1
ابريل 1984
ينتظره إغراء المدن التاريخية، تتوثب الذاكرة، يحضر التاريخ، تثار الذكريات، يتمدد الحزن·
قبل شهور قيل له باستبشار:
- روما الجميلة تنتظرك·
لأول مرة تسند إليه أعمال كثيرة، ملامح السفير وكلماته فيها تبرير معتذر: عددنا في السفارة قليل، سنستفيد من خبرتك الطويلة وأضاف مؤقتا
ما الجديد؟· كان دائما يعمل بديلا مؤقتا ؛ خبراته متقطعة في السكرتارية والإدارة والصندوق وجهاز الشفرة، حيث تعامل لأول مرة مع الأسرار، وهي قليلة·
هذا الالتفات المؤقت سيضعه في دائرة الضوء· لا يرغب بهذا ولا يحبه· المهم أنه يعود آخر النهار إلى زاويته·
في شرفة شقته منفردا تتمدد اللحظات فيصفو، ينظر بعيدا يرى الخضرة فيتمنى أن تكون الحياة هكذا· يتقاصر مدى نظره فتبدو الخضرة كسيحة، يتشابك معها لون المباني الرمادي المتجه إلى السواد، الخضرة السوداء تتفرق بين شقوق السور الذي يُطوِّق مدينة التواريخ، فتحات ينفذ منها العابرون، يتنقلون بين إطارين، قديم وحديث، اختناق هنا، انفتاح هناك، اندفاع السيارات التي تلتف مع التفافة الطريق المقوس، يتجمع في أذنه ضوضاء الطرفين· يشده في هذه اللحظة تباطؤ الحركة، وتخافت الأصوات التي ستستيقظ من قيلولتها بعد قليل، يتهيب من الأصوات ؛ من الضجيج الذي لا يقول فكرة، أصوات بهيمية تنفس عن مخزون مستاء·
عندما هبط في هذه المدينة، رأى الطرق غير الطرق التي تصورها والناس غير الناس والحياة مختلفة· الماضي عندهم محفوظ بالذاكرة ولكنه منزوع سلاح الفعل، لم يعد يلعب دورا، الناس هنا يتغيرون· يذهب تفكيره إلى أن أشباح الماضي تنتفض عنده حية مرعبة، الجروح تنفتح وتتكاثر مع الأيام، تمد أصابع المنع· تذكَّر أن التاريخ حاضر يرفع إصبعه إلى الفم محذرا، فنقف مستسلمين عند بوابة الذاكرة العنكبوتية· الهموم القديمة ابتعدت أكثر فأكثر· تمنى أن تكون قد سقطت تماما· اختفى وراء ابتسامة لا سبب لها، براءة مضحكة، محاولة هروب مستمرة من نظرات أمه التي حسمت موقفها فلم تحدثه حديثا ممتدا· في المكالمات التلفونية لم يعد يرى وجهها الناظر إلى الأرض أو الملتفت دائما إلى الناحية الأخرى· لولا أخته نجيبة لما تم اتصال بينهما، ظلت أمه ترفض التلفون والحديث من خلاله، يرن ويتوقف· ولكن لأجل نجيبة يتم التنازل فالاستجابة· التحقت نجيبة بالجامعة فاعتادت يد الأم على رفع سماعة التلفون لتقول: نعم· يفاجئها صوته القادم من بعيد· تصمت· يسمع صوت دفقة تنسمها ثم تأتي كلماتها المقتضبة القاطعة، هي وحدها الواصلة بينهما، تسمع ولا تجيب، منذ أن صرخت عليهما، في ذلك المساء البعيد:
- فعلتوها يا سفلة··
وتجددت صرخة الصد القاطعة، وهو يدفع أخاه عيسى إلى خارج البيت:
- لن أغفر لكما··
الخروج من نظرات تلك العينين كان عنده هو الأهم ؛ فقد كانت المحاولة معها بحثا عن جذوة في رماد قديم·
في الابتعاد ننفصل عن الحاضر، تسقط ذكريات الماضي· لقد تَجَوّل بين مدن كثيرة، قليلة تلك المدن التي توثقت علاقته بها، ظلت العزلة اختيارا يتذرع به· لجأ إلى الهوامش والأركان المتوارية فاختفى في ظلالها بعيدا عن العواصف التي جعلته يهرب من عيون ظل يشعر بها تطارده، لقد كان عدم الغفران يدا تدفعه بعيدا منذ أن استقر في عيني أمه ذلك الحكم الذي فشل كل الفشل في اختراقه فاختير له أن يكون واحدا من أولئك الذين تتجول أقدامهم في الشوارع البعيدة ولا تلامس وطنها إلا زائرة· تآلف مع المنافي، التي فرضت عليه أولا، ثم اعتادها فتحولت إلى اختيار·
لم يكن لديه شيء مهم، اجتاز تلك السنوات القلقة التي حاصرته بنيرانها فتشكل اعتزاله ببطء راسخ، لا يقترب كثيرا من أحد، يذكِّر نفسه دائما بأن يكون بعيدا، يسمع أكثر، ينتقي الكلمات، يستخدم أقلها، يتجنب المناكب المتلاصقة والمتدافعة التي ينسيها طموحها وقفة التأمل وعذاب النحت الداخلي·
قال لنفسه: مع الأسف، بعد فوات الأوان تعلمت كيف أكون حذرا من تأثير الكلمات، وأن تكون استجابتي مترددة، لا أندفع وراءها، فحسب الواحد أن يسقط مرة في شركها لتتعكر حياته ؛ فقد كان من الممكن أن يكون مسار حياتي مختلفا لولا تلك الاستجابة والسير وراء كلمات أخي عيسى المخدرة التي رفعت عندي رأس رجولة بغيضة· ولكن حدث ما حدث··
- ها صلوحي· أنا هنا··
صوت يحيى الآتي من التلفون الذي لم يعتد على رنينه في هذا الوقت· كانت عادة لا تنقطع· مهما تباعدت الأزمان أو تعددت الأماكن فإن يحيى عندما يهبط على مدينة هو فيها فإن سهرة تنتظرهما، ينفلت يحيى من قيوده الرسمية التي أصبحت تكبله في سنواته الأخيرة· يشعر بثقلها عليه ويعجز عن تفسير بقائه فيها· العلاقة الأخرى بين الخلصاء لا تتلاشى، السرية التي تجمع بينهما نمت وكبرت، أضحت حبلا متينا جاذبا· يتلاقيان منفردين، عادة بدأت منذ أن تعرف عليه طالبا قبل خمسة وعشرين عاما· لا يحب يحيى أن يكون معهما ثالث· أُحْرِج مرة، قبل سنوات طويلة، فوجه دعوة لأحد الملحقين في سفارة بلده كان يحيى واقفا معه يتقاذفان النكت· في تلك الليلة ظل يحيى صامتا، يتعامل برسمية طوال السهرة، وغادر بعد ساعتين متعللا بالإرهاق والصداع· في الصباح استيقظ على شتائمه، كان على الجهة الثانية من خط التلفون ينتفض غيظًا:
- إنت تريد تبيع علينا لياقة؟ تهذيبك القبيح يا ابن ستين كلب ما يجي إلا على راسي···ما تعرف إني أريد أن أهرب من هذي الوجوه الكريهة·· ضيعت سهرتنا الله يضيعك··
ولم يكرر الفعلة·
مع يحيى يتحرك عنده انفتاح قديم وحيد، تكون ونما عندما اقترب من ساحة يحيى في بدايتها، أدخله معه في همومه، نثر أحلامه أمامه، لم يخفِ مخططاته· تابع بعد ذلك، من بعيد، دورانه في فلك السلطة في بلده، راقب إشعاعه المتميز، بهرته إلماعاته الفكرية· عندما قذفته أمواج السياسة المتحركة خارج السلطة، راح يكتب في التاريخ، فاكتسب نجومية المفكر وظل دائما في الواجهة مرتفعا· رجل مثير للاهتمام، اسم اقترن بالعواصف، له حضور طاغ، معرفته واسعة· أثار كتابه تناقضات الفكر السياسي جدلا، قرأ فصولا منه، تبعها تفاعل نقاش حاد إثر كلمة له في مؤتمر عام· كان رجلا من رجال تحريك الآخرين، رافقه في مناسبات متفرقة· لم يجتز المسافة الفاصلة بين الاتصال والانفصال، كان طرفا صامتا عندما تحتدم الخصومات التي لم تكن تعنيه·
1959
هذا زمن السياسة··
عرفت يحيى في هذه المدينة التي لا تعرف التثاؤب، كان كل شيء مندفعا يمور بحركة، لا تستطيع أن تتجاهل ما يدور من حولك، فيها تحدد موقعك ؛ إما أن تصبح ثوريا فتندفع عاطفتك وتحتشد الدماء داخل العروق، أو أن تُصنّف رجعيا تتمزق بين عواطف شتى أو تحزم حقائبك وترحل· لن تجد من يستمع إليك، لا تفكر، نفعني هذا فيما بعد، ولكنني أسمع كثيرا، أنطق فكل الأصوات من حولي تهدر فلماذا الصمت، أذنك ولسانك وذراعك المشدودتان هي عدتك لتنسجم مع من وما حولك، أو تنسحب تتأمل دون تعليق، قال لي أحدهم: الطريق من حولك انفتاح على ضجيج الجدل الحماسي أو اللامبالاة· الطريق الجبري والأحلام المعلقة تتدلى عليك، فتسير تحت عروش العنب فتجني قطفة عذبة أو تجني حصرما أو خمرًا يدير الرأس·· إنه زمن السياسة·
نفذت إليّ رغبة الأخذ بطرف من هذه الحياة ؛ فعندما كنت في المدرسة الداخلية كانت السياسة الثورية أسلوب حياة، فاخترت طريقا آخر· أحمل خيوط الصيد وأتجه إلى غرب المدينة، وهناك أقضي ساعات أرقب وألاعب الأسماك وهي تنساب بين سطح البحر وقاعه، تتداخل جذوعها تتملّص بخفة فينعكس لمعان خاص يجذب النظر إليه·
في المساء تتنقل الأخبار بين الزملاء، يتناقشون كثيرا، تعليقاتهم تتشعب فتتجاوز تعليقات صوت العرب· الرؤوس المتقاربة لا تمنعهم من اللجوء إلى رفع الأصوات· كانوا حناجر حالمة بغد يبشر به دعاة السياسة·
أستمِعُ قليلا، بقيت على هامش المظاهرات ؛ في رجلي شيء يدفعها إلى التشبث في الأرض التي تحتي ولا أنظر إلى الأمام، في أذني صمم لا تريد أن تسمع المزيد، يكفي ما سمعته من عيسى فسمم حياتي، قلت لنفسي: لا تجعل للكلمات سلطانا عليك· تحرر من كل انقياد· وهكذا كنت أفعل لولا نبضة توهجت في زمن··
توثقت صلتي بسالم النايز في الثانوية· في مرة تمدد فضول طارئ في داخلي، هناك شيء غير معهود، في الممر تجمُّع غير اعتيادي، اقتربت، يخرج من الغرفة إلى الممر مجموعة يتقدمهم سالم، يضم إلى صدره راديو، خلفه آخر يتبعه حاملا بطارية بحجم الراديو، مثل سياميين متلاصقين، المسافة بينهما هي تلك التي يسمح بها طول السلك الرابط بين الراديو وبطاريته، يضع الراديو على حافة الحاجز العريض، للممر أصوات متداخلة، شرشرة، صفير، ضجة تطالب بتقصير الصوت للسماع: هس·· إذاعة الشرق الأدنى ابتعد·· ابتعدإذاعة بغداد وخر·· وخر إذاعة إسرائيل·· لعنات·· إرجع··· إرجع إحباط· تعود الأصوات إلى الارتفاع· في هذه اللحظة تكاثر الخبراء، وبخاصة طلاب الكلية الصناعية الذين انضموا لنا، كأن الخلل في هذا الصندوق الذي خلا من صوت العرب· تجمعٌ لشذرات من اليأس، بدأت الأجسام تتباعد، ولكنها في لحظة، مثل حمام يتجمع ثم يطير ليعود، عادت الجموع وتلاصقت حينما جاء الصوت، انفراجة واسعة في وجه سالم، يشير إلى الجموع· هنا صوت العرب من دمشق· المهم أنه عاد أخيرا·
تجمع المتحمسون مثل قط متكور يتهيأ للانقضاض، تسرب في دم جاهز للفوران· للتجمعات العشوائية توجهها الخاص· يندفعون إلى الساحة المربعة، من كل الجهات تنحدر جموع الطلبة، ترتفع الأصوات، تغني: إحنا الشعب·· إحنا الشعب· اخترناك من بين الشعب·· يردحون·· يلوحون بأيديهم· وترفع الغتر· أرسلوا أصواتهم في الفضاء العريض· في هذه اللحظة انطلق صوتي يهتف معهم: يا جمال·· يا جمال·
لم يعد فضولا· انفصلتُ عما كنت فيه، أصبحتُ منهم، الجسم يحاكي حركاتهم ثم اندفاع يصنع حماسته، أدفعه في الهواء ثم أهوي به، يصطدم كعب حذائي اللندني بالأرض محدثا صوتا متفجرا، التقطت الكلمات فهتفت: إحنا الشعب·· يسقط إيدن·· عاش ناصر·· يسقط إيدن·· إحرقوا البترول·· لا حساب للوقت· المشاعر تجسمت أصواتا، حركات، هتافات، انفعالات رأيتها حركات جامحة، تلاشى حذري، هتفت، ردد بعض من حولي ما أقول· هتف آخر فتابعته، تتابعت المتواليات الصوتية، تلاشت المسافة بين المحتشدين، ضاق المكان· اتجهت نية الجموع إلى المدينة فهناك ستكون المواجهة·
في الشارع الجديد كان الهدير، انضمت حشود، تجمعت أشكال من البشر زالت المسافات بينهم، تعددت الأزياء، اختلطت اللهجات، درجات الصوت· كنت نحيلا جدا فشعرت في إحدى لحظات الزحام بارتفاع قدمي عن الأرض· أتحرك معلقا بين الأجساد حتى جاءت موجة تباعدت فيها الأجسام كل واحد في اتجاه مختلف· حضر رجال الأمن فساد صوتهم وقوة ضربهم على الأرض، تبعتها أصوات لشط الخيازرين، بين الأرض والأجسام· من خيزرانة وجدت طريقها إلى ظهري استهلكت خمسة فناجين من الدهن العداني التي كانت ترى فيه عمتي الدواء النافع والبلسم الشافي·
بعد سنة، تبعت سالم النايز مرة أخرى، كنا في السنة الرابعة ثانوي، مع اكتمال طابور الصباح تقدم بجرأة وسار نحو صارية العلم، تبعته على غير عادتي دون تفكير، لا أدري لماذا، وقف وأعلن بصوت ثابت بدء مظاهرة، نسيت دوافعها، وعندما تحركنا بقوة انسحب ناظر المدرسة من الساحة وانتصرنا، ولكنني حرمت من الدراسة مدة أسبوعين مع كتابة تعهد بالانضباط، وقع عليه عيسى·
لم أكرر هذه الفعلة، توثقت علاقتي بسالم، قامت بيننا ثقة، تجددت بعد أن جمعتنا البعثة الدراسية إلى هذه المدينة المتوثبة المشعة، وفيها وضح التزامه الحزبي، دعاني لحضور بعض أنشطتهم، اشتركت في بعضها، دون تورط أو اندفاع من جانبي أو إصرار من جانبه· استمعت، دون تعليق، اقتربت، لفحتني حرارة الثوريين، ولكني مع هذا بقيت عند حدود الهامش ؛ تحيطني حزمة من الخيوط أراها تلتف فلم أرد أن أضيف جديدا إليها· إن ثورية هذه المدينة تثير في نفسي متعة خاصة، أن تعيش الثورة دون أن تكون فيها، كنت أرى أشياء كثيرة مختلفة·
صيف 59 جاء ساخنا، من منا قاد الآخر، جاء يحيى الذي عرف الانتماء مبكرا، كان قد خرج من المعتقل قبل سنة، حين أطلقت الثورة أبطالها، فالتحق بكلية الآداب، أراد والده الميسور أن يستفيد من هذه الفرصة المناسبة فينقذه، فخبرة الأب التي وجهته إلى تهجير أمواله، دفعته إلى حث ابنه على الدراسة في الخارج بعد تجربة السجن، لم يرضخ لطلب والده، فثمة دور له في العهد الجديد· ولكن العواصف لم تتأخر، فالتهمت الثورة عددا من زملائه الذين كانوا معه في السجن قبل أن تطلق الثورة الجديدة أبطالها، ثم تعود لتعتقل من لم تتم تصفيته منهم· التقت نصيحة الأب مع موافقة التنظيم ففر يحيى إلى هذه المدينة التي يجتمع فيها من فقدوا أدوارهم أو راحوا يعدون ويستعدون لدور آخر·
قدمني إليه سالم:
- يحيى العزازي··نريد خبرتك في ترتيب أموره الحياتية··
رحلة ترتيب الأمور التي كان مقدرا لها أن تكون عابرة تحولت إلى ملازمة دائمة· في منتصف الطريق، بعد أن استعرضنا خمس شقق، أحسست أن يحيى مختلف، وأنا أحب أن أرقب المختلفين، وحدهم الذين يكفوني معاناة المشاركة فهم مشغولون بأعباء قياداتهم للآخرين· قلت له:
- لماذا لا تسكن معي··
تردد قبل القبول قائلا:
- أنت لوحدك·· لا أريد أن أسبب لك زحمة··
في الأيام الأولى كان يحيى ينظر إلي بحذر، أحس بأنني أمر بلحظات اختبار، تضايقت، يسمع ولا يتكلم، هادئ، يحرص على قراءة الجريدة بعدي، يلتقطها من تحت عقب الباب أول ما يستيقظ، ينظر فيها نظرة سريعة وهو قادم يحملها إلي لأقرأها أولا· كنت أتصفحها بسرعة ثم أتوقف عند الكلمات المتقاطعة وأمسك القلم، لم أكمل حلها في أي يوم· بهدوء يلقي بنظرة متفحصة على الصفحتين الأوليين، بعد أن يفصل صفحة الكلمات المتقاطعة، ويدفعها إلي، ويبدأ القراءة بعناية·
رأيته وهو ينغرس في حياة تفور· تَعودتُ على خروجه شبه اليومي مع سالم، حيث يختفيان لمدة ساعات تنتهي فيما بين التاسعة والعاشرة، لم أستغرب لقاءاتهما فهما من صنف واحد·
في الأيام الأولى صحبت يحيى إلى المكتبات فاشترى كتبا عامة، روايات، دواوين شعر، سير، كتب سياسية· اليوم مقسم عنده إلى أقسام، بعد قراءة الجرائد، التي طلب منها أكبر عدد ممكن، بعناية يضع أكوام كتب التاريخ على يمينه، لا يتحرك إلا إذا أراد أن يقول شيئا، يرفع صوته: صلوحي·· إذا لم أرفع رأسي واصل القراءة ولا يعيدها، أما إذا ند مني ما يشجعه: ها·· ينهض فاتحا صفحة الكتاب:
- اسمع هذه الجملة··
يتوقف عند كلمات ذات ثقل، يسميها المعاني الخارقة، العظمة حركة مستمرة، وصمت مقدس وفعل سماوي··
يشيع في جلستنا منفردين حيوية تفكك ذلك الانسحاب المستمر إلى داخل نفسي التي اعتادت التهويم في مناطق بعيدة، كانت حالات النظر إلى لا شيء ثم سؤال النفس خفية حالة أعيشها، قليلة تلك الإجابات التي أحصل عليها· لا صفاء أمامي، كأن عيني لم تعتد صفاء الأمور··
- ألا تقرأ الكتب السياسية؟
جاء يحيى من داخل الشقة وألقى بسؤاله علي، كلماته وصلت إلىّ وكأنها راجعة من اصطدامها بالحائط، ثم اخترقت حالة التأمل الذي ألهمني لأول مرة إجابة تليق بيحيى:
- كل قراءة مقدمة لفعل ما، وأنا لا أنوي أن أقترب منها··
- ولكن معرفة الحقيقة فعل عظيم·· وحدها مفتاح كل فعل··
- السياسيون لا يريدون الحقيقة، تهمهم الموافقة والتأييد فقط، ما طابق رأيهم حق يدور معهم، وما خالفهم باطل·· ما دمت معهم فأنت على حق، تشع نبالة وصدقًا، وإن كنت في الجانب الآخر فأنت مشبوه··هذه كلماتكم··
- ولماذا لا يكون لك رأي موافق أو غير موافق··
- الموافقة اختفاء، أما المخالفة في السياسة فهي لا تتوقف عند الرأي، إنها تصريح بانتهاك حياتك الخاصة، اعتقال وتدمير وأثمان لا قبل لي بها·· ولا تنسَ نحن لسنا مثلكم، بلدنا مختلفة··
هز رأسه:
- آه·· بلدكم مختلفة، أما نحن··!
دفع إليّ بكتاب ضخم، أغراني اسم هارون الرشيد، الأسماء على الورق تجر تاريخا، قال:
- كتاب ممتع·· كاتبه قومي متميز·· أتمنى أن نتناقش، بعد أن تقرأه··
أدرك يحيى حساسيتي فأراد أن يعطيني درسا في الشعوبية· كتاب خرجت منه فقط بأن الأمهات أيضا يقتلن الأبناء·· سطوره حارقة، نرى أحيانا ما لا نتوقع أو ما لا نراه عادة، لا جديد على هذه الأرض· إن عيون أمي تطل متحركة ؛ تتشكل من الحروف المتجاورة في الكتاب الذي ظللت مدة واقفا عند صفحة معينة فيه: جمعت الخيزران، أم موسى الهادي وهارون الرشيد، جواريها، دخلت جاريتان تحملان وسادتين، وضعتا الوسادتين على وجهه، خمدت أنفاسه· تقول الخيزران لجاريتيها:
- إن مات موسى فقد بقي هارون· دعت بسويق فشربت، وسقت ضيوفها وطلبت مبلغا من المال فوزعته عليهم وكأن بشارة زفت إليها·· أصبحنا متعادلين، التاريخ يشهد أن الأمهات يقتلن الأبناء· القتل يسكننا· القتل حوار بين اثنين والتنافس رغبة تمور بالفناء، فالحب ليس فناء في الآخر ولكن فناء الآخر، القتل انتقاما··القتل بقاء··· القتـ···
انا ويحيى، رغم تآلفنا، نحتفظ بنوع من التباعد الذي كان يكملنا، كأننا نهرب من جحيم الاتفاق الدائم· هو ينظر إلى ما لا أنظر، كلانا يفكر بطريقة مختلفة، سأدعه مع سياسته، حسبي أن أراقب من بعيد· أحببته، استطاع أن يخترق الشرنقة التي بدأت أدور داخلها منفردا، يعود مع أول الليل، وفي الليل تتفتح العواطف، الظلام الذي يحد من مدى رؤية العين تتقارب فيه النفوس·
تتماسك أيدينا ونخرج· الليل في صحبته جميل، يتحول إلى شخص مختلف، مندفع عنده رغبة تجريب أي شيء، كنت دليله إلى المدينة الجديدة عليه، ولكنه هو حلقة الاتصال عندي، يلتفت إلي بكامل وجهه، العين تنفذ بشفافية المحب فأتذكر وجه أمي التي تحدثني دون أن تنظر اليّ، كل أم تتملى في وجه ابنها إلا أمي التي يطحنني نظرها إلى الأرض وهي تتكلم، قد تلتفت إلى الناحية الأخرى وهي تحرك المهفة بيديها وكأنها تطرد هواء لا تريده، أما يحيى فعندما يتحدث إليك يقبل، يحدق في وجهك، يبحث عن صدى كلماته، لا يريدك أن تهرب من نظراته·
عندما سألته، ونحن نجلس متقابلين في الشقة، عن المعتقل تشاغل ولم يتحدث ؛ كأن الأماكن المغلقة تطبق لسانه· وفي السياحة الليلية بادرني بالإجابة عن السؤال المختزن في ذاكرته·· تريد أن تعرف أيام المعتقل، كل شيء حدث، هذا وهذا - وأشار إلى عقله وقلبه - تغيّرا، خرجا وكل ما فيهما قد تزحزح ليحل مكانه المعرفة والرغبة الجامحة في التغيير، أبحرت في المادية التجريبية، تأملت في تطور اللحى، ثوار القرن التاسع عشر لحية فوضوية منطلقة ينبت شعرها كيفما شاء، ثم رأيتها مهذبة عند لينين، ممسوحة عند ماو· وسمعت همهمات حلقات المؤمنين بهم· جالست كل الفرق المعتقلة، كلهم يريد أن يكسب أنصارا جددا، في المعتقلات ترسم خرائط النفوس التي تسعى إلى التغيير فتصنع الثورات، خرجت وفي رأسي مجموعة من الأنظمة، أطرافها متماسكة ولكن في هيئة تشابك· وبقي إيماني بالقومية العربية· أحببت كتب الحصري وحفظت شعر سليمان العيسى··عرفت أيضا الأعداء المحتملين لنا· في السجون يجتمع الرافضون، بمن فيهم المجرمون الذين دفعهم الظلم إلى التحدي·· كان يتكلم عن المعتقل برومنسية غريبة·
ضرب بقدميه علبة صغيرة مطروحة على الأرض ونظر إلى البحر الذي كان يأخذ لوني الأزرق والأخضر، تذكرت الماء الطيني الذي كنت أحدق فيه أيام النفي إلى السكن الداخلي في ثانوية الشويخ·· ماذا تصنع الأيام هل تستطيع أن تدرك معنى الأيام، العرب سموا الحروب أياما· مثل هذا اليوم من السنة الماضية كنت أخرج من المعتقل إلى الحرب، واليوم···هل كتب علينا أن نبدأ من جديد دائما، لماذا نحن عند نقطة البداية، دائما نقطة بداية، متى نصل منتصف الطريق تمهيدا لخط النهاية؟·· صالح·· أقولك شيء؟·· إحنا أصدقاء؟· بادرت بحماسة: أصدقاء من القلب أتمنى لصداقتنا أن تبقى دائما لا تتغير···
- كل شيء قابل للتغيير· التغيير يفرض علينا وجوده·· أتمنى أن تبقى صداقتنا· حلم محتمل التصديق··
نظر إلى البعيد، كان حزنا موروثا يطل، كآبة راسخة·· لا أدري·· أرجو أن نجتـاز محن الاختبارات··
أمضيت تلك الليلة مفتوح العين··
في صباح يوم، وقف يحيى في منتصف الصالة، عيونه تكشف عن غضب حزين:
- سمعت الأخبار··
كان صوت عبد الناصر يتحدث عن حركة الانفصال، كلماته تؤكد أنه لن يُرفع سلاح عربي ضد سلاح عربي، وأنه أمر القوات التي أرسلت لمقاومة الحركة الانفصالية بالعودة·· في المظاهرة حضر يحيى ثم اختفى· وسط حشد المتظاهرين التقيت بدلال فنما لدي إحساس، ثمة إشراقة لهدف جديد·
كنت أستمع إلى يحيى ونحن نسير في جولتنا المعتادة، أستمع وأعلق قليلا، في صدري كلمات كثيرة تزدحم، أردت أن أشرك يحيى معي· كانت دلال تبعث من جديد، عواطفي نشطة، يزدحم داخلي، لساني يريد أن يفيض· أوشكت أن أفتح حوارا فترددت، أجمع بين مشاركة يحيى فيما يقول وفي الوقت نفسه تتوالى خواطري في ساحتها الخاصة· احتفظت بما يخصني لنفسي ؛ فقد وجدت يحيى مهموما بالحوادث التي كانت تتوالى، لمست تحفظا غير اعتيادي، التزامه الحزبي يقيده، رأيته مشغولا بشيء يتجنب الاقتراب منه معي في أحاديثه، لم تعد الكلمات تخرج منه كما كانت قبل أيام· إذن لديه أشياء جديدة كما أن لدي أشيائي الخاصة، كل واحد منا طرأ عليه طارىء يشغله عن الآخر···
قال يحيى دون مقدمات:
- صعب عليك أن تكون بعيدا··
وجدتني أسأل نفسي كيف أكون قريبا
- بعيد عن ماذا ؟
- عن المكان المناسب·· عن كل شيء تتمناه·· إنني الآن أحس أن دوران الكلمات دون معنى أخذ يغزوني، تعودت على أن تكون الكلمات فاصلا بين عملين··
أحسست أن ما يخطط له يحيى وجماعته أصبح قريبا· هل من حقي أن أسأل، كان أجمل ما في علاقتنا أن كل واحد منا يقبل من صاحبه ما يريد صاحبه أن ينقله إليه· ليس من حق أي واحد، أنا ويحيى، أن يطلب المزيد إذا لم يكن الطرف الثاني مستعدا للبوح· تكفي من أي واحد منا كلمات الهمهمة والدوران من بعيد حول المعاني·
صرح لي يحيى بأن ما يعجبه مني أنني لا أحاول أن آخذ ما ليس لي وأكتفي بما يقال لي لا أطلب المزيد· وهذا ما يعجبني من يحيى أنه أيضا يحكم لسانه· خُلِق حذرا دون أن يشعرني بحذره، اكتسبت هذه الخصلة طبعا أو تعوّدا· ليس عندي شيء ولا أطلب شيئا· هل كان اختيار سالم لي لأكون رفيقا ليحيى هو لهذا السبب؟· كنت أخشى الكلمات منذ أن سمعت كلمات عيسى· أحسست أنني أخرج عن اختياري وأسأله:
- أرى أنك تفكر بعمل··
لم يتأخر رده ليقول لي: أنت تعلم أنني منذ أن جئت إلى هنا وأنا أفكر كيف أعمل··
لمحته ينظر بعيدا وهو يقول: العمل السياسي ضد التثاؤب، إذا لم تبادر سبقك الآخرون·· نحن في سباق محموم··
فكرت بدلال: كيف أسبق الآخرين، هل آن أوان التحرك··لا تزال هناك مسافة لابد من أن أقطعها كي أصل إليها الوصول الأخير حيث الغاية التي أبحث عنها وأحلم بها· لا أدري ما هي المسافة المتبقية ليحيى كي يصل إلى هدفـه، ولكنه يتقدم رغم ما ألمسه من حزن وألم يبدوان على وجهه· تأتيه الأخبار فيزداد كآبة· ينهض معها بريق غريب في عينيه، لعلها رغبة الوصول· الانتقام محتمل فقد شرح لي طبيعة الصراع عندما توالت أخبار الاعتقالات والتصفيات· رأيته يستمع إلى الأخبار يستغرب، يذهل، ثم يردد حديث الموت· كان القتل عندي حالة تثير تقلب الأحشاء حين أفكر فتأتي صورة الأجساد المسجاة حيث سلبت منها الحياة واستلت منها الحركة··
مال إلي في حركة تمثيلية وكأنه يسر بشيء
- آخر الليل مفتاح النهار·· ظلامه إشارة مبهمة ليوم قادم لا صورة له··
قلت له وأنا أنظر إلى ظلام بين شجرتين:
- الليل صديق المعربدين واللصوص··
- الليل صديق الثوار··
وقف والتفت إلي:
- ولكن ابن الكلب هناك صديق لليل لا ينام إلا فجرا··
أشار إلى عربة في آخر الشارع
- أصحاب عربات السندويتشات والخبازون هم طلائع ثورة الفجر··
ردها عليّ بسرعة وبضحكة أخرجته من عالمه المكتئب:
- أنا الثائر وأنت أين تقف؟·· مع المعربدين أو اللصوص·
- مع العاشقين··
لم يعلق على ما ند مني عفو الخاطر·
كانت تلك السهرة هي سهرة يحيى الأخيرة معي فقد كان يغيب شهورا وأحيانا سنوات ليأتي صوته مرة أخرى ليقول مبادرا بضحكته العالية:
- نحن نبعث دائما·· شمسنا لا تغيب··
التقينا مرة أخرى بعد خمس سنوات، بدا يحيى لي أقل طولا من صورته التي كانت ذاكرتي تحتفظ بها· استدار جسمه، حافظ على شعر رأسه الكثيف، ظاهر عباراته تبدو أكثر انفتاحا ولكن فيها تحفظًا مدروسًا، منسجمًا مع زمن الانقلابات التي كان من صناعها· نوعية جديدة من القادة، لسان خشن غير الذين عرفتهم من قبل، هؤلاء كلما صعدوا إلى الأعلى تتضاءل فيهم الكلمات الناعمة التي عهدتها الدبلوماسية، تغيرت طبيعة ولغة الحوار· كانت الشراسة هي الأبرز في سلوك يحيى الجديد وكلامه·· ولكنه ظل شعلة تنقل نارها معها إلى كل مكان، تدفعه في كل اتجاه، أضاءت ما حولي من جديد ووهجتني بعد سنوات من الخمول·
دعاني إلى حفلة غير رسمية فأدركت منذ اللحظة الأولى أنه شخص مهم في سفارته، موقع غير مصنف في القسم الدبلوماسي، مهمته تائهة بين الأقسام الملحقة بالسفارة، لقاءات متكررة بيننا، حطمت معرفتنا السابقة حواجز الرسميات ؛ فعندما نلتقي، يعود إلى طبيعته التي أعرفها· دعابته الجادة والحادة لا تغيظني، يلمس تجمد الأهداف المحدودة عندي فيكشف نفسي المعتقة، يذكرني باختياري فيشير إلى ما حولي من مسافة واضحة الفراغ· أشعر بها ولا أراها ؛ فأنا لا أنقب كثيرا· أحيانا يبدي إعجابا يتراجع عنه·
قال لـي منبها: هذا عالم غريب، أنت لا تنتمي إليه ما الذي أدخلك فيه؟·
لم أقل له أنا هارب إليه··
لم يكن ينتظر إجابة فقد واصل كلامه: جِلد الدبلوماسيين تشكل من طبقات هي نموذج للتنافر المنسجم· لا ندري ما هي اللحظة التي تتبدل فيها الجلود ويحل مظهر محل غيره، ومع ذلك فسرعان ما تتوافق الموجتان المتعاكستان· أما الكلمات فهي بوابة لا تفضي إلى شيء، لا تساعدك على النفاذ إلى الشخص الذي أمامك·· مساكين عليهم أن يحسنوا لبس الأقنعة، أن يتحدثوا ولا يقولوا شيئا، غابة من التفسيرات يصطدم بعضها بالبعض الآخر· إن وراءهم دائما حسابا عسيـرا· اسألني؟
استجابتي له هز الرأس· يتحكم بي حذر اعتدته فعشش، التردد في داخلي يحاول إبقائي نائيا· رغبة عندي في أن أنتزع هذا التحفظ ؛ مع يحيى يجب أن تتبدل المواقف· انفتاح اللحظات التي يخلو الفرد فيها لذاته، لقد شهد كل واحد منا قاع بحر الآخر في لحظات الانكشاف، فوقفنا على أرض بحر موسى التي انفلقت للمؤمنين ثم عادت المياه لتطمرها مرة أخرى·
لمست عند يحيى مللا يحركه شعور خفي يميل إلى تمزيق تلك الأقنعة التي تحرث الوجه، تنمذجه، تحول إلى عادة، يعرض كل هاجس عنده بثورية لا يمكنه التخلص منها· خاصة في آخر الليل· قال: لابد أن نفعل شيئا، نتخلص من هذه البلادة··
لم أحس يوما بما حوله من بلادة، فقد كانت حركاته ونشاطه يشيران إلى أنه مركز لحركات دائبة··
- مثل ماذا؟
وتظاهر بالتفصح في مفرداته
- الفسق مفيد في بعض من الأحيان·
وتوقف وكأنه يفكر في جملته
- بل في كل الأحيان·
حينما انفردنا ظهر منه انفتاح منفلت· يجلس هاربا من يومه، يضع الكأس أمامه· ينظر إلى صديقته حين تغادر راضية مبتسمة· تتجول نظراته في الغرفة كأنه يفحصها، يلتفت إليّ، حالة تعتريه تتردد بين خطاب للنفس وبث الشكوى لي:
- من يحكم من؟·· تقاطعت الطرق الدائرية، ونقطة البدء والمنتهى واحدة، تجاذبت المستويات فإذا الفارق بينها صفر، عالم التوازن والتوازي هو الذي أتاح لهما تناوب السيطرة، يتغير السلام الوطني ويرفع الآخرون الجدد أيديهم للتحية· وهكذا مرت السنوات الثمينة ومعها سيرك الشعارت، سكون الحركة عكس الحركة الساكنة التي هي ضد الجدل· هكذا كنا نتحدث· تفلسف في غير محله ولا وقته· عندنا رؤوس ومجار بأيهما نبدأ؟· هل سمعتني يا صلوحي: عندنا رؤوس عفنة كالمجاري ومجار منهارة فبأيهما نبدأ·· البداية تكون من البنية التحتية ونحن نبدأ وننتهي بما تحت السرة·· تفوه من اللاشيء على كل شيء··
أفرغ ما لديه، اعتاد على استجاباتي المتحفظة، أشار إلى الكأس ساخرا:
- في··· تك··
بدأت لعبة سخيفة· كنا نسير بعد حفلـة سقيمة على الشاطئ المتدرجة أضواؤه مـن العتمة والسطوع والانعكاس· غالبني قيء مفاجئ، وضعت يدي على فمي، تقيأت خلف شجرة، يحيى واقف ينظر إلي بتحفز مَن لمعت في ذهنه فكرة جديدة، أعود وأنا أمسح بقايا القيء من طرف فمي· استقبلتني ضحكة عالية، يسحب بعنف غصنا صغيرا من شجرة معترضة طريقنا، يتربع جالسا على الأرض:
- وجدتها أخيرا !· أنت تلهمني حتى في تقيؤك· أنت صديقي الوحيد الذي فشلت في تجنيده·· سأختار لك نضالا مناسبا·· ما رأيك لو تقيأت الكلمات؟· نغسل ألسنتنا وننشط آذاننا في تقيؤ شتائم أولاد الكلب الذين يخرون على أكتاف الأمة من الزعماء الورق·· ننظِم جلسة نشتم فيها هؤلاء وتابعيهم الملحقين بهم··حفلة أنتيم من الشتائم المعتبرة· يا أخي إذا لم تستطع أن تفعل شيئا فساهم في هذا المجهود··
تذكرت تعليق مدرسنا الثائر الذي كان يُدخل السياسة في شرح درس العلوم، فأوصله هذا إلى أن رأيته مقيد اليدين يطبع توكيلا لصديقه كي يتولى التصرف في متعلقاته حين تم الحكم عليه بالإبعاد حالا·· تذكرت قوله المتهكم: إن فرس النهر يفتح فمه فتأتي الطيور لتنظف أسنانه· هكذا نحن بالنسبة لهؤلاء الحكام ننظف حكمهم المطلق من أفواههم الكريهة···
أجهل دائما أسباب يحيى ودوافعه، لم أكن مهتما كثيرا بكشفها، ولكن الفكرة استهوتني·
- في داخلي بركان من مفردات الشتم آن لها أن تطفح على السطح· اقترح عليّ أن يكون لقاء السبت الأسبوعي هو يوم التنظيف العالمي··
- شوف يا صلوحي، أقترح استخدام الرموز، كل مشتوم له رقم، تدري ليش· آني عندي هدف، أحتفظ للزعماء الكبار بالرقم سبعة، أليس هو يوم الراحة بعد خلق العالم الذي يدمرونه ويجلسون على تلته في اليوم السابع المقدس، عندنا مجموعة من هؤلاء الزعماء س7، ح7، ع7 حتى نغطي العدد الكبير من هؤلاء السفلة· الرقم 6 لرؤساء الوزارات الذين يديرون مملكة الخراب وهكذا ننزل إلى كل المشتومين الأقزام· حتى يأتي اليوم الذي ننفخ عليهم ليطيروا··
- أنت تبحث عن عزم ينفخها لتطير، أما أنا فأحلامي تقف عند حد فلست معنيا بأن أغير شيئا·
- ولكن من المفيد أن نرى القبح، نتحدث عنه، نخرجه ليلتهمه الفراغ··
خَلت أولى جلساتنا من جفاف الحديث المباشر، اللغة الخاصة تدور حول المواقف والأسرار ولا تدخل إليها· حََكَم الجلسة طقس وشرط واحد ألا يدور فيها إلا لغة الشتم وأن لا نذكر أحدا بخير· جلسنا متقابلين نشتم الآخرين· كان سعيدا باللعبة التي اقترحها، أحسست أنه من خلالها ينزع نفسه ويضعها في الجانب الآخر ويتأملها·
لعبة كان ثمنها غاليا بالنسبة له، تم سحبه من السفارة بطريقة فجة، كلماته وصورته الأخيرة حاضرة، قال بحسرة ونظرة حزن:
- لن أرى غيداء بعد الآن··
علمت أنه اعتقل، اختفت أخباره· ولكن سرعان ما انقلبت الكراسي، وأصبح الخارج داخلا، والعالي سافلا· لمع مرة أخرى على السطح··
2
ذهبت إليه، كان يحيى واقفا عند باب الفندق· لفت نظري عدد الحراس المرافقين له·· جاء على رأس وفد كبير، تحيط به هالة السلطة، ليست المرة الأولى التي أرى ضجيجها من حوله· استيقظ إعجابي القديم به· أشار لرئيس حراسه بالابتعاد· صفق باب السيارة· علق حراس·· جواسيس· لهجة جديدة تكشف أمرا·
في الشقة يدير يحيى نظره فيها· خمنت أنه يبحث عن شيء أجهله· يلمح ابتسامتي المعتادة فينفجر ضاحكا:
- العادات القبيحة للسلطة كثيرة··
رفع سماعة التليفون وقال لي شبه معتذر شوق لا قبل لي برده أعرف أن رغداء ستكون على الطرف الآخر من الخط، كان قد قدمها لي لأول مرة، بعد ثلاث سنوات من تعرفه عليها· كتمانه كان مفاجئا لي، قلت له سر من أسرار الإعداد للثورة؟ يقهقه واحدة بواحدة، يا بدوي الأسرار لم أتبين حينئذ إلى أيهما يشير؛ إلى سميرة أم دلال؟· يحيى يتغير كثيرا ولكنه ظل معي طليق اللسان لا يتحفظ·
تتلامس كتفانا كلما تحركنا ونحن منحنيان على حاجز الشرفة، ننظر إلى المدينة العتيقة، يشدني تباطؤ الحركة وتخافت الأصوات التي أستيقظ عليها كل صباح· سألني: كيف رأيتها· الآن لا أرى شيئا، في أول يوم لي، قبل شهور، مساء يوم أحد، رحت أحصي الحمام، ثم انشغلت بعدد انحناءاته وهو يلتقط حباته، أحسست بالتعب، تابعت العابرين المتقطعين، بعضهم يشيرون بأيديهم، يحدثون أنفسهم، أحصيت كل اثنين متخاصرين، يقفان، يتلاصقان، ينفصلان، يواصلان السير· اعتدت كل شيء· أنا أرى المدن·· أتمنى أن أحس بها· من يسألني عن هذه المدينة أرد عليه بالكلمة غير المحددة: جميلة·· أتابع محاولا أن أقول له شيئا:
- رأيت متاحفها··
أرغب برؤية الكثير، ولكن التأجيل انتصر ؛ فلم أشاهد إلا القليل، وهذا القليل جعلني أحس بالأسى عندما أرى المتاحف، وينتابني عجز في المعارض الكثيرة· فتقوم بيني وبينها مسافة فاصلة·· ولكن العجيب إحساسي بالراحة وأنا أشاهد معرض الفن الحديث· أشعر أنني لست في حاجة للتأمل فقط أتلقى صدمة الشكل··
- يا بختك··
أتأمل معه غموض جمال استيقظ مع قدوم المساء، تحرك في يحيى حس المؤرخ والشاعر، يستمر متحدثا:
- لقد ترك فيها الرومان العمارة فامتدت الأعمدة الشامخة وتوزعت التماثيل، تناثرت أبنية تشير إلى مدينة الآثار القديمة··· غرسنا نحن في هذه المدينة أيضا أنياب العتق، يشدها نسيجان مفتولان يتجسدان في طريقين، طريق يتجه إلى الشمال أو قادم منه، تجف الضوضاء فيه، وطريق آخر يجذبها إلى الجنوب الذي يحد من تطلعها··· كلما ازداد لهيب الشمس الآتية من الشرق·· لكن تعرف يا صلوحي أن هذه المدينة حطمت قلب كليوبترا، قتلها القلب الرقيق· يشير إلى بقايا سور قديم: هذا السور بناه روماني اسمه أوريا·· أورياه·· أو ما شابه هذا، أسماؤهم لا تحفظ، كرهت التاريخ الروماني بسبب الأسماء··· في هذا المكان قاد الزباء، عرضها في موكب انتصاره، سارت منكسة الرأس لأنها قالت لا·· ومع ذلك أتاح لها بعد ذلك حياة كريمة· أما الآن فمن يستطيع أن يقولها ويدفع ثمنها؟··
لا جواب عندي· قلت لنفسي مرارا ليت أني واجهت أخي عيسى بلا لتغيرت حياتي·· ولما كنت الآن هنا··
الصمت الحيادي من جانبي يشجع يحيى على الاستمرار· يسرد ما آلت إليه خبرته بعد سنوات طويلة وهو في الواجهة السياسية التي لا أعرفها ولا أحبها· في القمم تخفى الآثام، تنار المحاسن· سنوات السلطة تشكل الصلصال البشري، تجمد العروق، تنسي إيقاع النبض الرقيق· ولكن هناك لحظات تتطاير فيها الملابس الأنيقة فتنكشف العورات··· كلنا يخاف هذه اللحظة· ألا ترى أنه لا أحد يريد أن يغادر القمة؟
يقلب يحيى كأسه وينظر كأنه يبحث عن شيء في قاعه:
- أريد أن أتحرر، مجرد أن نخرج من حدودنا نصبح جد متحضرين، وسهلين لينين، لماذا نحن عصيون على التعلم؟· نقفل كل الأبواب ثم نشكو؟· الأمر يحتاج إلى حنكة· إن العيون المريضة عندنا حادة تنفذ من كل الخروم الضيقة، والشك المريض أصل ثابت، والوشاية داء مرغوب فيه، واليد المصافحة هي أخف يد تحفر تحت قدميك ببطء وإصرار لتصلك إلى وهج سقر، فنحن مقيدون طلقاء، لذا لابد لنا من حلقات أخرى تصل بنا إلى···
وجهه يتشكل خطوطا خاصة لم أعرفها فيه سابقا، عيونه سكنت كأنها تنظر إلى شيء تحاول أن تعثر على بداية له، خرج صوت:
- الكرسي صعب وناعم··
نقل اهتمامه إلي فاستدار بكامل وجهه، لا تزال تعليقاته وأسئلته تباغتني:
- أتمنى لو أكون معك هنا·· لقد تعبنا·· الشمس في بلادنا كل يوم· تعرف··
رن الجرس، اندفع قبلي، سرت وراءه، أتوقف في منتصف الشقة· استقبلا بعضهما برقة، احتضان غير عنيف، ارتخاء· يبدوان متسقين في وضعهما· يده تنزلق من كتفها إلى يدها، يقودها إلى وسط الصالة، تلتفت نحوي بعيون غير مستقرة، كأنها تنبش الذاكرة أهلا·· صالح··
الناس يتغيرون، كلاهما ليس الذي أعرفه، الجروح تنفتح وتتكاثر مع الأيام، تذكرت لحظة اشتاق فيها يحيى إلى عرق خاص، كس أخت كل خمور الدينا، هذه الطاسة لا يخترق مخزونها إلا هذا الأبيض الساحر، يريك خيالات لاحصر لها· وهذا البياض وربت على فخذ البنت التي بجانبه هذا البياض خريطة اخرى
في هذه المره كان يحيى مختلفا في ابتهاجه· وضعتُ كأسا أمامها· هل سينهضان إلى الغرفة التي أعددتها له· كيف سيبدوان عندما يتعريان، كيف سيرى كل واحد منهما الآخر، رغداء لم تعد كما رأيتها في المرة الأولى، كتل لحم غير متناسقة، ترهل· بدت دلال في اللقاء الأخير أقصر، شحم قليل· سميرة لم تتغير، هل لأنني أرها دائما، لم أفكر من قبل··
استأذنت بالخروج، اعترض يحيى وصممت· فضول النظرة الأخيرة، من الشارع، شبح أحدهما يتحرك، رأيت نور الغرفة يتضاءل وراء الشتر وهو يهبط··
في المقهى زخات المطر من وراء الزجاج·· زبد الكبتشينو يتشكل، يطفو ولا يترسب، لا يقول شيئا، لغته مختلفة، هل يمكن أن تقرأ الحظوظ في البقايا· لماذا لم نكتشف الكبتشينو، نحن أول من عرف القهوة، ونرضع الأثداء فيتقاطر الحليب من الأشداق· لا يزعجني الجلوس دون نظر· ولكن إلى متى؟· إلى أين وصل يحيى؟·
خاطرة مرت فأوقفتها وتفكرت فيها، الفندق الصغير بلافتته الصفراء لماذا لا أقضي فيه هذه الليلة· قريب من الشقة وأترك الليلة لهما·
احتج يحيى على اقتراحي ثم رضخ، ختمت المكالمة، وصل إليّ تلعثمه وهو يقول ممنون لك، إحنا كلفنا عليك
زخات المطر مستمرة، بقايا الكبتشينو·· العاشرة والنصف· قبل أن أدخل الفندق رفعت رأسي ملتفتا، أنوار الشقة مطفأة·
الحاجز الخشبي بيننا، ابتسم الشاب اللبناني نعيم موظف الاستقبال، يعرفني، ينظر إلى الباب، اعتاد على اصطحابي لبعض الوافدين الذين أقوم بالحجز لهم· قال: ليلة واحدة، باسم من؟· أخرجت بطاقتي: لي؟· ينظر إلي مبتسما، يقلب السجل أهلا·· مع الأسف ليس عندي الآن غرف تطل على الشارع·
- ليس مهما·· تعرف· أنا حافظ صم منظر الشارع··
- ليس معك حقيبة··
- ليلة واحدة·
- الغرفة 17
يدفع إليّ باستمارة التسجيل لأوقعها· أحس بحرجه وهو يقول: التعليمات··· الذين يعملون في الفنادق يتجمد عندهم الفضول أم يتمدد، اعتاد على تقدمي للحجز للآخرين· أما هذه المرة فأنا الساكن فماذا يخمن؟
ممرات الفندق المتقاطعة، المنظفات والمعطرات لا تخفي الروائح، الأماكن العتيقة عفنة، أنفاس الناس تتراكم فيها، تطمس براءتها، تفقدني القدرة على الاحتفاظ بالتناسي، عندما دخلت، بيتنا الذي هجرته أمي، بعد الحادثة بسنتين، كانت الروائح باقية لتهيج الذكرى، ذكرتني بحضن مريم· ولكن في هذه المرة هذه روائح مطهرة، تطرد روائح الآثام الكثيرة التي تشهدها أماكن اللحظات العابرة· الشوراع الخلفية تضيق، تتقارب جدرانها، يتلامس الناس مرغمين·
بعض الخواطر تجلب المسرة، في الدرب الموصل إلى بيتنا كانت السكة تضيق فتصل في أحد انحناءاتها إلى أنها لا تسمح بمرور شخصين، يقف أحدهما ليعبر الآخر، وفي كل مرة يبتسم المتقابلان· كان مشهد ذلك الجمل الذي وقف محشورا بين بروزي الحائطين مثيرا· تعطل المرور نصف نهار، وكان الخلاف في الرأي هل يُدفع إلى الأمام أم إلى الخلف· طبيعي أن تنحاز كل طائفة لجهة· انتصرت حجة أصحاب الدفع إلى الأمام، فانحشر أكثر· حاولوا أن يعود للخيار الثاني فكان الوضع أصعب· لمح صاحب الرأي الثالث تباعد الحائطين في الأسفل وفي الأعلى فجاء رأيه: لماذا لا نضع حبلين تحته ثم نرفعه إلى الأعلى، رأى آخر أن العكس أسهل نحاول أن نضغط عليه حتى يطامن ظهره فيتحرر كرشه· كان الجمل وقتها يقلب رأسه وكأن الأمر لا يعنيه· الفعل الوحيد أنه بال مرتين· فاقترح أحد الساخرين أن يوضع له مسهل فيخف كرشه· تطايرت مقترحات جنسية تعذر التقاطها· وعند مشارف اليأس، وقد دخلت مقدمات المساء، انسل الجمل ببساطة، أحنى جزءه الأمامي ثم انفلت إلى الأمام وسار، دون أن يلتفت، يحاذيه ظل ممتد على الأرض·
الأنوار القليلة في الشارع الضيق يحاصرها الظلام، يغلب عليها اللون الأحمر، رجل في منتصف الشارع يسير ببطء شديد، يتلفت، لعله يريد أن يفعل شيئا، امرأة منتصبة القامة، يتدلى منهـا كيس، تسبق الرجل، لا أحد يلتفت إلى الآخر· وحدي أجمعهما في نظرة واحدة تحاول أن تخترق الظلام، انعطفت هي يمينا واستمر الرجل يتنقل بين الجانبين، ينحني على برميل الزبالة، يرمي شيئا أم يبحث عن شيء؟·· أصبح الشارع خاليا·
أنا الآن منفرد، هل أضع لوحة عدم الإزعاج ؟· أريد أن أدخل الحمام· ها·· لم أحضر عدة الفنادق، نعال للحمام، بيجامة، معجون وفرشة أسنان·· شقتي قريبة لكن الوقت متأخر· سأدخل الحمام بالحذاء، أتصل بنعيم يرد علي، أقول طلباتي: تكرم· يضيف: سيد صالح بدك أصحيك في وقت شي· أنا لا أدري بالضبط متى سيكونان مستعدين لاستقبالي، بدك شي مخصوص على الفطار· تركت الأمر لما بعد· أتأمل السرير، يفيض عن حاجة الشخص الواحد، معد ليغطي حاجة رواد هذا الفندق العابرين· كم رجل وامرأة تعريا هنا؟· لحظة الصدق الوحيد في حياة البشر·· واستغرقت في نوم عميق··
ألهث جريا وراءها···
النائم لا يلتفت، واللاهث جريا تتخشب عيناه عند مسقط رؤيته، تتصلب الرقبة، حالة الجذب في ذلك الهبوط ثم عودة أخرى إلى صعود سلم استدار واستدار فتعددت دوائره،كنت متمركزا عند نقطة واحدة، تشدني إليها ؛ تلك العجيزة الملمومة المندفعة إلى الخلف تتحرك أمامي بقوة صعودا وأنا أتبعها مجذوبا بالفتنة·· أحسست بتحرك الثوب على الجسد· ثمة أصابع تومئ إليّ مشجعة·· لم يكن في تلك اللحظة شيء آخر حاضر·· لا مشاعر لدي ولا رغبة ولكن أمرا يسكن بين الرعب ونسيان اللحظة·· ظل الجسد الأنثوي الذي أمامي يصعد سلما يصله بآخر وأنا وراءه·· يغيب في ظلام ثم تسقط عليه بقعة ضوء، لا يمنعني الظلام ولا يشجعني الضوء، ولكن لهفة المتابعة ولهاثها هما وحدهما اللذان يحكمان الحالة التي أنا فيها، سباق لا نهاية له، لحظات الزمن سير مربوط، شريط أسود يجول في دائرة ممتدة، مسافة الأمتار الثلاثة ثابتة لا تقصر، لا تطول· لا أتقدم ولا أتأخر·
فجأة توقف الجسد فتجمدتُ في موقعي، فالمطاردة وصلت مرحلتها الأخيرة، أقتربُ من الجسد الجميل الممشوق والأجزاء الجاذبة الململمة المكورة أكاد ألمسها، عند امتداد يدي اللتين تركتا حاجز السلم وامتدتا إلى الأمام استعدادا للاحتضان، كانت عيناي تحتويان هذا الجسد، ترى لمعان الرقبة من تحت شعر تفرقت خصلاته، ويأتي انحدار الساعدين بارقا··· وتركز الضوء في النصف العلوي من الجسد· وفي لفتة متأنية استدارت الرقبة خلفا فانتظرت، ملهوفا، وجه التوقعات· وانحدرت صاعقة·· الوجه طبقات من جلد منكمش متقيح بعضه فوق بعض تطل عيون وسط خطوط خد متعرجة سالت فيها، وعلى أطراف أخاديد هذا الوجه سوائل لامعة تكاد تشتعل من فوران الجلد تحتها· تحول المنظر إلى منظر كهف معتم، مرعب، تدلت في أسقفه وتعلقت في حيطانه أجساد وحوش لا تنتمي لأشكال معهودة، كريهة المنظر تلتهب فظاعة· تفجر خوف انفتحت فيه أعصاب مهترئة· أرادت الحنجرة أن تصرخ ولكن الصوت انكفأ إلى الداخل يضرب في الجنبين، صفيرا لا يقوى على الانطلاق، وكان القيح الماثل يميل إلي ّمقتربا، أبحث عن صرخة فلم أجدها· الوجه يقترب مني ليلامسني· اندفع طعم القيح إلى الفم· أميل إلى الخلف أوشك على التهاوي خلفا· مال الجسد، تأرجحت· هويت···
صرخ فاستيقظ··· يمسح عرقه· تمالك بقايا نفسه· أول فعل إشعال سيجارة· رأى فراشه وقد تكرمش· ماذا تعني عودة هذا الحلم مرة أخرى؟· مضت سنوات طويلة على اختفائه بعد أن كان يطرقه بين حين وآخر، غاب في زاوية من حياته يحاول جاهدا الابتعاد عنها، استطاع أن يخفي هذا الجانب في باطن طبقات خفية من نفسه، لجأ إلى الأماكن النائية لكي يضاعف حالة الهروب من ذلك الماضي البغيض، فهل بقي شيء له في هذه الدنيا حتى يعود من جديد، لم يبق شيء ينظر إليه· لا يمكن الهرب مما هو ساكن عند كل ناصية داخلية يصل إليها، مثل كل ما لا نتوقعه ولكننا لا نفاجأ به حينما يأتي وكأننا ننتظره·
تنفس بعمق·· ينظر حوله، الجو مختلف، نكهة خاصة يعرفها، تعود مرة أخرى، تشير إلى مصدرها·
طرق على باب الغرفة· يأتيه صوت:
- أستاذ صالح·· في شي غريب عم يحدث في عمارتكن· في جنبها درك واسعاف وعجئة··
عند باب الفندق لمحت التجمع غير العادي، ثلاثة رجال في شرفة الشقة أحدهما يعطي ظهره للشارع· أفكاري تتصاعد مع حركة قدمي المسرعتين، أتجنب المشاكل فأقع فيها· يحيى·· هل تمكنوا منه أخيرا· التصفيات حل وحيد للخلافات· لا أستبعد أن يكون على القائمة· كلما أصبح السياسي أكثر تفكيرا زادت الخطورة من حوله فيصبح هدفا مختارا·
قال لي حارس الأمن وهو يسير أمامي يسوقني إلى شقتي:
- سألوا عنك مرتين··
باب الشقة المفتوح يكشف عمَن فيها· يلتفت حارس الأمن إليّ مشيرا فتقدم أحد الرجال الخمسة· يمد يده مصافحا، كلمات لبقة بنبرة محترمة، لمحت يحيى جالسا مطرقا·· لم يصب يحيى بأذى· ما الذي حدث إذن؟·
- رغداء·· يا صالح·· ماتت·
أندفع إليه، ألتصق به إلى حد الاحتضان، صوته الذي كان جهوريا وكلماته الواضحة اختفت فلم يعد لها أي حضور، ابتلع الانفعال كلماته، جعلها مجموعة من أصوات شكوى وأنين وحيرة الخوف، بخفاء تتسلل إلى صوته حالة خاصة فيتشكل نواح مخزون كنت أسمعه منه، فيحيى عندما يرق في سكره تنطلق منه ألحان شجية تتكئ على آه تمتد مثل فروع وأغصان شجرة تاريخية يمتد شبحها في الظلام· أريد أن أعرف، ولكن في لحظة الألم تغيب المعرفة التفصيلية· كان جهازه المنطقي قد تلاشى، وحلت محله كلمات الحسرة والألم والتوجع·