يعكس الحياة القدسية التي تمور بها أروقة المنزل·
كان جدي يسمى الدب الأكبر في قبة السماء إله الهندسة، وهو يهز بوجهه المرسوم بخطوط قاتمة ويائسة، كنا نجلس في الحدائق الجليلة كل مساء حلقة، وهو يتحدث عن والده الذي هرب إلى مصر على ظهر حمار هزيل، لقد حدتثني أمي التي لم تكن تحب أهل أبي وفي كلامها طابع قاس:-
- (الثور، الحمار، والكلب هم تراث العائلة آنذاك)·
عمتي تقول:
- (الحيوانات وحدها التي تربط الحياة بالزمن، لأنها تمثل الحركة)·
لم تكن بغداد ذلك الزمان غير قوافل الحمير تحل محلها الشاحنات والمركبات الحديثة، بينما أصبحت الإسطبلات العظيمة الهياكل أحواض الماء مزنرة بتماثيل الخيول المتوثبة التي تذكرهم بتاريخ الإمبراطوريات القديمة والأيام الغابرة· بغداد التي طبعت بطابعها بلاد فارس القريبة تلمع مثل سمك تحت الشمس، مآذنها وقبب مساجدها وهي تغطي صدور المدن·
كان أبي يقول:
- (بغداد أشبه بدمشق منها إلى القاهرة)·
بينما يطوف تجار الأثريات وبأيديهم حقائب النقود التي تحمل النقوش الآشورية السود بحثاً عن شيء يصل الحاضر بالماضي·
قبالة الباب بمواجهتي، كان يقف خادمُ عمتي (سليمان) بطاقيته السمرقندية المنقوشة بخيوط ملونة، وعيناه تلمعان ببريق الشيخوخة اللاصف، ويداه ترتعشان وهو يصافحني، كان قد قتل أرمنيا في أذربيجان قبل أربعين عاماً وهرب إلى بغداد ليخدم جدي الذي يقول في ساعات غضبه:
صفحة 3
(هذا العلج لا يحب العرب) ويجلده بالسوط الأسود وهو يركع عند قدميه· كانت جدتي تقول إنه يحبنا لأن ولاءنا ما زال حتى الآن للزمن القديم، وحين ماتت وصيفتها عبدة بكت جدتي وقالت:
(لقد ماتت عبدة وتركتْ لنا هذا الدجال)·
كانت عبدة خيالية متسلطة، إلا أنها لم تكن يوماً كذابة؛ لقد كانت تحافظ على نوع من الغطرسة، لقد بهرتني في الماضي - الحركات المتميعة لا تصنّف الناس جميعاً، وحينما سألت جدتي من أين تجيء غطرسة عبدة وهي خادمة، قالت (لأنها تحفظ الدرس جيداً، أقصد إنها تعرف وبشكل ممتاز مثلاً عائلياً قديماً (كلب الملك ملك الكلاب) وحين سجّيت عبدة على فراش الموت، كنا الثلاثة بالقرب منها، جدتي، وصديقي أسعد، وأنا،··
طلبتْ مرآتها الصغيرة لتتطلع إلى وجهها وهي تحتضر، ثم أدارت المرآة باستقامة إلى الخوان الذي يظلل رأسها، لتعكس صورة الحذاء المطرز بحجر الفيروز الذي أهدته لها أخت رئيس الوزراء يوم كانت وصيفتها·· وانفجرت باكيةً·· لم أنس هذا الجمال الشائخ الذي كثيراً ما قيل عنه إنه يهودي، إلا أن عمتي وحدها التي تصرّ أنه شركسي من بلاد العجائب، وعجبتُ كيف لم أر هذا الجمال مرّةً أخرى ولا حتى في الأحلام·
دخلنا - أنا وزوجتي - بهدوء الصالة الدائرية التي كانت تضوع منها رائحة السكاكر الموضوعة في الآنية الفضية· كانت آرائك السنديان المنجّدة بشكل فاخر مفروشة بالطنافس الحريرية الملونة، وهرّتها تتكوّم على أحد المقاعد المنجّدة في الديوان نصف الدائري وهو يحيط بمدخنة جميلة مطعمة بالموزائيك· كانت عمتي تجلس هادئة صامتة قبالة النافذة العريضة المرخاة ستائرها المخملية الثقيلة، تتطلّع إلى أغصان الأشجار الرطبة المرهفة وهي تلامس زجاج النافذة الصقيل، وبالقرب منها على طاولة مطعمة بالأصداف الصغيرة، كانت هنالك روزنامة بلاستيكية، ومحرّ زجاج، ومصقلة لتلميس الورق، وفي الجانب الآخر كان عبق نبات الأذريون يفوح من الزهرية السوداء المبقعة بألوان داكنة·
أخذت تحك ربلة ساقها المخروطية بصولجان مغطى نصفه بالجلد ونصفه بالريش بنعومة، وفي الزاوية القصية كان هنالك قلقباسٌ محنطٌ موضوعٌ بأناقة على شيت من قماش الكاليكو المنقّط· جلسنا بهدوء قبالتها، أنا أولاً، وبعد ذلك زوجتي، على كراسٍ مقششّةٍ من الخيزران، وأخذنا نتطلع من زجاج النافذة إلى أضرحة العائلة البيض وهي تستلقي في الحدائق السلطانية تحت الأجمات الضخمة، مثل نساء مستحمات
صفحة 4
نظرتْ لي عمتي نظرة غائمة، وطالعني صوتها المغمور بالحزن:
(حسن بعد كل هذه السنوات التي عشتُها أجد نفسي تعيسة)·
قلت لها:
(سيدتي··)·
فأجابتني بصوتها البعيد القادم من مكان قصي:
- (ألا تناديني بعمة)·
حنوها الساحر، قربها من الماضي وحنانها الذي ولده موت الآخرين الذين قربها، هو الذي طبعها بهذا الطابع الفريد الذي لا يتغير· كانت عمتي منغمسة كلياً في حزنها وهنالك ماضٍ موحش يطبع كل ما تقول، للذكرى كانت تتحدث ولم تتحدث لتمدني بالمعلومات أو تشرح حزنها، كانت تتطلع للفستان الأحمر المفضض المرمي على الأريكة مثل قطعة لحم حمراء على مساحة غامقة· استغربت:
- (هل كان هذا فستانُها)·
انغمرتْ عمتي في حزنها العصيّ على الوصف أو التفسير، كان هنالك شيء ملغز وحميمي في صوتها المتهدّج الذي يأتيني بشكل أليف من مكان بعيد؛ لقد مسحت الغبار الذي علقه، ثم تملّكها صمتٌ ثقيلٌ· لم أكن أميز في الصالة نصف المضاءة بوضوح، فأحسست أن شيئاً سرياً غامضاً مسني، والآثار السحرية تطرد عني نزعة الفضول·
- (من كثرة التأمل في هذه المساحة، شعرنا بأن كل شيء يعادينا، كل شيء هنا مجهول وعدائي·· لقد عشنا حياتنا ولم نعرف الكراهية·· ولكن حين أحبته أخذت تكرهني؟)·
كان الانفعال يأخذني في المكان المملوء بالجلد الأحمر واليوميّات التي علاها الغبار، كان الانفعال يأخذني بعيداً إلى معرفة تفاصيل ذلك اليوم الذي دفنت عمتي أسرارها فيه، كنت أريد معرفة مشاعر عمتي بالضبط نحوه، غير أنها كانت تنظر نحوي بغموض وتتحدث عن أيام مروعة تستيقظ فيها منتصف الليل لتضرب على ساقيها وتقول: (لم يكن ذلك حقيقة·· لا كل ذلك كان حلما)·
صفحة 5
كانت عمتي تظن بأن الحب قائم في شيء آخر، أقصد في حياة أخرى، وليس بعد واقعة الغرام من توبةِ أو ندم، لم يكنْ الحبُ يوماً عقلانياً أبدا، ومن حظه أن له حسنات كثيرة، يجب أن لا يخلط مع التطفل أو الفضول، إنه مرضٌ له حسنات كثيرة، لا يمكن لأحدٍ تفسيره على الإطلاق، وهذه الطريقة الوحيدة التي تكتسب فيها الأشياء معناها، إلا أنه يكتسب معناه من الحياة مثلما يكتسب الحديد بعد مرور الزمان الصدأ·
عمتي تقول:
(نتوهم أننا اكتشفناه في الألبومات وعلب التبغ، وما تبقى ليدلّ على غياب الآخر، ولكن هذا الأمر سخيف بالنسبة لي، لأننا نكتشفه في الذكرى الخالصة تماماً، أبداً من غير أشياء أو أدوات، ثمة ذكريات نتركها لنعود إليها لاحقاً، لكنها لا تنتهي، لا تنتهي أبداً، كل ذكرى تفترض لغتها الخاصة) وكما لو كانت العمة تجاوب صدى ذكرياتي، نظرت نحوي، ومن ثم حوّلت نظراتها إلى الرقعة الحمراء لبتلات الأكرسون وأشارت بيدها البيضاء المختصرة بالخاتم الألمازي الصغير:
- (انظر·· كانت تحبها كثيراً·· هذه البقعة الحمراء·· وبعد زوال الأشخاص نكتشف أهمية الإشارة· وهكذا كان مصباح علاء الدين يذكرني بعالمها الصغير)·
ثم قالت وفي حلقها غصة:
- (أنا تعيسة)، قلت لها: (ألا أستطيع أن أفعل لك شيئاً)·
- (لا·· لا تهتم بي كثيراً، لقد عشت· وهذا كل ما في الأمر· ولكن بعد تجربة الحب، الحب القاسي تجد أنك لم تعش الحياة كما ينبغي· وفي الوقت ذاته تشعر أنك عشتها بامتلاء لا يناظره امتلاء· إنه وهم لا غير، مجرد شعور·· أحياناً وأنا أصغي لصوت طائر المقو، أتذكر كل شيء، أستعيد كل التفاصيل الحميمة بحسرة كبيرة· أتخيل أنني أحيا الحياة مرة أخرى وأغير التفاصيل بصورة أفضل، لأجد نفسي معها·· معها هي·· أو معه هو·· لأن غيابهما هو الذي أورثني كل هذه التعاسة)·
وانغمست في صمتها مرة أخرى، ثم أخذت تتطلع بعينيها السوداوين من النافذة·
- (حين تحب، كأنك تريد سلماً أو أرجوحة لتطير، كأنك تريد أن تتجمد في الفراغ وأنت تقفز، ثمة فكر يجعلك تنطلق، ولكن بعد غياب الآخر يتحول الحب إلى صمت، صمت قاس ومعذب، وأنا أتأمل في ظلي أدرك جيداً أن كل ما كان لا بد أن يكون)·
صفحة 6
كان خلف النوافذ العريضة المبرنقة بالبرونز ظل الليمون القاتم مختلطاً بالركائز الخشبية الطويلة، وكل تلك الفوضى المتكونة من الأكداس والروزنامات التي بقربها تتجاوب مع عواطفها الآتية من عالم بعيد، ومن موت حاد، كانت تنتمي إلى عالم الحب الذي يتلوى مثل أفعى في الظل· كنت أصغي بسخاء إلى صوتها المتموج المتشابك مع الزقزقات المتصالبة التي تملأ فضاء الصالة، وقد أحدثها صفان من عصافير الدوري وطائر المقو القادمة من بحر عمان وهي تمتزج في الظل القاتم لعالم يخلق من جديد·
فوق هذه الكومة الراعشة، قدح ليمون يطفو على سطحه مكعب ثلج، وعلى الخوان الكبير الذي يزين الصالة: تحفيات قديمة، ومنقشة خشبية، وطسوت معدنية، وقليل من قصوان الحقول، وعلى الحاجز المصنوع من العاج الثمين كان ثمة شمعدان كبير من الخشب الراتينجي، تستسلم شعلاته التسع لانطفائها الهادىء·
كانت تتحدث وهي تبسم لي بتصفيفة شعرها الشرقية المنسدلة أعلى عينيها الجميلتين، أحنت نظرتها إلى الأرض وهي تتطلع بين قدميها، ثم رفعت رأسها نحوي، ومن النافذة العريضة كنت أتطلع إلى أكداس من الأغصان الخضر المحملة بالفاكهة الناعمة الملمس، وهي تحاول أن تتحرر من المكان، وكل شيء كان ينتمي إلى الخيال لا إلى الغرابة·
- (الحب) قالتها بصوت متهدج النبرة (جنازة الحب هناك)· وأشارت إلى ضريح مرمري منعزل عن قبور عائلتي الصامتة· نظرت إليها بقلب متألم حزين، لا أحد يروي سوى هذه الصور الفوتوغرافية المتأملة من بعيد· نهضت عمتي من مكانها، ونهضنا معها، أخذت تشير إلى الصور المعلقة على الحائط وهي تشرح لنا· كانت صورتي محنطة بإطار برونزي على الجدار الشاهق، وخلفي المناظر الخامدة المتروكة في مدنيات مجهولة، كنا نتطلع إلى المدن الصامتة، والأشياء تتوالد فيها بشكل أخاذ، الأشياء المتشابهة لا تخلق جديداً إلا في هذه الفوضى التي تعبر عن مجهول· الممرات الملساء متناغمة كما في أعماق الحب، الهررة الصغيرة والأزهار الشفافة تتحرر من تشابكها·
توقفت زوجتي لتشير إلى البناء الشاهق ذي الجدران الخامدة، وصورتي صغيراً قرب عمتي، فأخذت أتفحص الصورة، كما لو كنت أتفحص ظلي في العتمة· أخذنا نتجول في ردهات المنزل وصالاته الواسعة، كنت أتذكر عالمي الصغير وكأنه عالم ينبثق من جسد يتهاوى، وحين أصبحنا في الحديقة في ظل شجرة الدراق المعمرة، تذكرت جب الزئبق قرب الحواجز المعدنية التي ينمو تحتها نبات الفطر ذو الآذان المنحنية، وأشجار الجهنمية تتسلق بأغصانها السلطانية شرفات الأدوار العليا· لقد كان التواصل خفياً، وفي كل مكان كانت تضوع رائحة الحب، نفاذة عميقة·