eKtab
EN ع
صهيل الخندق الأخير
اقرأ عينة مجانية

صهيل الخندق الأخير

بقلم عبد العزيز خليل المطوع

صفحة 1
إضاءة
 
وَلاَ تَهِنُواْ، وَلاَ تَحْزَنُواْ
 
(عندما تتجسد إرادتكم لتحويل حركة التغيير من فكرة إلى حقيقة، أو من مشروع إلى واقع، اعملوا على أن تتخلصوا من شيئين: الأول، أن تتخلصوا من إحساسكم بالوهن واليأس، ولا تَدَعوا الاستسلام للواقع يتسرب إلى نفوسكم ليولّد في داخلكم عقدة الخوف من المستقبل، والتخاذل من معاودة المحاولة من جديد؛ والشيء الثاني، أن تتخلصوا من مشاعر الندم والأسف والحزن لأنكم فرّطتم وتهاونتم في الماضي، أو لأنكم خسرتم اللحظة المناسبة لاستغلال الفرصة في وقتها؛ واعملوا أيضا على إبقاء منافذ نفوسكم وإرادتكم موصدة في وجه تلك النفسية المثبطة، وحتى لا تسحبكم عقدة جلد الذات هذه إلى ما وراء نقطة الصفر، لتعيدكم إلى حالة الضمور والتبعية واللاشيئية)
 
وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ··
 
(عندما تصدُق إرادتكم، وتكتمل تعبئتكم باستعداداتكم الإيمانية والتخطيطية والتنظيمية والمادية اللازمة لمسيرة التغيير، هنا يتحقق لكم الانتقال من حالة الفتنة إلى اليقظة، ومن حالة التردد إلى الإقدام، ومن حالة المحاولة إلى الإرهاصة، وبهذا تستحقون ملامسة الإلهام الإلهي، واجتناء المؤازرة والتأييد الإلهي الذي أنتم موعودون به لاستعادتكم الثقة في ذاتكم وقدراتكم، ولتحرركم من قيود الخوف والوهن والأسف، ولخروجكم من تيه تخبطكم وصفريتكم الحضارية، ولتمكينكم، ولتحقيق تفوّقكم واعتلائكم قافلة الحضارة)
 
{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِِنِِينَ} (سورة آل عمران، الآية 139)
 
(ولكن هذا الوعد التأييدي، وهذه المعيَّة وهذه المؤازرة الإلهية كلها مشروطة بالتزامكم بالوفاء بكل مواثيقكم الإيمانية، بداءة مع الله، بأنه هو صانع التاريخ، وأنه هو وحده من يملك القدرة على تحريك الأحداث كيف يشاء، فلا يتسرب أدنى شك إلى توكلكم عليه، ولا إلى ثقتكم الكاملة في أن ما يعِدكم به سيتحقق لا محالة؛ كما أنها مشروطة ثانيا بإيمانكم بخيار الإسلام، وبأنه يلزمكم بواجبات التمسك والتصديق بأفضلية منهجه وفق القناعات والمبادئ والأسس الإيمانية، ووفق النفسية والسلوكيات والأخلاق، ووفق روح الممارسة الحياتية والأخذ بأسباب التعبئة المادية التي سار عليها رسولكم [ وأصحابه، وأن لا تتخلوا في أي لحظة عن هذا المنهج الإلهي، لتطيش خطاكم أو تنبهر ظنونكم وأهواؤكم فتميل إلى غيره من الأديان والطواغيت والتيارات الفكرية البشرية أو القوى السياسية؛ وهي أيضا مشروطة ثالثا بإيمانكم وبثقتكم الكاملة بأنفسكم وبقدراتكم، وبأنكم باستيفائكم بهذه الالتزامات تجعلون الحق في صفكم وأن غيركم في صف الباطل؛ ومشروطة رابعا بإيمانكم ويقينكم التام من أن علوكم وتمكينكم وريادتكم متحققة ذات يوم، وإن تأخرت شيئا من الزمن)
صفحة 2
الإهداء
 
إلى أبي··
 
الذي كان يبتهج إذا سألته مالا لأشتري به كتابا أو قلما أو دفترا
 
وكان يفرح إذا قرأت له شيئا من الكتب أو المجلات التي اشتريها
 
وكان يشعر بالسعادة إذا كتبت موضوعا أو رسمت صورة
 
أبي··
 
الذي علمني أن المدرسة محراب
 
والذي علمني أن المعلم إنسان نبيل
 
والذي علمني أن العلم باب الحقيقة، وأن الكتاب هو مفتاح ذلك الباب
 
والذي علمني أن القلم صوت ومرآة وضمير ورمح
 
والذي علمني أن الكتابة مسؤولية وأمانة وساحة تضحية
 
أبي··
 
أول من أسمعني قول الحق تباركت أسماؤه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}
 
فعرفت أن الطريق إلى الله يكون بالإيمان، وأن الطريق إلى الإيمان يكون بالإسلام
 
وأن القرآن هو طريق الإسلام، وأن الطريق إلى القرآن يكون بالعلم
صفحة 3
السطور الأولى(*)
 
تطلق العرب على الأعوام التي تتميز بأحداث استثنائية أسماء تستبقيها في الذاكرة، كعام الفيل وعام الرمادة وعام الطاعون وهكذا، ولو استعير هذا التقليد للعصر الحديث الذي تسلط التضخم فيه على كل شيء، حتى صار اليوم بقيمة عملة الزمن كساعة والأسبوع كيوم والشهر كأسبوع والسنة كشهر؛ فإن التقليد المناسب سيستدعي إطلاق تلك الأسماء على العقود وليس الأعوام، ولجاز بعد ذلك للمسلمين أن يطلقوا على أول عقود الألفية الثالثة عقد القربان، لأن أمتهم بلا استثناء سيقت أمام البشرية قربانا لخطيئة الإرهاب التي لم تقترفها يداها، وجرت جريمة ذبحها وتقطيع أشلائها على منحر التاريخ على صدى قهقهات ذوي الأعين الزرقاء والشعور الشقراء وتصفيقهم ورنين أنخابهم، وعلى صمت الدنيا بأسرها، لأن القرابين- ولا سيما في شريعة الغاب الأمريكي- لا تستحق الرحمة، ولا يحق لها أن تنطق، أو أن تُمنح فرصة الدفاع عن نفسها·
 
ولولا أن أمريكا لها تعريفها الخاص للإرهاب، وأن هذا التعريف الماكر هو الذي وضع المسلمين في قلب العاصفة، لكانوا كغيرهم من الأمم والشعوب مجرد متفرجين لا قرابين، ولَمَا كان يعنيهم من أمر الإرهاب إلا ما يهدرون به أوقاتهم أو يقتلون به الملل وهم يتابعون على وسائل الإعلام نشرات الأخبار المشبعة بالكثير من التلفيق وبأقل القليل من الحقيقة؛ ولكن ذلك التعريف الأصولي المتطرف(1)، ومعه الطرح الإعلامي المتشدد وغير الحيادي وغير الموضوعي، هما اللذان سحرا أعين الناس واسترهباهم، وأظهرا المسلمين كطائفة من البشر احترفت الإرهاب كجزء من هندستها الجينية ومن طقوسها اليومية ومن نفسيتها الخاصة؛ وبنفس أسلوب الخدع والألعاب السحرية أظهرا شعوبا ومجتمعات أخرى كأمريكا وعقلها المفكر إسرائيل على أنها حمائم للسلام وللديموقراطية وللمدنية الحديثة، مع أن إيقاد نيران الحروب والولوغ في دماء الآمنين هو جزء من عقيدتهما واستراتيجيتهما، ومن طقوسهما اليومية ومن هندستهما الجينية ومن نفسيتهما المعقدة، بل ومما تلهج به ألسنة سياسييهما ومواقفهم المعلنة في كل شاردة وواردة، وكأنهما أوصياء على هذا الكوكب بتفويض إلهي·
 
ومع أن المسلم المعاصر لا يصلح أبدا أن يعتبر نموذجا أو مثالا للفرد المسلم من أي جهة أتيته، سواء من حيث صلابة الإيمان وصحة المعتقد، أو من حيث فهم التصورات والمفاهيم والقيم الإسلامية الضابطة لحركته الحضارية واستيعابها، أو من حيث التطبيق الأخلاقي والسلوكي والتعامُلي؛ كما أن المجتمع المسلم بِبُنيانه المؤسسي لمؤسساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأساليب ممارساتها ومرجعياتها التشريعية، هو كذلك نموذج أو مثال في غاية الرداءة للمجتمع المسلم، لكونه من حيث الممارسات ومفاهيم العمل والتنظيم المؤسسي وأخلاقياته أقرب لغير الإسلام منه لأن يكون مجتمعا مسلما ملتزما؛ ومع أن المسلمين كأمة في هذه الحقبة التاريخية بلا غطاء سياسي واحد يجمعهم، وبلا شوكة يذودون بها حتى عن أرواح أطفالهم وأسوار بيوتهم وشجيرات بساتينهم، وبلا تصور متجدد للنموذج الحضاري الإسلامي العالمي باعتباره بديلا وخيارا آخر وتحديا استراتيجيا للحضارة المادية المثخنة بالمثالب؛ مع ذلك كله، فإن هذه البضاعة الرديئة لم تشفع لا للفرد ولا للمجتمع ولا للأمة المسلمة للاستثناء من حملات الاتهام، ولدرجة الإدانة بالعمل على تقويض أركان الحضارة الليبرالية ومظاهر الديموقراطية والثقافة الغربية؛ بل كان المسلمون فريسة سهلة المنال بالنسبة للإعلام المنحاز لدرجة التبلد أو إدمان الانحياز العدائي، لأن تلك العناصر الإسلامية، الفرد والمجتمع والدولة، كانت كما اشتهى ذلك الإعلام مثالا واقعيا غنيا بالعيوب والنواقص والقصور والانحرافات والأخطاء والتخلف والتزمّت والجمود، وكلها أشياء مطلوبة من قبل الخطاب الإعلامي المغرض للتدليل على مصداقيته، ومطلوبة من قبل الأجندات الخفية لاستخدام نماذج الفرد المسلم والمجتمع المسلم والدولة المسلمة رصاصات أو ذخيرة حية تصوبها إلى صميم الإسلام، للتشكيك فيه كله كدين سماوي، وللقدح فيه كمنهج حياتي، ولإلغائه من الحسابات البشرية كنموذج حضاري قابل للتطبيق، ومن ذاكرة التاريخ كتجربة كانت ناجحة ومتميزة بكل المقاييس؛ ولكي يتحول المسلمون والعرب منهم بالذات، بعد الانتهاء من عملية الإلغاء إلى كائنات حية ليس لها أُحفوريات تاريخية، وليس لها بالتبعية أي مستقبل في الصالون الأرستقراطي للتاريخ، لا أهمية إلا لأرضهم المكتنزة بالثروات الطبيعية، وبالاستراتيجية الجغرافية والعسكرية·
 
وبهذا انقشع غبار الحرب على الإرهاب عن أعتى جبهتين كانتا وراء تحريض آلة الإعلام- بما فيه الإسلامي- وتسخيرها لحشو الرعب والكراهية في أحداق بقية البشر من مخاطر انحراف أو انفلات ذلك النموذج الأخلاقي والفكري، وبالتالي إعطاء الجلاد الأمريكي كل المسوغات اللاأخلاقية وغير القانونية لتقديم الإسلام والمسلمين قربانا لآلهة الليبرالية والصهيونية العالمية؛
 
الجبهة الأولى:
 
كانت أجهزة الاستخبارات التي اخترقت صفوف المسلمين، وأثبتت أنها لم تكن كالبنيان المرصوص، ثم عملت على توظيف خلافاتهم الفكرية وصراعاتهم وتشظياتهم السياسية وفوارقهم الاجتماعية وانحطاطهم الحضاري، مستغلة حالة انعدام الوزن بين الواقع والمنهج، ولم تجد أدنى صعوبة في انتقاء عناصر من بين تلك الصفوف المتشققة، قبلت أن تكون دمى خشبية تحركها خيوط أجهزة الاستخبارات وأصابعها(2)؛ وهكذا هي الدمى الخشبية دائما، متبلدة بلا روح، ومشلولة بلا قوة داخلية دافعة، بل هي مستسلمة للخمول الحركي والعقلي الذي يعطل كل طاقاتها الكامنة للمبادرة الإيجابية، ويحد من قدرتها على التفاعل مع حركة الأحداث التي تدور من حولها، لا بصناعة الحدث ولا برد الفعل المُساوي للفعل في المقدار والمضاد له في الاتجاه، وبذلك تظل خاضعة لسيطرة الطاقات أو القوى المحركة الخارجية، التي تتحكم في أفعالها وردود أفعالها وتسيّرها وتسخّر طاقاتها وتبرمج توجهاتها وقناعاتها الفكرية وفق مصالح تلك القوى الخارجية لا مصالحها هي، بل إن تلك الدمى المغيّبة عن وعيها لا تستطيع أن ترفض أيا من هذه البرمجة الخارجية ولو كانت متعارضة أو حتى مدمرة لمصالحها، أو أن تمارس عليها أي نوع من انتقاءاتها أو خياراتها الذاتية·
صفحة 4
الجبهة الثانية:
 
كانت طابور المرجفين أو أبواق الليبرالية الغربية من العلمانيين واللادينيين والتنويريين والحداثيين، وقليل من المسلمين المحبطين اليائسين، إذ عمدت هذه الجبهة إلى إسقاط الحاضر الرديء للفرد وللمجتمع وللأمة على المنهج كأصل، وعلى التاريخ كممارسة، وأجرت محاكاة غير منهجية وغير موضوعية بل ومزورة للتدليل على مقولاتها الفاسدة واستدلالاتها المسروقة بلا خجل وبلا أمانة علمية من أجندات المستشرقين وآرائهم المريضة، محاولة بذلك أن تضرب عدة عصافير بحجر واحد، ازدراء الأصل، والتبرؤ من الواقع، والتزلّف لأوثان الليبرالية الغربية استجداء لجائزة عالمية أو صيت فكري وإعلامي أو نفوذ سياسي؛ يقول د· عبدالحليم عويس: وأسوأ ما يصيب المجتمع- وهو يواجه عملية التفاعل أو التغيير- أن يصاب بالشلل من داخله، ويقع ذلك عندما ينجح العدو الحضاري في اختراق كيانه، وتحويل بعض أعضائه إلى حَمَلة لأفكار الخصم وحُماة لها(3)؛ لقد بلغت الوقاحة والجرأة بالكثير من هذه الأقلام والأصوات والأعمال الفنية التي وجدت من الأنظمة السياسية الإسلامية الفاقدة للونها وطعمها ورائحتها حضنا دافئا وسياجا واقيا، ووجدت من إعلامها البوقي نافذة تتقيأ منها على الإسلام والمسلمين كل القاذورات التي تغذت عليها كالسائمة من قمامات الثقافة الغربية ونفسيتها المريضة، واعتبرت حالة الاعتلال التي يعيشها مجتمعها الأم مبررا لخيانته ونهش لحمه وهتك عرضه، ولم تكتف هذه الزمرة الفاقدة لأدنى حدود الشرف والنخوة والمروءة بهذا الحد، بل نصَّبت نفسها بنفسها رائدة للحضارة وللحرية وللثقافة وللفن وللتطوير وللعصرنة وللتنوير وللحداثة(4)، وهي ليست أكثر من عصابة لصوص جاءت تبيع عنوة مسروقاتها الرديئة جدا في سوقٍ لا تحتاج إلى مثل هذه الأشياء، ولن تحتاج إليها أبدا·
 
ومع ذلك، فإن من يتحملون مسؤولية تربية المسلمين وبنائهم الحضاري، من العلماء والدعاة والمصلحين الذين حملوا شعار الإصلاح والنهضة(5)، فشلوا- حتى الآن- في نصب علامة فارقة على طريق المواجهة الحضارية، والوقوف في وجه هذا المدّ اللاأخلاقي من عدة أوجه، فالذين استُدرجوا منهم بدهاء شديد إلى فخ العمل السياسي لاستثمار أخطائهم وانحرافاتهم المتوقعة، وكأن سائر السياسيين في العالم هم حواريو أنبياء، فشلوا إما بسبب عدم نضوج تجربتهم السياسية أو لأنهم لم يتعلموا فنون اللعبة السياسية، أو ربما نجحوا، ولكن النظام العالمي والآلة الإعلامية ذات العين الواحدة حوَّلا ذلك النجاح إلى فشل بفعل فاعل، فكان ذلك سقوطا لهم في الاختبار التطبيقي أمام الأمة، وعملية حرق ممنهجة لكل أوراقهم، وإما لأن الكثيرين أيضا نسوا رسالتهم الحقيقية، وتاهوا في غابة السياسة بحثا عن النفوذ والثراء والأضواء، أو لأنهم استسلموا لأساليب إعادة البرمجة كما يقول العلامة الفرنسي بورغا·
 
وأما الذين صمدوا من أولئك العلماء والدعاة والمصلحين في حلقات العلم والوعظ، ولم تخدعهم إغراءات النفوذ السياسي والمناصب الإدارية والبريق الإعلامي، فقد ظلوا يدورون حول أنفسهم، ولم يكلفوا أنفسهم عناء الخروج إلى الشارع الذي دارت فيه كل معارك اقتلاع الإسلام من صدور المسلمين، وكأن تخوم العالم كانت تنتهي بالنسبة لهم عند باب المسجد أو داخل حلقة الدرس، فلم يتعايشوا مع الواقع، لا واقع مجتمعاتهم التي ضربتها رياح التغيير والتشويه والطمس، ولا الواقع العالمي ذي المتغيرات البورصية؛ وتجمَّد أولئك الدعاة أو الوعاظ أو المربّون عند ظنّية أن التلفظ بالشهادتين هو مفتاح كهربائي، يكفي وحده بمجرد إشعاله لصنع مسلم بدرجة صحابي أو تابعي، أو بدرجة إمام من أئمة الفقه والحديث، أو خدّروا أنفسهم وتلاميذهم ومريديهم بالمواعظ والرقائق القصيرة والخطب ذات الصياغات التقليدية، أو بسرد الأخبار والقصص والسِّيَر بلا إسقاطات لها على الواقع، أو ببذل الفتاوى والآراء الفقهية على الهواء، بطريقة بريئة وسطحية على طريقة الخدمة الفورية أو الـ Take away، لأسئلة ملتوية وتافهة يطرحها مشاهدون أو مستمعون ماكرون أو مغرضون، ظنّا منهم أن ذلك يكفي لجعل الجالسين خلف أجهزة التلفزة والمذاييع أبرارا وصديقين وشهداء وصالحين، أو أن هذا الجهاد المتواضع هو تكريس لحضور الإسلام والمسلمين ومعايشتهم لمشهد الواقع العالمي، بينما كان معظم المستمعين يخرج من خطبة الجمعة أو من درس الفقه أو من المحاضرة الدينية أو يطفئ مذياعه أو تلفازه وهو لا يعتقد أن الاعتناء بنظافة ثوبه وبدنه وقلبه فريضة، ولا يفقه أن تزكية نفسه لتربية أهل بيته أو حسن معاشرتهم واجب، ولا يحسن أدب التعامل مع الناس، إن لم يكن يعتقد يقينا أن ذلك ليس من الدين في شيء، بل قد يصل به الأمر إلى أن يؤذي مسلما أو يشتمه أو يأكل ماله أو يهتك عِرضه متعمدا، ولا يبالي، ناهيك عن أن يعي ماذا يدور من حوله في هذا العالم الروبوتي العديم المشاعر والعديم الإنسانية والعديم الأخلاق، أو إلى أي المساقط يأخذ نهر التاريخ أمته؛ وبذلك فإن هؤلاء الدعاة والوُعَّاظ والمربّين لم يتعلموا- ولم يعلِّموا تلاميذهم بالتالي- بأن بلوغ الغايات يحتاج بالضرورة إلى استخدام الأساليب المناسبة، ولهذا فإنهم لم يطوروا لهم أساليب تربوية جديدة ومبتكرة تعينهم على تطبيق الأخلاق والسلوكيات وحتى العبادات، وغاب عنهم كيف أمضى الرسول [ ثلاثا وعشرين سنة يؤهل أصحابه ويعلمهم ويدربهم بكل الأساليب والوسائل التدريبية التربوية على تطبيق الإسلام وإسقاط تعاليمه على كل تفاصيل الحياة، إلى أن أوجد جيلا أو نشئا بانيا لحضارة·
 
وأما الذين حاولوا من العلماء والدعاة والمصلحين أن يتجرأوا، وأن ينظروا إلى القضية من زاوية مختلفة، ومع أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى مرتبة القيادة الروحية للأمة، والتأثير فيها وجدانيا وفكريا وسياسيا، فقد وقعوا بين مطرقة رائحة القضبان الصدئة، فلم تجرؤ الذبذبات الصوتية لطروحاتهم على تجاوز الكثير من الخطوط الحمراء التي كانت تقيد حركتهم وتكمم أفواههم وتكبل أقلامهم، وبين سندان القوالب التراثية التي حصروا أنفسهم في داخلها، دون أن يغامروا بمحاولة التطوير الذاتي والاستفادة من تقنيات العصر؛ فكان أن عجزوا عن مجاراة إيقاع الواقع المتمرد، وعجز خطابهم الديني عن إتقان اللغة التي يفهمها ذلك الواقع ويتفاعل أو يتجاوب معها(6)، فلم يجتذبوا إليهم إلا عوام الناس وبسطائهم، أما الطبقة المثقفة في المجتمع المسلم التي لم يحرك هذا الإغراء الباهت فيها ساكنا، وتقززت من مخالطة أولئك البسطاء وأصحاب اللحى والأثواب القصيرة، فقد طارت بها أجنحة الخيلاء نحو نيران الثقافة الغربية المتوقدة(7)·
صفحة 5
هذا الكتاب هو مجموعة مقالات، هي أقرب إلى كونها خواطر، وهي مزيج متمازج من مسائل الدين والثقافة والسياسة، باعتبارها تمثل القاسم الأعظم من الهمّ اليومي للمسلم العادي الذي يراقب آلام أمته بمتلازمة الحزن والعجز؛ هذه المقالات كتبتها ونشرتها على مدى زمني (2004 - 2010)، لتمثل نسقا فكريا ونفسيا، ومعايشة للواقع السياسي والفكري والاجتماعي والإعلامي الذي عانت منه الأمة الإسلامية خلال ذلك المدى الزمني رغم قِصره، مع أنني اضطررت كثيرا إلى تنقيح معظم هذه المقالات إلى حد إعادة الكتابة، ولكن دون التضحية بالأفكار والآراء والرؤى الأساسية المطروحة فيها؛ ومع ذلك فإن هذا الكتاب لا يمثل برنامج عمل، فالمجهود المبذول فيه أقل من أن يصل إلى هذه القمة العالية، أو المشروع الأمل الذي يحتاج إلى جهود وعلماء وتخصصات وضمائر حية وإرادات حديدية صادقة؛ أما ما يحتويه هذا الكتاب فهو بعض من الفتات المتناثر الذي يحاول أن يمثل ملامح فكرة أو خطوطا رئيسة لخريطة فكرة؛ ولهذا يظل الكتاب مجرد محاولة صغيرة وتجربة متواضعة ورسالة متلعثمة، ما يميزها أنها محاولة من مسلم عادي، وليست من عالم أو من فقيه أو من كاتب أو صحفي متخصص أو حتى من سياسي، ليكون الكتاب استدعاء حقيقيا لذاكرة ذلك المسلم العادي، واستجداء صادقا لحل مشكلاته اليومية، فكرية كانت أم فقهية، وإجابات أولية تُرضي شيئا من غرور تساؤلاته القديمة الجديدة:
 
1- كيف يرى المسلم العادي العلاقة التبادلية للتأثير والتأثر بين دينه وواقعه؟،
 
2- وكيف يستوعب المسلم العادي تواجده في عصر التناقضات بين الدين والواقع إلى حد التناحر؟،
 
3- وكيف يستثمر وضوح الرؤية ليخرج من دائرة اللامبالاة إلى دائرة التفاعل البنائي مع الواقع؟،
 
4- وأي نوع من التغيير ذلك الذي يتطلع إليه المسلم العادي للخروج من مأزقه الحضاري؟،
 
5- وكم تبلغ قوة ذلك التغيير بما يجعله يعيش واقعه كمسلم، ويمارس دينه كإنسان له مكانته وله تأثيره وله احترامه في وقت واحد؟·
 
في سطور هذا الكتاب، هناك أطراف من هذه الإجابات، ومع ذلك فإن الكثير من الإجابات ما يزال الغموض يحوم من حولها، مما يجب أن يعاد النظر إليه وأن يعاد تقديمه أو أن يعاد عرضه؛ ولهذا حاولت أن أعطي في هذا الكتاب نماذج متواضعة للإجابة على التساؤلات السابقة، ولذلك جعلت الكتاب في قسمين:
 
القسم الأول: عن واقع الإسلام والمسلمين ومستقبلهم برؤية مختلفة
 
القسم الثاني: نماذج من الفهم المختلف للإسلام
 
وفي رأيي أن ذلك لكي يحدث، سيحتاج إلى تفعيل مصدرين من مصادر الطاقة الإبداعية في المنظومة الإسلامية:
 
الأول: هو القرآن، لأنني أعتقد مؤمنا ومتيقنا وجازما بأن القرآن هو الذي يحمل في جوفه كل التفاصيل الضرورية لتصميم خريطة الطريق للخروج من متاهة المأزق، وبأن هذا الخطاب الرباني الكريم المعطاء يحتاج من المسلمين إلى عودة وإلى إعادة اكتشاف، لقراءته وتأمله وتدبره وفهمه بطريقة استكشافية تمكّنهم من استخراج مكنوناته من الثروة الحقائقية، ولاستلهام الحلول الحضارية، ولاستضاءة محددات المشروع أو النموذج النهضوي وأدواته؛ لهذا بذلت كل جهدي للاستشهاد بآيات القرآن العظيم في الموضوعات التي تعرضت لها في كتابي هذا لأنني وجدت فيه الكثير من الإجابات الملهمة لكل الأسئلة الحائرة، ووجدت في السنة المطهرة مثل ذلك، لأنها الوحي الشارح والمفصل والمفسر والمبيّن والموضّح للنص القرآني؛
صفحة 6
والمصدر الثاني: هو علماء المسلمين وفقهاؤهم ومفكروهم ودعاتهم، لو تعاملوا مع الواقع بواقعية ومعايشة واحتكاك، لا بخيالية وعدائية وجفاء، فهم اليوم في حاجة اليوم إلى أن يخرجوا قليلا من أجواء أنفسهم، ومن جو الواقع الإسلامي أو نموذج الإسلام التطبيقي الذي اعتادوا أن يعيشوه وأن يمارسوه وأن- ربما- يؤثروا فيه ويتأثروا به، لكي يتأملوا ذلك الواقع ولكي ينظروا إليه، تأملا أو نظرا فاحصا وتشخيصيا وناقدا وتقويميا، ولكن من خارجه، أي أن يمارسوا كل ذلك من خارج إطاره المعتاد كتركة تاريخية وكموروث ثقافي وكعادات وتقاليد أو كطقوس وعبادات فردية، أو حتى كروتين تعبُّدي معتاد مما تعودوا على اجتراره وتنفُّس هوائه، ثم يحاولوا أن يعيدوا فهمه وأن يعيدوا ترتيب أوراقه بطريقة جديدة، بمعنى أن يحددوا نقاط القوة والضعف فيه بموضوعية(8)، وأن يتحقق نوع من التبادل والتخصص المعرفي، فيتعلم الفقيه الاقتصاد ليوجد الفقيه الاقتصادي كما يتعلم الاقتصادي المسلم الفقه ليوجد الاقتصادي الفقيه لكي تتكامل الجهود وتتقوى وجهات النظر وتتفق الآراء، وأن يمارسوا بعد ذلك مغامرة إعادة تقديم الإسلام من جديد بمنهجية، لأنفسهم أولا قبل تقديمه للبشرية كدين وكمنهج حياة عالمي، وذلك من خلال الغوص في معطيات واقعهم إلى ما هو أعمق من صورة السطح غير المكتملة، ومن خلال الإقدام على تجربة استشراف المستقبل، بدلا من انتظار نتائجه وبناء ردود الأفعال أو الانفعالات وفقا لمحدداتها·
 
إن مشكلة الإسلام اليوم كمنهج حياتي وكخيار حضاري ناشئة من المسلمين أنفسهم، وهذه المشكلة هي التي تلقي بظلالها الثقيلة على طريقة التقديم والعرض، ليس لغير المسلمين فحسب بل وللمسلمين أنفسهم؛ وهذا العجز المزدوج عند المسلمين،
 
أولا: عن الفصل بين المنهج والواقع التطبيقي بأسلوب منهجي؛
 
وثانيا: عن ابتكار طفرة تطويرية في أسلوب التقديم بما يتناسب مع ثقافات الناس ومستويات تعليمهم ومفاهيمهم وظروفهم وأساليب تكوين قناعاتهم وأقصر الطرق المؤدية إلى عقولهم وقلوبهم، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حدِّثوا الناس بما يَعرفون، أتُريدونَ أنْ يُكذَّب الله ورسوله(9)؛
 
هذا العجز المزدوج هو الذي جعل الإسلام يبدو متخلفا ومتقاصرا عن مجاراة غير المسلمين في طروحاتهم العالمية الكبرى، وعن الخروج من قمقم الفتاوي الدينية الفردية، وعن ابتكار حلول حياتية إسلامية، إلى الحد الذي جعله غير مرغوب- حتى من قبل أبنائه ومعتنقيه- في أن يتجاوز حدوده ليتدخل في هذه الشؤون، وعلى ظهر هذا التقصير راجت المقولات والأغلوطات الرافضة والمناوئة للدولة الدينية ولتديين السياسة بل وللمجتمع الديني، انطلاقا إلى سجن الإسلام بين جدران المساجد·
 
وأيا ما كان العجز ناشئا من قصور فكري أو إبداعي أو إدراكي، أو من الخوف من التقوّل على الله بغير علم، أو من الخوف من ردود الأفعال الغاضبة والمرتجعة من الواقع المعتلّ، فإن المحاولة ستظل أمانة، وسيظل ناتجها رأيا قابلا للأخذ أو للرفض أو للبحث عما هو أفضل منه، لأن الرأي- أيا كان مصدره- لا يبرح مكانه الدائم في قفص الاتهام، لأنه يظل عملا بشريا، ولو اعتمد على المعادلات والأصول الفقهية في تقريراته، وستبقى مقتضيات الزمان والمكان هي الحكم في الأخذ بنتيجة تطبيق المعادلة أو الاستمرار في البحث عن الأصوب والأفضل والأنسب والأجدى، وستبقى الهبة الربانية سارية ومحفِّزة ومستحَقة للمجتهد، المصيب له أجران والمخطئ له أجر واحد؛ وهنا تتبادر مسألة الوسطية، والحقيقة أن الإسلام لا يعاني من إشكالية الوسطية لأنها جزء من بنائه التشريعي وتكوينه المنهجي، ولكن الوسطية ستظل إشكالية المكلَّفين الذين لا يميزون بين الوسطية الشرعية كقناعة إيمانية وعقلية وكممارسة سلوكية منضبطة بين التشدد والتهاون أو بين الإفراط والتفريط أو بين الغلو والتساهل، وبين الوسطية الحديثة أو المتعصرنة، كإسلام مبتكر أو كدين جديد وكعقلية تأسيسية متفلّتة، تعني خلط المأمور به شرعا بالمُستمزَج وبالمُستهوَى وبالمُشتهَى، وخلط المباح بالمحرم، وخلط غير الإسلام بالإسلام، وتعني أيضا خلط النص المقدس بهذيان الهوى والخيال وهلوسات الظنون والتخمينات؛ والمحصلة أن المسلم العامي الذي يتمسك الآن بالإسلام بخيوط العاطفة الإيمانية والتقليد الفقهي، لن يجيد التمييز بين وسطية الحق والاستمساك وبين وسطية التلفيق والتنصل، سيقع حتما ضحية الخروج والتحرر، ولكن من دائرة الإسلام، وبهذا لا يخسر الإسلام فردا من أتباعه، بل يخسر طاقة قابلة للتحول من حالة الكمون إلى حالة التفجر·
 
عبدالعزيز خليل المطوع
 
ذو الحجة 1431، تشرين الثاني (نوفمبر) 2010
 
(*) نشر الجزء الأول من هذه المقدمة كمقال بعنوان: الدمى الخشبية والقضبان الصدئة في صحيفة البيان الإماراتية، العدد 10293، 22 شعبان 1429 الموافق 23 آب (أغسطس) 2008·
صفحة 7
قلوب على حافة الجنون
 
(النزعة الفردية عند المسلمين، وشكل العمل التعبدي والسلوكي المنعكس عليها)
 
مئات الآلاف من الحجّاج المسلمين الذين راحوا ضحية الأحداث الكارثية التي وقعت أثناء مواسم الحج، كانوا هم أنفسهم من وضعوا هذه النهاية المأساوية لحياتهم، أو تسببوا في أن يمضوا بقية أعمارهم وهم يحملون بإعاقاتهم ذكريات اللحظات المخيفة والأليمة؛ ومع ذلك، بقيت الجهود الرسمية والشعبية تتحمل إصر هذا النزيف الدامي، باختيارها أيسر الطرق في مهمة البحث عن التبريرات والمسببات، واعتيادها توجيه أصابع الاتهام إلى الاستعدادات وإلى الإمكانيات وإلى ظروف المناخ، أو إلقاء اللائمة على محدودية المكان أو طبيعة الحركة فيه أو حجم الكتلة البشرية أو تناثر الثقافات؛ وكلها تبريرات ومسببات وأعذار تتنصل بها من المسؤولية أو تتبرأ منها بطريقة مكشوفة، أو تحاول الهروب من باطن المشكلة إلى سطحها، أو من أساسها إلى فضائها الخارجي.
 
1· بين التشنج والخمول
 
ولأن بوصلة المحاولات التشخيصية والعلاجية أخطأت اختيار اتجاهها الصحيح نحو أصل المشكلة، لهذا كانت الحلول دائما ما تأتي كمالية أو تجهيزية، لا تعالج أصل المشكلة وإنما تعالج أطرافها الخارجية، فما دام الحجيج يتدافعون ويتزاحمون عند رمي الجمرات مثلا، فالحل إذن في زيادة الطاقة الاستيعابية للمكان، وبعدما تُنفَق مئات الملايين على التوسعة، يعيد الحجيج مشهد التدافع مرة أخرى وتتكرر الكارثة أو الأزمة مرة أخرى، وتبدأ الاستعدادات لتوسعة جديدة؛ وهكذا تتواصل فصول المأساة لأن القناعات الحائرة لم تستدل على الحل إلا في تحويل أمكنة المشاعر المقدسة إلى كتل خرسانية قبيحة، لتغدو أمكنة بلا تأثيرها الروحاني النابع من بساطتها وطبيعتها الحقيقية وخصوصيتها الجغرافية؛ والحقيقة أن الحل الواقعي والجذري كان على مرمى حجر، لو أن عُشر معشار ما أُنفق على تشييد الهياكل الكونكريتية وجد طريقه نحو النفسية المسلمة والعقلية المسلمة، إذن لوجد المسلمون أن جذور المشكلة أو الأزمة عميقة ومتشعبة بطريقة شيطانية وعشوائية داخل تلك النفسية، التي تتنازعها:
 
* إما طاقة مجنونة من التشنج الإيماني والتشدد التطبيقي والتوتر السلوكي والأخلاقي، وهي طاقة معطلة ليس لها حراك أو ناتج إيجابي، لأنها تتوقف عند حد الزهو بالإنجاز الشخصي من الأداء التعبدي، وأكثره موجه للعبادات الشكلية الظاهرية كالملابس والمظهر العام للشخص وللعبادات غير الخفية، ثم تُنصّب هذه الفئة نفسها وصية على الفئة المقصرة وغير المتدينة أو غير المتظاهرة بالتديُّن، وتتشاغل بإحصاء أخطائها السلوكية والفكرية، وتكتفي بغبطة تواجدها خارج تلك المنطقة الموبوءة، وبقياس مدى قرب الفئة الأخرى أو بعدها عن الكفر وربما الجنون·
 
* أو خمول أبلهٌ من الفتور الإيماني والارتخاء التطبيقي واللامبالاة السلوكية والأخلاقية، وهي أيضا طاقة خاملة ومعطلة، لأن اهتماماتها الدنيوية تفوق اهتماماتها الدينية والأخلاقية والقيمية، وهي تتوقف أيضا عند الغرور بالمكاسب الدنيوية التي حققتها، ومع ذلك فإن هذه الفئة لا تتردد عن تنصيب نفسها مقيّمة للفئة المتدينة، فقط لأنها لا تواكب عصرها في استخدام أدواته ومنتجاته العصرية أو تستخدمها بحذر وارتياب، وأيضا تتشاغل هذه الفئة بإحصاء أخطاء الفئة المتدينة السلوكية والفكرية، وبقياس مدى قرب الفئة الأخرى أو بعدها عن الجنون وربما الكفر·
 
وكلتا الحالتين تصيب المسلم الذي ينزلق إلى دائرتهما بالعجز عن إدراك ماهية تجديد التزامه الإيماني وترشيده، أو تجعله يتجاهل معنى ضبط حركته الميكانيكية ومشاعره السلوكية أثناء أدائه التعبدي بحيث تتوافق مع معطيات ذلك الالتزام، أو تدفعه إلى تناسي النتائج والثمرات التي مارس العبادة من أجلها؛ وبسبب حالة اللاوعي هذه، يتغافل المسلمون عن إدراك أن فهم الدين واستنباط الحلول منه ليس هدفا نهائيا مطلوبا لذاته، ولكن للتطبيق والممارسة، كما أن التطبيق ليس مطلوبا لذاته، ولكن للحصول على النتائج، ومع ذلك فإن النتائج أيضا ليست مطلوبة لذاتها فقط، بل ابتغاء القبول والمثوبة عند الله.
 
2· نار بلا حطب
 
بهذا التصنيف تنحاز الغالبية العظمى من المسلمين إلى أحد جناحي هذا التطرف، وعند نفس الحافّتين أو الهاويتين تتساقط المشاكل وتتأزم المآزق بجميع أشكالها وأحجامها واتجاهاتها، وهذا ناتج عن انخفاض مستوى الثقة أو الاعتمادية على البيانات والمعلومات والحقائق الدينية المخزونة في الذاكرة، فقد تكون ناقصة أو محرفة أو مشوشة أو غامضة أو مغلوطة أو مزورة أو مكذوبة أو ملفقة، وبهذه المدخلات الناقصة أو الخاطئة لا يمكن الحصول إلا على مخرجات سيئة أو غير صالحة للاستخدام، أو مؤدية إلى الخوف من التقصير وتفويت فرصة الاستثمار التعبدي إلى درجة الإصابة بالتوتر، ومن هذا التوتر تتولد العدائية التعبدية، التي تدفع شابا مكتنز البنية أثناء الطواف حول الكعبة، وهو مكان الانقطاع عن الدنيا والخشية والخشوع والخضوع والتذلل والانكسار والرجاء والأمل، إلى أن يتناسى أو يتجاهل كل تلك الأجواء الروحانية، ويفشل في استثمار فرصة التقرب والاعتذار والطلب، ليوجّه كل مشاعره النفسية وتركيزه الذهني ويستغل قوته البدنية في تَخطّي أكتاف الطائفين لدرجة تعمُّد إيذائهم جسديا وربما لفظيا، وهو في هذه الأثناء لا يفكر إلا في الانتهاء من أداء الشعيرة بأي كيفية كانت، ولو لم يذكر الله فيها إلا قليلا، بل ربما دعاه الأمر إذا ما اشتد الزحام إلى وطء المتعثرين أمامه ولو كانوا عجزة أو مرضى أو كبارا في السن·
صفحة 8
هذا المسلم يضع نفسه في هذه النتيجة المؤسفة، لأنه يمارس اصطناع الأفعال التعبدية على ظاهرها الحركي، ولكنه لم يتهيأ لهذا الموقف بقوله [: إن الله قال: مَن عادى لي وليًّا، فقد آذَنْتُهُ بالحرب، ··(10)، فلا يبادر بالإيذاء، كما أنه لم يتهيأ له بقوله عليه الصلاة والسلام: من فرَّج عن مسلم كُربة من كُرَب الدنيا، فرَّج الله عنه كُربة من كُرَب الآخرة؛ ومن ستر أخاه المؤمن في الدنيا، ستره الله في الآخرة؛ والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه(11)، فيبادر إلى مد يد العون، ولو تهيأ للموقف نفسيا وأخلاقيا وسلوكيا بمثل هذه التعاليم النبيلة، لأدرك أنه هو ومن يعاني من التعثر والسقوط شركاء في ذلك التعثر والسقوط، لأنه عضو في مجتمع فريد يتقاسم الناس فيه كل شيء، من كسرة الخبز إلى وخزة الألم؛ وأما إذا لم يتهيأ لهذا الموقف علميا أيضا، ولم يتفقه إلى أن كف الأذى أيا كان أعظم قُربة من أي طاعة أيا كانت، فإنه لن يخرج من أجوائه التعبدية إلا بحالة نفسية وإيمانية مهترئة ومثخنة بالثقوب، إلى درجة أن يتفاقم في داخله الشعور العدائي تجاه المسلمين، ثم يستمر في ممارسة بقية مناسكه وعباداته وسلوكياته بنفس النزق، حتى يكاد قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةُ نَاصِبَةٌ، تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً}(12)، أن يشمله بهذا الوعيد المرعب؛ وفي هذا الجو النفسي المتكهرب لا يمكن لهذه النفسية المتنمرة ذات الجلد التمساحي أن تستشعر ملامسة توجيهات الرسول [ وكلماته الحنونة للصائم: وإِن امرُؤٌ قاتَله أو شاتَمه، فليَقل: إني صائم، إني صائم(13)، ولا أن تؤوب فورا إلى مفاهيم هذه الحديقة الأخلاقية، لتدرك أن نار البغضاء لا تنطفئ إلا بِقَطْع حطب الغيظ والغضب والتوتر عنها.
 
3· الفجوة الشريرة
 
هذه الروح العدائية هي ذاتها التي تصدى لها الرسول الكريم [ عندما همّ بعض الصحابة بإيذاء الأعرابي الذي تبوّل في المسجد، لأن رد الفعل الفوري والتلقائي من جهتهم بإزاء المخالفة التي ارتكبها الأعرابي من جهته وعن جهل، كان متولدا من الجهل بالحكم الشرعي، ومن الجهل بالتصرف السلوكي الحضاري والإنساني الملائم، فكان الاحتكام إلى الاعتداء الجسدي نتيجة طبيعية، لحكم مبني على الانطباع النفسي، وليس إلى القواعد الأخلاقية والسلوكية؛ وهي نفس المشاعر العدائية التي عبّر عنها الرسول وهو يتوعد قريشا بالانتقام المدوّي، أمام مشهد عمّه حمزة رضي الله عنه عندما مثّل الكفار بجثته الشريفة في غزوة أُحُد، ولكن التوجيه الرباني لم يمهل هذه المشاعر العدائية طويلا لتعكر صفو هذا القلب الرحيم، وتُشوش صورة الرسول الإنسان، فجاءه الوحي بالعلم أو بالقواعد الأخلاقية والسلوكية التي يجب أن يحتكم إليها عند هذا الموقف المستجد وأمثاله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ، ··}، ولكن مهلا فالأمر لم ينته عند توقيع العقوبة، فما يزال هناك ما هو أفضل من العقوبة: {·· وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ}(14)؛ إنها نفس التربية ونفس المثاليات السلوكية الإيجابية التي لَفَت المولى عز وجل انتباه نبيّه إليها في موضع آخر من القرآن بقوله: {·· وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، ··}(15)، وهي نفس التربية الإصلاحية البناءة التي امتدح الله المؤمنين الموقنين والملتزمين بها بقوله: {·· والكَاظِمِينَ الغَيْظَ، وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ، وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}(16)·
 
4· العلاقات الانطباعية
 
عدم العلم أو عدم الفقه أو الجهل بأحكام الدين كانت هي الفجوة الشريرة التي جعلت مسلم اليوم يبني علاقاته مع غيره بما فيهم إخوانه المسلمين بناءً انطباعيا، بمعنى أن العلاقة مع الآخرين تنشأ أو تتقوى أو تنهار إما لعوامل عاطفية أو شعورية أو نفعية، وكلها كما هو واضح عوامل مادية، مع أن المسلم منهيّ عن الانخداع بلمعان تلك الماديات الفاسدة والقصيرة الأجل والملطخة بالاختلاف والتكالب والطمع والمحاباة وقول الزور والحقد والحسد والتكبر والغرور والكراهية والسخرية والبخل والتدابر والقطيعة والتفرق، أو المؤدية إلى مجافاة الأخلاقيات المطرزة بالائتلاف والوئام والقناعة والنزاهة والتناصح والإيثار والتواضع والحِلم والعفو والتسامح والمحبة والاحترام والكرم والتآخي والتآزر، ومن هذا التأزم السلوكي تنضح هذه اللامبالاة عند الاحتكاك بالمسلم الآخر، فإما أن يؤذيه ولو أثناء العبادة، أو أن يهمله لدرجة أن لا يلقي عليه تحية السلام، بينما كان رد الفعل هذا سيأتي مغايرا لو تأكد له أن ذلك الشخص غير مسلم·
 
5· الفردية
 
انعدام العلم أو انعدام الفقه عند الفرد المسلم كان أيضا وراء نزعته الفردية للعمل التعبدي أو السلوك الأخلاقي، وهذه الفردية تتناقض مع دعوة الإسلام إلى بناء الروح الجماعية أو تشجيع الأداء الجماعي الذي تحتّمه جميع العبادات في الإسلام مع احتفاظ كل منها بخصوصيتها الفردية، فالصلاة مثلا علاقة فردية بين المسلم وربه، ولكن أداءها في إطار جماعي هو مضاعفة لنتائجها وحصادها؛ ومن ثَمّ كان العمل الجماعي يستدعي الالتزام بالإيقاع الزماني والإيقاع المكاني والإيقاع المعرفي (الفقهي) والإيقاع الحركي والإيقاع السلوكي والإيقاع العاطفي والإيقاع التنظيمي، وإن خلخلة هذا التناغم الإيقاعي عن مثاليته ولو بفعل أفراد قلائل تمسخ العبادة نوعا من الفوضى المتخفية والعبث المتنكر والجهد المجدب(17)، وإذا كانت مدافعة الأخبثين تحول دون قبول صلاة المرء، فكيف وهو يدافع أخباث الناس ونتاناتهم وقذاراتهم وغلظتهم وتوتّراتهم؛ وهذا ينطبق بالضرورة على الصوم والزكاة والحج والجهاد والدعوة والزواج والأضحية والاحتفال بالأعياد، وسائر المظاهر والأشكال التعبدية في الإسلام؛ ولهذا فإن المسلم الذي لا يستشعر أهمية العمل الجماعي ولا يتذوق متعته وثمراته في عباداته وسلوكياته ومعاملاته، فإنه يصاب بضبابية الرؤية وقسوة القلب، ويبدأ في الجنوح نحو الأخطاء والانحرافات، وقد ينمّي في داخله الشعور العدائي تجاه بقية إخوانه المسلمين، وربما تطور هذا الشعور في مراحل متأخرة إلى ممارسةٍ أو اعتداءٍ أو إيذاءٍ مادي أو معنوي ولو لأقرب المقربين أحيانا، وربما بدأ في توسيع رقعة هذه العدائية إلى كل ما هو إسلامي، وبذلك فإنه يستبقي قشرته الإسلامية، ويتملص من جوهره الإيماني القائم على الحب في الله والبغض في الله.
صفحة 9
6· بلا حساسية وبلا ذوق
 
وبسبب الجهل أو عدم العلم أيضا لم يسائل هذا الصنف من المسلمين نفسه ذات يوم، لِمَ قال الرسول [: من أكل ثُوما أو بَصلا فَليَعتزِلنا، أو لِيَعتزِل مسجدَنا، ولْيَقعُد في بيته(18) ولو كان عند آكل الثوم والبصل ومدخن التبغ ذرة من الفقه لأدرك أن مشاعر المسلم وذوقه أشياء مقدسة، وأن الاستخفاف بتلك المشاعر والأذواق خطيئة، ناهيك عن إيذائها، وأن انتزاع المسلم من لحظات خشوعه واندماجه وصفائه الروحي وهو بين يدي الله تبارك وتعالى بتأثير الرائحة الكريهة أو بسبب الحركة الزائدة أو الأصوات الناشزة المؤذية أثناء الصلاة أو بسبب المرور بين يديه أمر ممقوت ومرفوض إلى مستوى التحريم، حتى ولو استدعت مواجهة هذا السلوك المنفر تغييب الفرد المسلم المتسبب في ذلك عن صفوف صلاة الجماعة وحبسه في بيته، ليس عقوبة لهذا الفرد بسبب أكل الطعام أو بسبب نشاطه الحركي المفرط والعنيف وربما المقزز، بل لأمرين آخرين:
 
الأول، لبَلادته وافتقاده للحساسية الاجتماعية التي تؤهله احترام مشاعر أخيه المسلم بكلّيته، من أدق الأشياء التي تتنافر مع ذوقه ومشاعره وأسلوبه الحياتي كالرائحة والقذارة والمزاحمة، إلى أي فعل آخر من شأنه أن يحرمه من استشعار الأجواء الإيمانية للعبادة وثمارها النفسية والسلوكية؛
 
والأمر الثاني، لأنانيته التي تستثير أو تستفز عدائيته المفضية إلى حد تعمّد الإيذاء البدني أو العقلي أو المالي أو المعنوي، فكان هذا عقابا معنويا له لإعادة النظر في ذوقه ومشاعره وأسلوبه الحياتي بما يتلاءم مع الحد الأدنى المطلوب.
 
7· تشوّهات تعبدية وثمار متخشبة
 
بهذه العيوب العلمية أو الفقهية، وبهذه الانحرافات النفسية، وبهذه الميول الفردية الغبية تبدأ عروق التشقق والتصدع في الانتقال من الأفراد إلى البنيان المرصوص للمجتمع المسلم، لتفكك روابطه وعلائقه، ويتأرجح المسلم على شفير أحد القاعين اللذين يضعفان نزعته الإيمانية، إما في تقليدية التقوقع والتشدد والتطرف في الرؤى، أو في حداثية الانفتاح وانتقائية التمدد والتحرر الانفلاتي لدرجة فقدان الملامح أو مغادرة الدائرة؛ أما جمود التشدد والتطرف فيسلبه القدرة على الخروج من الإطار المتزمت للكيفية التعبدية أو يجعله أسير الإيقاع الحركي الشكلي للعبادة، ولو جاء على حساب التفريط في النفحة الإيمانية والثمرات النفسية والقلبية للعبادة، فيلتفت المسلم إلى القشور الظاهرية من المستحبّات كالمزاحمة في الصلاة أو الطواف أو رمي الجمار، أو تخطي رقاب المصلين للوقوف في الصفوف الأولى للصلاة، والمجافاة بين عضديه أثناء السجود أو الافتراش في جلوس التشهد، ويهمل أو يُعرض عن الواجبات كالتودد إلى أخيه المسلم أو الترفّق به؛ أما انتقائية الانفتاح والتحرر وتجزيء الدين إلى مقبول ومتوائم مع الحداثة أو إلى منبوذ ومرفوض لأنه متضاد معها، فإنها تُخرجه تماما حتى من هوامش الصورة التعبدية، فلا يكاد يستشعر شيئا من الأثر الروحي ولا الدنيوي للعبادة، وعلى هذه الخلفية الجائرة والمتشوهة يبدأ هذا المسلم في التراخي عن تعاليم الإسلام وقيمه وأخلاقياته شيئا فشيئا؛ وما دام البنيان المرصوص متصدعا ومتشققا معنويا وأخلاقيا بهذه النماذج المشوهة من الأعضاء أو العناصر، فلن يجديه نفعا بعد ذلك كل محاولات جعله مرصوصا ولو بالإغراء المادي أو المعنوي أو بالتستر الإعلامي أو بالقرار السياسي أو بالأناشيد الحماسية·
 
وبهذا الانزياح إلى أيٍّ من أقصى الطرفين، يتيه المسلم في غثائية التفكك والتفرق والتشتت في الحقيقة، وتصنّع التماسك والترابط والتجمع في الظاهر، كما فضح المولى عز وجل جنون هذه العلاقة الهشّة بين المنافقين وأهل الكتاب بقوله: {·· تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ}(19)؛ وبذلك تتبدل وظيفة العبادة عند الطرفين وتتغير من كونها محطة استراحة وإعادة شحن بالطاقة الإيمانية، كما وصف الرسول [ الصلاة لبلالٍ رضي الله عنه بقوله: يا بلال، أقم الصلاة، أرِحنا بها(20)، لتصبح الصلاة عند هؤلاء حركات رياضية، ويصبح الصيام حمية غذائية، ويصبح الحج أسفارا وسياحة، وتصبح الزكاة ضريبة على الدخل، وتتحوّر كل العبادات والسلوكيات والأخلاقيات إلى طقوس وتشوّهات تعبدية وعادات اجتماعية وثمار متخشبة·
 
هذا الجنون، أو هذه النفسية المتأزمة، يجب أن تحاصر على محورين لانتشال المسلم من منزلقات التوتر والعماهة:
 
المحور الأول داخلي، وهو محور التربية الذاتية والتعلم والتفقه بالجهد وبالدافع الذاتي، ليستحثّ المسلم في نفسيته أثناء أداء العبادات أو السلوكيات أو المعاملات دوافع السكون والاسترخاء وهدوء المشاعر، وليعيد تشغيل مؤشر الضبط الإيقاعي عنده ليمارس هذه الحركة التعبدية، ويتفاعل معها على وجهها الإثماري؛
 
والمحور الثاني خارجي، وهو محور التأثير التربوي والتعليمي والدعوي وبالحافز المجتمعي، وفيه يبرز دور الرعيل الجديد المنتظر من العلماء والدعاة والمربين القادرين على الغوص والتغلغل داخل التواءات تلك النفسية لتشخيص أوجاعها الكامنة، وتركيب وصْفات إنقاذها من غثائيتها، وترويض طاقاتها الجامحة وتقويم مساراتها المتخبطة، حتى يتفهم المسلم كيف يتحول الالتزام بثوابت الإسلام وتصوراته العظمى إلى سلوك يومي وممارسة حياتية وتراكم خبراتي، ويستوعب متى يجب أن يكون لمتطلبات التجديد التي يفرضها تجدد الحركة وتغيرها داخل ذلك الإطار قيمة، ومتى لا يجب أن يكون كذلك، ويدرك كيف يتعايش مع متغيرات واقعه المحلي والعالمي بيقظة ووعي ووسطية واعتدال، ويعرف كيف يصوغ رؤى غَدِه القادم بحكمة وبصيرة ومعرفة.
صفحة 10
مشاهد من أزمنة العطش
 
(الفارق بين الانفعال الاستفزازي أمام الحدث، وبين التفاعل المستوعِب والواعي والمستثمر)
 
المشهد الأول: البيوت الزجاجية الساخنة
 
فرنسا أصدرت قانونا يمنع النساء من ارتداء أغطية للرأس لها مدلول ديني أو عقائدي، وتناقش الآن مشروع قانون يمنع ارتداء البرقع أو النقاب الإسلامي على وجه التقصد، ويتوقع كما هو مألوف أن يحظى هذا القيد السافر للحرية الشخصية بالتأييد المطلق من البرلمان الفرنسي؛ وهولندا تبنّى برلمانها قانونا يمنع بناء المآذن، وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية رفضت منح الطلبة المسلمين في المدارس والجامعات عطلات خاصة للاحتفال بعيدي الفطر أو الأضحى، ولا ليوم واحد، وحرّفت القرآن العظيم، وتلاعبت بصلاة المسلمين؛ والدنمارك برسومها الكاريكاتورية تلاعب المسلمين لعبة القط والفأر، وعلى خطى هؤلاء تسير ألمانيا وإيطاليا والسويد وسويسرا وبريطانيا وغيرها؛ وحال الشارع الإسلامي وردود أفعاله وهو يتفاعل مع هذه التطورات والمستجدات والاستفزازات العقيدية، كحبات ذرة على مقلاة، كلما أُشعلت النار من تحتها بدأت تفرقع وتتقافز، فإذا هدأت النار عادت حبات الذرة إلى كمونها ومواتها، أو بالأصح انكفأ الشارع الإسلامي إلى أوجاع تيهه الحضاري، يحتسي كؤوس الأمنيات الحالمة بعودة المجد الذي ذهب ولم تلُح بشائر عودته بعد، إلى أن تعاود الكَرّة نفسها وبحذافيرها مع تغير الأمكنة والأزمنة وموضوعات الإثارة.
 
1. 1 رد فعل غير مساو في المقدار
 
قبل أن تقع هذه الوقائع والمتغيرات المفاجئة، أين بلغت ظنون المسلمين؟ أن تتخذ فرنسا الإسلام دينا رسميا للدولة؟ أو أن تُحوّل هولندا كنائسها إلى مساجد وجوامع؟ أو أن تتخذ الولايات المتحدة من الفقه الإسلامي تشريعا للأحوال الشخصية في أجهزتها القضائية؟ أم هل يعتقد الشارع الإسلامي، الذي لا وزن له حتى في حسابات أنظمته السياسية، أن يكون له وزن في حسابات الدول الكبرى لتنصاع لإملاءاته ومشاعره؟ أم أن المسلمين نجحوا في بناء نموذج عالمي للمجتمع المثالي الذي يقوم على خصوصية المرتكزات والقيم والمفاهيم التي جاء بها الدين الإسلامي، وبهذه الأفضلية الحضارية سيَثوب المذكورون آنفا إلى رشدهم، وينزلوا عند رغبات المسلمين احتراما وإجلالا لمكانتهم الحضارية وتقدمهم العلمي والتقني والصناعي؟ ألا يرى هؤلاء المسلمون أن هذا الشطوح في التوقعات مبني على أرضية مهترئة من الواقع البائس والمنطفئ؟ فكيف يمكن لأمة متشرذمة إلى نحو ستين كيانا سياسيا ليس فيهما جاران غير متنازعين، وإلى أكثر من مائة فرقة وطائفة مذهبية متضادة مع بعضها البعض، أن تصنع موقفا صلبا أو صوتا واحدا؟؛ وماذا تجدي ردود أفعالها الغاضبة أو المتصنعة للغضب كمظاهراتها التهريجية المتناثرة وأعمال الشغب التي ترافقها، والظاهر افتعالها كمادة للإعلام الأعور، في وجه مجتمعات تفوقها في الحريات، وفي احترام الحقوق، وفي تلاحم جبهاتها الداخلية بأشواط يبدو قطع أعشار المسافة إليها شيئا من المستحيل؟·
 
2. 1 بيوت من زجاج
 
يفسر المسلمون هذه المستجدات المشحونة بالاضطهاد الديني وبالتمييز العنصري وبالديكتاتورية على أنها صراع حضارات تاريخي، وقد يجمحون في انفعالاتهم وردود أفعالهم لأنها تجرح مشاعرهم الدينية، يقول د· محمد عباس: العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية كالعلاقة بين النور والظلام·· لا يمكن لهما أن يتواجدا معا·· ولا بد لأحدهما الغلبة على الآخر·· وصراع الحضارات قائم وكل من ينكره إما ساذج وإما متواطئ· إلا أن غلبة الإسلام تحمل معها حضارته التي حافظت على الآخر دائما، بل ودافعت عن عقيدته· أما الغرب·· فلا يعرف إلا التبعية الكاملة أو التدمير الكامل(21)؛ ولأن تلك الدول ذات الدين الرسمي المزدوج من النصرانية المتصهينة والعلمانية الحداثية الملحدة بقراراتها هذه إنما هي تتعسف بنتائج الجهود الدعوية للمسلمين، التي كادوا أن يعتبروها حقا كونيا، مع أنها حقوق لم تتمتع قانونيا باعتراف الطرف الآخر، كما أن تلك الدول تتعسف بأحلام المسلمين المهجريين الذين يعتبرون تعايشهم على سفوح الحضارة الغربية مشروعا للنهضة، وهو أبعد ما يكون عن أبجديات ذلك المشروع؛ فقد كان عليهم بداية أن يستحضروا واقع الدول الإسلامية أو البيئات الثقافية التي ينتمون إليها ويعيشون تفاصيلها اليومية، ليتذكروا أن هناك دول إسلامية تمنع بناء المساجد أو تهدمها أو تحولها إلى متاحف لأسباب مذهبية أو سياسية، وهناك دول أخرى تمنع النساء من ارتداء الحجاب والنقاب إما في الجامعات أو في أي أماكن عامة إطلاقا حتى في المستشفيات، وأن هناك دول إسلامية تحتفل بالأعياد الإسلامية بمزاج النظام أو المذهب السائد، حيث تقام طقوس الاحتفال بالعيد وبقوة العسكر في اليوم الرسمي الذي تحدده الدولة وليس الشرع، بينما يحتفل غير المسلمين بأعيادهم كما يحلو لهم، وتتعطل لهم المدارس والمصالح، وتتزين لهم الأسواق والأماكن العامة، وأن هناك دول إسلامية تضيّق على مواطنيها حتى الحدود الدنيا من حريتهم الدينية فتمنعهم من صلاة الفجر في المساجد·