eKtab
EN ع
صهيل الأسئلة
اقرأ عينة مجانية

صهيل الأسئلة

بقلم رشيدة الشارني

صفحة 1
طريق دار العجائب
 
ما كانت تتصوّر للحظة وهي تراه قادماً نحوها يصفّر ويدندن ثمّ يتوقّف قبالتها ليسألها بلطف إن كانت تعرف الطريق إلى نهج الأقحوان أن يعمد أثناء استغراقها لثوان في التفكير إلى انتشال قلادتها الذّهبية واللوذ بالفرار·
 
كان يسير على نفس ناصية الشارع الذي تمرّ منه ساهمة ولم يكن أيّ شيء في مظهره يدعو إلى الريبة والحذر بل كانت هيأته الأنيقة تبعث على الاحترام والطمأنينة وتوحي بيسر الحال·
 
تدقّها صفعة يده فتشعر كما لو أن عظام صدرها قد تخلخلت، تشلّها الدهشة لحين ثم لا تلبث أن تستفيق من خدر الصدمة وتستدير نحوه صارخة بحنق قلادتي، قلادتي أيها اللص
 
يوقد الغضب قواها فتندفع نحوه تلاحقه وتمعن في صراخها العصبي· يخرج الناس من الدكاكين والبيوت وورشات الميكانيك الموجودة على ناصيتي الشارع وينتصبون واقفين على طوله يرقبون المشهد بذهول غريب·
 
كانت أسرع ممّا كان يتصوّر، فقد استطاعت في لحظات قليلة أن تقترب منه وتربك خطاه· ربّما لم يضع في حسبانه أن امرأة يمكن لها أن تطارد لصاً بكلّ ذلك الإصرار·
 
جعل يجري وفق خطّ متعرّج· تخرج الشمس من مخبئها وتحطّ فوق الرؤوس· يسقط شلال من ضوئها على سحنته المتعرّقة فيبرز لمعان قلادتها الملفوفة في حرص حول أصابعه الملتوية وقد تدلّى منها ذلك اللوح الذهبي الصغير الذي رسم على أحد وجهيه برج بابل العظيم ويَرْمز إلى موطن زوجها بينما رسمت على الوجه الثاني قبّة القدس· كانت القلادة هديّة زوجها إليها ليلة زفافهما وهي كلُ ما جلب معه من ثروة لدى مغادرته للعراق إثر اندلاع الحرب فيه وقد آثر أن يتركها في حوزته على أن يبيعها بثمن بخس يخوّل له العيش عدة أيام أُخر وسط حصار عرف أنه لن ينتهي بسرعة وسهولة وعلى امتداد سني عمرها كانت تفقد باستمرار ما تملك من حلي ولم تكن تحزن طويلاً لذلك أو تأبه بقيمة ما فقدت ولكن هذه المرّة أحسّت وكأن روحها قد انتزعت منها على حين غفلة·
 
تقترب من اللص وهي تكزّ على أسنانها، تمدّ يدها نحوه، توشك أصابعها أن تقبض عليه، يدور بها على شكل لولبيّ وفي لحظة تنثني قدمه اليمنى ويفقد توازنه فتتمكن من الإمساك بطرف قميصه، تحكم قبضتها عليه فتتعطّل خطواته ويرتفع القميص عن ظهره الأسمر·· يحاول التملّص من قبضتها القويّة فلا يقدر·
 
ينجذب النّاس حولهما كالنحل ولكن لا أحد يتقدم لنجدتها· كانوا مذهولين كما لو أن عقولهم قد طارت عنهم·
 
تنخرط مرّة أخرى في موجة صراخ عصبيّ وكأنها تلحّ بضراعة في طلب العون : أيّها اللص، هات قلادتي
 
وعلى حين غرّة يستل سكيناً من جيب خفّي في بنطاله· يلتفت نحوها ويشهره في وجهها· تشعر بحفيف أقدام الناس وهم يتراجعون إلى الخلف، تتعالى من حولها أصوات منبهة:
 
- تراجعي· إنّه مسلح·
 
- أيّتها الحمقاء سيشوّه وجهك·
 
- أنت الأضعف، كيف تجرئين ؟
 
- يا لها من امرأة عنيدة !
صفحة 2
يصير وجهها أشد فظاظة وكأن مارداً جبّاراً يسكن أعماق تلك المرأة الشابة التي تبدو هادئة على الدوام· كانت سيّدة تملك شجاعة خطيرة إذ لم يساورها الخوف للحظة واحدة ولم تعترها الرغبة في التراجع·
 
يندفع أحد الصبيان العاملين في ورشة للميكانيك لنجدتها فيمسك به بعض الرجال قائلين بنبرة هي أقرب إلى الضعف منها إلى الحكمة·
 
- أتريد أن تدفع بنفسك إلى الهلاك ؟ اتركها وشأنها إنّها المسؤولة وحدها عن عنادها ·
 
يتغلغل خوفهم في أعماقها وتجرحها أصواتهم المتبرّمة تشعر من جديد بحركتهم وهم ينفضّون من حولها كعصافير صغيرة لا فائدة من المقاومة· إنه يمتلك سلاحاً خطيراً يردد بعضهم باستسلام مقيت·
 
يزيد تخاذلهم في عنادها· تتفجّر بداخلها شراسة عمياء· تحاول أن تجعل من أظافر يدها الاخرى قوّة تكافئ سكينه المتلاعب حول وجهها فتحرّكها في خفّة حوله باحثة عن منفذ تصل من خلاله إلى وجهه· تتمتم بتصميم في سرّها حتى لو امتلك أسلحة الدنيا كلّها فإني لن أتنازل عن قلادتي
 
يستدير فجأة نحوها· يحدّق فيها للحظة بشفتين مزمومتين تنمّان عن حقد دفين ترى وجهها المتوتر منعكساً في بؤبؤي عينيه الصفراوين يردّد بغيظ وهو يكزّ عن أسنانه البيضاء:
 
- أيتها العنيدة المتوحشة···
 
يفاجئها بلكمات قويّة يسدّدها بوحشيّة إلى صدغها ووجهها فتفقدها توازنها وينزلق جسدها تحته تتتالى لكماته فتتراخى قبضة يدها عن طرف قميصه ويتحرّر أخيراً منها، يرفسها ذلك الخنزير بقسوة أمام مرأى من جميع أولئك الناس الذين قرض الخوف وجوههم وشلّ الجبن حركتهم· تدعكها أقدامه بعنف ثمّ يلوذ بالفرار·
 
تعيد تجميع نفسها بسرعة وتنهض لتلاحقه من جديد وقد تشعّث شعرها وسال الدم من أنفها وتلوّثت بالتراب ثيابها·
 
ركضت ملء قوّتها وصرخت بألم ممض قلادتي ولكنّه وصل في ذلك الوقت إلى رفيق له كان ينتظره على درّاجة نارية في منعطف الشارع· صعد بخفّة وراءه فانطلقت الدرّاجة تشقّ بهما حشود الناس وبدا في تلك اللحظة كل شيء وكأنه مدبّر ومرسوم على نحو مسبّق·
 
جثت على ركبتيها وقد خارت قواها وذابت صلابتها وصارت تبكي بحرقة، اعترتها رعدة خزي لكونها تنتمي إلى سكّان ذلك الشارع لقد كان تخاذل أولئك الجيران أقسى من اعتداء ذلك الغريب عليها· تتذكر وهي في غمرة حزنها تلك الفتاة التي اغتصبها عدد من الشبان بأحد شوارع القاهرة دون أن يتقدم أحد المارة لنجدتها إذ انغلقت أرواحهم فجأة واكتفوا بمتابعة الواقعة وكأنّهم يشاهدون شريطاً سينمائياً مسلّياً ومثيراً·
 
يركض بها الخيال إلى زمن مضى قامت فيه حرب ضروس بين قبيلتين عربيتين دامت أربعين عاماً بسبب الاعتداء على ناقة، أحسّت بمهانة الإنسان داخلها، تحسّرت بألم وتجمّدت تلك اللحظة بأعماقها· ينبثق فجأة أذان الظهر في الفضاء ويجاور صوت المؤذّن نشيجها الداخلي فتسكب نبرة الطهر السكينة في روحها·
 
احتشد الناس من حولها وجعلوا يواسونها متحاشين الاصطدام بنظراتها·
 
- نحن نأسف لما حصل·
 
- ما كان ينبغي أن تتهوري وتخاطري بنفسك·
صفحة 3
- كيف تندفعين نحو هلاكك بكل ذلك الإصرار ؟
 
- دفعة بلاء، تعيشي وتكسبي أحسن منها
 
- كان يجب أن تخفي ما تملكين ولا تظهرينه أبداً·
 
حدّقت بكبريائها المطعون في وجوه أولئك الناس· أحسّت أن جداراً أخرس يقف حاجزاً بينها وبينهم· نهضت معفرة بتراب المعركة· تناهى إليها صوت أحدهم يقول بهدوء كريه:
 
- بهدلت حالك، وجعلت نفسك مثاراً للسخرية· يا للبؤس !
 
التفتت حولها باحثة عن صاحب الصوت حملقت في الوجوه بثبات· ثم صرخت:
 
- أيها السلبيون المستلبون المستسلمون متى كانت المقاومة تثير السخرية ؟
 
قالت ذلك بحدّة ووجع وكأن العنف صار يخرج من لسانها ويهيمن بضراوة على النفوس·
 
خطت وحيدة باتجاه بيت والديها الذي يقع عند نهاية ذلك الشارع· أحسّت كما لو أن أوهاماً ثقيلة قد سقطت فجأة عن ذهنها· كانت تحاول أن تسير بثبات تحت الشمس التي تخلّصت من أحجبة السّحب وحطّت بلهيبها على الرؤوس وبدأت تنفخ حقدها الأعمى عليها·
 
***
 
ذلك الشارع شارعي· وتلك الأرض أرضي· منذ ثلاثين عاماً وأنا أتنفس هواءها أبتلّ جذلى بأمطارها وأغطس دون ازدراء في وحلها·
 
ذلك التراب ترابي· عركته أصابعي الصغيرة وأنا طفلة وركضت مقهقهة فوق كل شبر فيه وخططت على حبّاته مسيرة عمري· لم تكن تلك المباني موجودة ولا أولئك الناس·
 
كانت حقول القمح والشعير ومزارع الخضر وأشجار الزيتون تزيّن الدنيا وتملؤها وكان ذلك الشارع الذي كان أشبه بطريق فلاحيّة ضيّقة يشقّها·
 
عندما فتحت عيني بأحد البيوت الواطئة التي تقع عند نهايته وجدت بعض النّاس يسمّونه طريق دار العجايب والبعض الآخر يشيرون إليه قائلين بتهيّب طريق القصر لأن في نهايته من الجهة المقابلة يقع قصر باردو حيث كان يعمل أكثر جيراننا كحرّاس وخدم وطبّاخين للباي والأمراء الأتراك وكبار العسكريين الفرنسيين ممن سكنوا تلك المنطقة قبل الاستقلال·
 
كان ذلك الطريق يفتتني كما لو أنه شريان يمتد إلى خارج جسدي كنت أقف في صباحات الصيف المنعشة أرقب من فوق سطح بيتنا عيون الكون وهي تتفتّح رويداً رويداً وينبثق منها ضياء الشمس· كان بريقها المنعكس على الحقول يأسرني، تلوح لي مروج السّنابل من بعيد كحورية شقراء انسابت خصلاتها الطويلة المتلألئة على الأرض·
صفحة 4
كنت أرهف سمعي للكون وأصغي لأصوات الحياة وهي تتناوب الأدوار: دقّ حوافر الخيل، أزيز الجرّارات، خطوات العمال من جيراننا وهم يسرعون الخطى بعضهم نحو ديوان الزيت حيث يعمل قسم منهم في معاصر الزيتون والبعض الآخر نحو طريق دار العجايب يختلط وقع أقدامهم الغليظة على الأرض بأصواتهم المحمّلة بتحايا صباحية منعشة وكأنهم يريدون أن يصنعوا من محبتهم ونواياهم الطيّبة درعاً يقيهم المفاجآت القاسية التي قد يأتي بها النهار·
 
من ذلك الطريق كان يأتي عم مصطفى الحلايبي يسبقه صوته الشجي المتعالي مع رنين جرس درّاجته وكأنه يريد أن يوقظ من تخلّف من زبائنه حتى لا تفوته ساعة توزيع الحليب·
 
من بين تلك الحقول كانت تلوح في أيّام فصل الصيف عربة العم صالح بائع الثلج وكانت أشبه بصندوق مربع أزرق اللون يجرّه جواد قويّ يحدث وقع حوافره المخلوط برنين سلاسله المشدودة إلى العربة ضجيجاً في الحيّ فيخرج الناس من بيوتهم محمّلين بالأواني والسلال فيزوّدهم بما يحتاجونه من قطع الثلج ويضع ما تناثر منها بأيدي الأطفال الممتدة في هرج نحوه فينسحبون بها فرحين وهم يمتصون ماءها العذب المتقاطر بين أصابعهم الصغيرة ويعجبون كيف تذوب تلك القطع الصلبة من الزجاج بمثل تلك السرعة·
 
كثيراً ما كنا نسير سرباً من الأطفال نحو تلك الحقول، نشق ذلك الطريق الضيق تغذي نفوسنا النوادر والحكايات الطريفة التي نتناوب قصّها وكنت أرى أوراق الشجر ترتعش من حولنا فرحاً وألمح العصافير تتطاير فوق رؤوسنا تتدفق منها موسيقى ملائكية عذبة· كان الفلاحون يسمحون لنا باللعب في المساحات الفارغة فيتراكض الأولاد خلف بعضهم البعض كحملان بيضاء وتتحلّق البنات حول أزهار القرّيصة يخضبن بها كفوفهنّ الصغيرة يرشقن شعور بعضهن البعض بأزهار الأقحوان وشقائق النعمان··· وكثيراً ما يأتينا أولاد الفلاحين بخبز الطابون ويوزّعونه علينا بكرم سخيّ فنلتهمه بلهفة وهو ساخن وشهيّ وندعوهم للعب معنا·
 
كان يحلو لي أن أتمدد على العشب الطريّ أنتف قطعاً صغيرة من خبز الطابون وأتتناولها على مهل أو أن أتسلّق شجرة خروب كبيرة وأجلس بين تلافيف أغصانها لأتأمّل عن بعد بيوتنا الفقيرة تحتضنها في حنوّ المزارع الخضراء، كنت أنزل مسرعة كلّما رأيت إحدى الراهبات تقطع الطريق على دراجتها نحو دير قديم يقع في ناحية من تلك الأرض ويطلّ على مزارع منّوبة أترك رفاقي وأعدو خلفها بملء قوّتي غير عابئة بنداءات أخي··· تسمع الراهبة وقع خطواتي الرّاكضة في إثرها فتلتفت نحوي مبتسمة في هدوء وتواصل سيرها في حين يشتد تعبي ويضيق نفسي فأسقط على الأرض ويغطس أنفي في التراب·
 
في تلك البقعة التي شهدت هزيمتي كانت تقع أرض العمّ محمود حيث كنت أذهب في صباحات أيام الأحاد مع أختي الكبرى ونحن محمّلتين بقفّة ثقيلة فيها أقراص من العجين أعدّتها أمي منذ الفجر لتضعها زوجته في الطّابون حيث تتحوّل في دقائق قليلة إلى خبز شهيّ·
 
كانت أختي تنشغل بمساعدة تلك المرأة الطيّبة فتتناول أغصان الزيتون المتيبّسة من كومة الحطب المحاذية لشجرة صفصاف كبيرة وتضعها في النّار الملتهبة أسفل الطابون ولا تلبث أن تتصاعد من جوفها سحابة من الدخان الأبيض محمّلة برائحة الحطب المحترق· أغمض عيني وأستنشق ملء صدري تلك الرائحة منتشية بمعاني غامضة تحدثها في رأسي·
 
كيف تخونني تلك الرائحة ؟
 
كيف تصمت الأرض وهي تشهد هزيمة أصحابها ؟
 
هل تنفذ الخيانة إلى عمق الأرض ؟
 
أيتها الأرض الطيبة كحضن دافئ لماذا صمتِّ وأنت ترين أبناءك البدو يرحلون الواحد تلو الآخر بعد أن ضغطت عليهم الحكومة وأجبرتهم على الهجرة لتبني مكان مرج السّنابل العمارات وتستبدل الصفصافة بمحطّة للبنزين وطريق دار العجايب بشارع واسع يتربّص فيه اللّصوص بالمارة ؟
صفحة 5
هل تراك تنتقمين لنفسك لأنهم توقّفوا عن المقاومة واستسلموا للقهر ؟ أم تراك قد استلبت بدورك وأنت تلمحين تلك الشاحنات التي قدمت محمّلة بأطنان من مواد البناء وكدّستها على تربتك الطريّة ولم تلبث الحفارات أن اخترقت صدرك وطُعنت أحشاؤك الخصبة بالحديد والإسمنت فغرقت في صمت عميق ظلّ يعذب ذاكرتي ؟
 
***
 
شغّل الشرطيّ محرّك المروحة الكهربائية ثم رمى بنفسه على كرسي خشبيّ قديم وهو يقول بنبرة متثاقلة:
 
- ما هي أوصافه ؟ هل تذكرينها ؟
 
- إنه شاب في العشرين من عمره تقريباً برونزي البشرة معتدل القامة يميل قليلاً إلى النحافة مع ارتفاع لافت في مستوى الصدر·
 
قاطعها قائلاً وهو يفتح سجلاً كبيراً في حين شرع مساعده في تثبيت الورقة بين طيّات الآلة الكاتبة استعداداً لتسجيل محضر الشرطة:
 
- إننا بهذا الشكل سنقبض على ثلثي شبان العاصمة· من فضلك حدثيني عن العلامات البارزة في هيأته يعني إن كان مثلاً شائك الشعر أو يحمل وشماً على زنده أو يشق وجهه أثر لسكين· فكرت بعمق ثم قالت بثقة:
 
- لا يا سيدي، إنه لا يحمل أيّاً من العلامات التي ذكرتها·
 
- سيكون من الصعب علينا أن نعثر على لصّ بمثل هذه الأوصاف التي قدمتها· إننا نعرف كل لصوص الأحياء القريبة وليس هناك من يحمل تلك الملامح المترفة·
 
- لعلهم قدموا من حيّ بعيد· أعتقد أن اللصوص يغيّرون باستمرار مواقع عملهم وأخطرهم من جعل مظهره أنيقاً ومسالماً·
 
- على كل حال سنحاول الإمساك بتلك العصابة وسنعيد لك قلادتك حالما نعثر عليها ولكن قولي· ما هو سبب مرورك في تلك الظهيرة الحارة بذلك الشارع وأنت تقيمين بحيّ بعيد وراق·
 
- كنت في طريقي إلى بيت والدي الذي يقع عند نهايته بعد أن قابلت أحد السماسرة ليبحث لي بذلك الشارع عن منزل أنتقل للسكن فيه·
 
يقهقه معلّقاً :
 
- إذا كنت قد نشلت وأنت تمرّين بذلك الطريق فكيف لو نقلت بيتك بأكمله إليه ؟ أنصحك بأن تستمري في الإقامة بذلك الحي الراقي إنه بعيد على الأقل عن الأحياء الشعبية حيث يكثر اللصوص·
 
تشيح بوجهها جانباً وكأنها تبعد عن خيالها شبح الفكرة التي اقترحها· لقد قررت أن تترك تلك المنطقة التي انتقلت للسكن فيها بعد زواجها ولن تتراجع عن قرارها مهما كانت الأسباب·
 
كانت تعتريها رغبة مبهمة في التقيؤ حالما تطلّ برأسها على تلك العمارات الشاهقة التي تملؤها وكثيراً ما كانت تجلس في شرفة شقتها المعلّقة بالطابق الثامن تحاول أن تحجز دمعها الفائض بجفونها وهي تستعيد ذكرياتها القديمة·· هنا، حيث لا ضجيج ولا ضربة مدفع تعلن عن موعد الإفطار ولا أذان يوقظ الناس للصلاة ولا ثغاء خروف يتناهى إلى مسمعها في عيد الأضحى ولا حتى تحية ودّية تتبادلها مع جاراتها· كانت تراهنّ في أماسي الصيف الحارّة ينزلن الدرج وكأنهن لسن أكثر من عطر متحرّك·
 
بالكاد ترفع إحداهن رأسها فتبادلها ابتسامة حذرة وتمضي مسرعة·
صفحة 6
في الأيام الأولى لإقامتها كانت هي أوّل من يبادر بالتحيّة تقول بوضوح صباح الخير فتهمس جارتها باقتضاب شديد بونجوغ ثمّ تنطلق كالسهم·
 
كن شبحيّات المظهر، قاسيات الملامح، وكانت طبيعتها المرحة تكره أن ترى تلك الوجوه التي يكسوها الازدراء·
 
كانت تلمحهنّ وهن يركضن نحو سيّاراتهنّ بقلاصينهنّ الضيّقة ووجوههنّ الضامرة ونظاراتهنّ السّوداء التي يحرصن على وضعها حتى في أشدّ أيام فصل الشتاء قتامة وكأنهن يخشين أن تسقط الكلفة بينهنّ وبين العالم إن هن رفعنها··· كان كل شيء ثقيلاً ومتكلّفاً ومميتاً بالنسبة إليها وكانت تفضّل أن تكون قطّة مشرّدة في حيّ فقير على أن تسكن تلك المقبرة الفخمة· هناك فقط على مرّ طريق دار العجائب يمكنها أن تتلاءم مع الحياة وتستعيد ذرّات عمرها المتناثرة على طوله·· بين تلك البيوت الواطئة فقط يستعيد الكلام نقاوته·
 
***
 
اهتزّت من الفرح حين قرأت بعد شهور قليلة خبراً بإحدى الصحف اليومية مفاده أن رجال الشرطة قد أمسكوا بمنطقة باردو أفراد عصابة يتعاطون نشل الذهب والسطو على البيوت والمحلاّت· وعلّق كاتب الخبر أن الغريب في الأمر هو أن جلّ أفراد العصابة من الشبّان الذين ينتمون إلى الطبقة الغنية التي تسكن المناطق الراقية·
 
بحثت بين أوراقها عن تلك القصاصة التي سلّمها لها ذلك الملازم الذي تقبّل بلاغها والتي تتضمّن رقم محضر الشرطة الذي سجّله لها هناك· حين وجدتها أمسكت بها بأصابع مرتعشة ثمّ وضعتها في حافظة أوراقها وتوجهت إلى مركز الأمن حيث قدّمت البلاغ·
 
حين وصلت إلى مكتب ذلك الملازم مدّت له القصاصة وهي تغصّ بالكلام لشدّة الفرح· وما إن نبست بموضوع تلك القلادة حتى دبّ الاصفرار على وجهه فبدت عظامه بارزة أكثر مما كانت· قلّب القصاصة باستخفاف مقيت· فكّر طويلاً ثمّ أجاب بحدّة كمن يريد أن يحسم أمراً مقلقاً·
 
- إننا لم نعثر من خلال كل الذهب المسروق على قلادة سميكة تحمل لوحاً رسم على وجه منه برج بابل وعلى الوجه الثاني قبّة القدس·
 
قالت بلهفة:
 
- دعني أرى أفراد العصابة فلعلني أتعرف على من انتشل قلادتي·
 
ضحك بغضب ثمّ قال :
 
- أتكونين أكثر حنكة من رجال الشرطة ؟
 
حدّقت فيه بثبات· ارتبك لوميض عينيها ثمّ قال وقد غطس رأسه بين كتفيه:
 
- لا تقلقي، سنستمرّ في البحث عنه·
 
فهمت المسألة على نحو مختلف، خزّنت غيظها وغادرت مركز الشرطة، اختفت في الطرقات الداخلية المؤدية إلى ذلك الشّارع الطويل تهرأت القصاصة بين أصابعها المتعرقة· فتحت قبضتها وقلّبتها باستهزاء ثم لم تلبث أن فتتها إلى أجزاء صغيرة ونثرتها في طريق دار العجايب
صفحة 7
الله يحبني يا كريدو
 
العتمة تلف أرجاء الصحراء وأنا أقف مصلوباً في حفرة أشد عتمة أصيح مع صوت الريح منادياً رفاقي لنجدتي فيعود إليّ صدى جزعي وكأنه يعلن عن سقوطي أخيراً في جب الموت:
 
يبدو أنهم قد ساروا مسافة طويلة في خضم الرمال
 
أغرز أصابعي المعقوفة في الأرض التي تصلبت بفعل شحوم السيارات ونفايات النفط التي رميت في تلك الحفرة الواسعة ولكني أعجز عن النهوض بجسدي الثقيل إلى مستوى سطح الأرض:
 
لو كنت أقل طولاً لابتلعتني هذه القذارة ومتّ على الفور
 
لا أدري كيف ترنحت خطواتي ومالت، ووجدتني أسقط في هذا القبر الخانق· كنت آخر السائرين مع رفاقي العاملين معي بشركة كهرباء الصحراء· كنّا خمسة رجال: مصري، شامي، فلسطيني، فلبيني، وأنا أحمد الشريف تونسي·
 
كانوا يتناوبون على رواية حكايات طريفة حتى يمنحوا أنفسهم شيئاً من الخفة والشجاعة ويتبادلون نكات بذيئة سرعان ما تنطلق لها الحناجر بضحكات مدوية تخترق ذلك الفراغ المعبأ بالسواد·
 
كنت متخلفاً عنهم، أسير مكابداً أحزاني ولم أنتبه إلى ابتعاد أصواتهم عني وخفوت أضوائهم الكاشفة: الحمد لله أن المصباح ما زال مغروساً في رأسي·
 
أجيل بصري في المسافات التي تصلها أضوائي فيسكن الخواء روحي، ليس هناك سوى أنين ريح ساخنة تذرو رمال الصحراء، أطبق جفوني ببطء مستسلماً للحظة يأس قاسية ثم أفتحها فيذهلني منظر القذارة الملتصقة بصدري· أحاول العثور على عبارة مواساة لنفسي فيقفز إلى رأسي كل الظلم الذي شهدته خلال حياتي·
 
لم أكن أرغب بالعمل هذه الليلة، جسدي مستسلم لخمول قاتل منذ حادث وفاة مواطني وصديقي المعلّم طاهر·
 
بعثت بمطلب إجازة مع رفيقي الفليبينيّ كريدو غير أني فوجئت برئيسي المباشر يطرق الباب بعنف عند العاشرة ليلاً ويقتحم الدار بصوته الأجش ومظهره الغبي:
 
- انهض يا أحمد، انقطع تيّار الكهرباء، يجب إصلاح العطب بالخزينة الجنوبية قبل منتصف الليل·
 
يوترني صوته الأرعن، أنهض متشنجاً، يهدئني كريدو حين يرمقني بنظرة متبصرة ثم لا يلبث أن يخطو نحوي ويمسك بي من ذراعي مهوّناً عليّ صعوبة اللحظة· أنطق بصعوبة :
 
- تعلم بدون شك إنني شيّعت البارحة جثمان صديقي المعلم طاهر إلى المطار وقبل ذلك بأيام قليلة فقدنا زميلنا التونسي المهندس نجيب بسبب خطأ غبيّ ارتكبه أحدكم·· ألا ترى أنه يحق لي أن أحزن قليلاً ؟
صفحة 8
-يا الله يا راجل، الحزن للحريم، هذه حكمته سبحانه وتعالى، يا الله، انهض، نحن ندفع لك دولارات لكي تعمل لا لتنام·
 
يهزّني تعليقه الجاف ولهجته الناشفة، أرمق بقرف أنفه المفلطح وفكّه المتين ثم ينزل بصري إلى بطنه المكوّر، أعجب كيف ينحني هذا الرجل للصلاة وأتساءل عن حاجة هذا المتخم إلى الله·
 
أرتدي زي العمل بخمول شديد، المسألة تتمثل في المحافظة أثناء مثل هذه اللحظات الحرجة على هدوء الأعصاب، يقرر كريدو الخروج معي للعمل حصة إضافية، أسمعه يهمس بكلمات فلبينية غامضة وأراه يبسط كفّيه وكأنه يتضرع لله، ينتصب الرجل الغبي أمام الباب منتظراً خروجي ومحدثاً بصوته العالي ضوضاء قوية جعلت بقية العمال الساكنين تلك البيوت الواطئة يخرجون لاستجلاء الأمر·
 
أجلس خائر القوى على المقعد الخلفي من سيارة اللاندروفر يتصاعد الغضب بداخلي، يأخذني لهاث سريع، أدرك فقط في تلك اللحظة سر موت المعلم طاهر:
 
لا بد أن الشمس والغضب قد تحالفا عليه
 
طاهر رجل شديد الأناقة وناعم الكلام· أعرفه منذ كنا ندرس معاً بمعهد الكاف غير أنه اكتفى بالشهادة الثانوية والزواج مبكراً من قريبته بينما سافرت إلى روسيا لإتمام دراستي في الهندسة الكهربائية··· فجأة التقينا هنا، جمعتنا رغبة واحدة هي أن نجمع المال الكثير بأقل سنين ممكنة؛ ولكنني اكتشفت أنه تغير كثيراً انطمست في نفسه كل متع الحياة وكأن كآبة غامضة سكنت أعماقه، وفي المرات التي كنا نجتمع فيها للسهر يصدح بصوته الجبلي المشحون برقرقة أسى عذبة مغنياً للمطربة صليحة بعضاً من أجمل ألحانها: هجر الحبيب، في الغربة فناني، يا خيل سالم، فوق الشجرة أم الحسن غنات، بخنوق بنت المحاميد· يخيم صمت عميق على الأصدقاء وهم يتأملونه مأخوذين بسحر غامض، بعضهم كان يحاول كبح جماح دمعة تريد أن تفرّ من عين ذهبت بها الذكرى إلى أرض بعيدة·· ذات مرة قام أحد الأصدقاء من مكانه ملتاعاً وبسط كفيه نحو السماء صارخاً بجنون:
 
- ربّي، أمطرنا خمرة حتى تكتمل نشوتنا·
 
حين يتوقف طاهر عن الغناء يغرق الجميع في سكون بالغ أما هو فيبدو وكأن الغناء قد حرره من ضغط نفسي ثقيل· أسأله عن ظروفه بالعمل فيجيب بصوت مهيب:
 
- أحاول فقط أن أكيف مزاجي مع مفاهيم حمقاء صارت تتحكم بي·
 
كنت أعرف أنه يعاني من مشاكل عميقة في عمله، قبل وفاته بيوم واحد روى لي أن مدير المدرسة أعاد له دفاتر التلاميذ صارخاً في وجهه:
 
- ما هذه النتائج الضعيفة ؟ أتريد أن تحصل مصيبة ويقع طردك من البلاد ؟
 
- هذه النتائج هي الشهادة الحقيقية لمستواهم إنهم مدللون وكسالى·
 
- ليس من حقك أن تصدر الأحكام وتقرر مصيرهم· نحن ندفع لك دولارات ليس من أجل أن تجعل أطفالنا يرسبون، يا الله، غيِّر الأعداد، وإلا سنأتي بغيرك، هناك ألوف يشتهون الوقوف مكانك·
 
أطللت في ذلك المساء على وجهه المتوتر فوجدته غارقاً في فوضى أوراقه يعيد صياغة الأعداد والحسابات· أتساءل بحزن وأنا أتأمل ارتجاف أصابعه·
صفحة 9
- ترى هل يستطيع صياغة نفسه من جديد ؟ أبناء مدينتي قد يقتلون أنفسهم غضباً لو اعتدى أحد المتسلطين على كرامتهم وقد يموتون ندماً لو اضطر الواحد منهم للتنازل عن كبريائه والاستسلام لموقف مهين·
 
في اليوم التالي هرب طاهر من المدرسة كما تهرب قطة من النار·
 
عصفت به لحظة جنون قاسية فرمى بدفاتر التلاميذ في وجه مديره حين اعترض طريقه· تركه مندهشاً وطار بسيارته في سرعة مجنونة، يريد أن ينسى الموقف وينتزع شظية الإهانة من نفسه· حولت السرعة غضبه إلى حالة نشوة، لم يعد يفكر سوى تلك في اللحظة· نسي زوجته وبناته الثلاث وجبال الكاف الملتحفة شتاء ببياض قدسي أخّاذ وهانت عليه مروج مدينتنا الخضراء وثلوجها التي طالما رفسها بحذائه الطويل وهو يعود من المدرسة محملاً بمحفظته المكوّمة ومثقلاً بكراريس القسم ومتطلعاً إلى أشجار سامقة بكبرياء ومن خلفه يسير سرب من الأطفال يهمس بعضهم في خجل: سيدي، دعنا نحمل عنك الكراسات تندفع به السيارة بجنون في الطريق الصحراوي المؤدي إلى الشمال تطارده موجات الغضب، تعترضه كتلة الشمس الملتهبة وكأنها تتهيأ للسقوط على رأسه، تتحوّل الذاكرة إلى لوحةبيضاء· لم يعد يفكر إلا في مهانته وعجزه، يمعن في السرعة فتخطفه ذروة الغضب من نفسه وتنقلب به السيارة في أحد المنعطفات المرتفعة فتقتلعه اللحظة من الحياة·
 
يركض الألم بداخلي وأعود إلى نفسي الغارقة في قذارة النفط، تنقبض ضلوعي وأنا أرمق الكون الغارق في سكون أسود· ينفد صبري وتحوم الذكرى الأليمة حول رأسي فأطلق صرخة يأس حادة هي كل ما أملك القيام به وسط تلك النفايات وذلك المصير الأبله·
 
لعن الله الساعة التي فكرت فيها بالمال، لقد صنعت جحيمي بنفسي
 
أقف وسط الموت، يلفني صمت قاس أطلّ على الحياة من حافة عمري هذه، ينتصب في ذاكرتي وجه والدتي فتعتريني موجة شوق جارفة إلى حنانها· أرفع رأسي محدقاً في سماء كئيبة غطتها غيوم ثقيلة لا أثر فيها حتى لطلة القمر فأدرك أن وقتاً طويلاً قد مضى·
 
المطر لا يعرف طريقاً إلى هذه الأرض· يتكرر قيظ الأيام فيمتلئ الكون بسحب سوداء تخنق بكثافتها الأنفاس·
 
البارحة صباحاً حظينا بساعة فرج مفاجئة حين هبت نسمة باردة ونحن نشيع جثمان طاهر إلى المطار ليدفن في أرضه: يا للزمن، صرنا نتصيد لحظة برد عابرة فندخر ذكراها لعام كامل·
 
أدرك للمرة الأولى حجم المسافة التي تفصلني عن وطني فأشعر برهبة شديدة لطولها·
 
عندما جئت إلى هنا، ظننت للوهلة الأولى أنني لا أستطيع الخروج نهاراً للعمل بسبب الحرارة، الشمس تنتصب بضراوة فوق الرؤوس وكأنها تتربص بها·
 
ينفجر الضيق فجأة بصدري كلغم قديم وتكاد روحي تقفز من بين ضلوعي فأصرخ بصوت حاد وملتاع تكسر عشوائيته هيبة الصحراء وكأن حمى غريبة سكنتني·
 
يبرز فجأة ضوء خافت في الظلام· لا يلبث أن يغمرني بنشوة عارمة، يظهر طيف رجل من يركض باتجاهي:
 
لا بد أنه لمح ضوء المصباح المنغرس في رأسي
صفحة 10
عندما يصبح على مسافة قريبة مني يصيح بصوت مدهوش ويهذي بلغة لا أفهم منها سوى اسمي· تغمرني الغبطة وترتعش شفتاي فرحاً وسرعان ما تنزّ عيوني بدمع سخيّ وأهذي بدوري:
 
آه كريدو، جئت أخيراً··· ترنحت خطواتي يا صاحبي فوجدتني أسقط في هذا الجب اللعين··· الله يحبني يا كريدو لأنه بعث بك إليّ وجعلك تكتشف مكاني··· ينبطح كريدو على بطنه ماداً يده الصغيرة نحوي· أترشف ملوحة دموعي كطفل· أتنقل بخطوات شاقة داخل القذارة· أمد بدوري يدي نحوه، تتلامس أناملنا ثم تتماسك بقوة· يشحذ كريدو كل قواه لجذبي ولكن ذراعي ذلك الرجل الطيّب يصيبها الوهن فجأة فتتراخى وتعجز عن رفع جسدي الضخم· إنه أشبه بكائن خرافي حين يكون واقفاً إلى جانبي يحملق في العالم بنظرة متحفّزة يمتزج فيها الذكاء بالطيبة السمحاء·
 
يهتدي كريدو إلى حل آخر، يطلب مني أن أصبر قليلاً ريثما يأتي بالكابل الذي رمى به على بعد أمتار··· يفتح خيط الكابل الملفوف على شكل دائري ويرمي بطرفه نحوي، التقطه بلهفة وأشد به صدري يمسك كريدو الطرف الآخر ويشرع في جذبي أدفع بجسمي إلى أعلى· أشعر بأنفاس ذلك المسكين تكاد تنقطع ولكنه يصر على أن يبذل كل طاقته ويتمرّد على ضعفه الجسدي·
 
الرجل الغبي لم يترك لنا حتى سيارة اللاندروفر لتسعفنا في اللحظات الخطيرة· رمى بنا في هذه الرقعة الخالية من الصحراء كما ترمى النفايات ورحل مؤكداً أنّه لن يعود إلينا إلا حين يتلقّى إشارة بإصلاح العطب·
 
تنتاب كريدو حالة من الإرهاق· يمسح عرقه بطرف قميصه ثم تأخذه موجة أخرى من القوة يحاول جذبي من جديد ولكن لا يلبث أن يسحبه ثقل جسدي خطوات إلى الأمام، أخشى أن يقع بدوره في الحفرة· كنا كمن يلعب لعبة خطرة· يجذبني نحو الحياة وأجذبه نحو الموت·
 
تظهر فجأة أضواء متحركة، تصلنا أصوات رفاقنا، يهرعون إلينا مأخوذين بدهشة بالغة، وبعد لحظة ذهول يمسك أحدهم بالكابل مع كريدو ويسارع آخران إلى يديّ فيشدانهما ويساعدانني على رفع جسدي· وفي لحظة واحدة أصبح على سطح الأرض··· يربت رفاقي على كتفي حامدين الله على سلامتي·
 
تسقط نظراتي المتعبة على هيأتي التي تتقاطر بقذارات النفط فيغمى عليّ·