eKtab
EN ع
سقوط النظام الملكي في العراق
اقرأ عينة مجانية

سقوط النظام الملكي في العراق

بقلم د. فاضل حسين

صفحة 1
مقدمة المؤلف
 
بعد قيام ثورة 14 تموز في العراق بنحو أسبوع أو عشرة أيام ذهبت لزيارة عبداللطيف جاسم الدراجي· كان عبداللطيف ثالث ثلاثة وضعوا خطة تنفيذ الثورة ونفذوها، وهم عبدالسلام محمد عارف وعبدالكريم قاسم وعبداللطيف الدراجي· حدثني عن بعض أسرار الثورة واتفقنا على اللقاء في داري بعد فترة قصيرة لمتابعة الحديث· يجد القارئ في ثنايا هذا الكتاب ما أخبرني به·
 
منذ ذلك حتى كتابة هذه السطور قابلت العديد من رجال السياسة والضباط الأحرار وتطرق الحديث إلى الثورة عشرات المرات، وصارت الحقائق تظهر تباعاً، ولكن لا يمكن القول الآن إن جميع الحقائق تكشفت·
 
كانت لي لقاءات عديدة مع حسين جميل وحدثني عن معلوماته وتفسيراته للأحداث، وقابلت كامل الجادرجي وتحدثنا عن الموضوع·
 
وفي الأيام الأولى من قيام الثورة قابلت طاهر يحيى من الضباط الأحرار وحدثني عن بعض المواقف، وزرت رجب عبدالمجيد وأبديت له رغبتي في الاطلاع على معلومات عن الثورة، والتقيت بهديب الحاج حمود وزير الزراعة في حكومة الثورة الأولى، والتقيت بجاسم العزاوي وتعرفت على ناجي طالب وتحدثنا عن الموضوع أيضاً·
 
اطلعت على بعض الوثائق المهمة، منها ما نشرته محكمة الشعب عن محاكمات المحكمة العسكرية العليا الخاصة· واطلعت على كتاب صبيح علي غالب وما نشرته مجلة روز اليوسف المصرية من مذكرات عبدالسلام عارف التي نشرت بشكل كتاب بعد ذلك، وعلى كتاب مجيد خدوري عن العراق الجمهوري بالإنكليزية، وعلى كتاب فالح زكي حنظل عن أسرار مقتل العائلة المالكة في العراق وعلى كتب أخرى·
 
في أثناء ذلك أصدر الملك حسين ملك الأردن سيرته الذاتية بالإنكليزية واطلعت عليه· رأيت أن آخذ على عاتقي كتابة تاريخ ثورة 14 تموز 1958 في الوقت المناسب· وفي ربيع 1973 وصلتني رسالة من معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية في القاهرة، يطلبون مني بحثاً عن تاريخ العراق الحديث لألقيه كمحاضرات على طلاب الدراسات التاريخية في المعهد خلال السنة الدراسية 1973-1974· لم أجد الوقت الكافي لتسطير تاريخ الثورة مفصلاً مع بذل العناية اللازمة للتحليل والتفسير، فكتبت المحاضرات المطلوبة على عجل وألقيتها في كانون الثاني 1974 على أن أعود إليها وأعيد النظر فيها وإعادة نشرها مزيدة ومنقحة·
 
منذ 1974 ظهرت كتب أخرى عن الموضوع ألفها عبدالكريم فرحان ومحسن حسين الحبيب وصبحي عبدالحميد وهم من الضباط الأحرار· وقدم ليث عبدالحسن الزبيدي - رسالة ماجستير إلى كلية القانون والسياسة في جامعة بغداد، وقدم محمد حسين الزبيدي رسالة دكتوراة إلى كلية الآداب في جامعة القاهرة· وقد استفدت فعلاً من هذه الكتب·
 
بعد صدور كتابي تابعت موضوع أسرار الثورة بالمناقشة المستمرة عشرات المرات مع رجب عبدالمجيد وناجي طالب، وبالتعليق على الكتب المذكورة·
 
من الأمور الجديدة التي تضمنتها الطبعة الثانية من كتابي هذا إضافة معلومات وأسرار وتفسيرات وتحليلات حول الموضوعات التالية بصفة خاصة.
 
1- معنى النظام الملكي وطبيعة النظام الجمهوري الجديد.
 
2- معنى الثورة والثوار.
 
3- تعليق على مجلس قيادة الثورة·
 
4- طموح بعض الضباط الأحرار للوصول إلى السلطة.
 
5- أخبار اللجنة البديلة - الوسطية - في تنظيم الضباط الأحرار ومواقفها.
 
6- أخبار رتل الهادي - اللواء المدرع السادس - في الأردن.
 
7- فكر عبدالكريم قاسم السياسي وارتباطاته.
 
8- محاولات الشيوعيين إسقاط عبدالكريم قاسم·
 
9- دور عبدالسلام الحاسم.
 
10- موقف رفعت الحاج سري من اللجنة العليا للضباط الأحرار·
صفحة 2
العهد الملكي في العراق
 
عندما نذكر النظام الملكي والعهد الملكي لا نقصد رئاسة الدول أي الملك أو من ينوب عنه حسب؛ بل نقصد النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي ومن يؤيده أو يرتبط به داخل العراق وخارجه فالنظام الملكي في العراق ضم العناصر الآتية:
 
1- الملك أو من ينوب عنه: أي الملوك فيصل الأول وغازي الأول وفيصل الثاني والأمير عبدالإله· وأهميته في العراق أنه كان قناة الاتصال بين بريطانيا والسلطات العراقية، وبصفة خاصة أيام وصاية عبدالإله وحتى نهاية العهد الملكي، وعن طريقه نفذت بريطانيا سياستها وحققت مصالحها· وقد أعطى الدستور العراقي سلطات واسعة للملك، وبعضها لتحقيق الأهداف البريطانية في العراق·
 
2- نوري السعيد: ويمثل أقوى المناصرين للسياسة البريطانية في العراق والشرق الأوسط، وقد اعتبره البريطانيون والكثيرون من العراقيين والعرب رجل بريطانيا القوي في هذه المنطقة· برز بصورة واضحة في الميدان السياسي منذ عقده معاهدة 1930 العراقية - البريطانية وإبرامها، وقد احتوت على شروط تحقق المصالح البريطانية الرئيسة، وظهر في نظر العراقيين دكتاتواراً يحكم العراق بالنيابة عن بريطانيا· زاد نفوذه وقويت مكانته بعد فشل ثورة مايس 1941 وإعادة احتلال بريطانيا للعراق، وقد خلا له الجو بعد غياب الشخصيات القوية، مثل عبدالمحسن السعدون والملك فيصل الأول وجعفر العسكري وياسين الهاشمي ورشيد عالي الكيلاني، ومهما قيل من تبرير لسياسته المؤيدة لبريطانيا من أنه قصد بها خدمة العراق والعرب، فإن الشعور العام كان عدائياً نحوه، وقد تصرف الناس بعامة والمثقفون بخاصة طبقاً لهذا الشعور.
 
3- النظام شبه الإقطاعي: ويمثله شيوخ القبائل الذين كانت مصالحهم مرتبطة بالنظام السياسي القائم، وقد استند إليهم النظام الملكي في تقوية مركزه· استغل الإقطاعيون الفلاحين العراقيين الذين يمثلون الأكثرية الساحقة من الشعب.
 
4- أنصار النظام الملكي من المدنيين، ويمثلهم الوزراء والأعيان والنواب وكبار الموظفين وأنصاره من كبار ضباط الجيش·
 
وقفت المعارضة في العراق، التي تمثلها الأحزاب والمنظمات والمثقفون الواعون، ضد النظام الملكي ورموزه· وقد اتجهت عواطف الغضب والسخط ضد السياسة البريطانية في العراق ومن يساندها كنوري السعيد وعبدالإله وأنصارهما·
 
يمكن أن يوصف النظام الملكي في العراق بما يمثله من مصالح ومفاهيم سياسية، قياساً بما حدث في التاريخ الحديث في العالم كالثورة الفرنسية مثلاً، بأنه نظام إقطاعي· ولذلك نقول إن النظام الذي أسقطته ثورة 14 تموز 1958 في العراق هو النظام الملكي الإقطاعي مع تأكيد على صفته الإقطاعية·
صفحة 3
معاداة الاستعمار البريطاني:
 
عزا المثقفون والواعون من العراقيين كل مساوئ الحكم وسلبياته إلى الاستعمار البريطاني وأنصاره في العراق· وقد تصرف هؤلاء واتخذوا مواقف بعضها مبني على العاطفة، وبعضها قائم على العلم والمعرفة· يمكن تلخيص مآخذ هؤلاء العراقيين بالنقاط الآتية:
 
1- عدم تحقيق بريطانيا لاستقلال العرب كما وعدوا الحسين بن علي شريف مكة، بل فرضوا الانتداب على العراق وفلسطين وسوريا ولبنان، وهو استعمار مقنع، وأقاموا في العراق حكماً إقطاعياً استبدادياً، وفرضوا على العراق معاهدة 1930 الجائزة التي حققت لهم أهدافهم الاستعمارية.
 
2- فرض البريطانيون أشخاصاً من أنصارهم مثل نوري السعيد الذي حكم العراق حكماً استبدادياً وتآمر على فلسطين والبلاد العربية.
 
3- وقوع بعض الحوادث المؤلمة عزاها العراقيون إلى بريطانيا وأنصارها في العراق، مثل مصرع الملك غازي في ظروف غامضة، اعتقد العراقيون أن بريطانياونوري السعيد وعبدالإله هم الذين دبروا مصرعه(1) يضاف إلى ذلك تنصيب الأمير عبدالإله وصياً على عرش العراق، وهو من أشد مناصري السياسة البريطانية في العراق، واعتقد العراقيون أنه تواطأ مع نوري السعيد والإنكليز في التخلص من الملك غازي· في عهد وصاية عبدالإله عدل الدستور العراقي، وأعطي الملك حتى إقالة الوزارة، وصار هو ولياً للعهد، وأسهم في مكافحة الحركات الوطنية والأحزاب المعارضة، وحاول أن يكون ملكاً على سوريا.
 
4- ثورة مايس والحرب العراقية - البريطانية سنة 1941: حزن العراقيون المدنيون والعسكريون على ما آلت إليه تلك الثورة والحرب· واعتبر الضباط الأحرار مصرع القادة العسكريين طعنة لكرامتهم، وصاروا يتذكرون أحداث سنة 1941 في تفكيرهم وتنظيمهم للقيام بثورة، جعلوا أحد أهدافها الثأر لهؤلاء القادة، واعتبروا الحوادث ونتائجها درساً وعبرة لتحاشي سلبياتها في المستقبل·
 
ذكر لي رجب عبدالمجيد أنه في ليلة إعدام فهمي سعيد ومحمود سلمان ويونس السبعاوي (1942) كان ضابط خفر، فوردته برقية تنبئ بما يحدث وتطلب اتخاذ الإجراءات اللازمة في الجيش· قال رجب إنه بكى لهذا الخبر مع أنه صبور على المكاره، ولم يبك عندما توفي والده فأقسم على الانتقام لأولئك الضحايا.
 
5- اعتبر العراقيون والعرب قضية فلسطين قضيتهم الأساسية، واعتقدوا أن بريطانيا وأنصارها في العراق والبلاد العربية كنوري السعدي وعبدالإله من أسباب نكبة فلسطين.
 
6- ربط العراق بالمشاريع الاستعمارية الأنكلو، - أميركية في الشرق الأوسط توجته بحلف بغداد.
 
7- مساهمة بريطانيا في الاعتداء الثلاثي الإسرائيلي - البريطاني - الفرنسي على مصر سنة 1956، وموقف الحكومة العراقية وعلى رأسها نوري السعيد موقف المتخاذل وربما موقف المشجع، ولذلك اشتدت نقمة العراقيين على بريطانيا وأنصارها· بعد حوادث الاعتداء هذه مباشرة قرر الضباط الأحرار تنظيم أنفسهم وإقامة لجنة عليا تشرف على التنظيم في كانون الأول 1956، وعملوا بجد على إسقاط النظام القائم الاستبدادي الرجعي الإقطاعي، المستند إلى تأييد الاستعمار البريطاني وإقامة نظام جمهوري ديمقراطي متحرر من النفوذ الأجنبي·
صفحة 4
الأحزاب المعارضة
 
الأحزاب التي عارضت العهد الملكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى ثورة 14 تموز 1958 هي:
 
1- الحزب الوطني الديمقراطي(2)
 
2- حزب الاتحاد الوطني
 
3- حزب الشعب
 
4- حزب الاستقلال(3)
 
5- الحزب الشيوعي
 
6- حزب البعث(4)
 
7- الحزب الديمقراطي الكردستاني(5)
 
أجيزت الأحزاب الأربعة الأولى في 2 نيسان 1946 أما الحزب الشيوعي فقد أعيد تنظيمه بصورة سرية خلال الحرب العالمية الثانية· أسس حزب البعث في سوريا في 7 نيسان 1947 وألف له فرعاً في العراق ولم يجز، بل عمل بصورة سرية في العهد الملكي· أسس الحزب الديمقراطي الكردستاني في 16 آب 1946 وبقي يعمل بصورة سرية في العهد الملكي·
 
في أواخر أيلول 1947 أبطلت وزارة صالح جبر رخصة حزب الاتحاد الوطني وحزب الشعب بحجة خروجهما عن الأهداف التي أجيزا بموجبها ولأنهما عمدا إلى تشكيل نظام الخلايا، ولحثهما على الثورة وخلق الاضطرابات واعتمادهما في إيراداتهما على مصادر مجهولة·
 
في أيلول 1954 حلت وزارة نوري السعيد الثانية عشرة الحزب الوطني الديمقراطي، مدعية أن الوقائع قد برهنت على أن تصرفات الحزب تهدف إلى الإخلال بالأمن وإقلاق الراحة العامة، ومدعية أن الحزب خرج عن منهاجه الذي أجيز بموجبه، وأنه تعاون مع الهيئات غير القانونية والتي لم تحترم قوانين البلاد ونظمها وأنه ارتكب مخالفات قانونية متكررة·
صفحة 5
ولما صدر مرسوم الجمعيات في 22 أيلول 1954 حلت وزراة نوري السعيد المذكورة حزب الاستقلال وسائر الأحزاب الأخرى· جرت محاولة لتكوين حزب واحد من الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال باسم )حزب المؤتمر الوطني)، ولكن الحكومة العراقية لم تسمح بإجازته·
 
دانت الأحزاب المعارضة سياسة الطبقة الحاكمة في تشريد المعارضين بسجنهم وتعذيبهم ومكافحة أرزاقهم وقتلهم·
 
يذكر ولدمار غولمن Gallman في كتابه عراق نوري السعيد (ص216-220) أنه قام بزيارة كامل الجادرجي رئيس الحزب الوطني الديمقراطي في صيف 1955، بعد أن أخبر نوري السعيد بنيته هذه جاء في حديث الجادرجي أنه حذر الأميركيين من الانخداع بالكلام عن الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، وأن العراق على الرغم من دخله الكبير من النفط بقي بلداً ينتابه الفقر، وأن المزارعين الصغار لا زالوا يلاقون الغرم من الشيوخ أولاً ثم من الحكومة نفسها، وقال الجادرجي إنه لم يكن شيوعياً ولا من الذين يعطفون على الشيوعية، ولكنه اشتراكي تقدمي يؤمن بالتطور النامي أكثر من إيمانه بالتبدل الثوري، ولكن الكثيرين من العراقيين يشعرون بأن الاتحاد السوفييتي هو الآن القوة الوحيدة التي ترعى سبيل الإصلاح الاجتماعي بصورة فعالة· وأضاف إن بريطانيا والولايات المتحدة ساندتا العناصر الرجعية في العراق، وإن السفارة البريطانية وشركة نفط العراق ساندتا المصالح المالية لغاياتهما فعرقلتا الإصلاح الاجتماعي، وإن دور الولايات المتحدة بهذا الشأن دور غير مباشر لأنها تساند الموقف البريطاني على علاته·
 
وفي شباط 1956 زار السفير نفسه كامل الجادرجي وذكر أنه حمل حملة شديدة على نوري السعيد لقمعه الحريات الشخصية، ولما تطرق إلى الشئون الخارجية ركز انتقاده على تمسك العراق بميثاق بغداد، وقال إن نوري السعيد بعمله هذا عزل العراق عن العالم العربي دون أن يحصل على أية فائدة للبلاد، وادعى أن نوري السعيد يبقى في الحكم بتأييد البريطانيين، وأما الولايات المتحدة فلا تملك سياسة خاصة بها، فهي تؤيد سراً الجهود البريطانية للسيطرة على العراق عن طريق نوري السعيد، وتطرق السفير الأمريكي إلى المذكرة التي قدمها قادة الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال إلى الملك بتاريخ 29 كانون الأول 1955، وجاء فيها أن الشعب العراقي الذي نشأ على الاعتزاز بقوميته كان دوماً يصبو إلى هدف سام تملك مشاعره وهو وحدة البلاد العربية، في جو مستقل عن المؤامرات الاستعمارية، والآن نجد العراق الذي كان عليه أن يكون في الطليعة من حركة العرب التحررية والاتحادية أصبح منعزلاً؛ بل عاملاً مؤثراً في عرقلة الجهود وأداة لتفكك المجموعة العربية، وأن السبيل الوحيد لإنقاذ العراق من الأخطار التي تحيق به إنما يكون بتخلي وزارة نوري السعيد عن الحكم وإعادة الديمقراطية إلى البلاد والانسحاب من حلف بغداد وانتهاج سياسة عربية منسجمة وسياسة البلاد العربية الأخرى في اتجاهاتها نحو التحرر والاتحاد(6)
صفحة 6
جبهة الاتحاد الوطني (السرية):
 
لما عقد حلف بغداد واشتد خطره على كيان البلاد العربية وعلى الحريات العامة والإصلاح الداخلي، بادر الشيوعيون بالاتصال بكامل الجادرجي لغرض تكوين جبهة موحدة، وفي الوقت نفسه اتصل الشيوعيون بالجماعات الأخرى خلال سنتي 1955 و1956 مثل حزب البعث وحزب الاستقلال والمستقلين·
 
وقد عملت حوادث الاعتداء الثلاثي على مصر وحوادث العراق المؤيدة لمصر في 1956 على تكوين جبهة الاتحاد الوطني، من الحزب الوطني الديمقراطي والحزب الشيوعي وحزب البعث وحزب الاستقلال والمستقلين·
 
وقد تتابعت اجتماعات ممثلي الأحزاب الأربعة في أوائل عام 1957، وتكونت في شباط اللجنة الوطنية العليا لجبهة الاتحاد الوطني التي ضمت الأحزاب المذكورة وبعض المستقلين، وأصدرت هذه اللجنة بيانها الأول في 9 آذار 1957 حددت فيه الأهداف الوطنية الكبرى كما يلي:
 
1- تنحية وزارة نوري السعيد وحل المجلس النيابي.
 
2- الخروج من حلف بغداد وتوحيد سياسة العراق مع سياسة البلاد العربية المتحررة·
 
3- مقاومة التدخل الاستعماري وانتهاج سياسة عربية مستقلة أساسها الحياد الإيجابي.
 
4- إطلاق الحريات الديمقراطية الدستورية.
 
5- إلغاء الإدارة العرفية وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين والموقوفين السياسيين، وإعادة المدرسين والموظفين والمستخدمين والطلاب المفصولين لأسباب سياسية(7)
 
اتفقت أحزاب جبهة الاتحاد الوطني على الاستمرار على العمل سوية إلى أن تتغير الأوضاع ويسمح بالعمل السياسي الحزبي، وحينذاك يعمل كل حزب بصورة مستقلة· أفلحت الأحزاب المعارضة قبل تكوين جبهة الاتحاد الوطني وبعده في نشر التذمر العام في العراق ضد حكم نوري السعيد وعبدالإله وأنصارهما ومؤيديهما من الرجعية وشيوخ الإقطاع وضد النفوذ البريطاني· وقد تأثر الضباط الأحرار بهذا الجو العام من التذمر ونظموا أنفسهم وأسقطوا النظام القائم·
صفحة 7
المشاريع الاستعمارية
 
أمل العرب أن يكون عالم ما بعد الحرب مختلفاً عن الماضي، ورغبوا في تحقيق أحلامهم في الاستقلال والوحدة والإصلاح الاجتماعي والديمقراطي، وفي الوقت نفسه برز الاتحاد السوفيتي كدولة كبرى، وأمل العرب يكون نصيرهم ضد الغرب المستعمر، وبرزت الولايات المتحدة كدولة عظمى أرادت أن تحل محل بريطانيا وفرنسا في النفوذ السياسي والاقتصادي· أما فرنسا فقد ضعف نفوذها كثيراً، وأما بريطانيا فقد تشبثت بأساليب مختلفة للإبقاء على نفوذها الذي تدهور كثيراً، وذلك تارة بمحاولة عقد معاهدات ثنائية مع العراق ومصر، وطوراً عن طريق عقد معاهدة عراقية - تركية وعراقية - أردنية لتكون مقدمة لتكوين منظمة إقليمية دفاعية عن الشرق الأوسط؛ للحفاظ على مصالحها من جهة؛ وللوقوف في وجه الاتحاد السوفيتي من جهة أخرى· سارعت الولايات المتحدة لمساندة بريطانيا في تحقيق أغراضها·
 
بعد فترة قصيرة من انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة وبين الاتحاد السوفيتي وحلفائه الشرقيين من جهة أخرى، فانقسم العالم إلى كتلتين غربية وشرقية، وعجلت الولايات المتحدة بإعلان مبدأ ترومان(1947) لمساندة اليونان وتركيا، ومحاولة احتواء وتطويق Contain ment الاتحاد السوفيتي والشيوعية؛ أي الإحاطة بهما، وفي عهد ايزنهاور(1957) أعلنت الولايات المتحدة مبدأ ايزنهاور لمساندة دول الشرق الأوسط ضد الشيوعية·
 
وقفت الطبقات الحاكمة في البلاد العربية مؤيدة الكتلة الغربية التي يعتبرها الشعب العربي عدوة مصالحه، ولا سيما في قضية فلسطين التي يعتبرها حيوية لكيانه واستقلاله ومستقبله وحياته، ولذلك وقف الشعب العربي عامة والشعب العراقي خاصة ضد محاولات نوري السعيد وعبدالإله وجماعتهما؛ بربط العراق بعجلة الاستعمار الغربي على حساب مصالحه ومصالح الشعب العربي·
صفحة 8
المعاهدة العراقية - التركية:
 
في ربيع 1945 زار الوصي عبدالإله الولايات المتحدة يصحبه نوري السعيد، ثم عادا إلى إنكلترا ومنها إلى تركيا في أيلول 1945· وبعد عودة الوصي إلى العراق تخلف نوري السعيد في تركيا وباحث حكومتها في اقتراحها تكوين كتلة الشرق الأوسط، بالتعاون والتنسيق مع بريطانيا والولايات المتحدة للوقوف في وجه الاتحاد السوفيتي· وإذا تم التفاهم بين تركيا والعرب تتم السلسلة التي يريدها الغربيون لتطويق واحتواء الاتحاد السوفيتي· وكان نوري السعيد قد أظهر ميله للتعاون مع الغرب ضد السوفييت، فأجرى مباحثات تمهيدية مع الحكومة التركية دون تخويل من الوزارة القائمة على الحكم في العراق وهي وزارة حمدي الباجه جي· ولما عاد إلى العراق أخبر الوصي بما تم فطلب الديوان الملكي من الوزارة الموافقة على تعيين نوري السعيد رئيساً للجنة المفاوضات مع تركيا، وفي عهد وزارة توفيق السويدي الثانية منح نوري السعيد صلاحيات مطلقة، ومنها التفاوض حول التعاون مع تركيا في السياسة الخارجية· ويذكر نوري السعيد أنه استشار وزارة الخارجية البريطانية عن طريق السفارة البريطانية في أنقرة ونال تأييدها·
 
وفي 29 آذار 1946 وقع نوري السعيد مع تركيا معاهدة صداقة وحسن جوار وبها ستة ملحقات وعلى اتفاقيتين أخريين· ادعى نوري أن هذه المعاهدة لا تناقض تعهدات العراق في ميثاق سعد إياد، وميثاق الأمم المتحدة وميثاق جامعة الدول العربية، بل تضمن تأييد الحكومة التركية في قضية فلسطين التي هي الوتر الحساس في القضية العربية، ولكن المادة الأولى من المعاهدة قالت باحترام العراق واعترافه بضم لواء الاسكندرون إلى تركيا·
 
قالت الأحزاب المعارضة في العراق إن من نتائج عقد المعاهدة العراقية - التركية إضعاف وتفكك جامعة الدول العربية، واعترافاً بضم لواء الاسكندرون السوري إلى تركيا، وتوريط العراق في تكتلات دولية لا مصلحة له فيها·
صفحة 9
المعاهدة العراقية - الأردنية:
 
في نيسان 1947 سافر الوصي عبدالإله ونوري السعيد رئيس مجلس الأعيان إلى الأردن، بعد أن أصبح مملكة لعقد معاهدة عراقية - أردنية، وبعد أن تم ذلك عرض مشروع المعاهدة على وزارة صالح جبر فأقرتها، وخول فاضل الجمالي وزير الخارجية التوقيع عليها·
 
عارضت الأحزاب العراقية المعارضة هذه المعاهدة باعتبار أنها تقيم تكتلاً من العراق والأردن يباعد بينهما وبين دول الجامعة العربية الأخر،ى وأنها توسع منطقة عمل الجيوش البريطانية عن طريق الجيش الأردني إلى العراق، وتفتح مجالات جديدة للتدخل البريطاني في أكثر من شئون حياة العراق العامة عن طريق اللجان الدائمة التنفيذية، ومن شأن ذلك كله قيام العراق بالتزامات مالية واقتصادية لا حدود لها ينوء بأعبائها·
 
معاهدة بور تسموث والوثبة الوطنية:
 
رأى الشعب العراقي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وتأسيس هيئة الأمم المتحدة أن المعاهدة العراقية - البريطانية لسنة 1930 قد استنفذت أغراضها، وأصبحت غير ذات موضوع، وأن العلاقات بين العراق وبريطانيا يجب أن تكون وفقاً لأحكام ميثاق الأمم المتحدة، باعتبار الدولتين عضوين متساويين في الحقوق والواجبات، وأن ذلك الميثاق ألغى المعاهدة العراقية - البريطانية التي تتناقض مع المادة (103) من الميثاق، إذ نصت على أنه )إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة، وفقاً لأحكام هذا الميثاق، مع أي التزام دولي آخر يرتبطون به فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق)
 
ولكن الطبقة الحاكمة في العراق الخاضعة للاستعمار البريطاني وافقت على الخطة الانكلو-أميركية في موضوع الدفاع المشترك في منطقة الشرق الأوسط والمساهمة في الحرب الباردة بين الكتلتين السوفيتية والغربية· رغبت بريطانيا في تجديد صفة الشرعية للمعاهدة العراقية - البريطانية لسنة 1930، وفي توسيع الامتيازات العسكرية، بحيث يكون العراق بأجمعه مطاراً للقوات البريطانية بدلاً من مطاري الحبانية والشعيبة وحدهما، كما كان الأمر في معاهدة 1930· دارت مفاوضات بين الجانبين العراقي والبريطاني في بغداد ولندن خلال الفترة 8 مايس 1947 - 4 كانون الثاني 1948، انتهت بتوقيع معاهدة جديدة في ميناء بورتسموث البريطاني في 15 كانون الثاني 1948 وسميت شعبياً باسم معاهدة بورتسموث·
 
عارضت الأحزاب العراقية عقد أية معاهدة وأصدرت بياناتها ضد المعاهدة، في الأيام التالية تظاهر الطلاب وجروا معهم في تظاهراتهم العمال وجموعاً كثيرة من طوائف الشعب الأخرى، واستعملت الشرطة القوة وأطلقت الرصاص على المتظاهرين، وقتل أربعة أشخاص ثم انتشرت المظاهرات في جميع أنحاء بغداد وفي أكثر مدن العراق، فقتل أربعة متظاهرين، واستمرت المظاهرات أياماً متعددة بلغت ذروتها في يوم 27 كانون الثاني 1948 لما حاول المتظاهرون عبور الجسر من الكرخ إلى الرصافة حيث فتحت الشرطة رشاشاتها وقتلت الكثيرين· خشي الوصي عبدالإله العاقبة فطلب من رئيس الوزراء صالح جبر تقديم استقالته فاستقال· وأذاع الوصي بياناً من دار الإذاعة مساء يوم 27 كانون الثاني ذكر فيه استقالة الوزارة ورفض المعاهدة·
صفحة 10
الحياد:
 
عندما تأزم الوضع الدولي وحاولت الكتلة الغربية زج الشرق الأوسط والبلاد العربية في أتون الدفاع المشترك، وقع عدد كبير من رجال السياسة المستقلين بيان الحياد بين المعسكرين المتنازعين في 19 آذار 1951·
 
أيد الشعب العراقي بيان الحياد، كما كان له صدى كبير في البلاد العربية والأجنبية·
 
حلف بغداد(8):
 
بدأت وزارة نوري السعيد الثانية عشرة حملتها ضد الحريات العامة وتمهيد الطريق لانتخابات نيابية يسيطر عليها كل السيطرة ويقمع المعارضة، تمهيداً لتمرير المشاريع الاستعمارية بإصدار عدة مراسيم (سنة 1954):
 
1- مرسوم تعديل ذيل قانون العقوبات البغدادي، وفيه: )كل من حبذ أو روج أياً من المذاهب الاشتراكية البلشفية - الشيوعية - والفوضوية والإباحية وما يماثلها، التي ترمي إلى تغيير نظام الحكم والأوضاع السياسية للهيئة الاجتماعية المضمونة بالقانون الأساسي - يستحق عقوبة الحبس لمدة سبع سنوات والحبس المؤبد أو الإعدام إذا كان التحبيذ قد جرى بين القوات المسلحة، سواء كان ذلك مباشرة أو بواسطة هيئات أو منظمات تهدف إلى خدمة أغراض المذهب المذكور، تحت ستار أي اسم كان كأنصار السلام والشبيبة الديمقراطية وما شاكل ذلك)
 
2- مرسوم ذيل قانون الجنسية، وفيه: )لمجلس الوزراء، بناء على اقتراح وزير الداخلية، إسقاط الجنسية العراقية عن العراقي المحكوم وفق ذيل قانون العقوبات البغدادي)
 
3- مرسوم النقابات، وفيه: )لمجلس الوزراء، بناء على اقتراح وزير الداخلية، أن يقرر غلق أية نقابة مؤسسة وفق قانونها الخاص بصورة دائمية أو مؤقتة عندما تسلك النقابة مسلكاً يمس الأمن العام أو النظام العام أو يسبب إقلاق الراحة، مما يدل على خروجها عن الأسس والمبادئ التي أسست من أجلها)
 
4- مرسوم الجمعيات خول وزير الداخلية إلغاء الجمعيات والنوادي ودور التمثيل.
 
5- مرسوم المطبوعات خول السيد وزير الداخلية إلغاء إجازات الصحف والمجلات.
 
6- مرسوم الاجتماعات العامة والمظاهرات خول وزير الداخلية إعطاء إجازة التظاهر والتجمع، وأعطى الموظف الإداري حق تفريق المظاهرات إذا عرضت الأمن والنظام إلى الإخلال، وإذا كان المتظاهرون أو قسم منهم يهتفون هتافات معادية ضد نظام الحكم أو لغرض إثارة الجمهور ضد الأمن والنظام؛ أو يحملون لافتات من هذا النوع·
 
جرت انتخابات مجلس النواب في عهد وزارة أرشد العمري الثانية (1954) ودخلتها المعارضة في جبهة وطنية، فاز من أعضائها عشرة نواب هم كامل الجادرجي وحسين جميل ومحمد حديد ومحمد مهدي كبة ومحمد صديق شنشل وعبدالجبار الجومرد وخدوري خدوري ومسعود محمد وذنون أيوب وجعفر البدر· وعقد المجلس الجديد جلسة واحدة في صيف 1954· ثم حل نوري السعيد مجلس النواب هذا في 1954 وأجرى انتخاب مجلس جديد عن طريق تزييف الانتخابات بشكل لم يسبق له مثيل، فزاد ذلك في يأس الساسة المعارضين وحملهم على التعاون مع العسكريين حين فقدوا الأمل في تغيير الأوضاع وتحقيق الإصلاح الاجتماعي والسياسي، والتطور نحو الملكية الدستورية بالأسلوب الديمقراطي، فكان ذلك سبباً من أسباب انهيار النظام الملكي·