eKtab
EN ع
سمات بشرية لا نفتخر بها
اقرأ عينة مجانية

سمات بشرية لا نفتخر بها

بقلم د. محمد حمدان

صفحة 1

الرواية

ما الذي كان بيننا؟ هل كان حباً؟ أم هو مجرد وهم؟
لطالما أحببت شوارع عمان في الليل. هذه الليلة تبدو مميزة فهي تمطر. وكل الناس يهرعون إلى منازلهم إلا أنا. أهم بالخروج إلى الشارع..
هي عادة قديمة، أمشي طويلاً بالساعات، لا أدري ما الذي جعلني أذكرك هذه الليلة.
ربما كان المطر هو السبب.
كان يوم خميس.. آخر لقاء لنا. وكان يوماً سعيداً، لم أركِ سعيدة مثلما رأيتك ليلتها. كمهي غريبة السعادة عند الفراق! رغم أننا كناليلتها مثل أي عاشقين نحتفل بحبنا على طريقتنا الخاصة. لم يكن هناك ما يشير إلى أن تلك الليلة هي آخر ليلة لنا معاً.
خرجت من عندك والسماء تمطر.. وأذكر أنك رافقتني الى الباب ولم تفعلي ذلك من قبل، وقبل أن أخرج طبعتِ قبلةً سريعةً على خدي. كنت أظنها قبلة إشتياق. لكنني لم أكن أعلم أنها قبلة وداع. سرت في شوارع عمان طويلاً تلك الليلة.. لست أذكر كم سرت وإلى أين وصلت. لكن أذكرفي نهاية الأمر أني وصلت البيت بطريقة ما.
كنت أقبل المطر، ولم تتوقف تلك الكلمات عن الخروج تلقائيا من فمي:
Kiss the rain
Whenever you need me
Kiss the rain
Whenever I'm gone, too long.
If your lips,
feel lonely and thirsty.
Kiss the rain
لطالما شعرت أن تلك الكلمات قريبة مني. رغم أنها أغنية قديمة، إلا أنها بطريقة ما كانت تدق في عقلي مذ سمعتها أول مرة، وكأنني أملك منذ زمن ذاكرة عن ذلك الخميس. أيمكن ذلك حقاً؟ أن أملك ذاكرة عن شيء لم يحدث بعد؟ كما حدث مع "سيزار باييخو" الذي تنبأ بوفاته فخلد هذه النبوءة في قصيدة.
سأموت في باريس تحت وابل من المطر
في يوم لدي منذ الآن ذكرى عنه
سأموت في باريس ولست مستعجلاً
ربما في يوم خميس مثل هذا اليوم

صفحة 2

يوم خميس أيضاً؟ أتآمرت أيام الخميس عليك وعليّ يا سيزار؟
وصلت.. هاهو منزلك يا حورية. لست أدري لماذا دائماً في مثل هكذا ليلة تقودني أقدامي لمنزلك. ودائماً ما كنت أفيق هنا وأقول أنني ضللت الطريق لا أكثر، فأرجع أدراجي قبل أن أراك أو أن يراني أحد.
في الطريق، ربما كنت أبحث في الوجوه.. لعلي أجد وجهك.
أبحث في الوجوه من حولي
لعلي أجد وجهك
كم إجتهدت في البحث
فوجدت في كل الوجوه وجهك
فقل لي أنت
كيف لي أن أميز
من بين كل الوجوه
إن أراد القلب أن يراك
ربما أكون قد أخذت سنين طويلة كي أستوعب حقيقة أني أحبك.. لكنني أعلم يقيناً أنني معك أكون شخصاً آخر، غير نفسي..شخصاً لم يعجبني أبداً.
نموذج كوبلر-روس الذي وضع لتفسير المراحل التي يمر بها من تعرض إلى صدمة حزن كارثية قد تكون موت عزيز مثلاً. هذا النموذج يقسم الصدمة إلى خمس مراحل.. فتكون أول مرحلة هي النكران فالغضب فالمساومة فالإكتئاب وأخيراً التقبل. ورغم أن فراقنا لم يكن بفعل الموت إلا أنني كنت أعيش النكران.. أظنني عشتها..
"اللهم إنني لا أسألك أن تخفف حملي بل أسألك ظهراً قوياً". غوتة.
أدخل البيت. البيت موحش.. فارغ.. ليس من الأشياء إنما هو فارغ منك. أغير ثيابي المبللة بعبق الذكريات. ثم أقف أمام المرآة.. أنظر وجهي. أتعلم أن وجهي قد تشوه بعدك؟ ...أشيح بوجهي بعيداً عنها.
في حبك غدوت كالأحذية القديمة
مثقوباً
بالياً
والوجه مثبت بي بمسامير
يعلوها الصدأ
والقلب قد رقع في صدري بمهاميز
يعلوها الصدأ
وألف خنجر لا تزال تثقبني
في كل صباح ومساء

صفحة 3

أنا مسخ.. أنا لم أعد بشراً، فقدت آدميتي.. ولم أفقدها في حرب، لم أصب بتشوهي هذا في حادث. فقدت آدميتي في عناق.. وحظيت بتشوهي هذا ذات حب.. تماماً كصاحبك المشوه يا سيزار..
أعد لنفسي فنجان قهوتي المعتاد وأتناول سيجاراً وأضعه في فمي، أشعله وآخذ نفساً عميقاً. فتخرج الزفرة آهاً طويلة.معك لم أدخن.. رغم أنك كنتِ تحبينني أن أدخن ولم أفعل.. وأذكر كم كنت تخبرينني أنك تحبين رائحة السيجار. الآن انا أدخن رغم مرضي.. وأنا أعلم يقيناً وأحس بكل نفس وهو يشعل جسدي قطعةً قطعة، تماماً كما أشعلتني أنت. لم يوقفني ذلك عن التدخين أبداً.
يدق جرس الباب.. أفتح الباب. هي ياسمين..
- كيف حالك فارس؟
- ياسمين! يا للمفاجأة؟ تبتسم وتقول:
- قد رأيتك لا تسأل عني، فقلت أسأل أنا عنك.أبتسم بخجل:
- لا، أبداً. شو هالحكي إتفضلي أهلاً وسهلاً.
ياسمين إبنة الجيران-تعرف عنها كل شيء- وتحاول أن توهمني أنها صديقتي رغم جنونها بي وبكل ما يتعلق بي. هي لا تدري أنني أعرف حبها. لطالما كانت لي مقدرة عجيبة على تمييز الحب. رغم كل شيء ورغم مرضي اللعين إلا أنني لطالما استطعت بشكل أو بآخر تمييزه.
تدخل ياسمين وتجلس على أول أريكة، فجلست مقابلاً لها ومباغتاً إياها بفنجان قهوة. لطالما كنت أعد فنجاني قهوة وإن كنت وحدي، ربما كنت أوهم نفسي أنها تشاركني قهوتي..
- تبتسم ياسمين.. أراك لم تغير طقوس قهوتك.
- لا، لم أفعل.
- إذن قل لي.. كيف حالك الآن؟
- الحمدلله بخير. ألاحظها تنظر إلى تشوهي. أشيح بوجهي عنها. فتخجل.. لكنها تقف وتأتي فتجلس إلى جواري فتمسك بوجهي وتشده باتجاهها وتقول: فارس.. أنا ياسمين.. أنا أعرفك جيداً وأنت تعرفني جيداً. لا مكان للخجل بيننا. أبعد يدها عن وجهي. وأقف مبتعداً عنها وأقول: أنا آسف ياسمين، لا أستطيع. فتقف بانكسار..
- حسناً، ألا تريد الرجوع إلى بيت أهلك؟
- لا، لن أفعل.
- ولمَ؟ ما شأنأمك بما حدث؟
- هي لا ينقصها شيء. وأنا أزورها بين حين وآخر.
- أنت ما نسيتها.
- بلى نسيتها.
- لماذا إذن لا تزال مصراًعلى تصرفاتك هذه؟

صفحة 4

- أنا مرتاح هكذا. ياسمين حاولي أن تفهميني.. كان لزاماً عليّ أن أبتعد. تقاطعني.. المشكلة أنه لاأحد يفهمك أكثر مني. وتسرع خارجة.. وكأنني رأيت دمعة على خدها.
كنت قد هممت أن أناديها، لكن صوتي خانني. هي حقاً أكثر من يفهمني، هي جارتي منذ أن بدأت ذاكرتي بتسجيل أحداث حياتي. وذهبنا إلى الجامعة معاً. لطالما شعرت بها قريبة مني، ولكن قلبي كان ملكاً لحورية وليس لياسمين. كان لزاماً عليّ أن أبتعد يا ياسمين.. كنت أريد أن أترك كل شيء بعدها. أردت أن أركض مبتعداً عن كل ما يربطني بها.
جلست، أكمل قهوتي وسيجاري ببلاهة. يدق هاتفي. إنها ياسمين..
- مرحباً.. فارس.. أنا آسفة جداً، لكنني إنفعلت قليلاً.
- لا عليك يا ياسمين. ولا يهمك.
- لا أريدك أن تغضب مني.
- أنا لا أغضب منك أبداً. وكأني رأيتها من على الهاتف تبتسم.
ياسمين كانت كالطفلة إن سمعت مني كلمة طيبة. فتجيبني: وهادا عشمي فيك.
تتركني ياسمين مع طعم قهوتي ودخاني و أوجاع جسد مريض و عبق ذكريات يأبى أن يزول و موعد النوم الذي أخشاه كل ليلة.
أكره أوقات النوم والذي يفترض بها أن تكون أوقات راحة، لكن مرضي أحالها إلى أوقات عذاب. آخذ حبتي زاناكس كي يخفف عني عبء النوم، ثم أسلم نفسي لليلة سوداء أخرى لا أحلام فيها.
كان الزاناكس يجعل نومي عميقاً كفاية حتى يجعلني لا أشعر بنهش الكلاب لجسدي، حتى الصباح. لم يكن الحصول على أي حلم ممكناً بهكذا عمق من النوم. كانت كل الليالي سوداء حالكة لا أحلام فيها ..
أستيقظ على ألم ينخز جسدي كله. كالعادة، تناول المرض وجبته الليلة من جسدي. أحاول أن أقوم ببطء من سريري. جسدي يضج بالآلام من كل مكان. أذكر كم بكيت كل ليلة وأنا أقوم. الأطباء أنفسهم لا يعرفون ما عندي. أذكر أحدهم حين قال لي:
- هي دائماً هكذا تشوهات الولادة.
- فأجيبه: دكتور، أنا إلي شي 3 سنين مريض بس..
- فيدرك الدكتور كم كان تشخيصه غبياً وكم هو يبدو أحمقاً أمام ممرضته الشقراء.. فيرد محاولاً الثأر لكرامته الطبية الضائعة: حضرتك دكتور؟
- لا.
- وماذا تعمل؟
- شو بتفرق معك شو بعمل؟ رح يتغير التشخيص مثلاً؟
- إسمع.. أنا ما بسمحلك.. أقاطعه: يا زلمة روح صلي.. الحق مش عليك الحق على اللي سماك دكتور. تركته يجعجع ويتوعد وانصرفت.
أذكر طبيباً آخر، وكيف كان مصمماً أن علتي نفسية بحتة، و أنني لا أعاني من أي مرض عضوي. وأذكر أنني نزعت ملابسي أمامه وأمام ممرضته اللبنانية أو أنها تتصنع اللبنانية لأثبت له مدى حماقة حكمه.
وكنت أقول: شو رايك؟ بهالدموية النفسية؟ شايفها ولا أنت كمان مجنون؟

صفحة 5

أنا أتفهم أن يكون مرضي نادراً وصعب التشخيص لكنني أكره أن يستخف الأطباء بذكائي وذلك بذريعة "أنت شو بفهمك بهيك أشياء" إي دخيلكم أنا اللي لازم الواحد يكون عنده دال قبل اسمه مشان يفهم.
أذكر أنني بعدها سافرت إلى دبي من أجل العمل حيث أنني كنت أعمل في مجال تطوير الأعمال. ولحسن حظي أو ربما لسخرية الأقدار كان هناك طبيب قيل لي أنه يستطيع تشخيصي. ذهبت إليه.. وبعد أن إنتهى من جسدي المهتريء وبعد أن نظر في ورقة بين يديه مطولاً ، قال:
- هل تعلم أن حالتك تكاد تكون الوحيدة في العالم؟
- كيف؟
- يوجد لديك خلل في جهاز المناعة.
- وهل من الممكن أن يكون النزيف وكل هذا الألم بسبب خلل في جهاز المناعة؟فيجيب:
- نعم، عندما يهاجم جهاز المناعة أنسجتك الحيوية.
- ما سببه؟
- غير معروف، لكنني أرجح أنه بسبب صدمة. قلت في نفسي: أي صدمة؟ صدمة حبها؟ أم صدمة فراقها؟ أفيق على صوته يقول: ربما كان كامناً في جسدك طوال حياتك ينتظر فرصةً ما للظهور.
- وما العمل إذن؟
- سأعطيك مثبطات للمناعة ستشعر بتحسن.
- أنا لم أقصد ذلك إنما هل من الممكن أن يهدد حياتي؟ وكم كنت أتمنى أن يجيبني بنعم. لكنه قال:
- لا أظن ذلك، هو خلل مزعج وأنا لا أتخيل حجم المعاناة التي تمر بها. فلا أخفيك أنت تبدو كمن لديه حروق بالغة... أقاطعه:
- أرجوك أنا أعلم تماماً حجم معاناتي ولا أحتاج منك تذكيري بها. لكن لي سؤال أخير: هل من الممكن أن أشفى منه؟
- أخشى أن عليكالتعايش معه.. أنا آسف. أنا أعلم أنه ما تأسف إلا ليكون لبقاً معي لكنني ما استطعت إلا أن أفكر كم بدا أسفه في ذلك السياق من غير أي معنى.
لم أستطع أن أنطق بأي كلمة بعدها. ولا أن أفهم أي كلمة بعدها أيضاً. ربما فقدت رغبتي بالفهم. وربما هي صدمة أنني كتب عليّ الحياة مع مرض لعين.. لا هو يميتني فيريحني ولا أمل للشفاء منه.
أذكر عجوزاً كان يعيش في الجوار، كان مريضاً بكل ما أعرفه من أمراض.. قلب، سكري وغيرها من التي لا يعلمها إلا الله. كان يأخذ "كوكتيلاً" مخيفاً من الأدوية كل يوم. ولكنه لم يكن يعرف إسم أي دواء منها غير تلك الحبة الزرقاء والتي كانت تبدو على وجهه إبتسامة خبيثة عندما ينطق اسمها "الفياجرا". كنت أعجب أنه الدواء الوحيد الذي كان يعرف له اسماً، وكيف كان يحب أن يخبرني "بوقاحة" عن الشعور الذي تولده فيه تلك الحبة العجيبة.. من بعد هذا العجوز صممت أن أعرف إسم كل دواء يدخل يوماً في حياتي.
عدت إلى عمان.. وأنا أحمل في جيبي ثلاثة أصدقاء جدد؛ ميثوتريكسات، زاناكس،وفوليك أسيد. هي الأدوية التي وصفها ذلك الطبيب.
عندما عدت كنت بحاجة إلى أحد كي يعرفني إلى أصدقائي الجدد بما أنني لم تسنح لي الظروف كي أعرفهم خلال مدة إقامتي هناك فقد شغلني عنهم الذهول!
وبما أني لا أثق بالصيادلة فقد خطف أحدهم حلمي.. لذا طلبت من ياسمين أن تساعدني في معرفة أصدقائي. فقد كانت لديها صديقة تعمل في مصنع للأدوية، فلم تكن هناك مشكلة عند ياسمين أبداً.
جاءتني ياسمين. وبدأت بالتعريف:
ميثوتريكسات هو المثبط وهو كغيره من المثبطات يسبب غثيان، وحدة الغثيان تتأثر بالجرعة وكانت جرعتي مكثفة لكنها ثلاث مرات بالأسبوع فقط. فنصحتني ياسمين على لسان صديقتها أن آخذه في نهاية الأسبوع. لم أفهم لماذا نصحت بذلك إلا فيما بعد. وبعد لحظة من الصمت. قالت ياسمين:
- فارس.. أنا لا أريد أن أخفي عنك شيئاً.
- خيراً؟
- هذاالدواء هو "الكيماوي" الذي يأخذه مرضى السرطان.
- وماذا يعني ذلك؟
- يعني أن تتوقع نفس الآثار الجانبية، لكن على حدة أقل لأنك تأخذ جرعة أخف.