الإهداء
الى كل من أنشأ وأرسى القواعد القانونية، وعمل بها نصاً وروحاً لتنعم البشرية بالأمن والسلام وأجيالنا بمستقبل أفضل.
تقديم
القضاء الجنائي الدولي من الموضوعات الحديثة في القانون الدولي العام. فالقضاء الدولي بشكل عام لا يتقاضى أمامه إلا الدول، ولا يقاضي الأشخاص عن الجرائم التي يرتكبوها. وكانت المحاكم القضائية الدولية التي تم إنشائها بعد الحرب العالمية الثانية، محكمة نورنبورغ، ومحكمة طوكيو أول بادرة للقضاء الجنائي الدولي الذي يقاضي الأفراد.
وقد بذلت الأمم المتحدة جهودا دولية كبيرة من أجل إنشاء محكمة جنائية دولية دائمة، وتكللت جهودها هذه بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما عام 1998 . وعلى الرغم من المساعي التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية في إنشاء هذه المحكمة إلا أنها في النهاية رفضت التوقيع على النظام الأساسي للمحكمة بعد أن ضمنت حماية مصالحها وجنودها وعدم جواز تسليمهم لارتكبها جرائم عدوان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وعقدت العديد من المعاهدات الدولية مع الدول تقضي بعدم تسلم جنودها للمحكمة الجنائية الدولية.
وإذا كانت المحكمة الجنائية الدولية لا تقاضي إلا الأشخاص بسبب ارتكابهم الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية، فإنَّ جرائم العدوان التي تعد أكثر الجرائم التي ترتكبها الدول ضدّ العديد من شعوب العالم، وسببت المآسي المدمرة لها، وأن ما تعرض له العراق وأفغانستان اكبر دليل على تلك الجرائم التي ترتكبها الدول. فهذه الجرائم لم تعد خاضعة للمحكمة الجنائية الدولية لأن من يرتكبها هم الدول المتنفذة ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لهذا فإن العدالة في القانون الدولي لا تزال غير كاملة بسبب تغافلها عن تلك الجرائم.
وما يعاب على النظام الأساسي للمحكمة هو أن المحكمة الجنائية الدولية لم تأخذ مكانتها القضائية الدولية بسبب الهيمنة التي فرضها مجلس الأمن على هذه المحكمة، مما اخرج المحكمة من مكانتها القضائية وجعلها هيئة سياسية خاضعة للإدارة الأمريكية. وهذا يؤكد بوضوح أن المدعي العام للمحكمة على الرغم من الاختصاصات التي يتمتع بها في النظام الأساسي للمحكمة لم يتمكن من تطبيق العدالة في العديد من المنازعات الدولية والتي راح ضحيتها الملايين من البشر بسبب عدم مقاضاة المجرمين الذين ارتكبوا جرائم مرعبة ضد الإنسانية. ويأتي كتاب الدكتور عامر الدليمي حول اختصاصات المدعي العام للمحكمة مناقشة علمية وواقعية لدور المدعي العام للمحكمة. وقد تضمن الكتاب أفكارا قانونية رائدة في توصيف اختصاصات المدعي العام للمحكمة. فقد أثرى هذا الكتاب المكتبة العربية بروح إنسانية رائدة بعيدة عن التعصب والانحياز. فشكرا لمؤلف هذا الكتاب وأتمنى له الموفقية والتقدير.
والله الموفق
أ. د. سهيل حسين الفتلاوي
أستاذ القانون الدولي العام
رئيس الجمعية العلمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية
المقدمة
منذ مدة ليست بقليلة كانت تجول في ذهني فكرة البحث ودراسة صلاحية المدعي العام القانونية في المحكمة الجنائية، وبالذات عند ممارستي مهنة المحاماة لمدة تجاوزت عشرة سنوات، كمحامي دفاع في دعاوي محالة أمام محاكم التحقيق والجنح والجنايات والمحاكم الخاصة، ومحاضر في عدة معاهد معنية بالشؤون القانونية في مادتي القانون الجنائي، و أصول المحاكمات الجزائية، وما عرفته عن المدعي العام صلاحيته في تحريك الدعوى الجزائية والإشراف على الإجراءات التحقيقية للمحققين وإخضاعهم للمساءلة القانونية، لأية مخالفة قانونية إجرائية يرتكبوها، وفقاً للمادة (40/أ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقية، وتدقيقه لقرارات قاضي التحقيق، كونه يمثل الحق العام وحامي العدالة، وعدم حضوره في جلسات المحاكمة الجنائية ومشاركته إجراءاتها تبطل قراراتها لأنه أحد أطراف الرابطة الإجرائية ويمارس دور الرقابة القانونية.
لذا شرعت في البحث ودراسة صلاحية المدعي العام القانونية في الوقت الذي تَّناوَلتْ عدداً من البحوث والدراسات اختصاص المحاكم بمختلف درجاتها، والقاضي، والمحقق واحتوت المكتبات الوطنية والأهلية لها ...
إلا أن الذي يهمنا ويشكل أهمية متميزة هو (المدعي العام) في المحكمة الجنائية الدولية الدائمة وتسميته من قبل الأمين العام للأمم المتحدة وبموافقة اعضاء الجمعية العامة بالأغلبية المطلقة وباقتراع سري، وصلاحيته القانونية في المحكمة الجنائية الدولية المختصة بمحاكمة مجرمي الحرب ومنتهكي القانون الدولي الجنائي، والقانون الدولي الإنساني، وحقوق الإنسان والمعاهدات والأعراف الدولية، والتي لم تستثني أحداً رئيساً كان لدولة أو قائداً سياسياً أو عسكرياً وقراراتها لا تتعلق بالجانب الشخصي من الناحية القانونية فحسب بل ستنسحب إلى الجوانب السياسية للدولة وسيادتها ومستقبلها...
ولكون النيابة العامة – المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولة الدائمة هيئة قضائية مستقلة فإنها لا تتلقى التعليمات من أية سلطة حكومية، أو تنفيذية، واستقلاليتها تجاه القضاء، كجهاز تتمتع بسلطة كاملة بتنظيم وإدارة مكتبها، وهذا لا يعني أنه ليس لها علاقة بالأمم المتحدة أو مجلس الأمن، وإنما تتحدد العلاقة على أساس إعتراف الأمم المتحدة بالمحكمة الجنائية الدولية، بوصفها مؤسسة مستقلة ذات شخصية قانونية دولية ولها من الأهلية القانونية ما يلزم لممارسة وظائفها وبلوغ أهدافها، كما تعترف المحكمة بمسؤوليات الأمم المتحدة وفقاً للميثاق، كما تتعهد باحترام كل منهما مركز الآخر وولايتهما. ويقوم المدعي العام مباشرة التحقيق والاتهام وتقديم البيانات بالجرائم الدولية الخطرة، كجريمة الأبادة البشرية والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد السلام والأمن الدوليين، التي ترتكب من قبل الرؤساء والقادة للدول بخلاف الأنظمة التقليدية لدى كثير من المحاكم التي تتبع النظام اللاتيني ... وأقرب ما تكون إلى أنظمة القانون الانكلوسكسوني، ولاختلاف هيكلية تشكيل النيابة العامة – المدعي العام – للدول عن الادعاء العام لدى المحكمة الجنائية الدولية، إذ تعد القواعد الاجرائية وقواعد الاثبات وسيلة داعمة لتطبيق نظام (روما) الأساسي للمحاكمة الجنائية الدولية ولدورها التكميلي مع المحاكم الجنائية الوطنية.
إلا أن ما يقيد المدعي العام وإن كان يختص بالاتهام أو الملاحقة القضائية هو أخذ الإذن من الدائرة (التمهيدية) المختصة بأمر الحضور أو القبض أو الحبس الاحتياطي، وله حق الطعن في قرارات المحكمة الجنائية الدولية، الدرجة الأولى والاستئناف..
وفي هذا الكتاب سيتم استعراض لجان التحقيق وخصائص المدعي العام ودوره في المحاكم الجنائية الدولية المؤقتة، وصلاحيته القانونية في المحكمة الجنائية الدولية الدائمة وفقاً للنظام الأساسي لها، وكيفية مباشرته للدعوى والقواعد الاجرائية التي تسبقها وسلطاته في كافة مراحلها حتى صدور القرار النهائي، واعتمدنا في هذا الكتاب على المنهج التاريخي الوصفي، وحسبي إني بذلت جهداً وارجو أن يكون مقبولاً لدى القارئ الكريم. وتضمن الكتابً مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة:
الفصل الأول
:
لجان التحقيق وصلاحية المدعي العام لدى عدد من المحاكم الجنائية الدولية المؤقتة.
الفصل الثاني
:
صلاحية المدعي العام القانونية في تحريك الدعوى في المحكمة الجنائية الدولية الدائمة.
الفصل الثالث
:
المدعي العام وإجراءاته القانونية في التحقيق الاستجواب والمحاكمة.
الخاتمة.
المصادر.
لجان التحقيق وصلاحية المدعي العام لدى عدد من المحاكم الجنائية الدولية المؤقتة
يستعرض الفصل بصورة عامة لجان التحقيق والمحاكم الجنائية الدولية المؤقتة وخصائص المدعي العام وصلاحيته القانونية في عدد منها، لإعطاء فكرة عامة عنها وظروف تشكيلها ولوائحها والآراء التي طرحت عنها، وكمقدمة لصلاحية المدعي العام القانونية لدى المحكمة الجنائية الدولية الدائمة لمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية ومنتهكي القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الجنائي، والمعاهدات والأعراف الدولية، والتي مثل أمامها عدد من المسؤولين المهمين والقادة السياسيين والعسكريين ومعاقبتهم وفقاً للنظام الأساسي لهذه المحكمة – نظام (روما).
إن تأسيس المحاكم الجنائية الدولية المؤقتة التي سنوردها في الفصل تعكس الاهتمام المتزايد للمجتمع الدولي بمحاكمة مجرمي الحرب، والتي أسست إلى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة، كردة فعل لانتهاك حقوق الإنسان وارتكاب جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والفصل العنصري والتطهير العرقي بعد الحرب العالمية الأولى والثانية التي راح ضحيتها الآلاف بل ملايين من البشر.
مدخل
منذ بدء البشرية على الأرض أخذت الحروب الدامية بأرواح الملايين من الناس ودمرت المدن والقرى وأهلكت القيم المادية والروحية، فما من أمة تكاد تخلو من الحروب إن كانت حروباً عادلة أو غيرها بين قبائل أو دول أو امبراطوريات بدافع السيطرة([1]) على ملكية أرض أو السيطرة على مواردها الاقتصادية أو فرض إرادة ما لتحقيق مصالح معينة.
ومن خلال الحقائق التاريخية حيث تنبئنا الإحصائيات أن (14000) حرب اشتعلت خلال (5000) سنة من التاريخ وتسببت هذه الحروب في موت (5) مليارات من بني البشر وخلال (3400) سنة الأخيرة لم يعرف العالم سوى (25) عاماً من السلام، كما قضت الحرب العالمية الأولى على (10) ملايين نسمة، بالإضافة إلى (21) مليون نسمة ماتوا نتيجة الأوبئة خلال الحروب، وفي الحرب العالمية الثانية قتل (40) مليون نسمة تعادلت فيها نسبة المدنيين والعسكريين([2]) فإذا كان العسكريون مهمتهم في الحرب هي الدفاع عن أوطانهم أو لغايات أخرى فما هي الضرورة التي يكون فيها مصير المدنيين الذين ليس لهم علاقة بالحرب أسوة بمصير العسكريين؟؟.
فظاهرة الحرب في التاريخ من أهم الظواهر إذ تباينت الدول والحكومات والسياسات في اللجوء إليها، فقد تكون حصيلة طموحات وغايات متعددة أو أهواء ونزاعات فهي ليس لها علاقة بين إنسان وإنسان وإنما هي علاقة دولة بدولة ينشب عنها نزاع مسلح باستخدام القوة من أجل قهر الطرف الآخر، إلا أنها تؤدي إلى نتائج تضر بالأطراف المتحاربة من البشر والممتلكات العامة والخاصة.. كما أن الحرب قد تكون الوسيلة الأخيرة لحل ما بين الدول من خلافات، إذا لم تفلح الوسائل السياسية أو القانونية، فزاوية الرؤيا للحرب مختلفة ومتعددة للدول سواء من الوجهة الاجتماعية أو الفلسفية أو السياسية أم العسكرية والتاريخية .. فالتاريخ البشري لا يمكن أن يكون إلا تاريخ حروب وصراعات أكثر من كونه تاريخ سلام وتعاون بين الدول وهذا يتوضح من خلال تدوين كثيراً من الملوك والأمراء والقادة العسكريين حملاتهم وفتوحاتهم ومعاركهم العسكرية كتاريخ يمجد فترة حكمهم أكثر من كونه تاريخ للإصلاحات الاجتماعية والعمرانية والثقافية .. والقيم الإنسانية.
ومع أن المنظور العلمي الذي شمل مختلف الميادين، ففي الميدان العسكري أدى إلى ازدياد مخاطر الحرب اذ اتسع نطاقها وامتد ليشمل مختلف بقاع العالم، فمنذ مطلع القرن العشرين والأحداث الدولية الساخنة تتوالى والحرب بين القوى العظمى مستمرة بين تصاعد وفتور أحياناً قليلة لتوسيع نفوذها السياسي، والاقتصادي، والعسكري.
وأمام هذه المخاطر مخاطر الحرب وما ينتج عنها من قتل وتدمير وانتهاك للحقوق، لجأت الدول الكبرى ودولاً أخرى لتكاتف الجهود لأجل معالجة احتمال وقوع حروب بين الدول وتجنب مخاطرها إلى إنشاء لجان أو محاكم مؤقتة وتفعيل المعاهدات([3]) والقوانين والأعراف الدولية للنظر فيها واعتمادها للتحقيق لمن بدأ الحرب ومعاقبة مرتكبها.
وهذا ما سنتطرق إليه في عدد من لجان التحقيق الدولية والمحاكم المؤقتة التي أنشأت لهذا الغرض لإعطاء فكرة عامة وشاملة عنها.
وكما سنستعرض دور وصلاحية المدعي العام في عددِ منها ثم التركيز عليه بصورة أكثر تفصيلا وتحليلاً في الفصلين القادمين "إنسجاما مع عنوان الكتاب وخطة الدراسة.
لجنة ومحكمة التحكيم الدولية للنظر في جرائم الحرب
على أثر تدخل الجيوش الانجليزية والألمانية والإيطالية في شؤون (فنزويلا) في أمريكا الجنوبية، كانت الجهود الدبلوماسية الدولية تنظر لهذه الحالة على أنها مخاطر تنذر بمزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية وتعاظم الفضائح والانتهاكات الناشئة عنها، لذلك لجأت الدول إلى تفعيل الجهود القانونية تمخض عنها إنشاء لجان أو محاكم تنظر في جرائم الحرب، ففي عام 1904م نظرت محكمة التحكيم الدولية لهذا التدخل والانتهاكات الناشئة عنه، بالاستناد إلى اتفاقية جنيف الخاصة بمعاملة جرحى الحرب في 22/آب/1864م([4]) والتي جرى التعديل عليها في 6/سبتمبر/1906م بما يتفق ومقاصدها في حماية الجرحى، إذ استحدث نص المادة (28) من الاتفاقية (بإلزام) الدول الأطراف في الاتفاقية (جنيف) تحريم كل عمل ينطوي على خرق لنصوص الاتفاقية في وقت الحرب مالم تكن هذه القوانين تتضمن سلفاً مثل هذه النصوص.
وتعد اتفاقية جنيف المبرمة في 6/سبتمبر/ايلول/1906م([5]) تطويراً لاتفاقية جنيف في 1864م التي ترمي إلى التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين([6]) وكذلك بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية، وذلك إعمالاً لمبدأ الإنسانية، والمقاتلون هم وحدهم الذين لهم وفقاً للقانون الدولي ممارسة الأعمال الحربية.
واستكمالاً لمضمون المادة (28) آنفة الذكر، تم التأكيد على طابع (الامرة) للاتفاقيات الدولية كونها قواعد ليست اختيارية وينبغي أن تتقبلها وتسلم بها الأسرة الدولية، ولا يجوز انتهاكها أو تعديلها إلا بقاعدة جديدة ينص عليها القانون الدولي، كما أن اتفاقية (فينا) المنعقدة في 25/أيار/1969م عرفت في المادة (25)([7]) بأن الحكم الآمر قاعدة تتقبلها وتسلم بها الأسرة الدولية بكافة دولها كمعيار لا يجوز تبديله إلا بقاعدة قانونية.
ففي مطلع القرن العشرين والحروب الساخنة بين القوى العظمى أو الدول لتوسيع حدودها أو نفوذها على حساب الأخرى لاكتساب مناطق نفوذ أومستعمرات أو استثمارات متعددة لصالح دولها فكانت مبادرات لإنشاء لجان تحقيق دولية كبدايات للنظر في الجرائم وبالذات جرائم الحرب وما ينتج عنها من انتهاكات، إذ كانت هذه اللجان كردة فعل إنسانية أو معالجة بإحالة الدولة المعتدية للتحقيق وللقضاء الوطني أو الدولي، واستمرت هذه اللجان والمحاكم في تطوير آلياتها وفقاً للمعاهدات الدولية، وبما يتناسب ويتماشى مع حاجات المجتمع العالمي في تحقيق السلم والأمن الدوليين وإبعاد شبح الحروب.
محاكمة قيصر المانيا (غليوم الثاني)
معاهدة فرساي
دعت القوى المتحالفة والمنتصرة في أعقاب الحرب العالمية الأولى (الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، فرنسا، ايطاليا، اليابان) إلى عقد مؤتمر للسلام في باريس انتهى في 28/يونيو/1919م، طرحت فيه عدة موضوعات كان أهمها محاكمة قيصر ألمانيا (غليوم الثاني)([8]) وباقي العسكريين والمسؤولين الألمان والأتراك المتهمين بانتهاك القوانين الإنسانية، وأبرمت معاهدة سلام سميت معاهدة فرساي نصت فيها المادة (227) إنشاء محكمة جنائية خاصة لمحاكمة قيصر ألمانيا، كما نصت المادتين (228 – 229) من المعاهدة إحالة ضباط الجيش الألماني المتهمين بانتهاك قوانين وأعراف الحرب أمام المحاكم العسكرية لأي من الدول المتحالفة أو أمام المحاكم العسكرية لأي من الحلفاء.([9]) وجاء في المادة (228) من المعاهدة:
1- تعترف الحكومة الألمانية بحق الدول المتحالفة والمتعاونة في تقديم الأشخاص المتهمين بارتكابهم أفعالاً مخالفة لقوانين وأعراف الحرب للمثول أمام المحاكم العسكرية، وأنه سوف يتم التوقيع على ما ينص عليه القانون من العقوبات على هؤلاء الأشخاص في حالة إدانتهم، وسوف تسري هذه المادة بغض النظر عن أي اجراءات أو محاكمات أمام أي من المحاكم في المانيا أو في أراضي أي دولة من حلفائها.
2- ستقوم الحكومة الألمانية بتسليم جميع الأشخاص المتهمين بانتهاك قوانين وأعراف الحرب ممن يتم تحديدهم بالاسم أو الدرجة الوظيفية أو الإدارة أو العمل الذي خول إليهم بمعرفة السلطات الألمانية إلى الدول المتحالفة والمتعاونة، وإلى أي دولة من هذه الدول ممن يطلب ذلك من هذه القوى.
أما المادة (229) من المعاهدة جاء فيها:
1- الأشخاص الذين تثبت إدانتهم بارتكاب جرائم ضد مواطني أي من الدول المتحالفة والمتعاونة سيتم تقديمهم للمثول أمام المحاكم العسكرية لهذه الدول.
2- الأشخاص الذين تثبت إدانتهم بارتكاب جرائم ضد مواطني أكثر من دولة من الدول المتحالفة والمتعاونة سوف يتم تقديمهم للمثول أمام محاكم عسكرية مشكلة من أعضاء المحاكم العسكرية للدول المعنية.
3- في جميع الأحوال يحق لأي من المتهمين تحديد المحامي الذي يترافع عنه.
ومما يلاحظ عنه في هذه المعاهدة أن المنتصر في الحرب هو الذي يملي شروطه على الدولة المنهزمة حتى وإن كانت الدولة المنتصرة هي التي من بدأت الشروع بالحرب ومع افتراض أن المانيا هي التي انتصرت في الحرب وهزمت الدول الأخرى عسكرياً. فهل ستشكل لجان للتحقيق ومحاكم عسكرية لمحاكمة من حاربها من الحلفاء ومن الممكن هنا أن يتولد لدينا دليلاً نظرياً أو احتمالياً بأن القوة هي القانون السائد، وليس القانون الوضعي الذي اتفق عليه دولياً، كالقانون الدولي العام والقانون الإنساني والمعاهدات الدولية، وإلا ما أنشئت محكمة عسكرية لمحاكمة قيصر ألمانيا وكبار ضباطه.
والملاحظ على معاهدة "فرساي" أنها أعطت دوراً للقضاء الوطني الألماني عند صياغة النظام القضائي الجنائي الدولي. بل كانت له الأولوية للنظر في القضايا الموجهة لمرتكبي الجرائم ضد مواطني أكثر من دولة من الدول المتحالفة .. لكن ما يعيب هذه المعاهدة هو عدم الاعتراف بالأحكام الصادرة والاجراءات التي تكون قد باشرتها المحاكم الألمانية أو محاكم أي دولة حليفة لها.([10]) وهذا ما يوحي إلى تقييد صلاحياتها القانونية وخصوصاً في محاكم دول الحلفاء لإصدار قراراتها وبما يتناسب ووجهات نظرها حتى وإن خالفت نصوص القوانين.
كما شكل المؤتمر – فرساي- لجنة ضمت في عضويتها ممثلين اثنين من كل دولة من الدول الخمس العظمى آنذاك أطلق عليها (لجنة تحديد مسؤولية مبتدئي الحرب وتنفيذ العقوبات) وأنهت اللجنة أعمالها في التحقيق في الجرائم المرتكبة أثناء الحرب وتحديد مسؤولية مبتدئي الحرب وكل من يخالف قوانينها وأعرافها من أجل محاكمتهم.([11]) ومما يؤشر للمادة (229) الفقرة (ج) من المعاهدة أنها سمحت للمتهمين بتوكيل محامي دفاع يترافع عنهم وهو حق من حقوق الدفاع القانونية في دفع التهمة المنسوبة إليه، والسؤال الذي يطرح هل أن المحكمة هي من انتدبت محامي الدفاع أم أن المتهمين لهم خيار انتداب محامي للدفاع عنهم؟ وفي الحالة الأولى لا بد أن يكون محامي الدفاع متأثراً بتوجهات دولته، أو أن دفاعة سيكون شكلياً وليس جوهرياً، وهذا مايخالف القانون. إذ أن المحامي ضمانة من ضمانات المتهم للدفاع عنه، وهذه الضمانة في هذه الحالة تكون غير مجدية في أغلب الاحيان.
واللافت للنظر ما جاء بالمعاهدة أن حكومة هولندا رفضت تسليم امبراطور ألمانيا (غليوم الثاني) الذي لجأ إليها، الأمر الذي دعا الحلفاء إلى بحث إمكانية اللجوء إلى الوسائل الدبلوماسية، إذ كان رد الحكومة الهولندية سلبياً لكونهما أبناء عمومة ولم يتمكن الحلفاء أو دولة المانيا من محاكمة غليوم الثاني بسبب رفض هولندا تسليمة، فجميع محاكمات الحرب العالمية الأولى كانت محاكمات داخلية بحته ولا تشكل سابقة في القضاء الدولي الجنائي بالمعنى الصحيح([12])
إضافة إلى أن طلب التسليم لم يكن جدياً لإحالته إلى التحقيق والمحاكمة، وهذا مما أتاح لحكومة هولندا أساس قانوني مشروع لرفض التسليم استناداً إلى ما جاء في مواد المعاهدة، بأن الحكومة الألمانية (سوف تسلم ...، وإنها سوف تقدم ... وإنها سوف توقع على إحالة ...) ومع ذلك فإن المعاهدة أرست قواعد قانونية إذ أنها أدخلت فكرة جرائم الحرب ([13]) وأنها أيضاً طرحت فكرة مسائلة الأفراد على المستوى الدولي عن أفعالهم غير المشروعة، وطرحت فكرة مسائلة رؤساء الدول وللمرة الأولى في القانون الدولي. ومثل هذه الفكرة لم يكن بالإمكان تقبلها قديماً في المجتمع الدولي، حيث نصت المادة (227) (الحلفاء والقوى المتحالفة يستدعون غليوم الثاني امبراطور ألمانيا السابق ... وسوف تشكل محكمة خاصة لمحاكمة المتهم ...).
وأخذت المعاهدة بمبدأ التكامل بين القضائين الوطني والدولي، حيث أجازت محاكمة مرتكبي الأفعال المخالفة لقوانين الحرب وأعرافها أمام المحاكم الوطنية للدول الحليفة أو أمام المحاكم الألمانية كما توضح في مواد المعاهدة آنفة الذكر... إلا أنه ما يؤخذ عليها، هو عدم الاعتراف بالأحكام الصادرة والاجراءات التي باشرتها المحاكم الوطنية الألمانية([14]) أو أي محاكم دولة حليفة لها، ولا غرابة من أن الدول التي تنتصر في الحرب تستخدم المرونة في القانون وتكيفه لصالحها لضرورات واهداف سياسية. اذ تجيز محاكمة مرتكبي الحرب من القادة والاشخاص في محاكم بلدانهم أي المحاكم الوطنية او محاكم الدولة الحليفة، لإعطاء صورة عن عدالتها الاجتماعية والقانونية وبنفس الوقت عدم الاعتراف بالأحكام الصادرة والاجراءات التي تباشرها المحاكم الوطنية لدولة المتهم، كما جاء في المعاهدة التي أبرمت بين الحلفاء والمانيا.
محاكمة ليبزج the lipzig courts
انتهت اعمال اللجنة المكلفة بالتحقيق بالجرائم المرتكبة اثناء الحرب العالمية الاولى في عام 1991م، والتي توضح عدم جديتها في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب ومنتهكي قوانينها وأعرافها وكما أشير إليها سابقاً من خلال نصوص معاهداتها وقرارات المحكمة العسكرية التي صدرت بحق القادة والضباط المحالين إليها ومدة محكومياتهم، وفي عام 1923 قدمت للمحكمة لائحة إتهام بحق (45) متهماً فقط من أصل (854)، ولم يمثل أمام المحكمة سوى (12) ضابطاً متهماً بارتكاب خرق قوانين الحرب. تراوحت الأحكام التي صدرت بحقهم بين ستة أشهر واربع سنوات ولم يقض اياً منهم مدة محكوميته فعلاً([15]).
إن الذي دفع الحلفاء وراء نتائج وقرارات المحكمة "لايبزج" هو سعيها لفتح صفحة جديدة من التفاهمات المبنية على رؤى سياسية في مصلحة شعوب دولهم في إرساء السلم والأمن وإيجاد حالة من الاستقرار في أوروبا ولملمة ما نتج عن هذه الحروب من جراح ومآسي، إلا أن هذا لا يعني تشجيع غيرهم من الدول على ارتكاب جرائم أكثر خطورة تهدد السلم العالمي إذ كانت محكمة لايبزج أول محاولة لوضع نظام شامل لملاحقة انتهاكات القانون الدولي وقد تم تجديد هذا الاتجاه خلال الحرب العالمية الثانية.
كان لعصبة الأمم المتحدة([16]) دوراً في تسوية العديد من الخلافات التي كانت تهدد أمن واستقرار دول أوروبا، إذ استطاعت وبالطرق السلمية تسوية أزمات متعددة .. إلا أنها فشلت في تسوية عدد من النزاعات ومن بينها النزاع (الإيطالي اليوناني) عام 1923م نتيجة احتلال إيطاليا جزيرة (كورفو) ورفضها الانسحاب منها إلا بعد توسط فرنسا.
إعلان الاتحاد السوفييتي (سابقاً) عن تشكيل محكمة لمقاضاة زعماء النازية الألمان
أثناء سير المعارك في الحرب العالمية الثانية وفي عام 1942م أعلن الاتحاد السوفييتي (سابقاً) أنه سيقدم زعماء النازية الألمان للمحاكمة([17]) وبدأ الإعداد لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب العالمية الثانية([18]) وحظي هذا الإعلان بقبول كبير ولاسيما من قبل الدول التي احتلتها (المانيا) واتخذت من (لندن) مقراً مؤقتاً لها.
كانت هذه الدعوة قد تبلورت عندما وضعت الحرب العالمية الأولى خطوتها الأولى في تحريك فكرة المسؤولية الجنائية الشخصية ضد مرتكبي جرائم الحرب والجرائم الدولية، وتعد الحرب العالمية الثانية نقطة البداية الحقيقية في ترسيخ فكرة المسؤولية الجنائية وإنشاء قضاء جنائي دولي([19]) إذ أن المجتمع الدولي ومنذ بداية الثورة الصناعية قد شهد حروباً حضارية داخلية وخارجية استخدمت فيها خلاصة ما جاءت به عبقرية الإنسان من وسائل الشر والإيذاء والهدم وتيارات الأطراف المتحاربة من خلال مهاجمة السكان المدنيين والتدمير العشوائي لكل ما يقع تحت أيديهم حتى أن هناك من لم يفرق بين من يقاتل وبين من لم يقاتل([20]) فحصدت أرواح الأطفال والنساء والشيوخ العاجزين عن القتال والرافضين له([21]) .
وفي عام 1946م عقدت في (سان جيمس بالاس) كل من دول (بلجيكا، تشيكوسلوفاكيا (سابقاً) فرنسا، اليونان، لكسمبورج، هولندا، بولندا، يوغسلافيا(سابقاً)) مؤتمراً لنقل دعوة الاتحاد السوفييتي السابق إلى حيز الواقع وتفعيلها قانونياً في محاكمة مجرمي الحرب، وحضر المؤتمر مندوبون بصفة مراقبين عن كل من (بريطانيا، استراليا، كندا، الهند، نيوزلندا، اتحاد جنوب افريقيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، الاتحاد السوفييتي (سابقاً))([22]).
وفي هذا المؤتمر أكدت الدول المشاركة على تقديم المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتكبت أثناء الحرب بحق المدنيين غير المقاتلين والأسرى إلى محكمة دولية لأن الأعمال التي ارتكبت لا تبررها ضرورات الحرب باستهداف العاجزين عن القتال والأشخاص اللذين لا يشتركون في الأعمال العدائية كالمرضى والمنكوبين في البحار والأسرى والمدنيين([23]) وانتهى المؤتمرون إلى توقيع اتفاقية تشكيل لجنة الأمم المتحدة لجرائم الحرب (UNWCC) من ممثلي سبع عشرة دولة كانت معظم حكوماتها تباشر أعمالها من المنفى مع أنها لم تحظ من دول الحلفاء إلا بدعم محدود وعدد قليل من المختصين ودعم مالي محدود، الأمر الذي دعا رئيسها السير (سيسل هيرسن) إلى الإعلان بصراحة بأن هذه اللجنة لم تستطع أداء عملها على الوجة الأكمل. وبالرغم من الدعم المحدود المقدم للجنة إلا أنها استطاعت تجميع (8178) ملف احتوت على أسماء (240453) متهم و(9520) مشتبه فيه، (2556) شاهد إثبات، ومع ذلك لم يقدم أي متهم أو مشتبه به للمحاكمة أمام محكمة عسكرية دولية، بل أن المعلومات التي استطاعت اللجنة تجميعها لم يتم الاستناد إليها حتى أمام المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى والمعروفة (IMTEF) أو محاكم الحلفاء العسكرية أو أي من اللجان في الشرق الأقصى([24]) وإن اعتمدت المحاكمات الوطنية اللاحقة التي أجرتها الحكومات المختلفة على بعض هذه المعلومات.