eKtab
EN ع
سكينة إبنة الناطور
اقرأ عينة مجانية

سكينة إبنة الناطور

بقلم د. سلمى حداد

صفحة 1
الفصل الأول

أفروديتا

نيسان 1975

آثرت الإلهة أفروديتا الحياة بقرب أدونيس ابن الملك القبرصي الذي فاق جماله جمال آلهة الأوليمب، فقضت معه أجمل أوقاتها ولازمته في رحلات صيده للأرانب والغزلان والوعول في جبال قبرص وغاباتها، وكانت تحذره من صيد الحيوانات الكاسرة خشية وقوع أي مكروه لفتاها الجميل الذي هامت به حباً. وذات مرة، وبينما كانت منشغلة عنه بأمور أخرى، تعقب خنزيراً ضخماً ظناً منه أنه سيحقق باصطياده فوزاً غير مسبوق يفخر به أمام أفروديتا ويستعرض باصطياده له عضلاته المفتولة. طريدة لا تقدر بثمن... ما كان يعلم ثمنها ولا بأية عملة سيدفعه. لاحق أدونيس وكلابه أثر الخنزير وتعالى عواء الكلاب إيذاناً باقترابها منه، وعندما أصبح على بعد متر منه خرج الخنزير من بين الشجيرات ليطرح أدونيس أرضاً وينقضّ عليه بنابَيْن هائلين تمكّنا من إحداث جرح قاتل في جسده قبل أن يتمكن أدونيس من غرس رمحه الذي كان قد رفعه في وجه الحيوان الهائج.

علمت أفروديتا بمصرع الحبيب فهرعت إلى جبال قبرص بحالة هستيرية والمرارة تمضغ بطانة فؤادها، وأخذت تركض بجنون على المنحدرات الشديدة والجروف العميقة فنالت من قدميها الرقيقتين أشواك الطبيعة وقِطعُ الحجارة المتناثرة وأغصان الشجر اليابسة فأدمتهما وبعثرت قطرات دمها في كل مكان مرّت فيه إلى أن وصلت إلى أدونيس. احتضنت أفروديتا جثته الهامدة بين ذراعيها وبللتها بدموعها المنهمرة وأخذت تندب الحبيب ندباً حامضاً قابضاً متأسفة على شبابه المهدور.

خلّدت أفروديتا دماءها ودماء محبوبها بطريقتها الخاصة. فقد أمرت أن تزهر وردة الأنيمون مكان كل قطرة من دمائه، وأن تزهر وردة حمراء قانية مكان كل قطرة من دمائها. وهكذا تحولت الدماء إلى أيكة زهور رقيقة في جبال قبرص الشامخة.

لم تتأقلم أفروديتا مع غياب أدونيس وهي الإلهة القوية القاسية الفؤاد التي حكمت على نرسيس بالموت حباً لرفضه هباتها، فكان أن عاقبته بأن جعلته يقع في غرام صورته عندما رآها تنعكس على وجه الماء، ويموت بعد أن عافت نفسه الطعام والشراب فتنبت حيث مال برأسه زهرة الموت.... النرجس. الإلهة الشقراء تذرف الدموع ليل نهار على أدونيس الذي رحل في غفلة منها فتصل أنّاتها الكسيرة إلى مسامع زيس الذي يرق قلبه لحالها فيأمر أخاه هاديس وزوجته بيرسيفونا بإعادة أدونيس إلى الحياة من مملكة الموت مرة في الفصل الثاني من كل سنة فتزهر الطبيعة، وتشرق الشمس، ويضجّ قلب أفروديتا بألوان الحب والحياة وإلى جانبها حبيبها أدونيس(1).

تركت سكينة الكتاب برفق وألقت به جانباً على طاولة متآكلة الأطراف ثُبتت سيقانها بقطع مطوية تم انتزاعها بعنف وعشوائية من كرتونة مياه بقين قديمة. ألقت برأسها إلى الوراء مستندة إلى جدار نافر مخرمش فَقَد لونه الأبيض في زحمة الحياة التي هاجمته بكل أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، أعتاها -على الإطلاق- الفقر. ويتوسط الجدار نافذة صغيرة ذات إطار حديدي أسود اللون دُقّت على جوانبه الأربعة مسامير مهترئة لتثبيت قطعة شبك تعيسة للحماية من ناموس الليل. وبين مسمار ومسمار تستمتع قطعة الشبك بحريتها كاملة فتستقبل ما يحلو لها من ناموس الليل وذباب النهار وتدعوها إلى الداخل. كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وعلى سكينة أن تأوي إلى فراشها كي تتمكن من الاستيقاظ مبكراً لتلتحق بمدرستها جواهر المستقبل صف البكالوريا الشعبة الثانية أدبي. ولكنها وإن استيقظت متأخرة بعض الشيء فسوف تتمكن من تدبير أمورها واللحاق بالحصة الأولى في وقتها تماماً، فقد رحمها الله من شر المواصلات الصباحية لأنها –وبكل بساطة- ابنة أبي جاسم، ناطور المدرسة العتيد.

بدأت سكينة تفكر في ما قرأت. لقد اتفقت هي ومجموعة صغيرة من صديقاتها في الصف أن يقرأن كل أسبوع قصة ما ويتناقشن فيما بعد بأمرها. كانت هديل أول من طرح الفكرة مع سكينة. فهديل قارئة من الطراز الممتاز، شديدة الحساسية ومغرقة في الرومانسية تحب دائماً الاستماع إلى الآخر من باب تقدير المسافة بينها وبينه، ومن باب تثقيف الذات. ولطالما شعرت سكينة بأن هديل أكبر من سنها بكثير وأكثر وعياً ومنطقية من أترابها. فهي متوازنة في حكمها على الأشخاص والأشياء على السواء وتسعى دوماً إلى تطوير نفسها عن طريق القراءة في الوقت الذي تبعثر الأخريات الأيام والليالي غير عابئات بالاستفادة منها. وكان أن التحق بالمجموعة ليلى ومرام وماجدة. وقد تم الاتفاق أخيراً على التركيز مبدئياً على أساطير اليونانيين القدامى وعلى الروايات المتعلقة بآلهتهم، فقد قرأت هديل بعض الكتب في هذا المجال وأرادت أن تستزيد بعد أن شعرت بروعة ما قرأت. وكان أن قامت بتوزيع نسخ من قصة أفروديتا وأدونيس على البنات الأربع محتفظة لنفسها ولمكتبتها بالأصل.

فكرت سكينة في سحر ما قرأت، وساهم في صقل هذا السحر شهر نيسان وروائح الياسمين الدمشقي المتسللة بدهاء إلى صدور الساهرين خارج أسوار معظم الحدائق الرقيقة المحيطة بمدرسة جواهر المستقبل في حي المزة فيلات غربية. ما أجمل أن يكون الإنسان في حالة حب حقيقي، تنهدت سكينة. حب كحب أفروديتا وأدونيس، لمَ لا؟ لو كنت في حالة حب حقيقي لما مانعت أن أموت في سبيل حبيب يخلدني حتى ولو بزرع باقتيّ جرجير وفصَّة على قبري الصغير. ضحكت من الفكرة وتثاءبت في دلال قبل أن تدفع الكرسي الذي تجلس عليه بوركيها وتنهض. دخلت الغرفة لتنام استعداداً لاستقبال يوم جديد من أيام حياتها الملأى بكل شيء.

كان المكان يضج بشخير أبي جاسم. هدير أعادها بوحشية من عالم الخيال والياسمين وأفروديتا وأدونيس إلى أرض الواقع المؤلف من غرفة واحدة تحتضن، بالإضافة إلى أحلامها، أبا جاسم وأولاده السبعة وأمهم، أمّ مرزوق. جاسم من زوجة سابقة لم تلتقها أم مرزوق يوماً. فقد توفيت أثناء ولادتها جاسماً على يد داية حمقاء أحضرها أبو جاسم وأصر عليها رافضاً فكرة نقل الزوجة النازفة حتى الموت إلى مستوصف القرية حيث كانا يقطنان خوفاً من أن يقوم طبيب بالكشف عليها. ماتت أم جاسم وأغلقت للمرة الأخيرة عينيها المتوسلتين اللتين كانتا تقولان بصمت المذعور إنها تفضل أن يكشف عليها ألف طبيب على أن تترك وراءها رضيعاً.. جاسم الذي دفع بيُتمه ضريبة قرارات أبي جاسم الجائرة كان الخاسر الأول والأخير.
صفحة 2
عهد أبو جاسم بتربية الصغير إلى جدَّته من جهة أمه، وأدار ظهره لكل ما جرى. وانتقل ليقطن في دمشق بعد أن عقد قرانه على أم مرزوق بعد مرور أربعين يوماً على وفاة أم جاسم بحجة أنه رجل وله متطلبات ولا يقبل الحرام ويشعر بالوحدة وأعزب دهر ولا أرمل شهر، ويجب أن ينتقل بسرعة للعمل في دمشق وووو. كان يرسل للجدة أم فتوح في كل سنة كبيسة حفنة من الليرات لا تكفي خبزاً وماء لجاسم، وعندما كانت ترسل إليه مراسيل القرية تستصرخ ضميره وتطالبه بمزيد من النفقات كان يتجاهلها متذرعاً بعمله البسيط ودخله المحدود وأسرته الكبيرة. سئمت أم فتوح مطالبته وتهربه منها فتوقفت عن إرسال المراسيل بعد أن أيقنت أنها تستنجد برجل أصم أقفل أذنيه عن صراخها تماماً مثلما أقفلهما عن صراخ ابنتها حين كانت غارقة بدمائها. لا حول ولا قوة إلا بالله. استعانت أم فتوح بالله على الشقاء وأخذت تبحث عن عمل في الحقول والمزارع المجاورة يستعين بها أصحابها أيام القطاف في جميع المواسم الشتوية والصيفية، وهكذا تدبرت أمرها وأمر حفيدها.

نشأ جاسم في جو تحريضيّ. فأم فتوح لم توفر مناسبة لتأليبه على أبيه وتلقينه أدق تفاصيل وفاة أمه وزواج أبيه بعد وفاتها بأربعين يوماً وامتناعه عن رعايته وإرسال المصروف إليه وما كابدت –وهي الأرملة الطاعنة في السن- من مشقات ومهانة حتى أوصلته إلى الثانوية العامة. فكان خير تلميذ لأحقادها يحفظها عن ظهر قلب ويراجعها قبل كل اختبار فينجح فيها بامتياز. ولم يقتصر حقده على أبيه الذي لم يجرؤ أن يجاهر به يوماً، بل انسحب على إخوته ليظهر على شكل عدوانية تصل في حالات الغضب الشديد إلى حد الضرب الذي كان لسكينة منه حصة الأسد. فسكينة لم تكن يوماً النموذج الذي يروقه لا بطريقة تفكيرها ولا بطموحها ولا بحبها لعلمها ولا باختيارها لصديقاتها، فكان ينظر إليها بعين الخشية والحذر والريبة دون أن يغفل أهمية تحريض والده عليها كلما سنحت الفرصة بذلك في محاولة لإقناعه بإخراجها من المدرسة وتزويجها لأول طارق باب يستر عليها. وكانت سكينة تلعن في سرها حظها العاثر. لقد كانت تراه لماماً في السابق، أمّا وقد نجح في امتحانات الثانوية العامة فقد انتقل للعيش معهم في دمشق ليلتحق بجامعتها في كلية الحقوق بمنطقة البرامكة.

أصدر أبو جاسم شخيراً قوياً أتبعه بسلسلة صفيرية فارتجف قلب سكينة. ماذا لو استيقظ والدها الآن وعلم أنها لم تنم بعد؟ ماذا لو علم أنها كانت تقرأ قصة من خارج المنهاج وهو الذي لم يقتنع يوماً بالمنهاج نفسه؟ ماذا لو دخل إلى تلافيف عقلها فعرف أنها تفكر في أفروديتا وتحلم بالحب؟ ماذا لو فحص مجهرياً خياشيمها وقفصها الصدري ورئتيها فتأكد من مرور عطر الياسمين فيها؟ ماذا لو أخبر جاسماً بالأمر؟ كل واحدة من هذه «اللماذات» جريمة يعاقب عليها قانون جاسم وأبيه بالإعدام، وما أسهل أحكام الإعدام عندهما! تمنت لو ترمي بنفسها في حضن أمها تحت الغطاء الصوفي المشبع برائحة عرقها المغزول بإتقان مع رائحة الثوم والبصل ريثما ينبلج نور الصباح فتلتقي هديل لتستمد منها باقة شجاعة وحفنة من تقدير الذات الذي تفتقر إليه في هذه الغرفة الكئيبة المكتظة بالخوف، المفتقرة إلى الهواء والحرية. غيرت رأيها في اللحظة الأخيرة كي لا تقلق نوم أمها التي تعمل طوال النهار دون توقف أو تذمر وألقت بنفسها بحذر في المساحة المخصصة على البساط لجسدها في وضعه المتمدد دون الإفراط بتمدد أصابع القدمين حتى لا تلامسا نافوخ حسنا أختها ذات السنوات الخمس، التي تنام تحت قدميها.

وضعت يديها فوق وجهها لتحجب عن عينيها النور القادم عبر النافذة من قنديل الشارع فشعرت بالغثيان. رائحة يديها مزيج قاتل من الثوم والبصل اللذين قشرتهما وقطعتهما لأم مرزوق كي تعد أقراص الفلافل التي اعتادت أن تبيعها للطالبات في كافيتريا المدرسة على شكل سندويشات أو أقراص مقلية مخضَّبة بالسّمّاق الأحمر. يا إلهي كيف نسيت أن تدعكهما بنقطة من المازوت كما اعتادت أن تفعل دوماً بعد أن تفرغ من عملية التقشير والتقطيع هذه؟ ماذا ستقول لزميلاتها في المدرسة لو سخرت واحدة منهن من هذه الرائحة. ستفكر في الأمر غداً، يجب أن تخلد للنوم الآن والصباح رباح.

نامت سكينة فحلمت بأفروديتا الشقراء تناديها بلغة لم تسمعها من قبل لكنها فهمت من تعابير وجهها وحركات يديها أنها تدعوها للعيش معها في أعالي جبال قبرص بعيداً عن أبي جاسم وابنه جاسم. راقت الفكرة سكينة وهي التي لم تطأ قدمها يوماً حجراً خارج قريتها ومدينة دمشق. بيد أن إمكانية بعدها عن هديل شرخت فؤادها وأصابتها بذعر غير مسبوق فأخذت تتوسل إلى الإلهة الشقراء كي تسمح لها باصطحاب هديل معها، لكن أفروديتا رفضت بحزم قاطع. وخطرت لسكينة فكرة جهنمية: التوسل لزيس كي يسمح لها أن تقضي الشطر الأول من السنة مع أفروديتا في جبال قبرص والشطر الثاني مع هديل في ربوع دمشق، فلم تحصل على جواب. قبلت سكينة دعوة أفروديتا على وضعها الراهن وقلبها ينقط مرارة على هديل لكنها عاهدت نفسها أن تأخذ معها غصناً من شجرة ياسمين لتبقي رائحة دمشق وهديل وأم مرزوق في خياشيمها، أما رائحة الثوم والبصل والفلافل المقلية فقد عاهدت نفسها أن تدير لها المنكبين دون أن تنظر إلى الخلف.
صفحة 3
استيقظت سكينة على صوت ارتطام السكين بخشبة التقطيع مروراً بمخلل اللفت الأحمر الذي كانت أم مرزوق تحشو به السندويشات إضافة إلى أقراص الفلافل والطحينة المخفوقة مع اللبن والليمون والقليل من البقدونس المفروم ورشة من السمَّاق الأحمر. كانت رائحة زيت القلي المستخدم عشرات المرات تغلف المكان بوحشيّة اقتحاميّة. فالمطبخ، الذي يُستخدم في أوقات الفراغ للاستحمام، يطل من الخلف عبر نافذة صغيرة على أرض غير منشأة، ويفصله من الأمام عن الغرفة التي تشغلها عائلة أبي جاسم للنوم والدراسة والأكل والجلوس ومشاهدة التلفزيون فتحة معدة بالأصل لباب خشبي لم تُكتب له الحياة أصلاً. أما جاسم فكان يرفل بنعيم النوم وحده في رواق صغير يفصل التواليت عن المطبخ. وقد شعرت سكينة بالحقد الشديد على نِصف أخيها عندما انتقل للعيش معهم لأنها كانت تشغل هذا المكان من قبل. فقد كان –على علله- يرحمها من سمفونيات أبي جاسم الليلية المتواصلة على كل قناة نغمة، بالرغم من أنه لم يكن ليرحمها من زياراته الليلية المتكررة إلى التواليت بحكم كونه يعاني تضخماً في البروستات... اسم لم يسمع به أبو جاسم من قبل إلى أن راجع بسبب بعض المشاكل البولية أحد الأطباء المتفلسفين، كما وصفه يوماً وهو في حالة حنق شديد. وقد حاول الطبيب أن يشرح لأبي جاسم أبعاد مرضه وإمكانية تحوله في يوم من الأيام إلى ورم خبيث فما لقي أذناً صاغية. كان أداء أبي جاسم هو شغله الشاغل فهو يريد أن يظل وجهه أبيض أمام أم مرزوق ورجولته كاملة لا يمسها عيب، أما ما يتحدث عنه الطبيب الخَرِف فهو لا يعنيه بشيء ما دام لا يؤثر حالياً في أدائه وسُمعته الفَنيّة.

نفضت سكينة غطاء الصوف عن جسدها وهبّت واقفة. لا تريد أن تتأخر عن الحصة الأولى، فهي حصة الآنسة أحلام مدرسة اللغة العربية. ما أجمل هذه اللغة وما أرقى معلمتها! قالت سكينة لنفسها. كانت الآنسة أحلام محبوبة من جميع الطالبات من محبّات وغير محبّات للغة العربية. فهي لطيفة وصارمة في الوقت ذاته، ترسم مسافة واضحة بينها وبين طالباتها دون أن تنسى أو تتجاهل يوماً أنها الأخت الكبرى لهن وأنه بإمكان أية واحدة منهن اللجوء إليها في الأوقات العصيبة التي تحتاج فيها إلى نصح من إنسانة حكيمة ومتوازنة. لم تكن سريعة الغضب ولا شاتمة ولا انتقامية في عقابها بل تأديبية تربوية، وبهذا فقد حررت طالباتها من وزر الشعور بالحقد عليها عند قيامها بمعاقبة إحداهن عن طريق تجاهلها وعدم توجيه أي سؤال لها لمدة أسبوع. عقوبة جد قاسية لطالبات أحببنها فكان ضربهن بالعصا أسهل عليهن بكثير من مقاطعة الآنسة أحلام لهن. كانت الطالبات يلقبنها بالعصفورة حين تقرأ لهن قصائد أدب المهجر وبسيبويه عندما تشرح لهن قواعد اللغة العربية وبأميرة الكتّاب عندما تعلمهن أصول الكتابة وفن الإنشاء.

ازداد تعلق سكينة باللغة العربية بفضل الآنسة أحلام وكان لسانها وفؤادها يتوجهان بالدعاء كل مساء إلى الله تعالى كي توكل المديرة هناء إليها تدريسهن مادة اللغة العربية في منهاج الفصل القادم وتموت من بعدها أو تذهب إلى الجحيم تلك المديرة السوقيّة المعتوهة. صراخ بسبب وبدونه وجدران جواهر المستقبل تنقبض من سماع حنجرة غاضبة لا تنقطع عن الصراخ: تشتم وتنعت وتهدد بالضرب والطرد والحرمان من تقديم الامتحانات واستدعاء أولياء الأمور وووو. ليتها تصمت إلى الأبد!! دعاء جماعي لطالبات جواهر المستقبل.

غسلت سكينة وجهها بالماء البارد فاقشعر جسمها. الطقس بارد.. إنها عقارب نيسان. عادت رائحة البصل والثوم تتسلل إلى أنفها عندما مسحت وجهها بيديها فتذكرت المازوت. توجهت مسرعة إلى الموقد لتسرق نقطة مازوت تفرك بها يديها قبل أن يراها أحد من أخوتها المبعثرين خارج الغرفة ففوجئت بأم مرزوق تمسكها بالجرم المشهود فارتعدت فرائصها خوفاً وتجمدت قطرة المازوت فوق يدها المثلجة رُعباً.

- خافي الله يابنتي فينا! نحن نعمل طوال الليل والنهار لتأمين العيش وأنت تهدرين المال بدون حساب؟ إلى متى يا سكينة أخفي عن والدك أفعالك؟ والله لو رأى ما فعلت الآن لقلب الدنيا على رأسي ورأسك هو وابنه جاسم.

- اخفضي صوتك يا أمي أرجوك كلها نقطة مازوت واحدة.

- نقطة وراء نقطة تصبح تنكة يا سكينة!

- أرجوك يا أمي لا تبالغي، أعدك أنني لن أكرر هذا العمل.

تبتسم أم مرزوق على مضض وتنصرف لتكمل قلي أقراص الفلافل بينما تغسل سكينة يديها من المازوت وترتدي لباسها المدرسي على عجل وتنطلق دون أن تنطق بكلمة أخرى. تدخل إلى باحة المدرسة عبر باب حديدي أسود صغير يفصل باحة المدرسة عن بيت الناطور فيتناهى إلى مسامعها صوت المديرة هناء وهي تعنّف إحدى الطالبات بأقسى المفردات وأكثرها سوقية. أعوذ بالله من هذا الصباح! يا فتّاح يا عليم! تتمتم في سرها متوجهة إلى صفها في الطابق الثاني قبل دخول الآنسة أحلام إليه بدقيقتين.

دخلت الآنسة أحلام الصف أنيقة هادئة كعادتها، ألقت تحية الصباح على طالباتها بابتسامة عريضة وبدأت بصوتها الرقيق تقرأ بعض القصائد المختارة وتعلق عليها باستفاضة ممتعة. كانت سكينة تجلس على مقعد من مقاعد الوسط بحكم كونها تتمتع بطول معقول بين زميلاتها. وكانت تسند خدها الأيمن بأصابع يدها اليمنى بينما يرتكز كوعها على طاولة مقعد يعج بالخرابيش: رسومات متنوعة، قلوب مدمّاة بسهام تحمل على كل طرف منها أول حرف من اسمي الراسم والمرسوم له، وسائل غش معتمدة في امتحانات سابقة لطالبات سابقات، مقاطع من منهاج الفلسفة، قصائد غزل، قائمة بالأفعال الشاذة التصريف في اللغة الإنجليزية، إلى آخره من اهتمامات المراهقات. لم يكن اختيار نقطة التركيز سهلاً عليها، فقد كانت مشدوهة برقيّ الآنسة أحلام وأناقتها وصوتها الحالم والقصائد الجميلة واللغة العربية الرائعة ولا تعرف كيف ترتب جدول أولوياتها أو اهتماماتها. فرغت الآنسة أحلام من التعليق على القصائد وبدأت بتوجيه أسئلتها الاستنتاجية التي تقصد منها توسيع أفق طالباتها ومساعدتهن على تطوير تفكير أدبي نقدي، فكانت سكينة افتتاحيتها.

- سكينة! هل تعتقدين أن درجة تعقيد اللغة الشعرية تزيدها جمالاً؟
صفحة 4
ارتبكت سكينة قليلاً لكنها ما لبثت أن أجابت بفطرتها القوية وذكائها العفوي:

- لا أظن أن جمال القصيدة يعتمد كثيراً على درجة تعقيد اللغة بل قد يكون العكس صحيحاً في كثير من الأحيان. فالقصيدة كالمرأة الجميلة تماماً كلما ازدادت تبهرجاً فقدت عفويتها وانخفض معدل الطفولة في عينيها.

نالت الإجابة إعجاب الآنسة أحلام فأغدقت على سكينة الثناء وتنبأت لها بمستقبل أدبي باهر إذا ما ثابرت على نهجها هذا وانتقلت لتوجه إلى طالبات أخريات أسئلة لم تسمع سكينة منها كلمة واحدة. فقد كانت ترفل في دفء ثناء الآنسة أحلام لها وتعيده في عقلها مراراً وتكراراً مطلقة العنان لأحلامها بالمستقبل الباهر الذي وعدتها به. انتهت حصة الشعر ولحقتها حصة الإعراب فنالت فيها سكينة من المديح ما نالته في الشعر وحلقت أسهمها عالياً عند الآنسة أحلام التي بدأت تطور نبوءتها فيما يتعلق بمستقبل سكينة من مجرد احتمال إلى شبه يقين.

انقسمت الطالبات بمشاعرهن تجاه سكينة والثناء الذي تناله في جميع المواد ولاسيما في مادة اللغة العربية فكان منهن المهنّئات المحبّات والحاسدات الحاقدات والأنانيّات اللامباليات. خرجت الطالبات لقضاء الفرصة الصباحية في باحة المدرسة وشراء بعض سندويشات الفلافل من كافتيريا أم مرزوق، التي كانت تحتوي أيضاً على الشاي والكولا وبعض أنواع البسكويت الرخيص، فكانت هديل أول من تحدثت في الموضوع. إذ هنأت صديقتها بحرارة وقبلت وجنتيها متمنية لها النجاح في حياتها، فاقتربت ليلى منها بالمشاعر نفسها وتجاهلت مرام الموضوع برمته وكأنها لم تسمع كلمة مما دار من حديث في الصف أو في باحة المدرسة، فقد كانت تسريحة شعرها شغلها الشاغل فضلاً عن أحمر الشفاه الشفاف الذي كانت لا تتوقف عن متابعة تطوراته على شفتيها في المرآة الصغيرة التي تخفيها بصحبة المشط، عن أعين مدربة الفتوة الثاقبة، في جيب حقيبتها. وكان المنديل المختبئ في جيب لباسها المدرسي في حالة تأهب قصوى لمسح أحمر الشفاه بالسرعة الكلية إذا ما مرّت مدربة الفتوة اعتماد. كما كانت عقدة الشعر المطاطية حول معصمها تحت كُمّ سترتها لجمع شعرها الأشقر المسترسل على كتفيها في حالات الطوارئ المشابهة. أما ماجدة فقد اقتربت بتثاقل من سكينة وصافحتها مهنئة ببرود شديد، وعندما سحبت يدها من يد سكينة وضعتها على أنفها صارخة بازدراء قبل أن تدير ظهرها لتنخرط في حديث مع صديقة لها في الشعبة الأولى علمي:

- أوف! ما هذه الرائحة يا سكينة؟ هل تستحمين بالمازوت يابنة الناطور؟

جفت الدماء في عروق سكينة وتحول وجهها من أحمر وردي إلى أزرق ممتقع دون أن تتفوه بكلمة واحدة. لقد عقدت الإهانة لسانها وحولتها بقسوة الزلزال من ملكة تتقبل التهاني في يوم تتويجها إلى عنزة جرباء لا تملك حتى أن تدافع عن نفسها. كانت هذه أوّل إهانة مباشرة تمسّ كرامة سكينة في عمل والدها. ولما كان الموقف أبشع بكثير من أن يُعلّق عليه، تظاهرت كلّ من هديل وليلى بعدم سماع ما قيل. أما مرام فقد كانت لا تزال تحلق في عالمها الخاص وتتمايل بدلال بشعرها الطويل وعيناها ترصدان بنظرات منظّمة خالية من البراءة شاباً أشقر الرأس في عقده الثالث يجلس كل يوم ساعات طويلة على شرفة منزله في الطابق الثاني قبالة باحة المدرسة ليراقب الطالبات. وكانت كل طالبة تهتم بشأنه تحاول جاهدة أن تلفت نظره بحركات مدروسة كي تفوز بقلبه. أما الطالبات غير المهتمات فقد احتقرنه احتقاراً شديداً وكن دائماً ينظرن إليه بعين الريبة متسائلات عن طبيعة عمله التي تسمح له بالجلوس ساعات طويلة يومياً لمراقبة طالبات يكاد لا يرى منهن من موقعه أكثر من ظلالهن.

رن جرس العودة إلى الصف فاصطفت البنات في باحة المدرسة ودخلن بانتظام واحدة تلو الأخرى إلى صفوفهن. كانت سكينة تمشي بتثاقل غير معهود. لقد هدّها تعليق ماجدة أكثر من أي معركة خاضتها مع جاسم. فمعاركها مع جاسم جسدية تنتهي بكدمات تبدأ باللون الأسود المزرق وتنتهي بالأحمر البنفسجيّ مروراً بالأحمر الورديّ. أما معركتها مع ماجدة فهي في الواقع معركة مع الزمن بكل ألوانه.. معركة بدأت منذ اللحظة الأولى لولادتها ولا تعرف متى تنتهي.

كانت الحصة التالية حصة الفلسفة التي قامت بتدريسها الآنسة سهاد الرائعة إلى أن حصلت على إجازة أمومة ليحل محلها الأستاذ حسام، ملك الملل بدون منازع! لقد اكتشفت الطالبات نقاط ضعفه منذ الأسبوع الأول وبدأن يتعاملن معه على هذا الأساس. فهو شديد الخجل، ضعيف الثقة بالنفس، غير قيادي، وغير متمكن من معلوماته، والمادة شديدة الصعوبة والطالبات يشتغلن بحسام. يا مبدل غزلانك بقرود! الأستاذ حسام التَّشْتُوش يحل محل الآنسة سهاد المتمكنة من معلوماتها والتي تتمتع بشخصية قيادية قوية تؤهلها للسيطرة على الصف سيطرة كاملة. لقد كانت الطالبات يسرحن ويمرحن في حصته: إذن مفاجئ للخروج إلى الحمام بالسرعة القصوى نظراً إلى سوء الحالة، إذن مفاجئ للخروج إلى الباحة لأمر ضروري لا يحتمل التأجيل، أسئلة تعجيزية، ضحكات شبه مكتومة، سندويشات فلافل ولبنة وزيت وزعتر وكرمنتينا يتم تداولها خفية لتوزّع في الأدراج ويتم تناولها على مراحل متعددة تحت المقاعد أثناء الدرس، وحسام يتابع الدرس بالوتيرة المملة نفسها و بنغمة الصوت ذاتها.

لم تكن سكينة وهديل وليلى يوماً جزءاً من هذه الملهاة بالرغم من أنهن لم يكن ليمنعن أنفسهن من الضحك بشدّة عند حدوث أمر فكاهي، وكانت هذه المشاركة الوحيدة التي يقمن فيها بأعمال الشغب. أما اليوم فلم تكن سكينة بمزاج يسمح لها حتى بهذا النوع من المشاركة. لقد عكرت ماجدة مزاجها، الله يعكر عليها، قالت في سرها.

جاء دور حصة الجغرافيا ومزاج سكينة لا يزال معتكراً. الآنسة إحسان مدرسة الجغرافيا عديمة الضمير. تدخل الصف والكتاب في يدها، تجلس إلى الطاولة، تفتحه وتبدأ القراءة فلا تشرح، ولا تفسر، ولا تتوقف عند نقطة معقدة، ولا تحضر الخرائط. كان دورها بكل بساطة: قارئة بصوت عال. ولطالما تساءلت الطالبات ما الجدوى من وجودهن في الصف معها؟ لماذا لا يقرأن الدرس في بيوتهن كما تقرأه هي والسلام؟ لا جواب. كان الفرق بينها وبين الآنسة مايا مدرسة التاريخ شاسعاً. فالآنسة مايا مدرسة من الطراز الأول تقوم بعملها على أكمل وجه ولا تخرج من الصف قبل أن تتأكد أن جميع الطالبات قد استوعبن كل كلمة تفوهت بها. عيبها الوحيد أنها كانت جافة ومتباعدة تتعمد رسم مسافات هائلة بينها وبين طالباتها فكانت الطالبات يتهيبن الاقتراب منها لأي سبب كان.

انتهى الدوام في ذلك اليوم الكبيس وانطلقت الطالبات كالعصافير المحررة من أقفاصها متجهات إلى بيوتهن، كل منهن على طريقتها الخاصة. فمرام وأمثالها كن يخرجن من بوابة المدرسة ليحررن شعرهن من القيود ويزين شفاههن بالألوان ويأخذن القليل من أحمر الشفاه ليدهن به رؤوس خدودهن ويمشين كالغزلان على الطرقات دون حسيب أو رقيب، لا مدربة الفتوة اعتماد ولا المديرة هناء ولا أي امرأة من جواهر المستقبل لها سطوة عليهن خارج أسوار المدرسة. أما الطالبات أمثال هديل وليلى فكن يتمتعن بمساحة من الحرية العائلية تؤهلهن لربع ساعة إضافية بعد انتهاء الدوام يقضينها في تجاذب أطراف الحديث معاً أثناء تناول كأس من العصير الطازج في دكان عادل، شاب على نياته خصه والده قبل أن يموت بهذا الدكان بعد أن اقتنع أن إمكاناته العقلية لن تكون سنداً له في المستقبل فقبل عادل الهِبةَ فَرِحاً وأحسن إدارتها وتزوج سيدة مستورة وأنجب منها ولدين. أما سكينة وأمثالها فقد كن مجبرات على العودة إلى منازلهن فور انتهاء الدوام، وأي تأخير ملحوظ يستدعي عقوبات ترقى إلى الضرب من فراعنة المنازل: جاسم وأمثاله.