eKtab
EN ع
سقوط
اقرأ عينة مجانية

سقوط

بقلم عوض مبارك

صفحة 1
المنحدر الأوّل

ماء ونار

(الكبرياء تسبق السقوط).

مثل يوناني

(1)

أيقظتني فرقعة رعد قوية في الصباح الباكر، هببت واقفة وسرت نحو الشرفة المطلة على ساحة المبنى، ألقيت نظرة إلى السماء فإذا بها شديدة القتامة، تنبئ بيوم ماطر طويل. كان الهواء بارداً ومشبعاً بالرطوبة، ورذاذ ناعم يتساقط، وغناء خافت لبلبل ينبعث من أجمة اللوز الواقعة خلف شقتنا، وقفت للحظات أستنشق الهواء وأستمتع بقطرات الماء وهي تنقرني نقراً لطيفاً على وجهي وذراعيّ المكشوفتين. وفجأة انقلب الرذاذ إلى وابل غزير فتراجعت إلى داخل الغرفة وأغلقت الباب. أشعلت شمعة ونظرت إليه فألفيته نائماً غارقاً في شرنقة وسنه. سرت نحو الحمّام بخطى كدبيب النمل كي لا أوقظه. فهو يكره أن يستيقظ باكراً، أخبرني حين حللت بشقته أوّل مرة أنّ أمتع أوقات نومه تأتيه عند الفجر، هي التي تمنحه الراحة والوضوح الذهني.

فركت أسناني جيداً بمعجون أسنان كريست، ثم خلعت ثيابي وتناولت حمّاماً طويلاً بماء فاتر، لم أتعمّد الإطالة، ولكنني تهت بغتة أفكِّر في المصير الذي يمكن أن أنتهي إليه لو علم هو بحقيقة إدماني!! إنني الآن سعيدة، أقضي أجمل أوقاتي بجواره، أشعر وكأننا زوجان قديمان تزوجا إثر قصة حب طويلة. أهذا هو الذي يطلقون عليه حميمية (intimacy)؟ ما أشعر به حياله أعمق من ذلك بكثير، شيء جميل، غريب، لذيذ. كان حواراً لا من دون انقطاع، حواراً بالصمت، وبالأعين ودقّات القلب. لا أدري كيف ومتى انسرب ذلك الإحساس إلى أعماقي ليحتلّني كمرض عضال لا شفاء منه. ألأنه أقدم على مساعدتي دون قيد أو شرط رغم علمه التام أن ذلك سيعود عليه وبالاً، أم لأنني مجنونة كما يصفني دائماً. غير أني اكتشفت بعد أن عايشته عن قرب أنه أكثر جنوناً مني، ولكنه مجنون على طريقته، بإبحاره في عالمه الفقير الغني، المعقّد البسيط، السطحي العميق، الضيّق الرحب!! في البدء احتقرت حالة الفقر التي رأيتها للوهلة الأولى من ولوجي شقته القائمة في الطابق الثالث من المجمع السكني الذي يقطنه فقراء من أجناس شتى: أفارقة وآسيويون، هيسبانيك وكاريبيون، أمريكان سود وشرق أوروبيون؛ معظمهم يعملون في المطاعم وشركات التنظيف والبناء والمستشفيات، كما يعمل بعضهم في البلديات ومترو أطلنطا، وهنالك أيضاً صغار مروِّجي المخدرات وعاهرات وقوّادون وراقصات في الأندية الليلية يضعن المساحيق ويرتدين ثيابهن الضيّقة الكاشفة عن أوراكهن وأفخاذهن الوارفة ونهودهن المرفوعة بحمّالات الصدر.

كنّا في أحيان كثيرة من أيام عطلة الأسبوع نقف على الشرفة عند العصاري لمشاهدة ما أسماه هو (نبض)؛ قال لي إنّ جمال المناطق الشعبية يكمن في كونها نابضة ومتنوّعة، بعكس أحياء الأغنياء التي يمكن للمرء أن يجد فيها أحدث ما ابتكر من بناء وتكنولوجيا وأثاث منزلي، ولكنها تظل خالية من النبض. كنّا نشاهد في فناء المجمّع شبّاناً وفتيات يرقصون بنشوة وجنون على أنغام موسيقى ألهب هاب، ويتبادلون بطريقة دائرية غير منقطعة لفافة حشيشة الماريجوانا، وعجزة يدورون حول بركة السباحة وهم يرقبون أحفادهم يسبحون، إضافة إلى ألعاب، مسابقات، مناطيد تعبر سماء المجمع حاملة إعلانات تجارية، خناقات بين أزواج تبدأ في الشقق ثم يطارد أحدهما الآخر لتختتم في الساحة بهزيمة الزوجة بعد رحلة من المد والجذب وتبادل اللكمات والصيحات، وفجأة ينفض الجمع، يفرّون في حالة من الذعر والفوضى لدى ظهور سيّارة الشرطة، ليبقى فقط العجزة والأطفال حول البركة.

كان يستمتع بتلك المشاهد التي أسماها (نبض) ويؤكد بنشوة حقيقية أن الحياة من دون هؤلاء تغدو لا طعم لها ولا لون، وأن الفقر والقهر والمعاناة هي في معظم الأحيان تولد إبداعاً حقيقياً لا مصطنعاً، وأن أهم عباقرة الفن والأدب خرجوا من قاع المجتمع وليس من عليائه.

ـ ألهذا السبب استأجرت هنا؟

ـ لا، بل لأنني جزء منهم.. مثلهم، ولكن على طريقتي!

ولم أكن بحاجة كي أسأله عن طريقته، فمحتويات الشقة كانت خير مجيب. الأثاث البسيط الذي ليس له أدنى صلة بلون الجدران، بنطلونات الجينز والكنزات المبعثرة في كل مكان، المطبخ المهمل الذي ما كان يدخله إلّا من أجل صنع فنجان قهوة أو تناول قنينة ماء أو صودا من الثلّاجة، أو من أجل إعداد طبق فول، لا يطبخ إلّا نادراً رغم أنه يجيد الطبخ، شقة فقيرة بمحتويات متنافرة الألوان، بعيدة عن التنسيق والأناقة والترتيب، ولكنها بطريقة ما، كانت جميلة، وغنية مما أثار دهشتي وفضولي معاً! كانت ثمة لوحات معلقة في كل مكان، في المطبخ، في الصالة، في الحمام، في الغرفتين، في الشرفة، لوحات قماشية، لوحات كرتونية، لوحات ليتوغرافية، لوحات غرافيكية، لوحات مائية، لوحات زيتية، رسوم بالقلم الرصاص، رسوم بالفحم، حفر على الخشب. أغلبها أصلية.
صفحة 2
ـ أنت رسام إذاً!

ويبدو أن سؤالي قد أزعجه، بدا ذلك واضحاً من نبرة صوته وجوابه:

ـ ليس كل من عشق الفن بالضرورة أن يكون فناناً!

ثم أردف مبتسماً:

ـ إنها أعمال لأصدقاء التقيتهم في المنفى.

ـ وأين هم الآن؟

ـ لقد تفرقوا في بلاد اللَّه الواسعة، جمعنا منفى وفرقتنا منافي.

كانت معظمها تجريدية، عدا ثلاثة رسوم بالقلم الرصاص، الأولى لنيلسون مانديلا بالزي القبلي، والثانية لفتاة أفريقية الملامح ذات عينين جميلتين وابتسامة مشرقة، أما الثالثة فقد كانت له شخصياً يحمل طفلاً صغيراً بين ذراعيه. سألته أولاً عن الفتاة فأجابني بأنها سودانية جاءت من النرويج حيث يقيم أهلها لدراسة القانون في الجامعة العربية، وقد حضرت أمسية سفره لوداعه، فرآها صديقه الفنان فهام بها توّاً ولم يجد وسيلة أخرى للتعبير عن هيامه بها سوى رسمها بذلك الحذق دون أن يغفل عن انطباعه الشخصي حيالها.

قلت له بفضول:

ـ يبدو أنك من عشاق التجريد!

هزّ رأسه نفياً، الأمر الذي أثار استغرابي سألته:

ـ ولماذا تحتفظ بكل هذا الكم من الأعمال التجريدية إذاً؟

صمت قليلاً وهو يلقي نظرة شاردة إلى لوحة قبالته كما لو كان يستعيد ذكرى أو حدثاً وقع له مع صاحبها ثم قال:

تعبيراً عن وفائي لهم، إنهم لا يملأون جدران بيتي فقط، بل قلبي أيضاً!

رأيت مزيجاً من الحزن والحنين في قسمات وجهه وفي نبرة صوته وهو يقول ذلك، فقررت تغيير مجرى الحديث. باغتّه بقولي:

ـ هل أحببت أميركا، أم أنك تنوي الرحيل في أقرب سانحة؟

رأيت عينيه تدوران حول سقف القاعة كما لو كان يبحث عن جواب مكتوب هناك، داخلني إحساس بالغبطة لنجاحي في إبعاده عن مربع الحزن الذي أسقطّته فيه. تنحنح وتلعثم في بادئ حديثه، ولكن انطلق لسانه بعد ذلك بحنكة، كأن الجواب منحوت في ذاكرته:

ـ طبعاً أحببت أميركا ولا أستطيع إنكار ذلك، ففيها وجدت أشياء كثيرة كنت أفتقدها عندما كنت في بلادي، أما الآن فهي في متناول يدي وستساعدني كثيراً على تحقيق أحلامي وإنجاز خططي، فضلاً عن بساطة الناس وطيبتهم وترحيبهم بالغرباء أمثالي. ومع ذلك يبقى الوطن الأم معنىً آخر.. عميقاً.. حزيناً.. مؤلماً، كيف لا! وأمي لا تزال هناك، كيف لا! وأبي وآباء أبي يرقدون بسلام هناك، كيف لا! وشقاوات طفولتي لاتزال حية في ذاكرتي مثلما هي حية في ذاكرة الرفاق يومذاك، كيف لا! والنيل والصفصاف هناك.. وكذلك طيور القمري وأم قيردون! كان مخلصاً وهو ينطق تلك العبارات، وخطر لي أن أسأله عن سبب قطع علاقته بالمكاوي وأفراد عائلته ولكنني تراجعت، قررت أن أتركه إلى أن تحين فرصة أخرى. غير أنني لاأزال أذكر جيداً ذلك اليوم، يوم رموا بي خارج شقتهم عند منتصف الليل، ولم أكن أعلم ماذا أفعل وإلى أين أذهب، إذ لم يكن معي من المال ما يكفي لاستئجار غرفة في أيٍ من الفنادق الرخيصة المنتشرة في أرجاء المدينة، ولم أكن أود اللجوء إلى ابنتي التي تكرهني مذ هجرت أباها والمنزل. أخذت أجول في شوارع المدينة كالمعتوهة إلى أن أسعفتني ذكراه عند الفجر، هاتفته وأخبرته بما فعله بي مواطنوه فلم يزد عن قوله: (تعالي فوراً إلى شقتي) أي عبارة أخرى، ثم وصف لي الاتجاه وصفاً دقيقاً، بحيث أنني لم أجد أي صعوبة في الوصول إليه. وجدته في انتظاري أمام باب شقته القائمة في الطابق الثالث من الوحدة رقم عشرة من المجمّع. كنت وأنا في طريقي إليه قد خامرتني التوجسات، لأنني أعلم بعمق صلته بالمكاوي وأفراد عائلته رغم الفتور الذي حدث بينهم أخيراً، فربما تعود العلاقة كما كانت عليه من قبل ويفشي لهم سر لجوئي إليه. ولكنني أستبعد الفكرة، مستندةً في ذلك إلى سلوكه النبيل حيالهم كلما طلبوه في خدمة ما، وشيء آخر يختلج في نفسي.. شيء غامض! جعلني أختاره دون سواه من بقية أصدقاء العائلة لمساعدتي، وقد كان عند حسن ظني به. أذكر أننا تحاورنا على مائدة الطعام في أحد أيام العطلة، حيث كانت الوجبة التي شرعنا في تناولها من خبز حامض رهيف وطري يصنع من الذرة ويدعونه (كسرة)، يتخلله سائل لزج هو مزيج من مسحوق ثمار البامية المجففة والبصل والثوم والكزبرة ويدعونه (ويكه)، كانت تلك هي الوجبة الشعبية المفضلة في بلادهم؛ كانت الأم قد وزعت الأطباق بين الحاضرين ووضعت لكل منا نصيبه، لم يعجبني الطعام ولم أستسغه البتّة، لكنني كنت دائماً أتناول كل ما يضعونه أمامي من طعام وفقاً لما تقتضيه الكياسة.. كانت مشاركتهم الطعام عبئاً ثقيلاً عليّ، تحررت منه مع مرور الأيام. وفيما كنت منهمكة وأنا أمضغ الطعام باغتني سؤاله:
صفحة 3
ـ ما هي الأكلة الشعبية المفضلة عند الأميركيين؟

ترددت وتلعثمت قبل أن تخرج الكلمة من فمي:

ـ بيرغر!

قال مستغرباً:

ـ بيرغر؟

هززت رأسي إيجاباً، وقال هو ضاحكاً:

ـ الطعام الذي بين يديك الآن هو عريق بعراقة بلادنا!

لا بدَّ أنه لاحظ ارتباكي ولذلك أرض عينيه إلى طبق الطعام ولم يقل شيئاً بعد ذلك، وأنا أيضاً. لم أود الحديث عن طعامي أنا المواطنة الأصلية لهذا البلد. لحم الغزلان والأسماك وأبقار الوحش التي كان يصطادها آبائي بالرماح والسهام، حيث يشوونها مع الذرة (popcorn) ويأكلونها ساخنة، ثم ينطلقون لالتقاط التوت البري وصيد الدببة، ليعودوا بعد ذلك ويوقدوا ناراً ضخمة ثم يبدأون غناءهم الذي هو أشبه بالمواويل العربية، تتخلله رقصات الدائرة والفراشة والغزال والثور الوحشي وحصاد الذرة. تلك كانت حياتنا، حياة بسيطة خالية من التعقيد والطمع، قائمة على الحب والتعاون. إلى أن هاجمنا الرجل الأبيض ذات ليلة مشؤومة وأجبرنا على السير على خطاه. سلبنا أرضنا وهويتنا في آن واحد.

والحمد للَّه أنني لم أنطق بما جال في خاطري في تلك اللحظة، كانت ستتبعه دموع وتستحيل الجلسة إلى مأتم.

ثم توثقت صلتي به بعد ذلك، ويبدو أنه كان شديد العطف على الأب العجوز المكتئب، يأخذه بسيارته في أيام عطلة الأسبوع وأحياناً في الأيام العادية، يطوفان حول المدينة، يزوران أصدقاءً وأماكن عامة ثم يعودان ليلاً. وكان حاكم يقترض منه المال كلما مرّ بضائقة مالية، كذلك الأمر مع بقية أفراد العائلة.

وساورني الشك بأنه على علاقة بمنيرة، الأخت الصغرى لحاكم، حيث رأيتهما عدة مرّات يتبادلان الحديث بطريقة تقرب من حميمية عشيقين. وعندما سألت حاكم عنهما نفى لي بشدة أثارت استغرابي. وفي مرة من المرّات، وبعد أن تزوجنا أنا وحاكم وانتقلنا إلى شقتنا الجديدة بديكالب إند واي كنا نتأهب للخروج والتسوق، فوجئت بعجز سيارتي الهوندا عن القيام بأي حركة، أكد حاكم أنها مشكلة بطارية وأنها بحاجة إلى شحن.

هاتف منيرة فاعتذرت عن المجيء لأن مواعيد عملها قد أزفت، ولكنها اقترحت عليه مهاتفة رامز، معللة ذلك بأن اليوم هو يوم عطلته. بدا الارتياح على وجه حاكم بعد أن أنهى محادثة قصيرة مع رامز، أخبرني بأنه قطع شوطاً بعيداً إلى ميكن حيث تقيم عائلة صديقه برينت هيلم وهم في انتظاره لتناول وجبة الغداء بمعيتهم، ولكنه انقلب عائداً رغم المسافة. وصل إلينا بعد نصف ساعة من الانتظار، وعالجنا المشكلة في أقل من خمس دقائق. شكرته بحرارة أكثر من تلك التي أبداها حاكم وطلبت منه أن يصعد معنا إلى الشقة لتناول كوباً من العصير أو فنجاناً من القهوة، ولكنه اعتذر، قائلاً: إن برينت وأفراد عائلته في انتظاره.

بعد أيام قليلة من تلك الحادثة تكرر الموقف نفسه مع منيرة، حيث هاتفت حاكم تخبره عن عطل في سيارتها وطلبت منه الحضور فوراً لمساعدتها لأن موعد مغادرتها إلى العمل قد حان ولم يكن ثمة مجال لإعارته سيارتي، فأنا أيضاً قد حانت مواعيد مغادرتي إلى المستشفى وقد فعلت. وعندما عدت عند منتصف الليل وسألته كيف ذهبت أخته إلى عملها، أجابني دون تكلّف قائلاً:

ـ طبعاً رامز!

وأضاف وهو يشعل سيجارة:

ـ وربما فرغت الآن من عملها وهو في طريقه لأخذها إلى البيت.
صفحة 4
ومع مرور الأيام سأكتشف أن رامز هو الذي يأخذ من أراد السفر إلى المطار، وهو من يحضر العائد أيضاً من المطار، وهو الذي يقرضهم المال رغم ظروفه العائلية. يوم تزوجنا أنا وحاكم رأيته فرحاً وكأننا شقيقان له، أهداني نسخة إنكليزية من رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» وهو يقول: ستتعرفين من خلالها على قوم زوجك. ولا بدَّ أنه قد أسهم بنصيبه من المال كما هي العادة في بلادهم. وعندما شاهدت فيديو حفل زفاف أبنوسة، وهي شقيقة حاكم التي تليه مباشرة في ترتيب الأخوة الخمسة، رأيته فرحاً، بل كان أكثر الناس فرحاً، يرقص على طريقتهم السودانية منذ بدء الحفل إلى منتهاه حتى خامرني الشك أنه مخمور، غير أني سأدرك لاحقاً أنه لا يغادر منزله حين يكون مخموراً. ويوم غادر جميعهم إلى لويزيانا من أجل العمل في معسكر القوات الأميركية المغادرة إلى العراق وتركوا العجوز وحيداً مع كاظم الشقيق الوسطاني الذي يعمل ليل نهار في أحد مطاعم السمك الذي يبعد بحوالى الـ 15 ميلاً عن بلدية ديكالب التي نقيم فيها جميعاً، ولم يكن لديه وقت للوقوف على أحوال العجوز المسكين الذي لا يزال يعاني أثر الذبحة، فضلاً عن ارتفاع الضغط والسكر وآلام البطن والساقين وضعف النظر. الوحيد الذي ظل يتابع أحواله كل يوم وبلا انقطاع هو رامز، رغم المسافة التي تفصل بين بيتيهما، فالأخير يعيش في كلاركستون بينما هم يعيشون في ستون ماونتين. وقد ظل الأمر هكذا إلى أن انقضى الشهر وعادوا جميعاً إلى البيت. كان الموقف الأخير هو الذي كشف لي عن حقيقة الأشخاص الذين أتعامل معهم، أعني زوجي وعائلته من ناحية، ورامز من الناحية الأخرى. أن يتركوا أباهم الذي حاصرته الأمراض والشيخوخة لرحمة القدر ويذهب جميعهم لممارسة عمل وصفوه بالأمس بالخسة، ووصفوا كل من ذهب لأدائه بالنذالة، وعندما علموا بأن الحوافز ضخمة (5 آلاف دولار) تمنح لكل من يذهب، نسوا كلّ ما قالوه بالأمس وركضوا كالقطط المذعورة نحو الباص المسافر إلى لويزيانا. حينئذ تأكدت من زيفهم وانتهازيتهم، وبالمقابل كان رامز يكبر ويكبر في نظري.