صفحة 1
الكِتَاب الأوّل
شُعَراء وَعُشَّاق
«إل~هي قُلْ لِي مَنْ خلا مَنْ خطيئةٍ
وكيف تُرى عاشَ البريءُ مِنَ الذَنْبِ»
«إذَا كُنْتَ تَجْزي الذَنْبَ مِنّي بِمِثْلِهِ
فَمَا الفَرْقُ ما بَيْني وبَيْنَكَ يا ربّي؟» (1)
عمر الخيّام
1
يحدث أحياناً في مساء بطيء عبوس أن يتسكّع بعض أهالي سمرقند في درب الحانَتَيْن غير النافذ بالقرب من سوق الفلفل لا لكي يذوقوا خمرة الصُغْد المُمَسَّكة، وإنما ليَرقبوا ذهاب الناس وإيابهم أو ليخاصموا شارباً ثَمِلاً. وعندئذٍ يُمرَّغ الرجل في الغبار وتُكال له الشتائم ويُنذَر لجحيم تذكِّره نارُها، حتى آخِر الدهور، بحُمرة الخمرة المُغْوِية.
ولسوف يولد من قبل هذه الحادثة في صيف 1072م مخطوط «الرباعيات». فعمر الخيّام في الرابعة والعشرين، ولمّا يَمْضِ على وجوده في سمرقند كبير وقت. فهل كان ذاهباً إلى الحانة في ذلك المساء أم أن صُدْفَة التسكّع هي التي حملته؟ إنها اللذَّة النَدِيَّة بذَرْعِ مدينة مجهولة والعينان مفتوحتان على ألف لمسة من لمسات النهار المنصرِم: صبيّ صغير يجري بقدميه الحافيتين فوق بلاطات شارع «حقل الراوند» العريضة وهو يضمّ إلى عنقه تفّاحة سرقها من بسطة المعروضات؛ وفي سوق البزّازين تجري لعبة نَرْدٍ حامية الوطيس على ضوء سراج داخل دكّان، وقد رمي بالقطعتين وتعالت لعنةٌ وخُنقت ضحكة؛ وفي ممرّ الحبّالين المُقَنْطَر توقّف بغّال قرب بركةٍ وجعل الماءَ ينساب في جوف راحتيه المضمومتين ثم انحنى ماطّاً شفتيه وكأنّه يقبّل جبين طفل نائم؛ وإذ ارتوى فقد مسح براحتيه المبلَّلتين على وجهه وغمغم بالشكر وتناول بطيخة مُفَرَّغة فملأها ماء وحملها إلى بهيمته لتشرب هي الأخرى.
وفي ساحة تجّار الزبل اقتربت من الخيّام امرأة حامل. وإذ كانت قد رفعت نقابها فقد بدا أنها تكاد تكون في الخامسة عشرة من العمر. ومن غير أن تنبس بكلمة ولا أن ترتسم ابتسامة على شفتيها البريئتين اختلست من يديه بضع حبّات من اللوز المحمّص الذي كان قد اشتراه لتوّه. ولم يدهش المتنزِّه، فهناك اعتقاد قديم في سمرقند: حين تصادف المرأة التي ستغدو أُمّاً إنساناً غريباً يروقها شكله فإنه ينبغي عليها أن تتجرّأ على مشاطرته طعامه، وبذلك يغدو الولد في مثل جماله وقامته الممشوقة وقسماته المليحة التامة.
تباطأ عمر وأخذ يمضغ اللوزات المتبقّيات بفخارٍ ناظراً إلى المرأة المجهولة وهي تبتعد. وإذ ترامى إليه صخب حفزه على الإسراع فإنه لم يلبث أن ألفى نفسه وسط جمهورٍ هائجٍ وعجوزُ طويل الأطراف هزيلها مُلْقىً على الأرض حاسر الرأس وشعرُه الأبيضُ مشعّثٌ فوق جمجمة مسفوعة؛ لم تكن صيحاته الناجمة عن الغضب والذعر سوى نحيب مستطيل، وكانت عيناه تضرعان إلى أوّل قادم.
كان حول المسكين زهاء عشرين شخصاً تهتزّ لحاهم في الهواء وتتشفّى هراواتهم، وعلى بُعدٍ منهم حلقة من المشاهدين المغتبطين. وإذ لاحظ أحدهم سحنة الخيّام المُستنكِرة فقد ألقى إليه بنبرة أشدّ ما تكون تطميناً: «ليس في الأمر ما يزعج، إنه ليس غير جابر الطويل!» وأجفل عمر واخترقت حلقه رعدة خجل وتمتم: جابر، رفيق أبي عليّ!».
شُعَراء وَعُشَّاق
«إل~هي قُلْ لِي مَنْ خلا مَنْ خطيئةٍ
وكيف تُرى عاشَ البريءُ مِنَ الذَنْبِ»
«إذَا كُنْتَ تَجْزي الذَنْبَ مِنّي بِمِثْلِهِ
فَمَا الفَرْقُ ما بَيْني وبَيْنَكَ يا ربّي؟» (1)
عمر الخيّام
1
يحدث أحياناً في مساء بطيء عبوس أن يتسكّع بعض أهالي سمرقند في درب الحانَتَيْن غير النافذ بالقرب من سوق الفلفل لا لكي يذوقوا خمرة الصُغْد المُمَسَّكة، وإنما ليَرقبوا ذهاب الناس وإيابهم أو ليخاصموا شارباً ثَمِلاً. وعندئذٍ يُمرَّغ الرجل في الغبار وتُكال له الشتائم ويُنذَر لجحيم تذكِّره نارُها، حتى آخِر الدهور، بحُمرة الخمرة المُغْوِية.
ولسوف يولد من قبل هذه الحادثة في صيف 1072م مخطوط «الرباعيات». فعمر الخيّام في الرابعة والعشرين، ولمّا يَمْضِ على وجوده في سمرقند كبير وقت. فهل كان ذاهباً إلى الحانة في ذلك المساء أم أن صُدْفَة التسكّع هي التي حملته؟ إنها اللذَّة النَدِيَّة بذَرْعِ مدينة مجهولة والعينان مفتوحتان على ألف لمسة من لمسات النهار المنصرِم: صبيّ صغير يجري بقدميه الحافيتين فوق بلاطات شارع «حقل الراوند» العريضة وهو يضمّ إلى عنقه تفّاحة سرقها من بسطة المعروضات؛ وفي سوق البزّازين تجري لعبة نَرْدٍ حامية الوطيس على ضوء سراج داخل دكّان، وقد رمي بالقطعتين وتعالت لعنةٌ وخُنقت ضحكة؛ وفي ممرّ الحبّالين المُقَنْطَر توقّف بغّال قرب بركةٍ وجعل الماءَ ينساب في جوف راحتيه المضمومتين ثم انحنى ماطّاً شفتيه وكأنّه يقبّل جبين طفل نائم؛ وإذ ارتوى فقد مسح براحتيه المبلَّلتين على وجهه وغمغم بالشكر وتناول بطيخة مُفَرَّغة فملأها ماء وحملها إلى بهيمته لتشرب هي الأخرى.
وفي ساحة تجّار الزبل اقتربت من الخيّام امرأة حامل. وإذ كانت قد رفعت نقابها فقد بدا أنها تكاد تكون في الخامسة عشرة من العمر. ومن غير أن تنبس بكلمة ولا أن ترتسم ابتسامة على شفتيها البريئتين اختلست من يديه بضع حبّات من اللوز المحمّص الذي كان قد اشتراه لتوّه. ولم يدهش المتنزِّه، فهناك اعتقاد قديم في سمرقند: حين تصادف المرأة التي ستغدو أُمّاً إنساناً غريباً يروقها شكله فإنه ينبغي عليها أن تتجرّأ على مشاطرته طعامه، وبذلك يغدو الولد في مثل جماله وقامته الممشوقة وقسماته المليحة التامة.
تباطأ عمر وأخذ يمضغ اللوزات المتبقّيات بفخارٍ ناظراً إلى المرأة المجهولة وهي تبتعد. وإذ ترامى إليه صخب حفزه على الإسراع فإنه لم يلبث أن ألفى نفسه وسط جمهورٍ هائجٍ وعجوزُ طويل الأطراف هزيلها مُلْقىً على الأرض حاسر الرأس وشعرُه الأبيضُ مشعّثٌ فوق جمجمة مسفوعة؛ لم تكن صيحاته الناجمة عن الغضب والذعر سوى نحيب مستطيل، وكانت عيناه تضرعان إلى أوّل قادم.
كان حول المسكين زهاء عشرين شخصاً تهتزّ لحاهم في الهواء وتتشفّى هراواتهم، وعلى بُعدٍ منهم حلقة من المشاهدين المغتبطين. وإذ لاحظ أحدهم سحنة الخيّام المُستنكِرة فقد ألقى إليه بنبرة أشدّ ما تكون تطميناً: «ليس في الأمر ما يزعج، إنه ليس غير جابر الطويل!» وأجفل عمر واخترقت حلقه رعدة خجل وتمتم: جابر، رفيق أبي عليّ!».
صفحة 2
«أبو علي»، إنها أكثر الكُنى شيوعاً. ولكنْ عندما يذكرها مُثَقَّف في بُخارى أو قُرطبة أو بَلْخ أو بغداد بمثل هذه النبرة النامّة عن إجلالٍ مألوفٍ فلا مجال للَّبس، فهو أبو عليّ ابن سينا. إن عمر لم يعرفه إذ كان قد وُلد بعد أحد عشر عاماً من موته، بيد أنّه يُجلّه بوصفه مُعَلِّمَ جيله غير مُنازَع، ومالكَ جميع العلوم، وداعية «العقل».
وتمتم الخيّام من جديد: «جابر، تلميذ أبي عليّ المفضّل!» ذلك أنه إذا كان يراه للمرّة الأولى فإنه ما كان ليجهل مصيره المفجع الباعث على الاتِّعاظ. فقد كان ابن سينا يرى فيه مُتَمِّماً لطِبِّه كما لآرائه في ما وراء الطبيعة، وكان مُعْجَباً بحُججه؛ غير أنه كان يأخذ عليه نشره أفكاره بكثير من الجهر والفظاظة. ولقد كلَّف هذا العيبُ جابراً عدّة إقامات في السجن وثلاثَ عملياتٍ جَلْدٍ أمام الملأ كان آخرها في ساحة سمرقند العامة، وكان عدد السياط التي انهالت عليه فيها بحضور جميع ذوي قرباه مئة وخمسين سوطاً. ولم يعُد قط سيرته الأولى بعد تلك الإهانة. فمتى جنح يا تُرى من الجسارة إلى الجنون؟ عند وفاة زوجه ولا ريب. فقد أصبح يُشاهد مذّاك هائماً في الأسمال وهو يَظْلَع ويزعق بتجديفاتٍ خرقاء، وفي أثره صبية متكالبون متضاحكون يصفّقون ويرشقونه بحجارة حادّة تجرحه وتُسيل دموعه.
لم يتمالك عمر وهو يرقب المشهد من التفكير: «إذا أنا لم أحاذر صِرتُ يوماً خِرقة كهذه». وما كان السُكْر هو الذي يخشاه إلى هذا الحدّ، فهو يعرف أنه لن ينغمس فيه، إذ تعلّم هو والخمر أن يحترم كلّ منهما الآخَر، ولن يُهرق أيّ منهما الآخَر أبداً على الأرض. وأخشى ما يخشاه هم عامّةُ الناس وهَدْمُهم جدار الوقار في ذات نفسه: وشعر أنه مهدَّد بمشهد هذا الرجل الخائر المُكْتَسَح، وودّ لو يُشيح ويبتعد. ولكنّه يعلم أنه لن يترك رفيقاً لابن سينا بين أيدي العامّة. وتقدّم ثلاث خطوات متمهِّلة وقورة، واصطنع أشدّ ترفُّعاً وقال بصوت واثق مشفوع بحركة سَنّية:
ـ أطلقوا سَراح هذا المنكود!
كان قائد العصابة عندئذٍ منحنياً فوق جابر، فاعتدل وتقدّم فانتصب بثقله أمام الدخيل. وكان يتخلّل لحيته نَدْبة بليغة من الأُذُن اليمنى حتى طرف الذقن، وكان هذا الجانب المحفور هو الذي صعّره لمخاطبه لافظاً ما يشبه الحُكْم:
ـ هذا الرجل سكّير كافر فيلسوف!
ولقد أطلق هذه الكلمة الأخيرة وكأنها لعنة.
ـ لا نريد أيّ فيلسوف في سمرقند!
وسرت في الحشد تمتمة بالموافقة. فلفظة «فيلسوف» تعني عند هؤلاء الناس كلَّ شخص يهتمّ عن كثب بعلوم الإغريق المنافية للدين، وبصورة أعمّ بكلّ ما ليس ديناً ولا أدباً. وكان عمر الخيّام قد أصبح على الرغم من صغر سنّه فيلسوفاً بارزاً، أي صَيْداً أسمنَ بكثير من جابر المسكين هذا.
ولم يكن ذو النَدْبة قد عرفه بالطبع لأنه أشاح عنه وانحنى مجدّداً على العجوز الذي كان قد خرس، فأمسك به من شعره وهزّ رأسه ثلاث مرات أو أربعاً متظاهراً بأنه يريد تحطيمه على أقرب جدار، ثم أفلته بغتة. وقد ظلّت الحركة، على فظاظتها، متحفِّظة وكأنّ الرجل كان ـ على الرغم من إظهار عزمه ـ يتردد في ارتكاب جريمة قتل. وقد اختار الخيّام هذه اللحظة للتدخّل من جديد.
ـ دَعْكَ من هذا العجوز، إنّه أرمل مريض مُخَبَّل، ألا ترى أنه يكاد يستطيع تحريك شفتيه؟
واستوى القائد قافزاً وتقدّم من الخيّام مسدِّداً إصبعه إلى لحيته وقال:
ـ أنت يا مَنْ يبدو أنَّك تعرفه جيّداً، تُرى مَنْ تكون؟ إنك لست من سمرقند! ولم يسبق لأحد أن رآك في هذه المدينة!
وأزاح عمر يد مخاطبه بتعالٍ، ولكن من غير خشونة، محافظةً منه على احترامه من دون أن يمنحه ذريعة للشجار. وتراجع الرجل خطوة، غير أنه ألحّ قائلاً:
ـ ما اسمك أيها الغريب؟
وتردّد الخيّام في الكشف عن نفسه، وأخذ يبحث عن خدعة، ورفع عينيه إلى السماء حيث كانت غيمة رقيقة قد حجبت الهلال. وكان صمت، وكانت تنهّدة. فلقد كان عليه أن ينسى نفسه في التأمّل، أن يسمّي النجوم واحداً واحداً، أن يبتعد، أن يكون في مأمن من الحشود!
لكنّ العصابة كانت قد أحاطت به، وكانت بعض الأيدي قد بدأت تلامسه، فتمالك نفسه وقال:
ـ أنا عمر بن إبراهيم من نيسابور. وأنت من تكون؟
إنه لسؤال شكليّ محض، وليس في نيّة الرجل أن يُعرِّف بنفسه. فهو في مدينته، وهو المُحقِّق. ولسوف يعرف عمر فيما بعد لقبه، فهو يُدعى «الطالبَ ذا النَدْبة». وسيجعل سمرقند ترتعد في المستقبل وفي يده هراوة وعلى لسانه استشهاد. وأما الآن فإن تأثيره لا يتعدّى هؤلاء الشبّان المحيطين به متيقّظين لأدنى كلمة منه ولأدنى حركة.
وأومضت عيناه بغتة. والتفت نحو شركائه. ثم بزهو نحو حشد الناس. وصاح:
ـ يا لَلّه! كيف أمكن ألّا أعرف عمر بن إبراهيم الخيّام من نيسابور؟ عمر، نجم خراسان ونابغة فارس والعراقيْن وأمير الفلاسفة!
واصطنع انحناءة طويلة، وحوّم بأصابعه حول عمامته، مستثيراً بلا ريب قهقهات المتسكّعين.
وتمتم الخيّام من جديد: «جابر، تلميذ أبي عليّ المفضّل!» ذلك أنه إذا كان يراه للمرّة الأولى فإنه ما كان ليجهل مصيره المفجع الباعث على الاتِّعاظ. فقد كان ابن سينا يرى فيه مُتَمِّماً لطِبِّه كما لآرائه في ما وراء الطبيعة، وكان مُعْجَباً بحُججه؛ غير أنه كان يأخذ عليه نشره أفكاره بكثير من الجهر والفظاظة. ولقد كلَّف هذا العيبُ جابراً عدّة إقامات في السجن وثلاثَ عملياتٍ جَلْدٍ أمام الملأ كان آخرها في ساحة سمرقند العامة، وكان عدد السياط التي انهالت عليه فيها بحضور جميع ذوي قرباه مئة وخمسين سوطاً. ولم يعُد قط سيرته الأولى بعد تلك الإهانة. فمتى جنح يا تُرى من الجسارة إلى الجنون؟ عند وفاة زوجه ولا ريب. فقد أصبح يُشاهد مذّاك هائماً في الأسمال وهو يَظْلَع ويزعق بتجديفاتٍ خرقاء، وفي أثره صبية متكالبون متضاحكون يصفّقون ويرشقونه بحجارة حادّة تجرحه وتُسيل دموعه.
لم يتمالك عمر وهو يرقب المشهد من التفكير: «إذا أنا لم أحاذر صِرتُ يوماً خِرقة كهذه». وما كان السُكْر هو الذي يخشاه إلى هذا الحدّ، فهو يعرف أنه لن ينغمس فيه، إذ تعلّم هو والخمر أن يحترم كلّ منهما الآخَر، ولن يُهرق أيّ منهما الآخَر أبداً على الأرض. وأخشى ما يخشاه هم عامّةُ الناس وهَدْمُهم جدار الوقار في ذات نفسه: وشعر أنه مهدَّد بمشهد هذا الرجل الخائر المُكْتَسَح، وودّ لو يُشيح ويبتعد. ولكنّه يعلم أنه لن يترك رفيقاً لابن سينا بين أيدي العامّة. وتقدّم ثلاث خطوات متمهِّلة وقورة، واصطنع أشدّ ترفُّعاً وقال بصوت واثق مشفوع بحركة سَنّية:
ـ أطلقوا سَراح هذا المنكود!
كان قائد العصابة عندئذٍ منحنياً فوق جابر، فاعتدل وتقدّم فانتصب بثقله أمام الدخيل. وكان يتخلّل لحيته نَدْبة بليغة من الأُذُن اليمنى حتى طرف الذقن، وكان هذا الجانب المحفور هو الذي صعّره لمخاطبه لافظاً ما يشبه الحُكْم:
ـ هذا الرجل سكّير كافر فيلسوف!
ولقد أطلق هذه الكلمة الأخيرة وكأنها لعنة.
ـ لا نريد أيّ فيلسوف في سمرقند!
وسرت في الحشد تمتمة بالموافقة. فلفظة «فيلسوف» تعني عند هؤلاء الناس كلَّ شخص يهتمّ عن كثب بعلوم الإغريق المنافية للدين، وبصورة أعمّ بكلّ ما ليس ديناً ولا أدباً. وكان عمر الخيّام قد أصبح على الرغم من صغر سنّه فيلسوفاً بارزاً، أي صَيْداً أسمنَ بكثير من جابر المسكين هذا.
ولم يكن ذو النَدْبة قد عرفه بالطبع لأنه أشاح عنه وانحنى مجدّداً على العجوز الذي كان قد خرس، فأمسك به من شعره وهزّ رأسه ثلاث مرات أو أربعاً متظاهراً بأنه يريد تحطيمه على أقرب جدار، ثم أفلته بغتة. وقد ظلّت الحركة، على فظاظتها، متحفِّظة وكأنّ الرجل كان ـ على الرغم من إظهار عزمه ـ يتردد في ارتكاب جريمة قتل. وقد اختار الخيّام هذه اللحظة للتدخّل من جديد.
ـ دَعْكَ من هذا العجوز، إنّه أرمل مريض مُخَبَّل، ألا ترى أنه يكاد يستطيع تحريك شفتيه؟
واستوى القائد قافزاً وتقدّم من الخيّام مسدِّداً إصبعه إلى لحيته وقال:
ـ أنت يا مَنْ يبدو أنَّك تعرفه جيّداً، تُرى مَنْ تكون؟ إنك لست من سمرقند! ولم يسبق لأحد أن رآك في هذه المدينة!
وأزاح عمر يد مخاطبه بتعالٍ، ولكن من غير خشونة، محافظةً منه على احترامه من دون أن يمنحه ذريعة للشجار. وتراجع الرجل خطوة، غير أنه ألحّ قائلاً:
ـ ما اسمك أيها الغريب؟
وتردّد الخيّام في الكشف عن نفسه، وأخذ يبحث عن خدعة، ورفع عينيه إلى السماء حيث كانت غيمة رقيقة قد حجبت الهلال. وكان صمت، وكانت تنهّدة. فلقد كان عليه أن ينسى نفسه في التأمّل، أن يسمّي النجوم واحداً واحداً، أن يبتعد، أن يكون في مأمن من الحشود!
لكنّ العصابة كانت قد أحاطت به، وكانت بعض الأيدي قد بدأت تلامسه، فتمالك نفسه وقال:
ـ أنا عمر بن إبراهيم من نيسابور. وأنت من تكون؟
إنه لسؤال شكليّ محض، وليس في نيّة الرجل أن يُعرِّف بنفسه. فهو في مدينته، وهو المُحقِّق. ولسوف يعرف عمر فيما بعد لقبه، فهو يُدعى «الطالبَ ذا النَدْبة». وسيجعل سمرقند ترتعد في المستقبل وفي يده هراوة وعلى لسانه استشهاد. وأما الآن فإن تأثيره لا يتعدّى هؤلاء الشبّان المحيطين به متيقّظين لأدنى كلمة منه ولأدنى حركة.
وأومضت عيناه بغتة. والتفت نحو شركائه. ثم بزهو نحو حشد الناس. وصاح:
ـ يا لَلّه! كيف أمكن ألّا أعرف عمر بن إبراهيم الخيّام من نيسابور؟ عمر، نجم خراسان ونابغة فارس والعراقيْن وأمير الفلاسفة!
واصطنع انحناءة طويلة، وحوّم بأصابعه حول عمامته، مستثيراً بلا ريب قهقهات المتسكّعين.
صفحة 3
ـ كيف أمكن ألّا أعرف من نظم هذه «الرباعية» الناضجة بالتقوى والورع:
«كَسَرْتَ يا ربُّ إبريقَ المُدامَ كما
سَدَدْتَ لي بابَ عيشي حيثُما كانا»
«أنا شربتُ وتُبدي أنتَ عَرْبَدَةً
ليتَ الثَّرى بِفَمي، هلْ كُنْتَ نَشوانا؟»
كان الخيّام يصغي مستنكراً قلقِاً. إن مثل هذا الاستفزاز دعوة إلى القتل، وعلى الفور. ومن غير أن يُضيع لحظة واحدة أطلق جوابه بصوت مرتفع واضح كيلا ينخدع أحد من المتجمهرين:
ـ إني أسمع هذه الرباعية للمرّة الأولى من فمك أيها المجهول. ولكنْ إليك هذه الرباعية التي نظمتها حقّاً:
«لا شيء، إنهم لا يعلمون شيئاً، ولا يريدون أن يعلموا شيئاً،
«أترى هؤلاء الجهلة، إنهم يهيمنون على العالم،
«وإن لم تكن منهم دَعَوْك كافراً.
«أهملهم يا خيّام واتّبع سبيلك» (2).
لقد أخطأ عمر ولا ريب في أن يُرفق قوله «أترى» بحركة ازدراء باتجاه خصومه. فقد امتدّت أيدٍ وجرّته من الثوب الذي بدأ يتمزّق. إنه يترنّح. واصطدم ظهره برُكبةٍ، ثم بصفحة بلاطة. وإذ كان الرهط قد سحقه فإنه لم يحاول أن يتخبّط، واستسلم تاركاً ثوبه يُقطَّع وجسده يُنهش، وكان قد سبق له أن أسلم نفسه إلى الخَدَر الرخو الذي يصيب الضحيّة المرجومة، فهو لا يستشعر شيئاً ولا يسمع شيئاً، وقد انحبس داخل ذاته سوراً يناطح الغمام وأبواباً موصدة.
إنه يتأمّل وجوه الرجال المسلَّحين العشرة الذين جاءوا يُوقفون عملية التضحية وكأنه يتأمّل بعض المتطفِّلين. كانوا يرفعون فوق طواقي اللبد التي يعتمرونها الإشارة ذات اللون الأخضر الباهت الدّالة على «الأحداث»، ميليشيا سمرقند البلدية. وما إن رآهم المعتدون حتى ابتعدوا عن الخيّام، لكنّهم أخذوا يصيحون مستشهدين بالجمهور تبريراً لمسلكهم:
ـ كيميائي! كيميائي!
ولأَنْ يكون المرء فيلسوفاً فليس جريمة في نظر السلطات، وأمّا تعاطي الكيمياء فجزاؤه الموت.
ـ كيميائي! هذا الغريب كيميائي!
ولكنْ لم يكن في نيّة رئيس الدورية أن يجادل. وعليه فقد قرّر قائلاً:
ـ إذا كان هذا الرجل كيميائياً حقّاً فإنه يجدر بنا أن نقوده إلى قاضي القضاة أبي طاهر.
وبينما كان جابر الطويل الذي نسيه الجميع يزحف نحو أقرب حانة ويندسّ فيها مؤالياً على نفسه ألّا يعود قطّ إلى الخروج، تمكّن عمر من النهوض بلا مساعدة من أحد. ومشى مستقيماً في صمت؛ وكانت سحنته المترفِّعة تغطّي، وكأنها حجاب محتشم، ثيابه الممزّقة ووجهه الدامي. وأمامه كان رجال الميليشيا المزوَّدون بالمشاعل يفسحون الطريق. وخلفه مشى المعتدون عليه ثم موكب المتسكّعين.
لم يكن عمر يراهم، ولا كان يسمعهم. لقد كانت الشوارع بالنسبة إليه مُقْفِرة، وكانت الأرض بلا ضوضاء والسماء بلا غيوم، وكانت سمرقند لا تزال موضع الحلم، ذلك الموضع الذي كان قد اكتشفه قبل بضعة أيام.
وكان قد بلغه بعد ثلاثة أسابيع من السفر، وعزم، من غير أن يتمتّع بأدنى راحة، على أن يتّبع على وجه التقريب نصائح قُدامى الرحّالين. فلقد دَعَوا المسافر أن يصعد إلى شرفة القهندز، وهي القلعة القديمة، وأن يُجيل طَرْفه طويلاً فلا يرى إلا الماء والخضرة والمرابع الزاهرة وشجر السرو الذي شَذَّبَهُ أمهرُ البستانيين في صورة ثيران وأفيال وجمالٍ مُنيخة وفهود متواجهة تبدو وكأنها تستعدّ للوثوب. والحقّ أن عمر لم يرَ داخل حَرَم القلعة بالذات، من باب الدير غرباً حتى باب الصين، غيرَ بساتين ملتفَّة وسَواقٍ هادرة. ثم، هنا وهناك، تَطاوُلَ مئذنةٍ من القرميد، أو قبّةٍ منقوشة بالظلال، أو بياضِ جدار من جدرانِ مقصورةٍ. ومستحمَّةً عاريةً تُفْرِد شعرها للريح المُحْرِقة عند حافّةِ بِرْكةٍ تغمرها أشجار الصفصاف الباكي.
ألم يكن مشهد الجنّة هذا هو الذي أراد أن يثيره الرسّام المجهول عندما شرع بعد زمن طويل في تزويد مخطوط «الرباعيات» بالرسوم المعبِّرة؟ أَوَليس هذا هو أيضاً ما أسرَّه عمر في نفسه وهم يقودونه إلى حيّ أسفِزار حيث يقيم أبو طاهر قاضي قضاة سمرقند؟ ولم يكن يني يردّد في سرّه: «لن أُبغض هذه المدينة. حتى ولو لم تكن المستحمّة سوى سراب. حتى ولو اكتست الحقيقة وجه ذي النَدْبة. حتى ولو قُدِّر أن تكون هذه الليلة الرَّطْبة آخِرَ لياليَّ».
«كَسَرْتَ يا ربُّ إبريقَ المُدامَ كما
سَدَدْتَ لي بابَ عيشي حيثُما كانا»
«أنا شربتُ وتُبدي أنتَ عَرْبَدَةً
ليتَ الثَّرى بِفَمي، هلْ كُنْتَ نَشوانا؟»
كان الخيّام يصغي مستنكراً قلقِاً. إن مثل هذا الاستفزاز دعوة إلى القتل، وعلى الفور. ومن غير أن يُضيع لحظة واحدة أطلق جوابه بصوت مرتفع واضح كيلا ينخدع أحد من المتجمهرين:
ـ إني أسمع هذه الرباعية للمرّة الأولى من فمك أيها المجهول. ولكنْ إليك هذه الرباعية التي نظمتها حقّاً:
«لا شيء، إنهم لا يعلمون شيئاً، ولا يريدون أن يعلموا شيئاً،
«أترى هؤلاء الجهلة، إنهم يهيمنون على العالم،
«وإن لم تكن منهم دَعَوْك كافراً.
«أهملهم يا خيّام واتّبع سبيلك» (2).
لقد أخطأ عمر ولا ريب في أن يُرفق قوله «أترى» بحركة ازدراء باتجاه خصومه. فقد امتدّت أيدٍ وجرّته من الثوب الذي بدأ يتمزّق. إنه يترنّح. واصطدم ظهره برُكبةٍ، ثم بصفحة بلاطة. وإذ كان الرهط قد سحقه فإنه لم يحاول أن يتخبّط، واستسلم تاركاً ثوبه يُقطَّع وجسده يُنهش، وكان قد سبق له أن أسلم نفسه إلى الخَدَر الرخو الذي يصيب الضحيّة المرجومة، فهو لا يستشعر شيئاً ولا يسمع شيئاً، وقد انحبس داخل ذاته سوراً يناطح الغمام وأبواباً موصدة.
إنه يتأمّل وجوه الرجال المسلَّحين العشرة الذين جاءوا يُوقفون عملية التضحية وكأنه يتأمّل بعض المتطفِّلين. كانوا يرفعون فوق طواقي اللبد التي يعتمرونها الإشارة ذات اللون الأخضر الباهت الدّالة على «الأحداث»، ميليشيا سمرقند البلدية. وما إن رآهم المعتدون حتى ابتعدوا عن الخيّام، لكنّهم أخذوا يصيحون مستشهدين بالجمهور تبريراً لمسلكهم:
ـ كيميائي! كيميائي!
ولأَنْ يكون المرء فيلسوفاً فليس جريمة في نظر السلطات، وأمّا تعاطي الكيمياء فجزاؤه الموت.
ـ كيميائي! هذا الغريب كيميائي!
ولكنْ لم يكن في نيّة رئيس الدورية أن يجادل. وعليه فقد قرّر قائلاً:
ـ إذا كان هذا الرجل كيميائياً حقّاً فإنه يجدر بنا أن نقوده إلى قاضي القضاة أبي طاهر.
وبينما كان جابر الطويل الذي نسيه الجميع يزحف نحو أقرب حانة ويندسّ فيها مؤالياً على نفسه ألّا يعود قطّ إلى الخروج، تمكّن عمر من النهوض بلا مساعدة من أحد. ومشى مستقيماً في صمت؛ وكانت سحنته المترفِّعة تغطّي، وكأنها حجاب محتشم، ثيابه الممزّقة ووجهه الدامي. وأمامه كان رجال الميليشيا المزوَّدون بالمشاعل يفسحون الطريق. وخلفه مشى المعتدون عليه ثم موكب المتسكّعين.
لم يكن عمر يراهم، ولا كان يسمعهم. لقد كانت الشوارع بالنسبة إليه مُقْفِرة، وكانت الأرض بلا ضوضاء والسماء بلا غيوم، وكانت سمرقند لا تزال موضع الحلم، ذلك الموضع الذي كان قد اكتشفه قبل بضعة أيام.
وكان قد بلغه بعد ثلاثة أسابيع من السفر، وعزم، من غير أن يتمتّع بأدنى راحة، على أن يتّبع على وجه التقريب نصائح قُدامى الرحّالين. فلقد دَعَوا المسافر أن يصعد إلى شرفة القهندز، وهي القلعة القديمة، وأن يُجيل طَرْفه طويلاً فلا يرى إلا الماء والخضرة والمرابع الزاهرة وشجر السرو الذي شَذَّبَهُ أمهرُ البستانيين في صورة ثيران وأفيال وجمالٍ مُنيخة وفهود متواجهة تبدو وكأنها تستعدّ للوثوب. والحقّ أن عمر لم يرَ داخل حَرَم القلعة بالذات، من باب الدير غرباً حتى باب الصين، غيرَ بساتين ملتفَّة وسَواقٍ هادرة. ثم، هنا وهناك، تَطاوُلَ مئذنةٍ من القرميد، أو قبّةٍ منقوشة بالظلال، أو بياضِ جدار من جدرانِ مقصورةٍ. ومستحمَّةً عاريةً تُفْرِد شعرها للريح المُحْرِقة عند حافّةِ بِرْكةٍ تغمرها أشجار الصفصاف الباكي.
ألم يكن مشهد الجنّة هذا هو الذي أراد أن يثيره الرسّام المجهول عندما شرع بعد زمن طويل في تزويد مخطوط «الرباعيات» بالرسوم المعبِّرة؟ أَوَليس هذا هو أيضاً ما أسرَّه عمر في نفسه وهم يقودونه إلى حيّ أسفِزار حيث يقيم أبو طاهر قاضي قضاة سمرقند؟ ولم يكن يني يردّد في سرّه: «لن أُبغض هذه المدينة. حتى ولو لم تكن المستحمّة سوى سراب. حتى ولو اكتست الحقيقة وجه ذي النَدْبة. حتى ولو قُدِّر أن تكون هذه الليلة الرَّطْبة آخِرَ لياليَّ».
صفحة 4
2
كانت الشمعدانات القابعة بعيداً في ديوان القاضي الفسيح تُضفي على الخيّام لون العاج. وما إن دخل حتى كتّفه حارسان كهلان وكأنّه مجنون خَطِر. وها هوذا ينتظر على هذه الهيئة بالقرب من الباب.
وإذ كان القاضي جالساً في طرف الحجرة الآخر فإنّه لم يلحظه، واستمرّ في تسوية إحدى القضايا مناقشاً المتخاصميْن، داعياً أحدهما إلى الاحتكام للعقل، موبِّخاً الآخر. وبدا أنه خلاف قديم بين جاريْن وأحقادٌ متراكمة ومماحكات سخيفة. وانتهى الأمر بأبي طاهر إلى إبداء ضيقه وأمر زعيمي الأسرتين بتبادل القُبل هنا أمامه وكأنّه لم يسبق أن حدث ما يُفرِّق بينهما. وتقدّم أحدهما خطوة واستنكف الآخر وهو عملاق ضيّق الجبين، فصفعه القاضي بكل ما أوتي من عزم زارعاً الهلع في قلوب الحاضرين. وتأمّل العملاق لحظة هذا الشخص القصير الساخط المتشنِّج الذي كان عليه أن يتطاول ليبلغه، ثم طأطأ رأسه ومسح على خدّه وامتثل للأمر.
وإذ صرف أبو طاهر كل أولئك الناس فقد أشار إلى رجال الميليشيا بالاقتراب. وأبلغ هؤلاء تقريرهم وأجابوا عن بعض الأسئلة وجهدوا في شرح الأسباب التي دفعتهم إلى السماح بمثل هذا التجمهر في الشوارع. ثم جاء دور ذي النَدْبة لتقديم مسوِّغاته فانحنى على القاضي الذي بدا أنّه يعرفه من زمن طويل وانخرط في حديث شديد الانفعال والحماسة. وأصغى إليه أبو طاهر بانتباه من غير أن يُمكِّن أحداً من التخرُّص بما كان يشعر به. وبعد لحظات من التفكير أمر قائلاً:
ـ قولوا للجَمْع أن يتفرّق. وليذهب كل واحد إلى منزله سالكاً أقرب الطرق، وأنتم ـ وهنا كان يخاطب المعتدين ـ أيضاً عودوا إلى منازلكم! فلن يتقرَّر شيء قبل غد. وسوف يقضي المتّهم الليل هنا في حراسة حرّاسي، ولن يكون معهم أي شخص آخر.
وإذ بوغت ذو النَدْبة لرؤية نفسه مدعوّاً إلى الاحتجاب بهذه السرعة فقد شرع في احتجاجٍ، ولكنّه ما لبث أن غيّر رأيه. وجمع بحذر حاشية ثوبه وانسحب في انحناءة.
وعندما وجد أبو طاهر نفسه وجهاً لوجه مع عُمَر ولا شاهِدَ على ما يجري غيرُ من يثق بهم من رجاله لفظ هذه العبارة الترحيبية المحيِّرة:
ـ إنه لشرف أن يُستقبل في هذا المكان عمر الخيّام النيسابوري الشهير.
ولم يكن القاضي ساخراً ولا مُتَحمِّساً. فما كانت هناك أدنى ظاهرة انفعال. فالنبرة محايدة، والصوت مسطَّح، والعمامة مكوّرة، والحاجبان كثّان، واللحية شيباء بلا شاربين، والنظرة متفرِّسة لا تكاد تنتهي.
وزاد في غموض الاستقبال أن عمر كان واقفاً هنا منذ ساعة ممزَّق الثياب عرضة لجميع الأنظار والابتسامات والغمغمات.
وأضاف أبو طاهر بعد لحظات تَفَنَّن في اصطفائها:
ـ لستَ نَكِرة في سمرقند يا عُمَر. فعلى الرغم من صغر سنّك فإن علمك قد غدا مَضْرِب الأمثال، ومآثرك تُتناقل في المدارس. أفليس صحيحاً أنّك قرأت في أصفهان سبع مرات مجلَّداً ضخماً لابن سينا، وأنّك نقلته لدى عودتك إلى نيسابور كلمةً بكلمة من الذاكرة؟
وازدهى الخيّام بأن تكون مَأْثُرَتُه، وهي حقيقية، معروفة في طبرستان، ولكنّ ذلك ما كان ليقضي على مخاوفه. فالإحالة على ابن سينا من فم قاضٍ من المذهب الشافعي ليس فيها ما يُطَمْئِن؛ ومن جهة ثانية فإنّه لم يُدْعَ إلى الجلوس. وتابع أبو طاهر يقول:
ـ ليست مآثرك وحدها هي المتناقلة من فم إلى آخر، فالناس ينسبون إليك كثيراً من الرباعيات الغريبة.
الحديث مُحْكَم، فهو لا يتَّهِم، ولا يُبَرِّىء قطّ، ولا يسأل إلا مداورةً. وقَدَّر عمر أنه قد حان الوقت لكسر طوق الصمت فقال:
ـ ليست الرباعية التي يردِّدها ذو النَدْبة من نظمي.
وكَنَسَ القاضي الاحتجاج بحركة من ظاهر يده بشكل نزِق. ولأول مرة غدت النبرة صارمة:
ـ لا يهمّ كثيراً أن تكون قد نظمت هذا البيت أو ذاك. فقد نُمِيَتْ إليّ أقوال من الكفر لو ذكرتُها لشعرتُ بأن ذنبي يماثل ذنب قائلها. إني لا أسعى إلى انتزاع إقرار منك، ولا أسعى إلى إنزال عقاب بك. فاتهامك بتعاطي الكيمياء دخل إحدى أُذُنيَّ ليخرج من الأخرى. إننا وحدنا، ونحن رجلان من رجال المعرفة، وكلّ ما أريد هو معرفة الحقيقة.
لم يُفْرِخْ روع عمر قطّ، وإنه ليخشى شَرَكاً ويتردّد في الإجابة. وها هوذا يرى نفسه وقد أُسلِم إلى الجلّاد ليجدعه أو يخصيه أو يصلبه. ورفع أبو طاهر صوته، إنه يكاد يصرخ، وقال:
ـ عمر، يا ابن إبراهيم صانع الخِيام من نيسابور، أتعلم كيف تتعرّف إلى صديق؟
إن في هذه العبارة نبرة إخلاص تقرع الخيّام وتسوطه. «تتعرّف إلى صديق؟» وقلّب السؤال بجدّ، وتأمّل وجه القاضي، وتفحّص ابتساماته الهازئة وانتفاضات لحيته. وترك الطمأنينة تغمره على مهل. وانفرجت أساريره وتراخت. وتملّص من حرّاسه الذين لم يعترضوا طريقه بناء على حركة قام بها القاضي. ثم ذهب للجلوس من غير أن يُدعى إليه. وابتسم القاضي بطيب قلب، بيد أنه واصل استجوابه قائلاً:
ـ أتكون الزنديق الذي يصفه بعضهم؟
إنه لأَكْثَرُ من سؤال، إنه صرخة تبرُّم لا يُخيِّبها الخيّام:
كانت الشمعدانات القابعة بعيداً في ديوان القاضي الفسيح تُضفي على الخيّام لون العاج. وما إن دخل حتى كتّفه حارسان كهلان وكأنّه مجنون خَطِر. وها هوذا ينتظر على هذه الهيئة بالقرب من الباب.
وإذ كان القاضي جالساً في طرف الحجرة الآخر فإنّه لم يلحظه، واستمرّ في تسوية إحدى القضايا مناقشاً المتخاصميْن، داعياً أحدهما إلى الاحتكام للعقل، موبِّخاً الآخر. وبدا أنه خلاف قديم بين جاريْن وأحقادٌ متراكمة ومماحكات سخيفة. وانتهى الأمر بأبي طاهر إلى إبداء ضيقه وأمر زعيمي الأسرتين بتبادل القُبل هنا أمامه وكأنّه لم يسبق أن حدث ما يُفرِّق بينهما. وتقدّم أحدهما خطوة واستنكف الآخر وهو عملاق ضيّق الجبين، فصفعه القاضي بكل ما أوتي من عزم زارعاً الهلع في قلوب الحاضرين. وتأمّل العملاق لحظة هذا الشخص القصير الساخط المتشنِّج الذي كان عليه أن يتطاول ليبلغه، ثم طأطأ رأسه ومسح على خدّه وامتثل للأمر.
وإذ صرف أبو طاهر كل أولئك الناس فقد أشار إلى رجال الميليشيا بالاقتراب. وأبلغ هؤلاء تقريرهم وأجابوا عن بعض الأسئلة وجهدوا في شرح الأسباب التي دفعتهم إلى السماح بمثل هذا التجمهر في الشوارع. ثم جاء دور ذي النَدْبة لتقديم مسوِّغاته فانحنى على القاضي الذي بدا أنّه يعرفه من زمن طويل وانخرط في حديث شديد الانفعال والحماسة. وأصغى إليه أبو طاهر بانتباه من غير أن يُمكِّن أحداً من التخرُّص بما كان يشعر به. وبعد لحظات من التفكير أمر قائلاً:
ـ قولوا للجَمْع أن يتفرّق. وليذهب كل واحد إلى منزله سالكاً أقرب الطرق، وأنتم ـ وهنا كان يخاطب المعتدين ـ أيضاً عودوا إلى منازلكم! فلن يتقرَّر شيء قبل غد. وسوف يقضي المتّهم الليل هنا في حراسة حرّاسي، ولن يكون معهم أي شخص آخر.
وإذ بوغت ذو النَدْبة لرؤية نفسه مدعوّاً إلى الاحتجاب بهذه السرعة فقد شرع في احتجاجٍ، ولكنّه ما لبث أن غيّر رأيه. وجمع بحذر حاشية ثوبه وانسحب في انحناءة.
وعندما وجد أبو طاهر نفسه وجهاً لوجه مع عُمَر ولا شاهِدَ على ما يجري غيرُ من يثق بهم من رجاله لفظ هذه العبارة الترحيبية المحيِّرة:
ـ إنه لشرف أن يُستقبل في هذا المكان عمر الخيّام النيسابوري الشهير.
ولم يكن القاضي ساخراً ولا مُتَحمِّساً. فما كانت هناك أدنى ظاهرة انفعال. فالنبرة محايدة، والصوت مسطَّح، والعمامة مكوّرة، والحاجبان كثّان، واللحية شيباء بلا شاربين، والنظرة متفرِّسة لا تكاد تنتهي.
وزاد في غموض الاستقبال أن عمر كان واقفاً هنا منذ ساعة ممزَّق الثياب عرضة لجميع الأنظار والابتسامات والغمغمات.
وأضاف أبو طاهر بعد لحظات تَفَنَّن في اصطفائها:
ـ لستَ نَكِرة في سمرقند يا عُمَر. فعلى الرغم من صغر سنّك فإن علمك قد غدا مَضْرِب الأمثال، ومآثرك تُتناقل في المدارس. أفليس صحيحاً أنّك قرأت في أصفهان سبع مرات مجلَّداً ضخماً لابن سينا، وأنّك نقلته لدى عودتك إلى نيسابور كلمةً بكلمة من الذاكرة؟
وازدهى الخيّام بأن تكون مَأْثُرَتُه، وهي حقيقية، معروفة في طبرستان، ولكنّ ذلك ما كان ليقضي على مخاوفه. فالإحالة على ابن سينا من فم قاضٍ من المذهب الشافعي ليس فيها ما يُطَمْئِن؛ ومن جهة ثانية فإنّه لم يُدْعَ إلى الجلوس. وتابع أبو طاهر يقول:
ـ ليست مآثرك وحدها هي المتناقلة من فم إلى آخر، فالناس ينسبون إليك كثيراً من الرباعيات الغريبة.
الحديث مُحْكَم، فهو لا يتَّهِم، ولا يُبَرِّىء قطّ، ولا يسأل إلا مداورةً. وقَدَّر عمر أنه قد حان الوقت لكسر طوق الصمت فقال:
ـ ليست الرباعية التي يردِّدها ذو النَدْبة من نظمي.
وكَنَسَ القاضي الاحتجاج بحركة من ظاهر يده بشكل نزِق. ولأول مرة غدت النبرة صارمة:
ـ لا يهمّ كثيراً أن تكون قد نظمت هذا البيت أو ذاك. فقد نُمِيَتْ إليّ أقوال من الكفر لو ذكرتُها لشعرتُ بأن ذنبي يماثل ذنب قائلها. إني لا أسعى إلى انتزاع إقرار منك، ولا أسعى إلى إنزال عقاب بك. فاتهامك بتعاطي الكيمياء دخل إحدى أُذُنيَّ ليخرج من الأخرى. إننا وحدنا، ونحن رجلان من رجال المعرفة، وكلّ ما أريد هو معرفة الحقيقة.
لم يُفْرِخْ روع عمر قطّ، وإنه ليخشى شَرَكاً ويتردّد في الإجابة. وها هوذا يرى نفسه وقد أُسلِم إلى الجلّاد ليجدعه أو يخصيه أو يصلبه. ورفع أبو طاهر صوته، إنه يكاد يصرخ، وقال:
ـ عمر، يا ابن إبراهيم صانع الخِيام من نيسابور، أتعلم كيف تتعرّف إلى صديق؟
إن في هذه العبارة نبرة إخلاص تقرع الخيّام وتسوطه. «تتعرّف إلى صديق؟» وقلّب السؤال بجدّ، وتأمّل وجه القاضي، وتفحّص ابتساماته الهازئة وانتفاضات لحيته. وترك الطمأنينة تغمره على مهل. وانفرجت أساريره وتراخت. وتملّص من حرّاسه الذين لم يعترضوا طريقه بناء على حركة قام بها القاضي. ثم ذهب للجلوس من غير أن يُدعى إليه. وابتسم القاضي بطيب قلب، بيد أنه واصل استجوابه قائلاً:
ـ أتكون الزنديق الذي يصفه بعضهم؟
إنه لأَكْثَرُ من سؤال، إنه صرخة تبرُّم لا يُخيِّبها الخيّام:
صفحة 5
ـ إني أحذر تفاني الأتقياء، لكنّي لم أقل يوماً إن الواحد الصمد اثنان.
ـ هل خطر ذلك على بالك يوماً؟
ـ أبداً، واللَّه شهيد عليّ.
ـ هذا يكفيني. وهو يكفي الخالق على ما أظنّ. لكنّه لا يكفي العامّة. إنهم يتربّصون بأقوالك وبكلّ حركاتك، كما يتربّصون بأقوالي وحركاتي، وبأقوال الأمراء وحركاتهم. لقد سُمِعْتَ تقول: «أَذْهَبُ أحياناً إلى المساجد حيث الظلّ مواتٍ للنوم».
ـ وحده الإنسان المسلم لخالقه يجد إلى النوم سبيلاً في مكان للعبادة.
وعلى الرغم من برطمة أبي طاهر المُرتابة فقد زادت حماسة عُمَر واستطرد:
ـ لست من أولئك الذين لا يعدو إيمانهم أن يكون خوفاً من يوم الحساب، ولا تعدو صلاتهم أن تكون سجوداً. طريقتي في الصلاة؟ أتأمّل وردة، أعدّ النجوم، أتدلّه بجمال الخليقة، بكمال نظامها وترتيبها، بالإنسان أجمل ما أبدع الخلّاق، بعقله المتعطّش إلى المعرفة، بقلبه المتعطّش إلى الحبّ، بحواسّه، كلّ حواسّه، متيقّظة كانت أو مُتْرَعَة.
ونهض القاضي وقد لاح التفكّر في عينيه فجلس بجانب الخيّام وألقى على كتفه يداً أبويّة. وتبادل الحرّاس نظرات مشدوهة.
ـ اسمع يا بنيّ، لقد أعطاك اللَّه تعالى أثمن من ما يمكن أن يحصل عليه آدميّ، الفطنة، وفنّ القول، والصحة، والجمال، والرغبة في العلم والتمتّع بالعيش، والإعجاب بالناس، وعلى ما أظنّ، تنهّدات النساء. وأرجو ألّا يكون قد حرمك الحكمة، حكمة الصمت التي لا يُمكن أن يُقدَّر ذلك كلُّه ولا أن يُحْفظ من غيرها.
ـ أينبغي أن أنتظر حتى أصبح عجوزاً لأعبّر عن أفكاري؟
ـ إنّ اليوم الذي تستطيع أن تعبّر فيه عن كلّ ما يجول بخاطرك سيكون فيه أبناء أبنائك قد وجدوا الوقت الكافي ليصبحوا عجائز. إننا في عمر الأسرار والخوف، وينبغي أن يكون لك وجهان، واحد تريه للناس وآخر لنفسك ولخالقك. وإذا أردت أن تحتفظ بعينيك وأُذُنيك ولسانك فانسَ أنّ لك عينين وأُذُنين ولساناً.
وسكت القاضي، وكان سكوته فظّاً. لم يكن من النوع الذي يستدعي كلام والآخر، وإنما من ذلك النوع الهادر الذي يملأ الفضاء. وانتظر عمر وعيناه إلى الأرض تاركاً للقاضي أن يفاضل بين الكلمات المتزاحمة على رأسه.
بيد أن أبا طاهر شهق شهقة عميقة وأصدر إلى رجاله أمراً جافياً فابتعدوا. وما إن أغلقوا الباب حتى توجّه إلى ركن من الديوان ورفع حاشية أحد البُسُط ثم غطاء صندوق خشبي مكسوّ بالدمقس واستخرج منه كتاباً قدّمه إلى عمر بحركة احتفالية. مُلَطَّفةٍ، والحقُّ يقال، بابتسامة واقية.
وذلك الكتاب هو الذي سأحمله ذات يوم، أنا بنجامين و. لوساج، بيديّ. ولقد كان عند اللمس متشابهاً على الدوام فيما أعتقد. جلد صفيق خشن، وتدعيمات بشكل ذيل الطاووس، وحوّاف أوراق غير منتظمة ومُفَتَّتة. ولكنْ عندما فتحه الخيّام في تلك الليلة الصيفية التي لا تُنسى ما كان ليتأمّل فيه غير مئتي وست وخمسين صفحة بيضاء ليس فيها بعدُ قصائد ولا رسوم ولا تعليقات على الحواشي ولا زخارف.
ولكن يُخفي أبو طاهر انفعاله فقد اتّخذ نبرة بائع متجوّل قائلاً:
ـ هذا كاغد صيني، أفضل ورق أنتجته معامل سمرقند على الإطلاق. لقد صنعه يهودي من حيّ «ماتُريد» بناء على طلبي تبعاً لوصفة قديمة قوامها الكامل شجر التوت الأبيض. جُسَّهُ، إن له لَنَسْغَ الحرير نفسه.
وتنحنح قبل أن يوضح:
ـ كان لي أخ أكبر مني بعشر سنوات، وكان في مثل سنّك عندما مات. ممزَّقاً إرْباً في مدينة بلخ لأنه نظم قصيدة لم تَرُق الملك في ذلك العهد. واتُّهم بالهرطقة، ولست أدري إذا كان ذلك صحيحاً، بيد أني أخذت على أخي أَنْ غامر بحياته من أجل قصيدة، قصيدة بائسة لا تكاد تكون أطول من رباعية.
وتحشرج صوته ثم ارتفع لاهثاً:
ـ احتفظ بهذا الكتاب. وفي كل مرّة يتشكّل فيها بيت من الشعر في خاطرك ويقارب شفتيك ساعياً إلى الخروج فاكبِتْه بلا تحفّظ واكتبه في هذه الأوراق التي ستبقى طَيَّ الكتمان، وفكِّر وأنت تكتب في أبي طاهر.
أكان القاضي يعلم أنه بهذا التصرف وتلك الأقوال، كان يهب الحياة لأكثر أسرار تاريخ الآداب استغلاقاً؟ وأنه كان يجب الانتظار ثمانية قرون قبل أن يكتشف العالم شعر عمر الخيّام الرفيع، وقبل أن تُبَجَّل الرباعيات على أنها أكثر الأعمال طرافة على مرّ الزمن، وقبل أن يُعْرَف أخيراً مصير مخطوطة سمرقند العجيب؟
ـ هل خطر ذلك على بالك يوماً؟
ـ أبداً، واللَّه شهيد عليّ.
ـ هذا يكفيني. وهو يكفي الخالق على ما أظنّ. لكنّه لا يكفي العامّة. إنهم يتربّصون بأقوالك وبكلّ حركاتك، كما يتربّصون بأقوالي وحركاتي، وبأقوال الأمراء وحركاتهم. لقد سُمِعْتَ تقول: «أَذْهَبُ أحياناً إلى المساجد حيث الظلّ مواتٍ للنوم».
ـ وحده الإنسان المسلم لخالقه يجد إلى النوم سبيلاً في مكان للعبادة.
وعلى الرغم من برطمة أبي طاهر المُرتابة فقد زادت حماسة عُمَر واستطرد:
ـ لست من أولئك الذين لا يعدو إيمانهم أن يكون خوفاً من يوم الحساب، ولا تعدو صلاتهم أن تكون سجوداً. طريقتي في الصلاة؟ أتأمّل وردة، أعدّ النجوم، أتدلّه بجمال الخليقة، بكمال نظامها وترتيبها، بالإنسان أجمل ما أبدع الخلّاق، بعقله المتعطّش إلى المعرفة، بقلبه المتعطّش إلى الحبّ، بحواسّه، كلّ حواسّه، متيقّظة كانت أو مُتْرَعَة.
ونهض القاضي وقد لاح التفكّر في عينيه فجلس بجانب الخيّام وألقى على كتفه يداً أبويّة. وتبادل الحرّاس نظرات مشدوهة.
ـ اسمع يا بنيّ، لقد أعطاك اللَّه تعالى أثمن من ما يمكن أن يحصل عليه آدميّ، الفطنة، وفنّ القول، والصحة، والجمال، والرغبة في العلم والتمتّع بالعيش، والإعجاب بالناس، وعلى ما أظنّ، تنهّدات النساء. وأرجو ألّا يكون قد حرمك الحكمة، حكمة الصمت التي لا يُمكن أن يُقدَّر ذلك كلُّه ولا أن يُحْفظ من غيرها.
ـ أينبغي أن أنتظر حتى أصبح عجوزاً لأعبّر عن أفكاري؟
ـ إنّ اليوم الذي تستطيع أن تعبّر فيه عن كلّ ما يجول بخاطرك سيكون فيه أبناء أبنائك قد وجدوا الوقت الكافي ليصبحوا عجائز. إننا في عمر الأسرار والخوف، وينبغي أن يكون لك وجهان، واحد تريه للناس وآخر لنفسك ولخالقك. وإذا أردت أن تحتفظ بعينيك وأُذُنيك ولسانك فانسَ أنّ لك عينين وأُذُنين ولساناً.
وسكت القاضي، وكان سكوته فظّاً. لم يكن من النوع الذي يستدعي كلام والآخر، وإنما من ذلك النوع الهادر الذي يملأ الفضاء. وانتظر عمر وعيناه إلى الأرض تاركاً للقاضي أن يفاضل بين الكلمات المتزاحمة على رأسه.
بيد أن أبا طاهر شهق شهقة عميقة وأصدر إلى رجاله أمراً جافياً فابتعدوا. وما إن أغلقوا الباب حتى توجّه إلى ركن من الديوان ورفع حاشية أحد البُسُط ثم غطاء صندوق خشبي مكسوّ بالدمقس واستخرج منه كتاباً قدّمه إلى عمر بحركة احتفالية. مُلَطَّفةٍ، والحقُّ يقال، بابتسامة واقية.
وذلك الكتاب هو الذي سأحمله ذات يوم، أنا بنجامين و. لوساج، بيديّ. ولقد كان عند اللمس متشابهاً على الدوام فيما أعتقد. جلد صفيق خشن، وتدعيمات بشكل ذيل الطاووس، وحوّاف أوراق غير منتظمة ومُفَتَّتة. ولكنْ عندما فتحه الخيّام في تلك الليلة الصيفية التي لا تُنسى ما كان ليتأمّل فيه غير مئتي وست وخمسين صفحة بيضاء ليس فيها بعدُ قصائد ولا رسوم ولا تعليقات على الحواشي ولا زخارف.
ولكن يُخفي أبو طاهر انفعاله فقد اتّخذ نبرة بائع متجوّل قائلاً:
ـ هذا كاغد صيني، أفضل ورق أنتجته معامل سمرقند على الإطلاق. لقد صنعه يهودي من حيّ «ماتُريد» بناء على طلبي تبعاً لوصفة قديمة قوامها الكامل شجر التوت الأبيض. جُسَّهُ، إن له لَنَسْغَ الحرير نفسه.
وتنحنح قبل أن يوضح:
ـ كان لي أخ أكبر مني بعشر سنوات، وكان في مثل سنّك عندما مات. ممزَّقاً إرْباً في مدينة بلخ لأنه نظم قصيدة لم تَرُق الملك في ذلك العهد. واتُّهم بالهرطقة، ولست أدري إذا كان ذلك صحيحاً، بيد أني أخذت على أخي أَنْ غامر بحياته من أجل قصيدة، قصيدة بائسة لا تكاد تكون أطول من رباعية.
وتحشرج صوته ثم ارتفع لاهثاً:
ـ احتفظ بهذا الكتاب. وفي كل مرّة يتشكّل فيها بيت من الشعر في خاطرك ويقارب شفتيك ساعياً إلى الخروج فاكبِتْه بلا تحفّظ واكتبه في هذه الأوراق التي ستبقى طَيَّ الكتمان، وفكِّر وأنت تكتب في أبي طاهر.
أكان القاضي يعلم أنه بهذا التصرف وتلك الأقوال، كان يهب الحياة لأكثر أسرار تاريخ الآداب استغلاقاً؟ وأنه كان يجب الانتظار ثمانية قرون قبل أن يكتشف العالم شعر عمر الخيّام الرفيع، وقبل أن تُبَجَّل الرباعيات على أنها أكثر الأعمال طرافة على مرّ الزمن، وقبل أن يُعْرَف أخيراً مصير مخطوطة سمرقند العجيب؟
صفحة 6
3
عبثاً حاول عمر في تلك الليلة أن يجد سبيلاً إلى النوم داخل مقصورة في جناح خشبي فوق تلّة وسط حديقة أبي طاهر المترامية. وكان بالقرب منه على منضدة واطئة قلم ودواة ومصباح مطفأ وكتابه المفتوح على الصفحة الأولى التي بقيت بيضاء.
وفي السَحَر مشهد: جارية جميلة تحمل له صينيةً فيها بطيخ مقطّع، وثوباً جديداً، ووشاحَ عمامة من حرير «زَنْدان». وبلاغاً مهموساً:
ـ مولاي بانتظارك بعد صلاة الفجر.
ردهة الاستقبال غاصّة بالمتظلّمين والمُلحفين في السؤال والجُلساء والمقرّبين والزوّار من كل الرُّتَب، ومن بينهم الطالب ذو النَدْبة الذي قَدِم ولا ريب لاستطلاع الأخبار. وما إن اجتاز عمر الباب حتى وجّه إليه صوت القاضي الأنظار والهمسات:
ـ أهلاً ومرحباً بالإمام عُمَر الخيّام، الرجل الذي لا يَعْدِله أحد في معرفة سُنّة النبيّ، والمرجع الذي لا يُنْكِره أحد، والصوت الذي لا يعارضه أحد.
ونهض الزوّار واحداً بعد واحد وشرعوا في الانحناء وغمغموا ببعض العبارات قبل أن يعودوا إلى الجلوس. وبنظرة خاطفة لاحظ عمر ذا النَدْبة الذي بدا مختنقاً في ركنه، وإن لاذ مع ذلك بتكشيرة هازئة على استحياء.
ورجا أبو طاهرٍ عمر بنبرة احتفالٍ لا مزيد عليها أن يجلس إلى يمينه مُكْرِهاً جيرانه على الإسراع في الابتعاد. ثم استطرد:
ـ لقد تعرّض زائرنا الشهير مساء أمسِ لحادثة مزعجة فأُرهِق في شوارع سمرقند، هو المبجَّل في خراسان وفارس ومزندران، هو الذي تتمنّى كلّ مدينة استقباله داخل أسوارها، هو الذي يرجو كلّ أمير اجتذابه إلى بلاطه!
وتعالت هتافات استنكار تبعها هَرْج تركه القاضي يرتفع بعض الشيء قبل أن يُهَدِّئه بحركة من يده ويتابع قائلاً:
ـ هناك أيضاً ما هو أخطر، فقد كادت تنشب فتنة في السوق. فتنة عشية زيارة ملكنا الأجلّ نصر خان، شمس المُلْك، المفترض وصوله هذا الصباح بالذات إلى بُخارى إن شاء اللَّه. ولست لأجرؤَ على تصوّر الحَرَجِ الذي كنّا سنقع فيه لو لم تتيسّر الهيمنة على الناس وتفريقهم. وأؤكد لكم أنّ كثيراً من الرؤوس كانت ستترجَّح فوق الأكتاف!
وقطع كلامه ليستعيد أنفاسه ويُرتِّب على الأخص تأثيره ويُلقي الهلع في القلوب.
ـ ومن حسن الطالع أنّ أحد طلّابي القدامي، وهو حاضر بيننا، تعرّف على زائرنا الشهير وحضر فأعلمني بالأمر.
وأومأ بإصبعه إلى الطالب ذي النَدْبة ودعاه إلى النهوض قائلاً:
ـ كيف تعرّفت على الإمام عمر؟
وكان الجواب بعضَ المقاطع المُتَمْتَمَة. وصرخ القاضي مشيراً إلى لحية بيضاء على يساره:
ـ ارفع الصوت! عمُّنا العجوز هنا لا يسمعك!
وقال ذو النَدْبة بمشقّة:
ـ تعرّفت على الزائر الشهير بفضل بلاغته وسألته مَنْ يكون قبل أن أقوده إلى قاضينا.
ـ أحسنت. فلو استمرّت الفتنة لسالت الدماء. تعال إذن واجلس بجانب ضيفنا فقد استحققت ذلك.
وفيما كان ذو النَدْبة يقترب متظاهراً بالخضوع همس أبو طاهر في أُذُن عمر:
ـ إن لم يكن قد أصبح صديقك فإنه لن يستطيع على الأقلّ التهجُّم عليك أمام الناس.
عبثاً حاول عمر في تلك الليلة أن يجد سبيلاً إلى النوم داخل مقصورة في جناح خشبي فوق تلّة وسط حديقة أبي طاهر المترامية. وكان بالقرب منه على منضدة واطئة قلم ودواة ومصباح مطفأ وكتابه المفتوح على الصفحة الأولى التي بقيت بيضاء.
وفي السَحَر مشهد: جارية جميلة تحمل له صينيةً فيها بطيخ مقطّع، وثوباً جديداً، ووشاحَ عمامة من حرير «زَنْدان». وبلاغاً مهموساً:
ـ مولاي بانتظارك بعد صلاة الفجر.
ردهة الاستقبال غاصّة بالمتظلّمين والمُلحفين في السؤال والجُلساء والمقرّبين والزوّار من كل الرُّتَب، ومن بينهم الطالب ذو النَدْبة الذي قَدِم ولا ريب لاستطلاع الأخبار. وما إن اجتاز عمر الباب حتى وجّه إليه صوت القاضي الأنظار والهمسات:
ـ أهلاً ومرحباً بالإمام عُمَر الخيّام، الرجل الذي لا يَعْدِله أحد في معرفة سُنّة النبيّ، والمرجع الذي لا يُنْكِره أحد، والصوت الذي لا يعارضه أحد.
ونهض الزوّار واحداً بعد واحد وشرعوا في الانحناء وغمغموا ببعض العبارات قبل أن يعودوا إلى الجلوس. وبنظرة خاطفة لاحظ عمر ذا النَدْبة الذي بدا مختنقاً في ركنه، وإن لاذ مع ذلك بتكشيرة هازئة على استحياء.
ورجا أبو طاهرٍ عمر بنبرة احتفالٍ لا مزيد عليها أن يجلس إلى يمينه مُكْرِهاً جيرانه على الإسراع في الابتعاد. ثم استطرد:
ـ لقد تعرّض زائرنا الشهير مساء أمسِ لحادثة مزعجة فأُرهِق في شوارع سمرقند، هو المبجَّل في خراسان وفارس ومزندران، هو الذي تتمنّى كلّ مدينة استقباله داخل أسوارها، هو الذي يرجو كلّ أمير اجتذابه إلى بلاطه!
وتعالت هتافات استنكار تبعها هَرْج تركه القاضي يرتفع بعض الشيء قبل أن يُهَدِّئه بحركة من يده ويتابع قائلاً:
ـ هناك أيضاً ما هو أخطر، فقد كادت تنشب فتنة في السوق. فتنة عشية زيارة ملكنا الأجلّ نصر خان، شمس المُلْك، المفترض وصوله هذا الصباح بالذات إلى بُخارى إن شاء اللَّه. ولست لأجرؤَ على تصوّر الحَرَجِ الذي كنّا سنقع فيه لو لم تتيسّر الهيمنة على الناس وتفريقهم. وأؤكد لكم أنّ كثيراً من الرؤوس كانت ستترجَّح فوق الأكتاف!
وقطع كلامه ليستعيد أنفاسه ويُرتِّب على الأخص تأثيره ويُلقي الهلع في القلوب.
ـ ومن حسن الطالع أنّ أحد طلّابي القدامي، وهو حاضر بيننا، تعرّف على زائرنا الشهير وحضر فأعلمني بالأمر.
وأومأ بإصبعه إلى الطالب ذي النَدْبة ودعاه إلى النهوض قائلاً:
ـ كيف تعرّفت على الإمام عمر؟
وكان الجواب بعضَ المقاطع المُتَمْتَمَة. وصرخ القاضي مشيراً إلى لحية بيضاء على يساره:
ـ ارفع الصوت! عمُّنا العجوز هنا لا يسمعك!
وقال ذو النَدْبة بمشقّة:
ـ تعرّفت على الزائر الشهير بفضل بلاغته وسألته مَنْ يكون قبل أن أقوده إلى قاضينا.
ـ أحسنت. فلو استمرّت الفتنة لسالت الدماء. تعال إذن واجلس بجانب ضيفنا فقد استحققت ذلك.
وفيما كان ذو النَدْبة يقترب متظاهراً بالخضوع همس أبو طاهر في أُذُن عمر:
ـ إن لم يكن قد أصبح صديقك فإنه لن يستطيع على الأقلّ التهجُّم عليك أمام الناس.
صفحة 7
وتابع بصوت مرتفع:
ـ هل أرجو ألّا يحفظ «الخوجة» عمر ذكرى سيئة لسمرقند على الرغم من كلّ ما قاساه؟
وأجاب الخيّام:
ـ لقد نسيت كلّ ما جرى البارحة، وإذا فكّرت فيما بعدُ في هذه المدينة فإني سأحتفظ في خاطري بصورة أخرى عنها، صورة رجل رائع. ولست أتحدّث عن أبي طاهر. فأجمل مديح يُوَجّه إلى قاضٍ لا يكون بالإشادة بحميد خصاله، بل باستقامة مَنْ يرعاهم. فيوم وصولي جهدت بغلتي في ارتقاء المُرتفَع الأخير المفضي إلى باب «كِش»، وما إن ترجّلتُ حتى اقترب منّي أحدهم وقال:
ـ أهلاً وسهلاً بك في هذه المدينة، ألك أقارب أو أصدقاء؟
وأجبت أنْ لا من غير أن أتوقّف خشية أن يكون لي شأن مع أحد المحتالين أو المُلْحِفين أو المزعجين. ولكنّ الرجل استأنف قائلاً:
ـ لا تَرْتَبْ في إلحاحي أيها الزائر الكريم. إن مولاي هو الذي أمرني بالوقوف في هذا المكان لترصُّد كل قادم وتقديم القِرى له.
كان هذا الرجل يبدو من طبقة متواضعة بيد أن ثيابه كانت نظيفة، ولم يكن يجهل عادات الناس المحترمين. وتَبعْتُه. وعلى بُعد خطوات من هناك أدخلني من باب ضخم فاجتزتُ دهليزاً مُقَنْطراً أفضى إلى فِناء خان تقوم بئر في وسطه ويغصّ بالبهائم والناس المنهمكينَ في العمل، وحوله على مدى طبقتين غرف للمسافرين قال الرجل:
ـ «بوسعك البقاء هنا قدر ما تشاء، ليلةً أو فصلاً، وسوف تجد الفراش والطعام والعلف لبغلتك.
«وحين سألته عن الأجرة أبدى استياءه قائلاً:
ـ أنت هنا ضيف مولاي.
ـ وأين أجد هذا المضيفَ السخيَّ لأوجّه إليه آيات الشكر؟
ـ مات مولاي منذ سبع سنوات تاركاً لي مبلغاً من المال عليّ إنفاقه بأكمله في تكريم زوّار سمرقند.
ـ وما اسم هذا المولى فأستطيع على الأقلّ أن أُخبِر بأفضاله؟
ـ اللَّه تعالى وحده يستحقّ عرفانك فاشكره، وهو يعرف الإنسان الذي كانت أفضاله سبيلاً إلى التسبيح بحمده.
«وهكذا قضيت عند ذلك الرجل عدّة أيام، فكنت أخرج وأعود فأجد على الدوام أطباقاً حافلة بأشهى الوجبات، وكانت العناية بدابّتي خيراً ممّا لو كنت أقوم بها أنا نفسي».
ونظر عمر إلى الحضور باحثاً عن رد فعل. بيد أنّ روايته لم تُثِرْ أيّ وَضَحٍ على الشفاه، ولا أيّ تساؤل في العيون. وإذ أدرك القاضي حَرَجه فقد أوضح قائلاً:
ـ كثيرة هي المدن التي تزعم أنها أكثر ديار الإسلام قِرى للضيوف، غير أنّ أهل سمرقند وحدهم يستحقّون مثل هذا اللقب. فلم يكن على أيّ مسافر حسبما أعلم أن يدفع ثمن مبيته أو غذائه، وأعرف أُسَراً برمّتها أَفْلَسَتْ من جرّاء إكرام الزائرين والمُعْوِزين. ومع ذلك فإنّك لن تسمع منهم قطّ ازدهاء ولا مُفاخرة. فسُبل المياه التي أمكنك أن تراها عند جميع نواصي الطرقات مليئة على الدوام بالماء البارد لرِيّ عطش العابرين، منها أكثر من ألفيْن في هذه المدينة مصنوعة من الفخّار أو النحاس أو الخزف ومقدّمة من أهل سمرقند؛ أتظنّ من الممكن أن ينقش أحدٌ اسمه على أحدها طلباً للحمد؟
ـ أقرّ بأنني لم أصادف مثل هذا الكَرَم في أيّ مكان. ومع ذلك فهل تسمح لي بطرح سؤال يشغل بالي؟
وتولّى القاضي عنه الكلام قائلاً:
ـ أعرف ما سوف تسأل: كيف استطاع أناس يضعون فضائل الحفاوة في أعلى المراتب أن يُلحقوا الأذى بزائر مثلك؟
ـ أو بعجوز مسكين مثل جابر الطويل.
ـ الجواب، سأقدّمه لك، ويُختصر بكلمة واحدة: الخوف. فكلّ عنف يحدث هنا هو وليد الخوف. إنّ عقيدتنا محاصرة من كل صوب، من قرامطة البحرين، ومن إماميّة «قُم» الذين يترقّبون ساعة الثأر، ومن الطوائف الثنتين والسبعين، ومن الروم في القسطنطينية، ومن الكَفَرَة من جميع الأصناف، ولا سيما إسماعيلية مصر الذين يحتشد مريدوهم حتى في قلب بغداد، وهنا في سمرقند. ولا تنسَ أبداً ما هي مدننا الإسلامية، مكّة والمدينة وأصفهان وبغداد ودمشق وبُخارى ومَروْ والقاهرة وسمرقند: إنها ليست سوى واحاتٍ يمكن أن تعيدها لحظة تَخَلٍّ إلى الصحراء، وهي على الدوام تحت رحمة ريح مُرْمِلة!
ـ هل أرجو ألّا يحفظ «الخوجة» عمر ذكرى سيئة لسمرقند على الرغم من كلّ ما قاساه؟
وأجاب الخيّام:
ـ لقد نسيت كلّ ما جرى البارحة، وإذا فكّرت فيما بعدُ في هذه المدينة فإني سأحتفظ في خاطري بصورة أخرى عنها، صورة رجل رائع. ولست أتحدّث عن أبي طاهر. فأجمل مديح يُوَجّه إلى قاضٍ لا يكون بالإشادة بحميد خصاله، بل باستقامة مَنْ يرعاهم. فيوم وصولي جهدت بغلتي في ارتقاء المُرتفَع الأخير المفضي إلى باب «كِش»، وما إن ترجّلتُ حتى اقترب منّي أحدهم وقال:
ـ أهلاً وسهلاً بك في هذه المدينة، ألك أقارب أو أصدقاء؟
وأجبت أنْ لا من غير أن أتوقّف خشية أن يكون لي شأن مع أحد المحتالين أو المُلْحِفين أو المزعجين. ولكنّ الرجل استأنف قائلاً:
ـ لا تَرْتَبْ في إلحاحي أيها الزائر الكريم. إن مولاي هو الذي أمرني بالوقوف في هذا المكان لترصُّد كل قادم وتقديم القِرى له.
كان هذا الرجل يبدو من طبقة متواضعة بيد أن ثيابه كانت نظيفة، ولم يكن يجهل عادات الناس المحترمين. وتَبعْتُه. وعلى بُعد خطوات من هناك أدخلني من باب ضخم فاجتزتُ دهليزاً مُقَنْطراً أفضى إلى فِناء خان تقوم بئر في وسطه ويغصّ بالبهائم والناس المنهمكينَ في العمل، وحوله على مدى طبقتين غرف للمسافرين قال الرجل:
ـ «بوسعك البقاء هنا قدر ما تشاء، ليلةً أو فصلاً، وسوف تجد الفراش والطعام والعلف لبغلتك.
«وحين سألته عن الأجرة أبدى استياءه قائلاً:
ـ أنت هنا ضيف مولاي.
ـ وأين أجد هذا المضيفَ السخيَّ لأوجّه إليه آيات الشكر؟
ـ مات مولاي منذ سبع سنوات تاركاً لي مبلغاً من المال عليّ إنفاقه بأكمله في تكريم زوّار سمرقند.
ـ وما اسم هذا المولى فأستطيع على الأقلّ أن أُخبِر بأفضاله؟
ـ اللَّه تعالى وحده يستحقّ عرفانك فاشكره، وهو يعرف الإنسان الذي كانت أفضاله سبيلاً إلى التسبيح بحمده.
«وهكذا قضيت عند ذلك الرجل عدّة أيام، فكنت أخرج وأعود فأجد على الدوام أطباقاً حافلة بأشهى الوجبات، وكانت العناية بدابّتي خيراً ممّا لو كنت أقوم بها أنا نفسي».
ونظر عمر إلى الحضور باحثاً عن رد فعل. بيد أنّ روايته لم تُثِرْ أيّ وَضَحٍ على الشفاه، ولا أيّ تساؤل في العيون. وإذ أدرك القاضي حَرَجه فقد أوضح قائلاً:
ـ كثيرة هي المدن التي تزعم أنها أكثر ديار الإسلام قِرى للضيوف، غير أنّ أهل سمرقند وحدهم يستحقّون مثل هذا اللقب. فلم يكن على أيّ مسافر حسبما أعلم أن يدفع ثمن مبيته أو غذائه، وأعرف أُسَراً برمّتها أَفْلَسَتْ من جرّاء إكرام الزائرين والمُعْوِزين. ومع ذلك فإنّك لن تسمع منهم قطّ ازدهاء ولا مُفاخرة. فسُبل المياه التي أمكنك أن تراها عند جميع نواصي الطرقات مليئة على الدوام بالماء البارد لرِيّ عطش العابرين، منها أكثر من ألفيْن في هذه المدينة مصنوعة من الفخّار أو النحاس أو الخزف ومقدّمة من أهل سمرقند؛ أتظنّ من الممكن أن ينقش أحدٌ اسمه على أحدها طلباً للحمد؟
ـ أقرّ بأنني لم أصادف مثل هذا الكَرَم في أيّ مكان. ومع ذلك فهل تسمح لي بطرح سؤال يشغل بالي؟
وتولّى القاضي عنه الكلام قائلاً:
ـ أعرف ما سوف تسأل: كيف استطاع أناس يضعون فضائل الحفاوة في أعلى المراتب أن يُلحقوا الأذى بزائر مثلك؟
ـ أو بعجوز مسكين مثل جابر الطويل.
ـ الجواب، سأقدّمه لك، ويُختصر بكلمة واحدة: الخوف. فكلّ عنف يحدث هنا هو وليد الخوف. إنّ عقيدتنا محاصرة من كل صوب، من قرامطة البحرين، ومن إماميّة «قُم» الذين يترقّبون ساعة الثأر، ومن الطوائف الثنتين والسبعين، ومن الروم في القسطنطينية، ومن الكَفَرَة من جميع الأصناف، ولا سيما إسماعيلية مصر الذين يحتشد مريدوهم حتى في قلب بغداد، وهنا في سمرقند. ولا تنسَ أبداً ما هي مدننا الإسلامية، مكّة والمدينة وأصفهان وبغداد ودمشق وبُخارى ومَروْ والقاهرة وسمرقند: إنها ليست سوى واحاتٍ يمكن أن تعيدها لحظة تَخَلٍّ إلى الصحراء، وهي على الدوام تحت رحمة ريح مُرْمِلة!
صفحة 8
وقدّر القاضي من نافذة قائمة على يساره مسار الشمس بعين خبيرة فنهض قائلاً:
ـ حان الوقت لملاقاة مليكنا.
وصفّق آمراً:
ـ ليُحْمَلُ إلينا بعض الزاد للطريق!
إذ كان من عادته أن يتزوّد بالزبيب يقضمه في أثناء الطريق، وهي عادة درج المقرّبون إليه وزوّاره على محاكاتها. ومن هنا كانت صينية النحاس الواسعة التي حُملت إليه وعليها جُبَيْلٌ من هذه الحُبيْبات الشقراء الحلوة يغترف منها كل واحد ما يحشو به جيوبه.
وعندما وصل الدور إلى الطالب ذي النَدْبة تناول منها قبضة أعطاها إلى الخيّام مردِّداً هذه الكلمات:
ـ كنت تفضّل ولا شك أن أقدّم إليك العنب خمراً.
ولم يكن قد رفع صوته كثيراً، غير أن الحاضرين صمتوا وكأنهم مسحورون حابسين أنفاسهم مصيخين بأسماعهم مترصّدين شفتيْ عمر الذي هتف:
ـ عندما يريد المرء أن يشرب فإنه يختار بعناية ساقِيَه ونديمه.
وارتفع صوت ذي النَدْبة قليلاً:
ـ لن أشرب من جهتي أقلّ قطرة، فأنا متمسّك بالحصول على موضع في الجنّة. ولا تبدو لي راغباً في الانضمام إليّ:
ـ الخلود بأسره بصحبة العلماء الوقورين؟ لا، شكراً، لقد وعدنا اللَّه بغير ذلك.
وتوقف تبادُل الكلام عند هذا الحدّ، فقد حثّ عمر الخطى للانضمام إلى القاضي الذي كان يناديه.
ـ ينبغي أن يراك أهل المدينة راكباً إلى جانبي، فمن شأن هذا أن يزيل ما انطبع البارحة في النفوس.
وخُيِّل إلى عمر أنه رأى في الجمهور المحتشد بالقرب من مقرّ القاضي المرأة التي سرقت منه لوزاته، وقد اختبأت خلف شجرة كمثرى. وتمهّل وبحث عنها بعينيه. ولكنّ أبا طاهر استعجله بقوله:
ـ أسرع، فالويل لِعظامك إذا وصل الخان قبلنا.
4
ـ لقد تنبأ بهذا المنجّمون منذ بدء الدهور وما كذبوا: أربع مُدُن وُلدت تحت شعار التمرُّد، سمرقند ومكّة ودمشق وپالرمو! فما حدث قطّ أن خضعت لحكّامها إن لم يكن بالقوّة، ولا هي اتّبعت يوماً الصراط المستقيم إن لم يُرْسَمْ بحدّ السيف. فبالسيف حدَّ النبي من صلف المكّيين، وبالسيف سوف أَحِدّ من صلف أهل سمرقند!
إن نصر خان صاحب طبرستان يشوّر وهو واقف أمام عرشه عملاقاً نحاسي البشرة رافلاً بالثياب المطرّزة؛ وإن صوته ليرتجف له خاصته وزوّاده، وإن عينيه لتبحثان في الحضور عن ضحية، عن شفة قد تجرؤ على الاهتزاز، عن نظرة لم تُحسن التعبير بما يكفي عن الندم، عن ذكرى خيانةٍ من الخيانات. بيد أن كل واحد ينزلق بالغريزة خلف جاره ويخفض عنقه وكتفيه، والجميع ينتظرون زوال العاصفة.
وإذ لم يعثر نصر خان لبراثنه على فريسة فقد قبض بكلتا يديه على أثوابه الفخمة وأخذ ينزعها واحداً واحداً ويقذف بها في حنق على الأرض ويدوسها بقدميه زاعقاً بفيض من الشتائم كانت ترنّ رنيناً بلهجته التركية المغولية الخاصة بأهل «كشغر». وقد كان الملوك يلبسون في العادة واحداً فوق آخر ثلاثة أثواب مطرّزة أو أربعة، وربما سبعة في بعض الأحيان، وينزعونها خلال يومهم ويلقونها بجلال على ظهور من يُسْمِعونهم آيات التبجيل. وإذ فعل نصر خان ما فعل فقد أظهر نيّته في أن يُنْعِمَ ذلك اليوم على أي من زائريه الكُثُر.
ومع ذلك فقد كان ذلك اليوم يوم احتفال كما هي الحال في كل زيارة يقوم بها العاهل إلى سمرقند، ولكنّ الأفراح خمدت فيه منذ الدقائق الأولى. فما إن صعد الخان الدرب المبلّط المصعِّد من نهر «سياب» حتى دخل في مهابة من باب بُخارى القائم شمالي المدينة. وكان يبتسم بكلّ محيّاه، وبدت عيناه أكثر غَوْراً وأشد مَيْلاً منهما في أي وقت، وكانت وجنتاه تشعّان بانعكاسات الشمس العنبرية اللون. ثم تكدّر مزاجه بغتة. واقترب من الوجهاء المُلتفّين حول القاضي أبي طاهر، وقد ناهز عددهم المئتين، وسدّد إلى الجمع، وفيهم عمر الخيّام، نظرة محدّدة قلِقة، بل شبه مُرتابة. وإذ لم يرَ على ما يبدو من كان يبحث عنهم فقد جمّح مطيّته فجأة مُرخِياً عنانها بكل ما فيه من عزم وابتعد وهو يغمغم بكلمات غير مسموعة. ولم يبتسم، وهو متصلّب الجذع فوق فرسه الدهماء، ولا ردَّ أدنى ردٍّ على الهتافات المتكرّرة التي أطلقها آلاف من أهل المدينة تجمّعوا منذ الفجر لتحيّة مَقْدَمه؛ وكان بعضهم يلوّحون في الهواء بنصّ الْتِماسٍ كتبه لهم بعض الكتّاب العموميين. ولكن بلا جدوى. فلم يجرؤ أيّ منهم على تقديمه إلى العاهل، بل توجّهوا إلى حاجبه الذي كان ينحني مرّة بعد مرّة لجمع الأوراق وعلى شفتيه وَعْدٌ مُبْهَمٌ بالاتِّصال بأصحابها.
ـ حان الوقت لملاقاة مليكنا.
وصفّق آمراً:
ـ ليُحْمَلُ إلينا بعض الزاد للطريق!
إذ كان من عادته أن يتزوّد بالزبيب يقضمه في أثناء الطريق، وهي عادة درج المقرّبون إليه وزوّاره على محاكاتها. ومن هنا كانت صينية النحاس الواسعة التي حُملت إليه وعليها جُبَيْلٌ من هذه الحُبيْبات الشقراء الحلوة يغترف منها كل واحد ما يحشو به جيوبه.
وعندما وصل الدور إلى الطالب ذي النَدْبة تناول منها قبضة أعطاها إلى الخيّام مردِّداً هذه الكلمات:
ـ كنت تفضّل ولا شك أن أقدّم إليك العنب خمراً.
ولم يكن قد رفع صوته كثيراً، غير أن الحاضرين صمتوا وكأنهم مسحورون حابسين أنفاسهم مصيخين بأسماعهم مترصّدين شفتيْ عمر الذي هتف:
ـ عندما يريد المرء أن يشرب فإنه يختار بعناية ساقِيَه ونديمه.
وارتفع صوت ذي النَدْبة قليلاً:
ـ لن أشرب من جهتي أقلّ قطرة، فأنا متمسّك بالحصول على موضع في الجنّة. ولا تبدو لي راغباً في الانضمام إليّ:
ـ الخلود بأسره بصحبة العلماء الوقورين؟ لا، شكراً، لقد وعدنا اللَّه بغير ذلك.
وتوقف تبادُل الكلام عند هذا الحدّ، فقد حثّ عمر الخطى للانضمام إلى القاضي الذي كان يناديه.
ـ ينبغي أن يراك أهل المدينة راكباً إلى جانبي، فمن شأن هذا أن يزيل ما انطبع البارحة في النفوس.
وخُيِّل إلى عمر أنه رأى في الجمهور المحتشد بالقرب من مقرّ القاضي المرأة التي سرقت منه لوزاته، وقد اختبأت خلف شجرة كمثرى. وتمهّل وبحث عنها بعينيه. ولكنّ أبا طاهر استعجله بقوله:
ـ أسرع، فالويل لِعظامك إذا وصل الخان قبلنا.
4
ـ لقد تنبأ بهذا المنجّمون منذ بدء الدهور وما كذبوا: أربع مُدُن وُلدت تحت شعار التمرُّد، سمرقند ومكّة ودمشق وپالرمو! فما حدث قطّ أن خضعت لحكّامها إن لم يكن بالقوّة، ولا هي اتّبعت يوماً الصراط المستقيم إن لم يُرْسَمْ بحدّ السيف. فبالسيف حدَّ النبي من صلف المكّيين، وبالسيف سوف أَحِدّ من صلف أهل سمرقند!
إن نصر خان صاحب طبرستان يشوّر وهو واقف أمام عرشه عملاقاً نحاسي البشرة رافلاً بالثياب المطرّزة؛ وإن صوته ليرتجف له خاصته وزوّاده، وإن عينيه لتبحثان في الحضور عن ضحية، عن شفة قد تجرؤ على الاهتزاز، عن نظرة لم تُحسن التعبير بما يكفي عن الندم، عن ذكرى خيانةٍ من الخيانات. بيد أن كل واحد ينزلق بالغريزة خلف جاره ويخفض عنقه وكتفيه، والجميع ينتظرون زوال العاصفة.
وإذ لم يعثر نصر خان لبراثنه على فريسة فقد قبض بكلتا يديه على أثوابه الفخمة وأخذ ينزعها واحداً واحداً ويقذف بها في حنق على الأرض ويدوسها بقدميه زاعقاً بفيض من الشتائم كانت ترنّ رنيناً بلهجته التركية المغولية الخاصة بأهل «كشغر». وقد كان الملوك يلبسون في العادة واحداً فوق آخر ثلاثة أثواب مطرّزة أو أربعة، وربما سبعة في بعض الأحيان، وينزعونها خلال يومهم ويلقونها بجلال على ظهور من يُسْمِعونهم آيات التبجيل. وإذ فعل نصر خان ما فعل فقد أظهر نيّته في أن يُنْعِمَ ذلك اليوم على أي من زائريه الكُثُر.
ومع ذلك فقد كان ذلك اليوم يوم احتفال كما هي الحال في كل زيارة يقوم بها العاهل إلى سمرقند، ولكنّ الأفراح خمدت فيه منذ الدقائق الأولى. فما إن صعد الخان الدرب المبلّط المصعِّد من نهر «سياب» حتى دخل في مهابة من باب بُخارى القائم شمالي المدينة. وكان يبتسم بكلّ محيّاه، وبدت عيناه أكثر غَوْراً وأشد مَيْلاً منهما في أي وقت، وكانت وجنتاه تشعّان بانعكاسات الشمس العنبرية اللون. ثم تكدّر مزاجه بغتة. واقترب من الوجهاء المُلتفّين حول القاضي أبي طاهر، وقد ناهز عددهم المئتين، وسدّد إلى الجمع، وفيهم عمر الخيّام، نظرة محدّدة قلِقة، بل شبه مُرتابة. وإذ لم يرَ على ما يبدو من كان يبحث عنهم فقد جمّح مطيّته فجأة مُرخِياً عنانها بكل ما فيه من عزم وابتعد وهو يغمغم بكلمات غير مسموعة. ولم يبتسم، وهو متصلّب الجذع فوق فرسه الدهماء، ولا ردَّ أدنى ردٍّ على الهتافات المتكرّرة التي أطلقها آلاف من أهل المدينة تجمّعوا منذ الفجر لتحيّة مَقْدَمه؛ وكان بعضهم يلوّحون في الهواء بنصّ الْتِماسٍ كتبه لهم بعض الكتّاب العموميين. ولكن بلا جدوى. فلم يجرؤ أيّ منهم على تقديمه إلى العاهل، بل توجّهوا إلى حاجبه الذي كان ينحني مرّة بعد مرّة لجمع الأوراق وعلى شفتيه وَعْدٌ مُبْهَمٌ بالاتِّصال بأصحابها.
صفحة 9
واجتاز الخان يتقدّمه أربعة فرسان رافعين رايات الأسرة المالكة السمراء اللون يتبعهم على قدميه عبد عاري الجذع رافعاً مظلّة عريضة، اجتاز بلا توقّف الشوارع الكبيرة الرئيسية المحفوفة بأشجار التُّوت المائلة، وتجنّب الأسواق العامّة، وحاذى أقنية الرِّيِّ الأساسية، ويدعونها «الأريك»، حتى وصل إلى حيّ «أسفِزار». وهناك كان قد أقام قصراً مؤقتاً على بُعْد خطوتين من منزل أبي طاهر. وقد كان الملوك يقيمون في الماضي داخل القلعة، غير أن معارك جرت حديثاً جعلتها في حالة من الدمار الشديد استوجبت هجرها. وكانت الحامية التركية هي وحدها التي تنصب فيها أحياناً خيامها المصنوعة من اللبد.
وإذ لاحظ عمر مزاج الملك الذي لا يوحي بالودّ فقد تردّد في زيارة القصر لتقديم آيات الولاء، غير أن القاضي أرغمه على ذلك مقدِّراً ولا ريب أن وجود صديقه الشهير قد يُضفي جوّاً ملائماً من الترويح عن النفس. وحرص أبو طاهر على أن يوضح للخيّام في أثناء الطريق ما كان قد حدث قبل قليل: لقد قرّر فقهاء المدينة وعلماؤها مقاطعة حفل الاستقبال لأنهم أخذوا على الخان إحراقه جامع بُخارى الكبير عن آخره بعد أن اختبأ فيه بعض المعارضين المسلَّحين.
قال القاضي:
ـ الحرب بين العاهل ورجال الدين لا تنقطع؛ وهي أحياناً مفتوحة دامية، وصمّاء غادرة في أكثر الأحيان.
بل يُروى أن العلماء ربما عقدوا صلات مع عدد من الضبّاط الذين أسخطهم سلوك الأمير. ويقال إن أسلافه كانوا يتناولون الطعام مع الجند. ولم يكن يفوتهم قطّ التذكير بأن سلطانهم إنما يقوم على بسالة المحاربين من شعبهم. بيد أن الخانات الأتراك أخذوا يكتسبون جيلاً بعد جيل عادات ملوك الفرس البغيضة، فتوهّموا أنهم أنصاف آلهة، وأحاطوا أنفسهم بأبّهة أخذت تزداد تعقيداً واستغلاقاً، بل ومهانة في عيون ضبّاطهم. وعليه فقد دخل عدد من هؤلاء في محادثات مع الزعماء الدينيين، ولم يكونوا يُخفون سرورهم لسماعهم إيّاهم يكيلون صنوف التحقير والإهانة لـ «نصر» ويتّهمونه بالانحراف عن سبيل الإسلام. ولكي يلقي الملك الرعب في قلوب العسكر فقد كان يتّخذ أقصى الصرامة مع العلماء. أفلم يدشّن أبوه عهده ـ وقد كان مع ذلك تقيّاً ورعاً ـ بقطع رأس من الرؤوس الكبيرة العمائم؟
وأبو طاهر هو، في عام 1072 هذا، أحد الوجهاء الدينيين النادرين الذين احتفظوا بصلة وثيقة بالأمير، فغالباً ما يزوره في قلعة بُخارى، مقَرّه الرئيسي، ويتلقّاه بالترحاب في كل مرّة يتوقّف فيها في سمرقند. وينظر العلماء شزراً إلى تصرّفه الوقائي، ولكنّ معظمهم يقدّرون وجود هذا الوسيط بينهم وبين العاهل.
ولسوف يقوم القاضي مرّة جديدة بدور الموفِّق بمهارة، مُتجنِّباً معارضة «نصر»، مُستغِلًّا أدنى انفراج في مزاجه لجرّه إلى مشاعر أفضل. وها هوذا ينتظر، ويدع اللحظات العسيرة تمرّ، وما إن يتّخذ المليك مكانه فوق العرش ويراه وقد استندت كُليتاه جيداً إلى طنفسة وثيرة حتى يسارع إلى استعادة زمام مبادرة ذكيّة وخفيّة يراقبها عُمَر وهو يتنفّس الصعداء. واستدعى الحاجب بإشارة من القاضي جارية شابة أخذت تجمع الأثواب المهملة فوق الأرض وكأنها جثث بعد معركة. وما هي إلا لحظات حتى غدا الهواء أقل عسراً على التنفّس، وأخذت أعضاء القوم تسترخي بشكل غير ملحوظ. وشرع بعضهم يهمسون ببضع كلمات في أقرب أُذُن إليهم.
وعندئذ تقدّم القاضي نحو المكان الذي أُخلي وسط القاعة ووقف قُبالة الملك وطأطأ رأسه من غير أن ينبس بكلمة. حتى إذا انقضت دقيقة صمت طويلة، وخلص «نصر» إلى الهتاف بنشاط مشوب بالكلال: «اذهب وقل لجميع علماء هذه المدينة أن يحضروا منذ الفجر للسجود عند قدميّ؛ وسوف يُقطع الرأس الذي لا ينحني؛ ولا يحاولن أحد الهرب لأنه ما من أرض بمنجاة من غضبي»، فَهِم الجميع أن العاصفة قد مرّت، وأن حلّاً قد لاح، وأنه يكفي أن يغيّر رجال الدين ما بأنفسهم كي يعدل العاهل عن الاقتصاص.
وهكذا فإنه ما كان عُمَر ليتعرّف على الجوّ عندما رافق القاضي من جديد إلى البلاط في اليوم التالي. كان «نصر» جالساً على العرش، وهو نوع من سريرٍ ـ ديوانٍ مرتفع مفروش بسجّادة داكنة، ويقربه عبد يحمل صحفة فيها وريقات ورد معقودة بالسكّر. وقد اختار الملك منها واحدة وضعها فوق لسانه وتركها تذوب عند أعلى حنكه قبل أن يمدّ يده بفتور إلى عبد آخر رشّ له أصابعه بماء معطّر وجفّفها بعناية فائقة. وتكرّر الاحتفال عشرين مرّة، بل ثلاثين، فيما كانت الوفود تمرّ من أمامه، وكانت تمثّل أحياء المدينة، ولا سيّما أسفزار وپانجخين وزَغْرِيماش، وماتُريد، ونقابات الأسواق ونقابات الحرف، من نحّاسين وورّاقين ومربّي دود الحرير والسقّائين، وتمثّل كذلك أهل الذمّة من يهود وصابئة ونساطرة.
وأخذ الجميع يقبّلون الأرض ثم ينهضون ويُحَيُّون من جديد بانحناءة طويلة إلى أن يشير العاهل عليهم بالاعتدال. وعندها كان الناطق بلسانهم يتلفّظ ببضع عبارات ثم ينسحبون جميعاً راجعين القهقرى؛ فالحقّ أنه محظور إدارة الظهر للملك قبل مغادرة القاعة. وإنها لعادة غريبة. فهل أدخلها عاهل شديد التمسّك بأن يُحترَم؟ أم زائر شديد الحذر؟
وحضر بعد ذلك العلماء الأفاضل الذين انتُظر مقدمهم بفضول، وبتوجُّس أيضاً. وكانوا يزيدون على العشرين. ولم يُكابد أبو طاهر أية مشقّة في إقناعهم بالمجيء. فمنذ أن أبدوا عداوتهم بشكل بالغ غدا الإصرار على البقاء في هذا الاتّجاه بحثاً عن الشهادة، الأمر الذي لا يرغب فيه أيّ منهم.
وها هم أولاء إذن يَمْثُلون أمام العرش وينحنون قدر ما يمكنهم الانحناء، كلّ حسب عمره ومَفاصِله، بانتظار إشارة من الأمير للاعتدال. ولكن الإشارة لا تأتي. وتمرّ عشر دقائق. ثم عشرون. ولا يستطيع حتى أصغرهم سنّاً البقاء إلى ما لا نهاية في وضع غير مريح كهذا الوضع. ومع ذلك فما العمل؟ إن الاعتدال من غير ترخيص معناه التعرّض لانتقام العاهل. وأخذوا يتساقطون على رُكَبِهم واحداً بعد آخر في وضع أكثر إجلالاً وأقلّ إنهاكاً. ولم يُشِر الملك إليهم بالنهوض والانسحاب من غير كلام إلا بعدما لامست الأرضَ آخرُ رُكبة. ولم يُبْدِ أحد استغرابه من سير الأحداث على هذا النحو، فهذا هو الثمن الواجب دفعه، وهو من طبيعة أمور المملكة.
ثم دنا ضباط أتراك، وجماعات من الأعيان، وبعض الدهاقين من نبلاء القرى المجاورة، فقبّلوا قدم العاهل ويده وكتفه بالترتيب الذي يقتضيه مقام كلّ منهم. ثم تقدّم أحد الشعراء وشرع في إنشاد قصيدة مدحية طنّانة ما لبث الملك أن أبدى بجلاء ضيقه بها فقاطعه بإشارة من يده وأومأ إلى حاجبه أن ينحني وأصدر إليه الأمر الذي عليه تبليغه:
ـ إن مولانا يُعْلِم الشعراء الحاضرين بأنه قد ضاق ذرعاً بسماع الموضوعات المكرورة على الدوام، وأنه لا يريد أن يُقارَن بالأسد ولا بالنسر، ولا حتى بالشمس. فمن كان لا يملك غير هذا فَلْيَرْحَلْ.
وإذ لاحظ عمر مزاج الملك الذي لا يوحي بالودّ فقد تردّد في زيارة القصر لتقديم آيات الولاء، غير أن القاضي أرغمه على ذلك مقدِّراً ولا ريب أن وجود صديقه الشهير قد يُضفي جوّاً ملائماً من الترويح عن النفس. وحرص أبو طاهر على أن يوضح للخيّام في أثناء الطريق ما كان قد حدث قبل قليل: لقد قرّر فقهاء المدينة وعلماؤها مقاطعة حفل الاستقبال لأنهم أخذوا على الخان إحراقه جامع بُخارى الكبير عن آخره بعد أن اختبأ فيه بعض المعارضين المسلَّحين.
قال القاضي:
ـ الحرب بين العاهل ورجال الدين لا تنقطع؛ وهي أحياناً مفتوحة دامية، وصمّاء غادرة في أكثر الأحيان.
بل يُروى أن العلماء ربما عقدوا صلات مع عدد من الضبّاط الذين أسخطهم سلوك الأمير. ويقال إن أسلافه كانوا يتناولون الطعام مع الجند. ولم يكن يفوتهم قطّ التذكير بأن سلطانهم إنما يقوم على بسالة المحاربين من شعبهم. بيد أن الخانات الأتراك أخذوا يكتسبون جيلاً بعد جيل عادات ملوك الفرس البغيضة، فتوهّموا أنهم أنصاف آلهة، وأحاطوا أنفسهم بأبّهة أخذت تزداد تعقيداً واستغلاقاً، بل ومهانة في عيون ضبّاطهم. وعليه فقد دخل عدد من هؤلاء في محادثات مع الزعماء الدينيين، ولم يكونوا يُخفون سرورهم لسماعهم إيّاهم يكيلون صنوف التحقير والإهانة لـ «نصر» ويتّهمونه بالانحراف عن سبيل الإسلام. ولكي يلقي الملك الرعب في قلوب العسكر فقد كان يتّخذ أقصى الصرامة مع العلماء. أفلم يدشّن أبوه عهده ـ وقد كان مع ذلك تقيّاً ورعاً ـ بقطع رأس من الرؤوس الكبيرة العمائم؟
وأبو طاهر هو، في عام 1072 هذا، أحد الوجهاء الدينيين النادرين الذين احتفظوا بصلة وثيقة بالأمير، فغالباً ما يزوره في قلعة بُخارى، مقَرّه الرئيسي، ويتلقّاه بالترحاب في كل مرّة يتوقّف فيها في سمرقند. وينظر العلماء شزراً إلى تصرّفه الوقائي، ولكنّ معظمهم يقدّرون وجود هذا الوسيط بينهم وبين العاهل.
ولسوف يقوم القاضي مرّة جديدة بدور الموفِّق بمهارة، مُتجنِّباً معارضة «نصر»، مُستغِلًّا أدنى انفراج في مزاجه لجرّه إلى مشاعر أفضل. وها هوذا ينتظر، ويدع اللحظات العسيرة تمرّ، وما إن يتّخذ المليك مكانه فوق العرش ويراه وقد استندت كُليتاه جيداً إلى طنفسة وثيرة حتى يسارع إلى استعادة زمام مبادرة ذكيّة وخفيّة يراقبها عُمَر وهو يتنفّس الصعداء. واستدعى الحاجب بإشارة من القاضي جارية شابة أخذت تجمع الأثواب المهملة فوق الأرض وكأنها جثث بعد معركة. وما هي إلا لحظات حتى غدا الهواء أقل عسراً على التنفّس، وأخذت أعضاء القوم تسترخي بشكل غير ملحوظ. وشرع بعضهم يهمسون ببضع كلمات في أقرب أُذُن إليهم.
وعندئذ تقدّم القاضي نحو المكان الذي أُخلي وسط القاعة ووقف قُبالة الملك وطأطأ رأسه من غير أن ينبس بكلمة. حتى إذا انقضت دقيقة صمت طويلة، وخلص «نصر» إلى الهتاف بنشاط مشوب بالكلال: «اذهب وقل لجميع علماء هذه المدينة أن يحضروا منذ الفجر للسجود عند قدميّ؛ وسوف يُقطع الرأس الذي لا ينحني؛ ولا يحاولن أحد الهرب لأنه ما من أرض بمنجاة من غضبي»، فَهِم الجميع أن العاصفة قد مرّت، وأن حلّاً قد لاح، وأنه يكفي أن يغيّر رجال الدين ما بأنفسهم كي يعدل العاهل عن الاقتصاص.
وهكذا فإنه ما كان عُمَر ليتعرّف على الجوّ عندما رافق القاضي من جديد إلى البلاط في اليوم التالي. كان «نصر» جالساً على العرش، وهو نوع من سريرٍ ـ ديوانٍ مرتفع مفروش بسجّادة داكنة، ويقربه عبد يحمل صحفة فيها وريقات ورد معقودة بالسكّر. وقد اختار الملك منها واحدة وضعها فوق لسانه وتركها تذوب عند أعلى حنكه قبل أن يمدّ يده بفتور إلى عبد آخر رشّ له أصابعه بماء معطّر وجفّفها بعناية فائقة. وتكرّر الاحتفال عشرين مرّة، بل ثلاثين، فيما كانت الوفود تمرّ من أمامه، وكانت تمثّل أحياء المدينة، ولا سيّما أسفزار وپانجخين وزَغْرِيماش، وماتُريد، ونقابات الأسواق ونقابات الحرف، من نحّاسين وورّاقين ومربّي دود الحرير والسقّائين، وتمثّل كذلك أهل الذمّة من يهود وصابئة ونساطرة.
وأخذ الجميع يقبّلون الأرض ثم ينهضون ويُحَيُّون من جديد بانحناءة طويلة إلى أن يشير العاهل عليهم بالاعتدال. وعندها كان الناطق بلسانهم يتلفّظ ببضع عبارات ثم ينسحبون جميعاً راجعين القهقرى؛ فالحقّ أنه محظور إدارة الظهر للملك قبل مغادرة القاعة. وإنها لعادة غريبة. فهل أدخلها عاهل شديد التمسّك بأن يُحترَم؟ أم زائر شديد الحذر؟
وحضر بعد ذلك العلماء الأفاضل الذين انتُظر مقدمهم بفضول، وبتوجُّس أيضاً. وكانوا يزيدون على العشرين. ولم يُكابد أبو طاهر أية مشقّة في إقناعهم بالمجيء. فمنذ أن أبدوا عداوتهم بشكل بالغ غدا الإصرار على البقاء في هذا الاتّجاه بحثاً عن الشهادة، الأمر الذي لا يرغب فيه أيّ منهم.
وها هم أولاء إذن يَمْثُلون أمام العرش وينحنون قدر ما يمكنهم الانحناء، كلّ حسب عمره ومَفاصِله، بانتظار إشارة من الأمير للاعتدال. ولكن الإشارة لا تأتي. وتمرّ عشر دقائق. ثم عشرون. ولا يستطيع حتى أصغرهم سنّاً البقاء إلى ما لا نهاية في وضع غير مريح كهذا الوضع. ومع ذلك فما العمل؟ إن الاعتدال من غير ترخيص معناه التعرّض لانتقام العاهل. وأخذوا يتساقطون على رُكَبِهم واحداً بعد آخر في وضع أكثر إجلالاً وأقلّ إنهاكاً. ولم يُشِر الملك إليهم بالنهوض والانسحاب من غير كلام إلا بعدما لامست الأرضَ آخرُ رُكبة. ولم يُبْدِ أحد استغرابه من سير الأحداث على هذا النحو، فهذا هو الثمن الواجب دفعه، وهو من طبيعة أمور المملكة.
ثم دنا ضباط أتراك، وجماعات من الأعيان، وبعض الدهاقين من نبلاء القرى المجاورة، فقبّلوا قدم العاهل ويده وكتفه بالترتيب الذي يقتضيه مقام كلّ منهم. ثم تقدّم أحد الشعراء وشرع في إنشاد قصيدة مدحية طنّانة ما لبث الملك أن أبدى بجلاء ضيقه بها فقاطعه بإشارة من يده وأومأ إلى حاجبه أن ينحني وأصدر إليه الأمر الذي عليه تبليغه:
ـ إن مولانا يُعْلِم الشعراء الحاضرين بأنه قد ضاق ذرعاً بسماع الموضوعات المكرورة على الدوام، وأنه لا يريد أن يُقارَن بالأسد ولا بالنسر، ولا حتى بالشمس. فمن كان لا يملك غير هذا فَلْيَرْحَلْ.
صفحة 10
5
تبع أقوالَ الحاجب همساتٌ وهمهمات، وساد الصخب صفوف الشعراء العشرين الذين كانوا ينتظرون أدوارهم، وخطا بعضهم خطوتين إلى الوراء قبل أن ينسلّوا خفية. امرأة فقط خرجت من الصف وتقدّمت بخطى ثابتة. وإذ قرأ القاضي تساؤل عُمَر المرتسم في عينيه فقد همس قائلاً:
ـ شاعرة من بُخارى تدعو نفسها «جهان». جهان كالعالم الواسع. إنها أرملة شابّة مشبوبة العواطف والصبابات.
كانت النبرة مقنعة، ولكنّها ما كانت إلا لتزيد فضول عُمَر اتّقاداً فلا تَحُول نظراتُه. وكانت «جهان» قد رفعت أسفل نقابها كاشفة عن شفتين غير مصبوغتين؛ وأخذت تُنْشِد قصيدة طليّة النسج لم يذكر فيها مرة واحدة ـ ويا للغرابة! ـ اسم الخان. لا، لقد مُدح فيها تلميحاً نهر الصُغد الذي يُغدق خيراته على سمرقند كما على بُخارى، ثم يتوارى في الصحراء لأنه ما من بحر خليق بتلقّي مياهه.
قال «نصر» مردّداً الصيغة المعتادة:
ـ لقد أحسنتِ القول، فليمتلىء فمكِ ذهباً.
وأكبّت الشاعرة فوق صينية واسعة مملوءة بالدنانير الذهبية، وأخذت تُدْخِل القطع في فمها واحدة بعد أخرى، في حين كان الحضور يُحْصُون عددها بصوت مرتفع. وإذ كبتت «جهان» فُواقاً كاد يخنقها فقد انطلق البلاط برمّته، وعلى رأسه الملك، في قهقهة طويلة. وأومأ الحاجب إلى الشاعرة أن تعود إلى مجلسها؛ وأُحصي ستة وأربعون ديناراً.
الخيّام وحده لم يضحك. فقد شرع يبحث وهو يحدِّق فيها عن الشعور الذي يعتريه حيالها؛ إن شِعرها رائق وبلاغتها جليلة ومشيتها جريئة، ومع ذلك فها هي مكتظّة بالمعدن المُصفَرّ وقد انصرفت بكلّيتها إلى هذه المكافأة المخزية. وقبل أن تُسدل نقابها زادت من رَفْعِه مطلقة سراح نظرة لم يلبث عُمَر أن جناها وامتصّ رحيقها وودّ لو يكبتها. وإنها للحظةٌ لم يستبنْها الجمهور وكانت دهراً في عين العاشق. وقال الخيّام في سرّه إن للزمن لوجهين، إن له لبُعْدَيْن، فطوله بمعدّل الشمس، وارتفاعه بمعدّل الأهواء والشهوات.
وأما هذه اللحظة المباركة من دون سائر اللحظات فقد قطعها القاضي بتربيتة على ذراع الخيّام الذي التفت. ولكن بعد فوات الأوان... لقد ذهبت المرأة ولم يعُد يبدو منها غير أثواب مُهَفْهَفَة.
إن أبا ظاهر يرغب في تقديم صديقه إلى الخان، وها هوذا يُدبّج الكلام لذلك:
إن سقفك الجليل يُظِلُّ اليوم أعظم عالِم في خراسان، عمر الخيّام الذي لا النباتات تحجب عنه مكنوناتها، ولا النجوم تكتم عنه أسرارها.
وليس من باب الصدفة أن يميّز القاضي من بين العلوم الكثيرة التي يُجلّي فيها عُمَر الطبَّ والفَلَكَ، فقد طالما استحوذا على اهتمام الأمراء، الأوّل لكدّهم في الحفاظ على صحتهم وحياتهم، والثاني لرغبتهم في الحفاظ على يُمن طالعهم.
وأبدى الأمير اغتباطه وأعلن عن تشرُّفه. بيد أنه إذ لم يكن راغباً في محادثة علمية، وبدا أنه كان مخطئاً في الحكم على قصد الزائر، فقد رأى من المفيد أن يردّد عبارته الأثيرة:
ـ ليمتلىء فَمُه ذهباً!
حار عُمَر في أمره وكبت شعوره بالغثيان. ولاحظ أبو طاهر ذلك وقَلِقَ له. وإذ خشي رفضاً يجرح شعور الملك فقد حدج صديقه بنظرة صارمة مِلحاح ودفعه من كتفه. بلا جدوى. فلقد قرّ قرار الخيّام.
ـ ليتكرّم جلالته ويَعْذُرْني فأنا صائم ولا أستطيع أن أضع شيئاً في فمي.
ـ مع أن شهر الصوم انتهى منذ ثلاثة أسابيع إن لم أكن مخطئاً!
ـ كنت في زمن الصوم مسافراً من نيسابور إلى سمرقند، وتوجب عليّ الإفطار ناذراً أن أستدرك فيما بعد ما ضاع من أيام الصوم.
تبع أقوالَ الحاجب همساتٌ وهمهمات، وساد الصخب صفوف الشعراء العشرين الذين كانوا ينتظرون أدوارهم، وخطا بعضهم خطوتين إلى الوراء قبل أن ينسلّوا خفية. امرأة فقط خرجت من الصف وتقدّمت بخطى ثابتة. وإذ قرأ القاضي تساؤل عُمَر المرتسم في عينيه فقد همس قائلاً:
ـ شاعرة من بُخارى تدعو نفسها «جهان». جهان كالعالم الواسع. إنها أرملة شابّة مشبوبة العواطف والصبابات.
كانت النبرة مقنعة، ولكنّها ما كانت إلا لتزيد فضول عُمَر اتّقاداً فلا تَحُول نظراتُه. وكانت «جهان» قد رفعت أسفل نقابها كاشفة عن شفتين غير مصبوغتين؛ وأخذت تُنْشِد قصيدة طليّة النسج لم يذكر فيها مرة واحدة ـ ويا للغرابة! ـ اسم الخان. لا، لقد مُدح فيها تلميحاً نهر الصُغد الذي يُغدق خيراته على سمرقند كما على بُخارى، ثم يتوارى في الصحراء لأنه ما من بحر خليق بتلقّي مياهه.
قال «نصر» مردّداً الصيغة المعتادة:
ـ لقد أحسنتِ القول، فليمتلىء فمكِ ذهباً.
وأكبّت الشاعرة فوق صينية واسعة مملوءة بالدنانير الذهبية، وأخذت تُدْخِل القطع في فمها واحدة بعد أخرى، في حين كان الحضور يُحْصُون عددها بصوت مرتفع. وإذ كبتت «جهان» فُواقاً كاد يخنقها فقد انطلق البلاط برمّته، وعلى رأسه الملك، في قهقهة طويلة. وأومأ الحاجب إلى الشاعرة أن تعود إلى مجلسها؛ وأُحصي ستة وأربعون ديناراً.
الخيّام وحده لم يضحك. فقد شرع يبحث وهو يحدِّق فيها عن الشعور الذي يعتريه حيالها؛ إن شِعرها رائق وبلاغتها جليلة ومشيتها جريئة، ومع ذلك فها هي مكتظّة بالمعدن المُصفَرّ وقد انصرفت بكلّيتها إلى هذه المكافأة المخزية. وقبل أن تُسدل نقابها زادت من رَفْعِه مطلقة سراح نظرة لم يلبث عُمَر أن جناها وامتصّ رحيقها وودّ لو يكبتها. وإنها للحظةٌ لم يستبنْها الجمهور وكانت دهراً في عين العاشق. وقال الخيّام في سرّه إن للزمن لوجهين، إن له لبُعْدَيْن، فطوله بمعدّل الشمس، وارتفاعه بمعدّل الأهواء والشهوات.
وأما هذه اللحظة المباركة من دون سائر اللحظات فقد قطعها القاضي بتربيتة على ذراع الخيّام الذي التفت. ولكن بعد فوات الأوان... لقد ذهبت المرأة ولم يعُد يبدو منها غير أثواب مُهَفْهَفَة.
إن أبا ظاهر يرغب في تقديم صديقه إلى الخان، وها هوذا يُدبّج الكلام لذلك:
إن سقفك الجليل يُظِلُّ اليوم أعظم عالِم في خراسان، عمر الخيّام الذي لا النباتات تحجب عنه مكنوناتها، ولا النجوم تكتم عنه أسرارها.
وليس من باب الصدفة أن يميّز القاضي من بين العلوم الكثيرة التي يُجلّي فيها عُمَر الطبَّ والفَلَكَ، فقد طالما استحوذا على اهتمام الأمراء، الأوّل لكدّهم في الحفاظ على صحتهم وحياتهم، والثاني لرغبتهم في الحفاظ على يُمن طالعهم.
وأبدى الأمير اغتباطه وأعلن عن تشرُّفه. بيد أنه إذ لم يكن راغباً في محادثة علمية، وبدا أنه كان مخطئاً في الحكم على قصد الزائر، فقد رأى من المفيد أن يردّد عبارته الأثيرة:
ـ ليمتلىء فَمُه ذهباً!
حار عُمَر في أمره وكبت شعوره بالغثيان. ولاحظ أبو طاهر ذلك وقَلِقَ له. وإذ خشي رفضاً يجرح شعور الملك فقد حدج صديقه بنظرة صارمة مِلحاح ودفعه من كتفه. بلا جدوى. فلقد قرّ قرار الخيّام.
ـ ليتكرّم جلالته ويَعْذُرْني فأنا صائم ولا أستطيع أن أضع شيئاً في فمي.
ـ مع أن شهر الصوم انتهى منذ ثلاثة أسابيع إن لم أكن مخطئاً!
ـ كنت في زمن الصوم مسافراً من نيسابور إلى سمرقند، وتوجب عليّ الإفطار ناذراً أن أستدرك فيما بعد ما ضاع من أيام الصوم.