eKtab
EN ع
صخب ونساء وكاتب مغمور
اقرأ عينة مجانية

صخب ونساء وكاتب مغمور

بقلم علي بدر

صفحة 1
هجرة الثعالب
 
كنا الثلاثة، ذلك المساء، نتناول عشاءنا بصخب في مطعم فولكلوري صغير يقع في الطابق الثالث من فندق ميليا المنصور في بغداد: المهاجر العراقي الذي يقطن في لندن منذ عشرة أعوام، وصديقته الشابة التي وضعت على رأسها قبعة غريبة، وأنا كاتب الروايات المغمور·
 
وعلى صوت الموسيقى المحلية القديمة التي تأتينا من البهو، وعلى همسات الندل، والأضواء الخافتة، ورائحة النبيذ التي لعبت برأسي بقوة، قلت له:
 
أريد أن أهاجر بأي سبيل·· أريد أن أغادر إلى الأبد··
 
كان يدرك أن هذه الحمى، حمى السفر والهجرة لا سبيل إلى علاجها، بعد أن ضربت بعقول العراقيين جميعًا، ومثلما كان كل حمال في بغداد يريد أن يصبح السندباد في أسفاره، وكل تاجر في البصرة يريد أن يصبح ابن هبار أو سليمان التاجر في رحلات الحسن السيرافي، فإن كل بائعة خضرة في أسواق بغداد هذه الأيام تريد الهجرة إلى هولندا·· بل حتى العرجان يريدون الهجرة إلى أوربا ·· حتى الخرسان·· حتى العميان·· والشحاذون والمكارية وأصحاب الكدش يريدون الذهاب إلى كندا أو الدانمارك أو أستراليا أو أميركا··
 
احمر صديقي من الغضب وانتفخ أنفه مثل بالون، وقبل أن يجيبني، سألني:
 
كيف ستسافر·· ؟
 
شرحت له أكثر من وسيلة كانت شائعة ذلك الوقت، وقد سافر بها العديد ممن أعرفهم:
 
إما أهرب إلى إيران، وأقطعها مشيًا على الأقدام حتى أصل الباكستان وأفغانستان ومن ثم إلى جنوب أو شرق آسيا وهنالك العديد من المهربين الذين سيتدبرون سفرنا إلى أوربا، أو أهرب إلى تركيا وأقطع الجبال مشيًا على الأقدام مسيرة ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر، حتى أصل إلى واحدة من دول شمال أوربا التي أدخلها بشكل غير شرعي ثم سيتدبرون أمرنا في معسكرات اللاجئين، أو عن طريق البحر، قارب صغير يمكننا أن نقطع به البحر المتوسط حتى ترمينا الأمواج عند أحد الشواطئ··· وللمبالغة قلت له هنالك طريقة أخرى للوصول بها إلى أميركا:
صفحة 2
قال: ما هي·· ؟ مستغربًا·
 
أذهب بقارب صغير في شط العرب ثم أقطع الخليج كله نحو البحر العربي ثم المحيط الهندي ثم المحيط الأطلسي حتى أصل إلى أميركا··
 
قال: بقارب صغير··
 
قلت له: حتى لو بقفة قار كما كان يفعل السومريون·· أو لوحة خشبية صغيرة على الماء·· كما كان يفعل جدي وجدك السندباد
 
وهكذا وضعت العارضة بوجهه، لأفهمه بأن أمر التخلي عن هذه الفكرة مستحيل بالمرة·
 
كركرت صديقته بوجهي، كان جسدها الفتي البض يرتعش ويتفجر لهباً·· أما هو فقد بقي متجهماً، وعلى الفضاءات المحلية التي كانت تسحره تلك اللحظة انشغل بالحديث معي وبتحذيري من مخاطر السفر (غير الشرعي) كما كان يسميه هو، وأخذ يسرد لي قصصاً تراجيدية عن مهاجرين ماتوا بين الثلوج في جبال أوربا الشاهقة، أو غرقوا تحت أمواج البحار والمحيطات العاتية بعد أن تحطمت بهم مراكبهم، وحدثني عن مخاطر الطرقات التي يسلكها المهاجرون، عن كذب وخداع المهربين، وغدر العصابات والحشاشين، وقطاع الطرق، وما لا أدري أيضاً، وقال هل سألت نفسك·· لماذا تريد أن تخاطر؟
 
ما أسخف هذا السؤال، هل كان ابن هبار الذي رحل على سفينة خشبية من البصرة إلى الصين يسأل هذا السؤال، هل كان ابن وهب الذي وصل إلى بحر هركند يسأل هذا السؤال، أم السندباد الذي تحطمت سفينته أكثر من مرة وأرادت أن تشويه المردة على السيخ في جزيرة السرنديب، كان يسأل هذا السؤال؟
 
صرخت بوجهه: الخرسان أحسن مني؟·· بائعات الخضرة أحسن مني؟·· حتى المكارية·· باعوا حميرهم وذهبوا إلى أوربا وصاروا أوربيين··
 
وكعادة المهاجرين الذي يجدون في أنفسهم هذه النوستالجيا الوطنية وقد تيقظت على روائح الخشب القديم، والزخارف، والبسط، والأدوات القديمة، والكباب والطرشي المحلي والخبز الساخن الخارج توا من الفرن، حذرني من تغيير العادات، والأخلاق، والقيم، وكل هذه الترهات الذهبية التي يحتفظون بها احتفاظاً، فكدت أفقد عقلي أمام بلاهة أعذاره، وشرحت له الأمر كما فهمته وعرفته، قلت له لا تغيير في العادات ولا بطيخ، في ساحة هلسنكي نصب حجي عيدان قزان الهريسة ووزع على روح الحسين، والنرويجيات·· كل واحدة بيدها الطنجرة·· ووقفت بالدور في ثواب أبي عبد الله·
صفحة 3
انفجر غاضباً بوجهي، رفع يده وضربها على الطاولة وصب جام غضبه على الذين صنعوا لنا هزيمتنا··
 
انتقلنا إلى البهو، فجلست صديقته أمامنا على الكرسي الجلدي، خلف الستارة المسدلة دون انتظام، وقد تركت تنورتها تنحسر بسرعة لتكشف عن ساقيها السمراوين، كانت متعمدة في إغرائه إلا أنه لم ينظر إليها، أو إلى فخذيها العاريين، بل بقي منشغلا بتحذيري من مخاطر الهجرة والسفر، بينما لم تكن لدي الرغبة بمعاودة هذا الحديث على الإطلاق·
 
سقطت القداحة من الطاولة إلى الأرض، انحنى كل واحد منا فاصطدم رأسانا: طراب ضحكنا: هاهاهاهاهاها
 
قال وهو يحك رأسه، وينظر من زجاجة المطعم العريضة إلى الأنوار التي تومض على الجسر:
 
حسن أنت محق ولكننا نحتاجكم هنا·· نحتاجكم أن تبقوا فلكلورنا الذي ننظر إليه ونبحث عنه··
 
فسألته، إذا كان يرى الأمر هكذا فلماذا هاجر هو أيضا، قال:
 
كنا في بغداد، مثل حاسب كريم الدين في ألف ليلة وليلة:
 
يتعرف حاسب على مجموعة من الحطابين ويعمل معهم، وفي أحد الأيام يصلون إلى بئر فيها عسل، فينزل حاسب إلى داخل البئر لإخراج العسل، فيتركه أصحابه ويعودون إلى أمه، ليخبروها أن الذئب قد افترس ابنها، فتقيم الأم له مأتما·· بعد ذلك يخرج حاسب كريم الدين من البئر إلى مكان غير الأرض، من خلال ثقب جانبي، ويصل إلى مملكة الحيات، ويلتقي بملكتهن··· ويطلب المساعدة منها في الخروج إلى الأرض والعودة إلى أهله· لكنها تطلب منه البقاء وسماع حكايتها وما جرى لها بسبب مساعدتها للإنسان·· حيث تبدأ بقص حكاية بلوقا وجانشاه·
صفحة 4
أطلق ضحكة في الفضاء، ثم انحنى على كأسه وشربها دفعة واحدة، وصب جام غضبه على الذين صنعوا لنا هزيمتنا مرة أخرى، وهم ببساطة: الصيارفة في العواصم البعيدة، وعابدو اللذات، والفاسقون في المواخير، والعاهرات في الملاهي، والنشالون في شارع الرشيد، واللصوص، والمرتشون، وأبناء الكلب، وما لا أدري أيضا··· ولكن هنالك:
 
الممالقون والمسايرون، ومدعو الحكم، والطائفيون، والجهويون، والمتجهمون، والكارهون، والسياسيون المحترفون، والمخبرون، والحزبيون المتعصبون، والمتدينون المذهبيون، وأصحاب التحيزات التي ضربت على هواها بالناس جميعا، ومع ذلك لا أحد يمكنه أن يتحدث عن هذا·· فمن كل الذين عرفتهم، لم يكن أحد منهم ينظر بصورة معدلة إلى التحيزات التي جعلت من العقول خواء، بل جعلتهم مثل القردة والسعادين يتأرجحون على حبل، وكنت أدرك جيداً بأنهم مثل الموجة من السهل أن تقوم بإثارتها ودحرجتها على أقدام تمثال، غير أنها ستنحسر بشكل فوري ولن يبقى منها غير الزبد والقاذورات·
 
ثم قال بصوت أجش، وعن حكمة أيضا:
 
إن السفر جعل عقول العراقيين خواء·· لقد أصبحوا عبيداً طائعين، فهم يذهبون مع من يغريهم بالمال والكنوز والخمور إلى آخر الدنيا، ولكن لو صادفوا في الطريق دجالاً أو متعصباً أو نبياً زائفاً·· فإنهم سيتركون من أجله كل شيء ويعيشون على زاده حتى إذا كان هذا الزاد من الإحسان والعصافير
 
هذا التحوير لهذه الجملة اللورنسية المنفية في كل واحد منا، جملة أعمدة الحكمة السبعة وقد تحورت قليلاً لتشملنا طبعاً، أو لتتخصص بنا على نحو أوضح، هي التي أعادتني ذلك اليوم إلى التفكير بالأيام التي قضيتها في الأستوديو الصغير بالكرادة، حينما أردت أن أهاجر إلى المغرب، إلى التفكير بوليد وعباس وتمارى وبي أنا كاتب الروايات المغمور·
 
ولكن من منا كان يدرك أن الهجرة هي واحدة من هذه الخيارات التي تتعمق عبر إرادة داخلية لا تهددها الأخطار·· لقد كانت خاضعة بصرامة لتيقظ حسي، وإلى خيال، وإلى شغف بالضرورات الأكثر عمقاً مثل الأبهة والترف والاستثنائي، وقد أصبحت من جهة أخرى ختماً للحتمية العالمية التي تطبع عصرنا، فالمهاجرون والمنفيون واللاجئون والمشردون والمقتلعون هم الذين يشكلون هذا المشهد وفي كل مكان، وإن هذه الحتمية هي ليست دجلا تافها أو حيلة إبليس إنما هي لغة تصويرية لعالم مهدد بالانفجار، لعالم لم يعد يؤمن بالخرائط المحبرة على الورق، كنت أنظر لأصدقاء كثيرين قتلوا ·· أو أعدموا من قبل السلطات لأنهم تجاوزوا الحدود·· يا إلهي ما هي الحدود·· الحدود ببساطة هو هذا الخط المحبر على الورق·· الخط الوهمي الذي يفصل(نا) عن(هم)، والنا والهم هنا ضروريتان للسلطات فقط، أما نحن الذين كنا نختنق بالخط الوهمي في الخريطة والذي يلتف على أعناقنا مثل حبل·· لم تكن مهمة على الإطلاق·
صفحة 5
الخرائط ·· كم هي مهمة للسياسيين·· فهم يرون أنفسهم ومدى سلطاتهم من خلال الخريطة، ويحجزوننا داخل هذه الخرائط، ومن يتجاوزها يقتل بطبيعة الأمر··· ولكن ما أهميتها لي؟
 
لقد أعادتني هذه الأفكار إلى التفكير بنفسي بوصفي كاتباً مغموراً، فالصخب والنساء نسبة لكاتب مغمور هما الهجرة بالتأكيد، وقد أدركت هذا الأمر بعمق حين تعرفت على عباس وتمارى ووليد في الربيع الذي قضيته في الأستوديو الصغير الواقع في شارع مستشفى الراهبات في الكرادة الشرقية في بغداد، والذي تركه لي جدي قبل خمس سنوات من وفاته·
 
لقد أدركت في تلك اللحظة جازماً، بأن هذا الكلام هو من النوع الذي يجعلك تتذكر، أن تتذكر يعني أن تلم وبطريقة واحدة كل حطب حياتك، فربما لا أنا ولا وليد ولا عباس ولا تمارى ولا عايدة ولا أي شخص آخر ينفلت تلك اللحظة من هذه الجملة، أو أن يقول بطريقة جدية وواثقة: إيه صحيح·· بس مو آني··
 
إن عودتي إلى هذا الأستوديو وإن كانت خياراً، فإنه خيار صعب، لأن علي وللمرة الأولى أن أكسب عيشي بنفسي، وهذا ما لم يعرفه أحد من قبل، في الحرب كان كل شيء ميسراً حتى الموت· فأنت لا تختار مطلقاً، تحت النظم الشمولية وفي أعوام الحرب، حتى آمالك وأحلامك فإنها أشياء مضحى بها ببساطة- ولكن أن تقف وحدك كي تعيش وتكسب، هذا ما لم يفكر به أحد، لا أنا ولا أصدقائي الجنود آنذاك، فقد كان مثل هذا الكلام يجعلنا نقهقه، نقهقه كي لا نصرخ ولا نسخر من شيء لا يحبه الناس ولا يطيقونه، وكنت أسايرهم فيما يقولونه لأني كنت أدرك لو تكلمت خلاف هذا سأبدو شخصاً مثيرا للسخرية، وبعد تسرحي من الجيش مباشرة أدركت بأن حياتي بدت في الأخير وكأنها شيء يمكنني أن أبحث عنه وبانفعال لا يكبح في أشياء غير متوافرة أخرى، مثل: الطعام، الملابس، الكتب، أدوات الحلاقة، الأحذية، الأوراق، الأقلام وأشياء أخرى، ربما لم نكن نفكر بها قبل الحصار، وأنا أركز على كلمة أشياء لا من دواعي الخروج السخيف على المألوف أو من الضعف وأعني بها: راحتي، منامي، طعامي حتى لو كان من البيض المسلوق والخبز -وحتى هذا على بساطته قد أصبح في أعوام الحصار شيئاً متعذراً- شايي، سجائري، إنما كي أبين كيف يمكن أن تنجو بجوعك دون أن تؤذي الآخرين، ومنذ ذلك الوقت لا يمكن أن أحذف من ذاكرتي الجص المتساقط، ولا نفايات أعشاش الطيور، ولا علب الكونسروة الفارغة، ولا قشور البيض وفتات الخبز، وغسل الصحون وغسل الملابس والفرش، 
صفحة 6
 وتنظيف المطبخ، والكلاصات، كلما فكرت بعودتي إلى هذا الأستوديو الصغير الكائن في البناية التي كان يطلق عليها الناس عمارة الإسكافي لوجود إسكافي في ركنها·
 
***
 
إذاً سأتحدث عن الأيام التي قضيتها في الأستوديو الصغير الذي تركه لي جدي في الكرادة، عن العالم الذي عشته وفسرته وحدي، وهو عالم معجزة، لا معجزة من أراد أن يعيش، إنما معجزة من أراد أن يكتب رواية وهو يعيش في ذلك المكان المحاصر والمنسي - بغداد- وإن كانت الكلمة الأخيرة غريبة على من يسمعها، فكنت أعرف كم كنا منسيين في هذا العالم الذي يتحرك بمعزل عنا، وكنت أعرف كم من ضربة كان يمكنها أن تجعلني أترنح مثل معطف مارينو، وتجعلني أنام تحت الأرض بسلطان مطلق، كنت أحاول أن أواصل تقدمي المنتظم والغافي وأحفر في حياتي خطاً عميقاً تحت الظلام، ذلك الظلام الذي يخفي مدينة كبيرة، بنسائها ورجالها، ذلك الظلام الذي يغمرني وأنا أتسمع إلى نباح كلاب يصعد تقطعه فترات صمت متفاوتة في ليلة مقمرة، كما لو كنت أترقب يائساً حتى الفجر ومن أعماق العزلة التي كنت أعيشها صوت بغل يسير، وصوت مؤذن يرتفع في العزلة في حالة شبه متوحشة، أو صوت أجراس الكنائس، أو صدى لا يصل أبداً، أو أتعرف إلى تلك الصرخة التي ترجعها جدران البيوت ولا تكتمها، صرخة المرأة التي تنهار على حافة الفراغ البحت، صرخة الأطفال بتحديهم العاري لملائكة الجوع والموت في الدوامة التي لا تنتهي·
صفحة 7
مشهد
 
كان الوقت نهاراً، شهر آذار، أمام كنيسة القديس روفائيل·
 
سيارة صفراء قديمة مع سائق قصير يرتدي بنطلوناً من الجينز وقميصاً مربعات، يمسك بيده جريدة، المرور في شارع الكرادة كالمعتاد دائب الحركة: باصات، سيارات، دراجات· يخرج عروسان من باب الكنيسة، يرعاهم قس في الخمسين متوسط الطول، ورجل يلبس زياً أسود، وقميصاً ذا رقبة عالية·
 
***
 
أخذت حقائبي من بيت أهلي وتوجهت إلى الكرادة، إلى الأستوديو الذي أورثنياه جدي، كنت أسير مثل شاحنة مطلقا هورناتي المجلجلة بالشتائم والصراخ، بالعبقرية والهذيان الجميل·· صعدت الباص العمومي الأحمر، الذي كان ينغر في الأرض بصوته الموحش، وهبطت أنا وحقائبي في مكان بعيد نسبياً عن الأستوديو، حملت حقيبة على ظهري، وحملت حقيبة بهذه اليد، وحملت حقيبة الكتب باليد الأخرى، وقبل أن أصل الباب للهبوط وسط ازدحام النساء والرجال في الصباح الباكر، كنت ضربت هذا برأسه ولطخت بالحقيبة الأخرى رأس تلك، وسمعت شتائم وتأففات حتى وصلت الرصيف·
 
توقفت قليلاً، أخذت نفساً عميقاً ثم سرت على نحو سريع ومتعجل كي أصل وأتخلص من حمولة الحقائب التي أثقلتني، كان يمكن أن أدخل طريقاً مغلقاً ولا أصل إلى السوق:
 
-هذا الشارع يؤدي لسوق ارخيته؟ سألت شحاذاً ضريراً ··· فعفط لي: طططططططططططط·
 
كانت المنازل تفوح برائحة الأحجار المرصوفة، أما الطقس فقد كان ساخناً في نهاية آذار، وقد امتلأ الشارع بحشود الناس والسيارات وعصافير الدوري التي تتسكع قرب أشجار اليوكالبتوس العملاقة بمرح، وقد فاحت البرودة من الأزقة المغسولة، وعلى المصطبة الخشبية جلست سيدة مسنة تضع حقيبتها على ركبتيها، وإلى جانبها وقف شاب كان وجهه يشبه وجه كلب عجوز، وفي الطريق إلى البريد وقف سائق شاحنة عند البناية بشعر خشن قصير وبوجه لم يحلق منذ أيام، يتحدث إلى بائع السجائر الذي تناول كلينكساً من جيب بنطلونه الأسود، فسألته:
 
-هذا الشارع يؤدي للسوق··
 
أخذ يمخط: خططططططط
صفحة 8
قبل أن أصل السوق، دخلت وسط عمارات الموظفين بشققها الضيقة وبالكوناتها التي تحولت إلى معرض للملابس المغسولة والمشرورة: بنطلونات/قمصان/ أتكات/ دشاديش/ ومن تحتها تظهر السوتيانات النسائية والكالسونات الحمر والبيض والسود ·· أصبحت مباشرة، ومن دون تفكير في ميدان روائح المياه القادمة من الحمامات نحو البالوعة في منتصف الشارع· بين رائحة الصابون الصيني الذي يعط بتقليديته المريعة للصابون الإنكليزي، وروائح المزابل: زبالة البناية/ والمطاعم/ والمحلات القريبة من كراج السيارات، في العطفة الصغيرة وشيش المغاسل في مطاعم الفول والفلافل المصرية··· وأيضاً: روائح علب الشامبو المرمية من صالونات الحلاقة التي تمتزج مع الأبخرة المتصاعدة من بقايا المازوت المحترق·· مدن·· مدن على طراز كولنيالي·· مدن مصنوعة وموضوعة على طراز غربي، مدن-حداثة، عمارات ·· شوارع أسفلتية، تطليعات، زجاج كونكريت، بالكونات صالونات··· وبالقرب منها مزابل محلية كما كانت بغداد أيام علاء الدين·· هل هو جزء من الفلكلور؟
 
سألت··· أين السوق···؟
 
فجأة أصبحت أمام السوق، باعة السمك، بسطيات الخضرة والفجل والبصل والخباز والسلق، قصاع الليمون، عربات السحب التي تحمل الفواكه الناضجة، باعة الروبيان القادم من البصرة، باعة الأعشاب الطبية والمراود والديرم، باعة الحمرة والماكياج، باعة الخبز الساخن الخارج توا من الفرن، باعة البيبسي كولا المحلي الذي يشبه رائحة الأسفنيك، باعة الأحذية المسروقة من المساجد، والراديوات المسروقة من السيارات، الإسكافيون الذين يجلسون على الأرض، والقنادر العتيقة معلقة على الحيطان، باعة السجائر بالمفرد، باعة الأدوية الطبية: المقوي الجنسي، مكافحة الصلع، ومراهم نزع الشعر، كارتونات بيع المقصات والسبح والدرنفيسات والسكاكين، وبين جدار لآخر هناك عركة بالسكاكين والشواكيش على المكان بين هؤلاء التجار الجدد المتسرحين من الجيش حديثا، وكل واحد منهم يخرج سلاحه على الآخر يرعد ويزبد ويتوعد، وكان علي أن أخفي تقززي، وبدلاً من النظر إلى السوق الآن وفي شكله، وعلى طريقة الكتاب الذين يكتبون سيرهم، كان علي أن أخترع له سيرة ذاتية أيضاً، وأن أفكر بتأريخه، وأقول وأنا أمر من عربات السمك التي تنبعث جيفتها: الله ··· هذا المكان كان فيما مضى، أيام الجارية تودد ملهى العوادين والشعراء والتجار·· وأصبح أيام الاحتلال الإنكليزي ساحة للبائعين وأصحاب السيارات وبضائع العطارين والسلعيين
 
وكان علي أن أتخيل وأنا أسير، تقزز آلاف الكتاب والأدباء من هذه القلبالغ، وصراخ البرجقات واللوريات وأصحاب الحمير والكدش، وأن أتخيل كيف كان مصلحو الفرفوري والجراخون والكبابجية وباعة الصمون والفاكهانية في الستينيات يسدون الطريق بصخبهم، ولكن جدي اشترى هذا الأستوديو من ضابط مسيحي أحاله الرئيس عارف على التقاعد بعد أن هرب الطيار المسيحي منير روفة إلى إسرائيل، وقد صاحت صاحبة الصيدلية المقابلة للسوق : خطية ·· شنو ذنبه ·
 
وقالت جرجيت المسيحية: يا ناس شوفو هذا شلون ظلم···
صفحة 9
أجانب
 
لم أنس وأنا أسير في الطريق أن أتذكر شريطاً طويلاً -وهو يمر- للأجانب الذين أجروا هذا الأستوديو وأكثرهم من السياح البسيطين الذين يرتدون الشورتات الكاكية، والقمصان البيض، والأحذية الضخمة الوسخة والمتربة، وكانت لحاهم على الدوام طويلة ومشعثة، وكامراتهم على صدورهم تروح يميناً وشمالاً وهم يسيرون، أو يهرولون وراء الباص الأحمر الليلاند الذي يقودهم إلى الباب الشرقي، سياح أو عمال في شركات إنكليزية وأميركية ثم روسية وبولونية وبلغارية حسب تقلبات السياسة الحكومية مع الغرب·· وكانت فيما مضى مكاناً للسراديب، والمسخوطين والمسحورين، وللحمير والبغال التي تدور بأحجار الطواحين، وللعبيد الذين يكدون، وللجواري اللواتي يرقصن، للأذرع العارية التي تتناول الكؤوس·· للدراويش، والطواشين، والرهبان، والصناع والصياع والشقاوات، والجواهرجية، والمزينين والحمالين·· وتذكرت الحقائب التي أحملها··
 
كان علي أن أتذكر على طريقة الكتاب الذين يتذكرون، أتذكر الأشياء البعيدة وأزوقها في ذهني وأذهبها وأنا أتثاءب تحت أشعة الشمس الساطعة، أتذكر الأشياء بطلاقة وأنا أسير في الطريق، أتذكرها لا في النهار حسب إنما حتى حين يهبط الظلام فوق البيوت، وفوق الجوامع، وأبراج الكنائس··· أشياء مثل: الحديقة، والشرفة، والسياج، وشجرة الخوخ، والنخلة، وحبانة الماء، وهكذا يمكنك أن تتحدث وأنت تقف منبهراً أمام النوافذ التي تعرت، والأبواب التي كلحت، والحاجات المهملة التي تكومت وهي محرومة من الانفراج، بعد أن كانت راقية، وأن تتفرج على الساحة الخلفية حيث كانت الأبقار البنية تخطو بتثاقل وهدوء كبيرين، تخطو وهي تغيب في ضباب الحقول الذي يتصاعد ببطء في الفجر، وقد صاحت حمدة المعيدية:
 
هلاه·· يا عبد·· هلاه ·· فرس الحجي تكنطرت··
صفحة 10
ربما تدرك معنى هذه الجملة كما تدرك حديث النافورة البيضاء وهي تغرد في الظلام طويلاً، تغرد وسط أجمة صغيرة وحولها دغل وشجر كثيف· تدرك بأن هذا الأستوديو لم يكن يوماً شيئاً كبيراً، ولا قصراً فارهاً، ولا كنزاً، ولا أي شيء من هذا القبيل، وإنه لم يكتسب معناه إلا من الثعالب الذين تشمموا زواياه، وحتى حين وهبني إياه لم يكن جدي متشنجاً أو متحجراً بل قالها دون أن يتحرك أو يرتجف، قالها وهو يتثاءب، فقد كان شيئاً تافهاً، وما زاد من وضاعته هو إني لم أستطع في الوقت الضروري سكنه، ولا حتى بعد أن توفي جدي، وقد كنت إبان ذاك جندياً في الجبهة، ولو قلت لأمي مثلاً وحاولت أن أقنعها بسكنه وأنا أعزب، للطمت وجهها وقالت:
 
يبوه ·· شلون·· موعيب تريد تسكن الشقة وانت ازكرتي؟
 
والكلمة الأخيرة وإن كانت تعني أعزب، إلا أنها تتجاوزها وتفيض عنها، فهذه الكلمة وحدها كافية لتطلق خيال حتى من تبلد خياله بشكل تلقائي على سائر المشاهد الجنسية المتوقعة وغير المتوقعة، وستبزغ وسط تكاثف الدخان الكثيف والرائحة المخمرة مشاهد السكر والعربدة وصخب الأصدقاء وفوضاهم، وقد بقيت هذه الصورة رغم طراوتها تلح بحضورها على ذهني طالما كنت أسكن في ذلك الوقت، أثناء إجازاتي الدورية، حجرة في الطابق الفوقاني من بيت أهلي، ولم أفكر على الإطلاق بسكن الشقة وحدي، فقد كان هذا الأمر في ذلك الوقت مستبعداً، ولم أشعر بأنه أمر بغيض، لا·· لا ·· أبداً، ومع ذلك لم أجد هذا الأمر ساحراً على نحو خاص، أو مبهجاً، ولكنه كان قادراً على إطلاق فعاليات خيالي إلى أقصاها، وبعيون شبه مغمضة كان يمكنني أن أنتقل وسط تثاقل الأحداث إلى اصطفاق الأبواب في الليل، وإلى صمت الحائط وهو يجذبني بنبض حجره الهادئ، وإلى فانوس في الرصيف يرتجف فوق المياه الساكنة مثل سراج منسي، كنت أذهب في الفراغ إلى باقة زهر يابسة هناك وإلى فتاة عابثة في رواحها الهادئ، وإلى ضجيج منفرد يمكن أن تحدثه قبلات الليل، وربما سأشعر بهذه الفعالية القروية الساذجة وهي تنام وسط الغيمة، ولكني بعد انتهاء الحرب، اكتشفت كم كنت ساذجاً، بل أكثر سذاجة من الجنود الآخرين الذين كنت أترفع عليهم بواقعيتي وفلسفتي المحترفة، وهذا ما سأرويه هنا، سأروي لا سيرة ذاتية منتحلة إنما بالأحرى رواية منتحلة عن الثعالب التي خرجت في الربيع الوردي·
 
تحولات الجندي إلى كاتب
 
لم أشهد أي شيء مما كنت أفكر به من قبل، أبداً·· فبعد أن انتهت الحرب وبدأ الحصار تغيرت الأمور كثيراً·