إهداء...
إلى الجنرال اليمين زروال..
لقد أنقذ الدولة الجزائرية من خطر التفكك والانهيار والتلاشي..
وتوارى عن المشهد بابتسام الأبطال وتواضعهم..
المفصل 1
".زوجونـــي!.. زوجوني!..".
ما برح صدى هذا النداء الطنان الملحّ، والمفجع في الوقت ذاته، يتردد في ذهني مثل طنين البعوض المزعج، وكما يتردد هذيان الكوابيس المبرحة تحت ضغط آلام الحمى الفظيعة، دون أن أعي مصدر هذا الهذيان، ولا ما كان مبعثه أو المقصود منه.. هل المسألة تتعلق بزوجتي الألمانية المخطوفة في الحاجز الأمني المزيف، أم بخيزران تلك السبية التي تحررت معي من مخالب الدمويين؟..
حصل ذلك، وأنا أضع قدمي على عتبة باب مقر التحريات ومكافحة التجسس على الساعة السادسة مساء، استجابة لاستدعاء غريب في تحديده لزمن المقابلة تحت جنح الظلام، وذلك ما لم نعهده من الإدارات في تعاملها اليومي مع المواطنين. لقد كنت في الموعد المضروب طبعا، بعد يوم من العمل المضني، إذ مَن منا نحن المواطنين العزل يملك أن يتجافى عن الانصياع لاستدعاء ورد إليه من مصالح الأمن ذات اللهجة الآمرة الملازمة لمعاني البطش والقهر؟..
أعرف أن من فنيات الاستجواب، أن يرهق المستجوب بالانتظار حتى ينضج للاعتراف وينهار، ويدلي بكل ما في تلافيف مخه من معطيات ومن طيات ضميره من معلومات ومواقف.. وإذا كان في الأورام ورم حميد وآخر خبيث، فكذلك المستجوَبون، وأنا في الواقع لست مستجوَبا خبيثا ولا عدوا مبينا، بل أنا مستجوَبٌ حميد ومتعاون.. لكن الاستجواب يظل دائما هو الاستجواب، إن كان مع العدو المشاكس، أو مع الصديق المتعاون المطواع؟..
تاريخ اليوم هو السبت 11 ديسمبر 1998
قد يكون هذا التاريخ مؤلما لبعض الناس، وقد يكون سارا لبعضهم الآخر، كما هو الحال جارٍ وفاقا للمثل القائل: مصائب قوم عند قوم فوائد.. أما أنا فإن هذا التاريخ سيظل محفورا في ذاكرتي لزمن طويل، إن كتبت لي حياة طويلة، دون أن أحكم في المدى القريب، إن كان يوم مسرة وبشرى، أم كان يوم بؤس وشؤم؟.. إنه بالنسبة لي على كل حال، هو اليوم الذي اكتشفت فيه أكبر بذاءة تلطخ سمعتي، وأشنع خيانة تحيق بي بصفتي زوجا.. وقد يكون بشرى لأني أطمع أن تعوضني الحياة خسارتي الفادحة بالزواج من امرأة اسمها عذب رنان؛ إنها خيزران.. فأنا تستهويني خيزران كما تستهوي بعضهم امتيازات الإمساك بالنواجذ على الصولجان..
لقد داهم منزلي قبل هذا التاريخ بأسبوع تام، فوج من فرق التحري والأبحاث الأمنية، الذي هو في الحقيقة منزل زوجتي الألمانية، تلك الزوجة التي يمكنني أن أنعتها الآن، وباطمئنان بالزوجة السابقة أو بالمرأة المخاتلة الصائدة الغادرة، والتي ـ ويا لسذاجتي وقلة حيلتي!..ـ ما عرفتها في حياتي الزوجية المشتركة معها طوال سنوات عشر إلا باسم ربيحة ولد الجمالة!..
في المداهمة الليلية تلك، فتش رجال فرقة البحث والتحري المتخصصة الذين كانوا في غاية اللباقة معي، وكانوا في لباس مدني، مكتبة البيت، من مغرب الشمس حتى الهزيع الأخير من الليل، مسحوا المكتبة برمتها، وكانوا مزودين بأجهزة الكشف عن الكتابة بالحبر السري، وبلوائح فك الشفرات الخاصة بمجموعة من هيئات المخابرات الأجنبية.. وكانت المفاجأة:كل الموجودات المكتوبة بالألمانية ملوثة بالحبر السري.. صادروا كل الكتب والوثائق التي كانت محررة باللغة الألمانية، والألمانية فقط، على الرغم من أن المكتبة كانت ثلاثية اللغة؛ فرنسية وعربية وألمانية، ولم تكن الكتب والوثائق المصادرة قليلة ولا هينة. كانت ركاما من المراسلات، ومن البطاقات، ومن اللوائح ودفاتر الملاحظات والأجندات، والمطويات السياحية، بل وهذا المدهش؛ من بعض الكتب الفكرية المشهورة مثل كتاب رأسمال لماركس، والعقل المجرد لعيمانويل كانط، وهكذا تكلم زرادشت لنيتشة، وآلام فيرتر لغوتة.. وبعض النشرات التي لا أعرف حتى عناوينها ولا تسميتها..
وهي وثائق على الرغم من أنها كانت على الدوام أمام عيني، وأنا أتصفح رفوف المكتبة وأدراجها، وكل ما كان بالعربية أو بالفرنسية، لكن لم يطرأ في خلدي أن تلك الوثائق المحررة بالألمانية بالذات، وهي لغة للأسف أجهلها جهلا مطبقا، وإن عرفت بعض مضامين بعض تلك الكتب، فمن صور مؤلفيها المشهورين التي تعلو أغلفتها الخارجية.. إنها وثائق خطيرة تترجم عالم النشاط السري لزوجتي العزيزة ربيحة في تراسلها مع أمها شتيفاني أولا، ثم في معاملاتها مع المخابرات الأجنبية من كل الجنسيات، كما سأعلم فيما بعد. لقد كانت الألمانية هي لغة التعامل السري وشفرة التمويه باعتبارها لغة شبه محايدة في الحرب الباردة، وشبه مجهولة في بلادنا، وحتى المحررات بالحبر السري، كانت تتخذ الألمانية وسيلة، فتشفر الرسائل الطويلة فوق بعض صفحات تلك المؤلفات الكلاسيكية المشهورة مثل رأسمال ماركس، والديوان الشرقي لغوتة!؟..
قال كبير فرقة البحث والتحري في تلك الليلة، وكأنه يخاطب نفسه، وقد تأهب الأعوان غير المتخصصين للخروج، يحملون على كواهلهم أو بين أيديهم علبا من الورق المقوى محشوة على غير ترتيب بتلك الوثائق المصادرة التي حددها أعوان قراءة الشفرة، فيما راح يلقي نظرة ازدراء على الكتب والوثائق المبعثرة المحايدة أو غير المعنية بأهداف المداهمة والتفتيش على كل أرجاء الغرفة في فوضى شاملة:
ـ أستاذ.. نعتذر لك على هذه الفوضى، إن عملنا يقتضي فحص كل محتويات المكتبة. لقد كنا نظن يا أستاذ قادري أن هذا البيت مجرد وكر صغير للشيوعيين البائسين الآخذين في الأفول مع أفول الاتحاد السوفياتي وانهياره، وخلية حمراء من خلاياهم التي تغط في نوم عميق.. إذ كانت زوجك مناضلة نشيطة في حزب الطليعة السري المشاكس، فإذا هو كما سمعت، وكر أشبه بمفرق مركزي، تتناطح فيه الجوسسة العالمية؛ من الـ:ك.ج.ب الروسية إلى الموساد الصهيونية إلى الأسكتلنديار المفرطحة إلى الـسي-آي-إي الأمريكية.. كانت زوجك تتعامل مع كل المخابرات في كل اتجاه، وتسدي المعلومات المحظورة لكل من يطلبها، وتعيد تدوير تلك المعلومات وضخها في قنوات أخرى لقاء عمولات محددة.. كانت زوجك يا أستاذ تتاجر بالمعلومات السرية التي تتلقاها من كل جهة!..
وإذ لم أكن أعي بالضبط عما كان يتحدث على الرغم من وضوح كلماته وضوح البلور، فقد كنت شبه غاف، وقلت في تفاخر:
ـ زوجتي كانت أستاذة بالجامعة، ومناضلة حقوق الإنسان!..
أضاف بلهجة ساخرة يوجه الحديث إليّ، ويمضي وراء الأعوان وهو يمدني بهذا الاستدعاء الغريب الذي يحدد الزمان والمكان الذي عليّ أن أمثل فيه أمامه، للاستجواب عن ظروف زواجي بهذه المرأة المدعوة الأستاذة ربيحة ولد الجمالة، وعن الظروف التي سبقت اختطاف ربيبتي ثريا إحسان مروة صفدي، مع أنها ظروف سبق أن شرحتها للشرطة بتفصيل ممل في وضح النهار بمقر المحافظة، بعد اختفاء البنت مباشرة:
ـ لاشك إذن أنك ذلك الزوج المخدوع الذي كان آخر من يعلم؟!..
الغريب، ولأني زوج مثل كل الأزواج، انبعثت الغيرة في بؤرة وعيي كالنار في الهشيم وانصب اهتمامي على الخيانة الزوجية المحتملة لربيحة.. لقد اختلط فكري وتشوشت الرؤى لديّ بسبب النعاس والإرهاق والصدمة من اختطاف ثريا، ولم أكن أعي ما كان يشير إليه في تلك اللحظة من حديث عن الجوسسة والاستخبارات مع أن الحديث واضح وضوح الشمس، وفسرت الأمر على نحو رمزي وساذج، وفهمت بأن ربيحة مثلا تكون قد خانتني كزوجة مع عدد كبير من الرجال ومن مختلف الجنسيات، وتداولوا عليها تداول العير على أتان!.. لأن العمل المخابراتي لم يكن واردا البتة في حياتي.. ويكون المتحرون السريون، قد وجدوا آثار تلك الخيانات الزوجية ضمن ما وجدوا في تلك الوثائق المصادرة، وهذا أمر وارد ومحتمل من امرأة ما تزوجتها إلا شيوعية ملحدة إباحية عاشت طفولة غير مستقرة، وارتكبت الموبقات السبع في شبابها، وناضلت!..
أجل ناضلت حتى بجسدها وهي الأنثى لكي تطيح بكل المحرمات والتابوهات، وهي تظن أنها تناضل في سبيل إقامة دولة الوفرة والشيوع في وسائل الإنتاج، وفي المال، وفي الجنس... إنها تناضل لتمنع أي فائض قيمة من أن يشكل رأسمالا استغلاليا في كل وجوه الحياة، وليس فقط في الكلإ والماء والحطب، كما يتنطع مفسرو القرآن ومكيّفو الإسلام لاهتمامات العصر الراهن، ومقولبوه لينسجم مع نظريات ومقاربات حديثة، زاعمين لجمهورهم الغافي أبد الدهر مثلما أنا غاف عن فعال زوجتي بأن الإسلام كان أول من دعا إلى الاشتراكية، كما كان أول من حرر المرأة، وكان أول من تحدث عن كروية الأرض، وكان أول من ألمح إلى الذرة، وكانَ وكان... إلى غير ذلك من الدعاوى العريضة التي لا يثبتها واقع التخلف المزري في حياة المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ، بما في ذلك فترات ازدهار الحضارة الإسلامية في دمشق ثم في بغداد وفي قرطبة والقيروان وفاس وبجاية بعد ذلك.
كان يمكن أن أقع بنفسي على مثل تلك الخيانات، لو طاوعتني نفسي وتصفحت أرشيفها!.. فلا جديد إذن في دعوى ضابط الأمن، وفي تعريضه.. وأنا بعد لم أتزوجها على كل حال، لا لعذريتها ولا لعفتها، ولا لتقواها وإخلاصها.. بل تزوجتها لأني كنت بطالا طالقا وفي وهدة سديمية فقدت فيها شرفي وبيتي وزوجتي نوارة ووظيفتي بسبب سجن السنوات السبع، فانتشلتني هي من تلك الوهدة.. والمدهش أنها رفضت أن تنجب مني البتة، بدعوى أنها أنجبت ثريا، وقد وضعت اللولب المعقم المبطل للحمل في أعقاب إنجاب ثريا مباشرة، فهي في غنى عن تناول حبوب منع الحمل كل يوم، وهي في منأى من مخاطرها الصحية ومن سهواتها، وهي بهذا الاحتياط الفعال في حل من حسابات الدورة الشهرية المضجرة..
أجل، لقد اقتحم البيت من قبل وفي وضح النهار، رجال الأمن السري، في المرة الأولى على خلفية تبليغي بما وصل إليه بحثهم عن اختفاء ثريا؛ ربيبتي التي هي الابنة غير الشرعية لأخي المرحوم عزوز من ربيحة، وقد لاقيت منهم تعاطفا كبيرا أثناء التبليغ، لأنهم كانوا على معرفة بنكبتي في زوجتي التي أخذها الدمويون سبية، دون أن يعثر لها أحد على أثر، فضلا عن كوني تعرضت للتسخير في معاقل الدمويين بكيفان الفجوج من جبال الزبربر مدة تزيد عن ثلاثة أشهر، وأعلمتهم أثناء ذلك التبليغ متملقا وفي شيء من الفخر، بأني كذلك والد لأحد شهداء واجب الخدمة الوطنية، في هذه المأساة الوطنية العامة التي لا تريد أن تضع أثقالها، أو لا يراد لها أن تحط أوزارها.. كما تملقت قبل ذلك الدمويين، وأوهمتهم بأني على استعداد للتعاون معهم!..
المفصل 2
في زيارتهم الأولية المفاجئة تلك، دونوا لديهم رقم هاتف الشقة، ومن خلال مراجعة المكالمات ومصادرها، لا بد أن يكونوا إذن قد عثروا على خيوط ما، ترتبط باختفاء ثريا أو بالاحتجاز الذي تعرضت له أمها ربيحة منذ أزيد من أربع سنوات خلت في ذلك الحاجز المزيف، الذي نصب ذات ليلة في أحد جسور الطريق الوطني رقم 05 بجبال البيبان، ونجوتُ أنا بعد ذلك من الموت، لا لشيء سوى لأن هادم اللذات كان رحيما بي، ولم يبرمجني ليأخذ أنفاسي، لا في تلك الليلة الرهيبة، ولا في الشهور الثلاثة التي قضيتها محتجزا بدوري في أوكار الدمويين مسخرا في أعمال دنيئة، مع ثلاثة معتوهين من سجناء ذلك التنظيم، أولئك السجناء الذين فروا بجلدتهم من وجه الهيئات الأمنية الرسمية، فوقعوا فيما هو أكثر شرا من أجهزة رجال الأمن؛ مخابرات وشرطة ودرك وتورطوا حين استجاروا بالدمويين..
لقد كنا نحفر لهم المخابئ ونشق الأنفاق ونلحد القبور ونجلب الماء، ونحتطب ونفلق الحطب كعجائز العصور البدائية، وننقل قارورات الغاز على كواهلنا، وننحر البقر المسروق والخنازير المقتنصة ونسلخ ونوضم... ثم نصلي ونصوم فرضا ونفلا، ونتضرع إلى الله أن يرحمنا فيما بقي لدينا من فضل وقت في الليل الطويل...
في ذلك الحاجز المشؤوم أخذ مني الدمويون امرأتي ربيحة سبية، وأخذوا عنوة سيارة البيجو 405 القوية التي كنا نقلّها، وأطلقوا سراحي مع الطلقاء، بعد أن سلبوني آخر سنتيم في جيبي، وصادروا أوراق التعريف ورخصة القيادة ووثائق العربة.. وما هالني ليس ذلك؛ إنهم لم يحتفظوا من النساء الموقوفات في ذلك الحاجز المشؤوم إلا بزوجتي ربيحة.. كان في الحاجز نساء أجمل منها وأصغر وأنضر، ومع ذلك أطلقوا سراحهن بعد أن أخذوا منهن حاجتهم، وهذا موضع الهول والذهول في صدري، وسبب الدوار في جمجمتي.. وفي الحق لقد كانت ربيحة بشكل ما مسؤولة عن احتجازها حين لم تخضع لنزوات الدمويين ولم تستسلم، وشرعت حين جاء دورها للاغتصاب تستغيث وتصخب وتشتم بتلك اللغة الألمانية الفظة، وكأنها تشي بهويتها وتعلن عن نفسها بأنها مختلفة عن سائر أولئك النساء المحتجزات وتقاوم الغاصبين الذين فتكوا بأولئك النسوة المحتجزات المسالمات فيما يشبه الصمت، إذ كن يتقين الفضيحة بحكمة الراهبات الوقورات، فانصعن لنزوات الدمويين واحدة تلو الأخرى دون ضجيج أو مقاومة، وسلِمن بنفوسهن الغالية، مضحيات بالشرف حين يكون ترفا وحلية اجتماعية، فالحياة أولى حين تداهم المرء ملمات عاتية، والتشبث بالوجود الفيزيائي سابق عن كل قيمة اجتماعية على كل حال، وانفردت ربيحة بالصراخ المتعنت مثل مومس شموس، وكأنها تطبق مقولة المتنبي مع أنها آخر من يتصرف وفق مفهوم الشرف الذي يعني عفة العرض:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
حتى يراق على جوانبه الدم
تشبثت ُ بمركبة الأمير المدعو أبي العنيقات التي زج في مقاعدها الخلفية بزوجتي المتمردة، وقد وُضع على فمها وعلى بصرها الشريط اللاصق، وتوسّلته حين همّ بالركوب، وأنا أركع مثل كلب ذليل بين زوجيْ حذائه الرياضي المستورد من بلاد النمور الآسيوية أو بلاد الواق واق، متضرعا أن يطلق لي زوجتي مثلما فعل مع غيرها من الطلقاء والطليقات، والدموع تملأ مؤقيّ.. ثم في ثورة رجولية وشجاعة ملهمة، وقد تجاهل تضرعي وتوسلاتي، انتفضت وأقسمت أمامه في عناد الزوج الغيور مهددا، بأني لن أغادر إلى بيتي من غير امرأتي، ولن أبرحهم في حلهم وترحالهم ما لم يطلقوها، ولهم إذا شاءوا أن يلحقوني بأولئك التعساء من شبان الخدمة الوطنية الذين ذبحوهم منذ حين وراء الأكمة ذبح الخرفان.. أو على الأقل، يجب أن أعرف السبب الخطير الموجب لحجزها وسبيها دون سائر نساء الحاجز اللواتي سرحن، ولم يفقدن فيه غير شرفهن وحليهن.. مع أني أعرف السبب، ولا أريد أن أعترف به.. لقد ألقت ربيحة في روع الدمويين بأنها امرأة عفيفة عفة مريم البتول ومتميزة، ثم إنها قد تكون امرأة من جنسية أجنبية، حين شرعت تهذي بتلك اللغة الألمانية.. وذلك الصيد الثمينُ الذي يبحثون عنه ليحدثوا به خبطات إعلامية، ويجبروا دولا عظمى للانحناء والتفاوض على مصير رعاياها المؤلهين عادة حين يحدث لهم شيء خارج بلدانهم، ولا سيما في بلدان العالم الثالث!.. حيث يمكن احتلال بلد بحاله، أو تحطيمه وتدميره برمته، من أجل صعلوك أمريكي، أو سكير فرنسي، أو مقامر إيطالي، أو مغامر إنجليزي، أو متنكر ألماني آو أفاك مخادع صهيوني... وليكتسب الخاطفون من وراء ذلك كله شهرة مجانية، وتردد وسائط الإعلام بمختلف أشكالها أسماء تنظيماتهم المدمرة، وألقاب زعمائهم الذين باعوا أنفسهم للشيطان، ووضعوا أنفسهم وتنظيماتهم في خدمة المخابرات العالمية ذات المخططات الرامية لغايات إستراتيجية سرية خاصة جدا.. كثير من المختطفين ـ طبعا هناك استثناءات ـ جواسيس يلبسون لبوس المراسلين الصحفيين أو مآزر الأطباء العابرين للحدود أو غير ذلك من المنظمات شبه الإنسانية، وما هم سوى جواسيس يندسون في قلب المجتمعات الغافية، وفي جيوب التنظيمات الدموية من خلال تلك الاختطافات المزعومة..
صرخت يائسا في وجه أمير الدمويين مستدرا شفقتهم:
ـ خذوني حيث تأخذونها إذن!.. أمن العيب أن تروا امرأة شريفة تدافع عن عرضها وأنتم تنشدون إقامة دولة الحق والعفاف.
وصاح الأمير أبو العنيقات، المشروم من أذنه اليمنى، في زبانيته الملتحين مثله، بعد أن تم إضرام النيران في العربات التي وقعت في الحاجز، وأعطى الأمر بالانسحاب وانطلاق الرتل مع درب جبلي ممهد بالحصى، وقد انحنى ووضع رجله داخل أول مركبة من مركبات ذلك الرتل هامّا بالركوب، حيث حُجزت ربيحة في المقاعد الخلفية، وقد ضجر من صراخي المعاند، وتوسلاتي الذليلة، وتهديداتي الفارغة، صاح كالقرد صيحة منكرة يأمر لحاهم الشيطانية وأحذيتهم المغشوشة:
ـ أتفهم يا عبد الطواغيت آيات الله ".. وما ملكت أيمانكم " خير من أئمة المجاهدين؟!.. تكفلوا بهذه العلقة!.. أما امرأته فهي ملك اليمين،وسوف نتكفل بها هناك ونروضها، فلطالما روضنا صواحبها واستقامت لنا سيرتهن بعد ذلك!..
وتوارت تلك الجرأة المفتعلة التي تقمصتها للحظات، وتراءى لي أنها الساعة قد دقت والأجل قد حل، وأن التكفل بي سوف لا يكون غير الذبح، على شاكلة مصير شبان الخدمة الوطنية.. وأعترف أنني تبولت كالأطفال الرضع في ملابسي هلعا من هول ما ينتظرني وأنا أسمع صيحة ذي الأذن المفرومة الآمرة بالتكفل بي، وندمت ساعة لات مندم على إضاعة فرصة النجاة بالنفس وقد أطلقوا سراحي ضمن طلقاء الحاجز، باخعاً نفسي أسفاً على مغامرة الاستعطاف ومعاندة وحوشٍ حرفتُهم الفتك، وعادتهم الحرق، وديدنهم سفك الدماء.. بيد أنهم، وقد سطع نور حظي وطلع بارق نجمي، اكتفوا بأن وضعوا الشريط اللاصق على فمي، أنا الديوث الثرثار المرائي، على حد قول أحد الزبانية المنفذين لأمر صاحب الأذن المشرومة، وألصقوا شريطا آخر على عينيّ، ثم قيدوني، وأخذوا بي من ناصيتي وقدمي، ودفعوا بي كشيء من الأشياء التافهة في إحدى العربات المصادرة في الحاجز، والتي اصطفت في آخر الرتل، مع خليط من أكياس الطحين وقارورات الغاز والمؤن والأغراض.
ترى ماذا سوف يفعلون بي؟.. وبعد فترة بدت دهرا، سارت بي العربة ضمن قافلة محملة بالدمويين، وبالمسلوبات في اتجاه المخابئ المجهولة في الفجاج بأعالي الجبال.. لا أعلم كم دامت الرحلة، لكنها بحساب فاجعة الأسر دامت دهرا؛ فأن يكون المرء مصفد اليدين مقيد القدمين أمر محتمل.. وأن تسمل عيناه شيء قابل للصبر.. أما أن يلجم لسانه ويكمم فمه فهو الأمر الأقرب إلى الشنق والإعدام.. وعلمت أن الإنسان هو اللسان.. إذا حُبس اللسان ذهب الإنسان، وقد أخطأ الشاعر القديم حين قال؛ لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده.. لقد أدركتُ، وقد وضع الشريط اللاصق على فمي، أن لسان الفتى هو كل الفتى..
في الغد، وبعد غفوة فرضها تعب البدن وعناؤه في وصيد كهف عظيم بالمعسكر المجهول المكان، الذي لا أعلم عنه غير أنه يدعى كيفان الفجوج، وسط الصخور الداكنة والغابات الشائكة والكهوف غير العجيبة، المنقور بعضها نقرا في الصخور، والأنفاق الطبيعية التي شكلتها سيول الأمطار على مر العصور، والمخابئ المحفورة المموهة بأغصان الشجر، وجدتني، وقد نُزعت عن فمي الكمامة، وسلخ عن عيني الشريط، وفُكّت عن زندي القيود، وحُلّت عن كعبي الأصفاد، أساق إلى مخبأ آخر. كان هو مقر أمير السرية.. دفعني الزبانية بعنف ولم يتسن لي أن أطأطئ رأسي حتى أتمكن من الدخول فارتطم رأسي بالصخرة التي كانت تشكل عتبة المخبأ.. فتساقطتُ وسط الكوخ مغشيا عليّ ليس من الألم بل من رعب الارتطام، ولما لمست موضع الارتطام لم أجد دما بل انتفاخا مثل انتفاخ الكمء، وحمدت الله على السلامة.. مع كل ذلك لم يفتني أن رأيت شبح امرأة عطبول ينزلق على مرآنا من بين يدي الأمير إلى مخدع مفصول بستار غليظ..
أجل، في هذا المخبأ الحقير الذي لا يضيئه غير بعض ما يدخل من شعاع خافت من الوصيد الضيق.. وجدتني أمام مخلوق ممسوخ له وجه بنقرة فاحشة في الخد الأيسر، نشأ عنها تدلي جفن أحمر، وعين جاحظة تكاد تخرج من محجرها، وفم مشدود بتجاعيد قبيحة نحو النقرة.. ولحية كثة لا فضل لها لمن يريد تخويف الأولاد الصغار سوى أن تزيدهم ترويعا مهولا من مشهدها..
دخل معي المسخ في عملية استنطاق طويلة، ذلت فيها نفسي، وخضعت أمام أدوات القتل والفتك، ومع ذلك جعلتُ المسخ المستجوب والدمويين المستنطقين حوله يفهمون أني غاضب على دولة الطاغوت.. فقد تعرضت للسجن لسنوات سبع، وفقدت وظيفتي، وجحدت عليهم وظيفة الترميم الجديدة.. ثم بالغت في أهوال الاعتقال والتعذيب الذي لحقني أثناء أحداث أكتوبر 88، وكيف أني كنت إلى جانب سليمان المكنى بأبي عوف الذي هو ابن خالي، والذي عاد من أفغانستان، حين سقط شهيدا في مواجهة الطاغوت في تظاهرات باب الوادي.. وأن أخي هامل قد التحق بكتيبة "أنخاب الدم " التي يقودها أبو حنظلة السنغالي، الذي هو بدوره قريبي فهو ابن خالتي زينب، وهي الكتيبة التابعة لتنظيم أبي سُقير المركباني المنشق، والمقيم في لندن، وقد سقط أخي هامل شهيدا ضد الطاغوت الخ..
وتعجبوا كيف أني لم أنضم إلى كتائب الجهاد ضد الطواغيت وقد لحقت بي كل هذه الظلامات الفادحة.. وسألوني إن كنت أرغب في الانضمام إليهم، فلم أمانع، شرط أن يكون جهادي سريا ومدنيا، فأنا لا أصلح للعمليات المسلحة وما يشبهها من تفجير ورمي وذبح، لطبيعة الجبن الذي يسكنني، والخور الذي يطبع حياتي، إذ كنت معلما، وقد طبعتني وظيفة التعليم بطابع الطفولة والسذاجة والرعب المقيم من زيارات المفتشين المفاجئة.. وإذ لم يكن لا الأمير المسخ، ولا المحيطون به يعلمون فيما يبدو بوضع زوجتي، وسبب رفض إطلاق سراحها في الحاجز، اعتبروني رجلا غافلا مغفلا، وإلا كيف أرضى بأن توضع القيود في يديّ من أجل امرأة، والنساء في البلاد دود على عود..
وبدلا من أن يعيدوا لي امرأتي، وما يتبع من سيارة وأوراق، ويطلقوا سراحي، مقابل الوعد بخدمات أقدمها لهم مستقبلا بالانخراط في الجهاد ضمن تنظيمهم، رأوا بعد بعض الهمس الدال على الوصول لإصدار الحكم، أن يضعوني أولا تحت الاختبار؛ بالخدمة التسخيرية في هذا المعسكر.. أعطيت لقب أبي سفيان الباحث عن آكلة الأكباد.. وإذ كان لامناص من الإجراءات الاحترازية، قال ذو النقرة الفاحشة أسفل عينه اليسرى، أبو محشوشة، أمير سرية اللطم بالدم، التابعة لكتيبة ريب المنون، الذي ألقى جل الأسئلة في استجوابي، يصدر الحكم على غير ما توقعت، بعد أن وضعت نفسي في خدمتهم:
ـ أمثال هذا الذليل لا يستحقون حتى مجرد جرة سريعة من نصل على حلوقهم، ألحقوا أبا سفيان هذا بأعمال السخرة مع الآبقين من أصحاب أبي ورقة إلى حين يتبين سلوكه..
وسألت سؤالا يائسا:
ـ ولكن.. أين هي زوجتي؟.. أنا ما تشبثت بأذيال الأمير في جسر البيبان، ثم ما صرحت بالرغبة في الجهاد أمامكم إلا لأجل استرجاع زوجتي وتخليصها من السبي؟..
وارتفعت قهقهات الدمويين، وعقب ذو النقرة:
ـ الزوجات الصالحات يقرن في بيوتهن، ولا يتجولن في الطرق..
ذو النقرة هو الحاكم بأمره في هذه الأعراف / البرازخ، ولا أثر لأبي العنيقات، الدموي الذي أمر بالتكفل بي.. دُفعت إلى أبي الوقيب القائم بتسيير الآبقين والسبايا والغلمان ليلقّنني المهمات اليومية الملقاة على الآبق، ووجدتني عبدا مع عبيد آبقين وسط نساء سبايا بائسات، وصبيان كالشؤم، وقد جاء أغلبهم إلى هذه الحياة الفظة من خلال هتك أعراض أمهاتهم الحرائر، واغتصابهن عنوة، وكان بعضهن أبكارا يرفلن في أحلامهن الوردية، فضاعت الأحلام الناعسة جملة.. فيما كان بعضهن الآخر محصنات آمنات في رقاب رجال أحرار، فلم يبق لهن من التحصين والأمن غير الذكرى البعيدة..
هناك، صرت مسخرا مع ثلاثة معتوهين آخرين آبقين في الأشغال الشاقة؛ من تفريغ للمؤن التي على ظهر المركبات المصادرة، ومن حفر للمخابئ والأنفاق والقبور، ومن ذبح الأبقار والعجول والخنازير، ومن سلخ للجلود وتقطيع وقصب وفرز للحوايا والشحوم واللحوم. وفي الأعمال الملحقة بالمطبخ عامة من جلب وفلق للحطب، وعتل وتركيب وفك لقارورات الغاز، وجلب للماء... ومع أن ثمة دوما بعض النساء السبايا الجديدات اللواتي يلتحقن بالمطبخ تباعا، ثم يختفي بعضهن في لمح البصر لأسباب لا يعلمها إلا الدمويون، فهن الآن يشكلن حريما كبيرا أشبه بقطيع، وقد استسلمن عامة لمصيرهن الفريد؛ يطهون لأمراء القتل وأوباشهم وأزلامهم وزبانيتهم ما لذ وطاب من مواد الأطعمة المسلوبة من المواطنين، بعد أن كانوا قد أخذوا منهن شرفهن، وهتكوا أعراضهن، وتداولوا عليهن كالعير البري الذي لا يستتر.. تماما كما فعل بودربالة يوما بربعية أم إبراهيم الجيلاني تحت تهديد بنادق عساكر العكري، مع اختلاف القصد، وأحبلوا أغلبهن.. وأنجبوا منهن هذا القطيع المتوحش المهمل من الصبيان والصبايا..
لقد أنجبوا نسلا كاملا من اللقطاء في هذا الوادي الذي يسمى كيفان الفجوج كما علمت، وكما يردد زملائي الآبقون.. وما هؤلاء الصبية الذين ترى بعضهم متوحشين كالذئاب المفترسة، يمزقون بقايا اللحم المشوي المتروك على عظام العجول، وترى بعضا متسلقين لشجر البلوط كجديان العنز الأمغر، يجنون ثمراته المرة التي لا تزال خضراء في قبعاتها، أو يرتعون كحملان النعم الأمهق؛ ما كل هؤلاء إلا نسلهم الجماعي المغشوش المشؤوم شؤم الأيام والليالي التي ولدوا فيها..
قال أبو ورقة الفقيه الأبق يحدثني عنهم إنهم يعيشون جميعهم تماما كقطعان العنز الجبلي، تنزو التيوس جهارا نهارا، وتثمر الأعنز، ويأتي الجديان، ولا يعرف أولئك الرهط من النسل الوخيم آباءهم، إلا من تسويات اقتسام الأنفال، أو من تشابه بعض أعضاء أبدانهم مثل أنوفهم أو عيونهم أو آذانهم، أو نحو ذلك من الأمارات الواهية، وينسبونهم إليهم عندئذ، دون أن يتأكد أحد بطريقة صحيحة وفعلية من تلك الأنساب المزعومة.. وقال أبو جهل ساخرا، وهو يشرح كيف يثبت الدمويون انساب نسلهم: هم يرددون مثلا؛ هذا ابن أبي المتسعاذ؛ أذناه مفرطحتان كالفطر الخريفي المبكر، وهذا ابن أبي فلقة؛ شعره كث؛ كالسدر الشائك الناهض المنفوش..
وهذه بنت أبي الوقيب؛ خضراء العينين واسعتهما كالقطط البرية المتوحشة، وهذا ابن أبي نفاثة؛ معقوف الأنف كالسنام الأجرد..
وهذه بنت أبي العقدي، مقرونة الحاجبين كجناحي غراب..
وهذا ابن أبي محسد،غائر الذقن مختصره كأنه ذقن الأتان...
وأرغمت على الضحك مع الآبقين من هذا الانتساب الغريب، وأكمل الفقيه:
ـ الله وحده أعلم بآبائهم، ولكن الدمويين الخراصين وقد شاموهم غيبا، بمجرد أن يزداد أي وليد، يتبنونهم بلا تردد على هذا النحو من اليقين الكاذب وبصورة حاسمة حتى لا يستشري بينهم الخلاف..
والأمر في الحق، وفي آخر المطاف كما فهمت بعد ذلك، وحين ينشب الاختلاف لا يتورعون من أن يقترعوا، وهم في الحقيقة يستقسمون بأزلام أشبه بأزلام هبل، راضين بما تقول الأزلام، دون أن يدور في خلد أحدهم أنهم عادوا بالبشرية لعصور الوثنية البدائية.. لكنه أمر لا يعدو على كل حال، أن يكون قسمة للغنائم أكثر منه شيء آخر، وهم يعلمون أنه من غير المعقول، أن تكون كل العجول ذوات الرقاب السمينة فحولا، مع وجود ثيران جزلة، وكدها الطراد والنزاء والتثمير، أمثال المسخ صاحب النقرة الأمير أبي المحشوشة، ونائبه أبي فلقة بشعره الكث مثل صوف كويرات الحسك المتطاير، وساعي الأسرى والسبايا صاحب الأنف المعقوف كالمنجل أبي الوقيب!..
مرت أيام وأيام، ولم يظهر أبو العنيقات في هذه الفجاج، ولم أر بعد ُ زوجتي ضمن هؤلاء السبايا المسخرات؛ إما في أشغال المطبخ، أو في ورشة إعداد وتكييف البزات الرسمية المسلوبة من أعوان الهيئات الرسمية المذبوحين الذين يتم اغتيالهم على حين غرة وبأساليب جبانة دنيئة، فيقمن تحت سلطة أبي الوقيب المنجلي بإزالة الدماء منها، وترقيع ما لحق بها من تشرذم، وتهيئتها للتلبيس والتلبس بها بعد ذلك، بقصد التمويه في الحواجز الزائفة، والغزوات الخاطفة القادمة.. فالدمويون لا يقتلون فحسب، بل ويسلبون الضحايا أوراقهم وأسلحتهم وثيابهم ليستعملوها في شتى شؤونهم التلفيقية المدمرة.
إن ربيحة زوجتي لم يكن لها أثر بينهن، وكنت أجازف أحيانا، وأتسلل إلى بعضهن وأنا أجلب الماء إلى المطبخ لدى الوصيد الأعلى أو أركب قارورة غاز أستفسرهن عنها، كلما لاحت غفلة من جحيم النظرات الخضراء لأبي الوقيب خاصة، ومن زبانية الكيفان عامة، وأسألهن كلما أتيحت فرصة دون طائل.. فلا واحدة من أولئك النسوة البائسات شاهدتها، ولا حتى هؤلاء النزيلات الجديدات رأينها..
وأخيرا نطقت بُدور؛ المكناة زورا وبهتانا بأم المساكين، حين غاب عن معسكر الكيفان أكثر الدمويين بقيادة أميرهم ذي النقرة أبي محشوشة.. بل وخرج للغزو حتى ساعي الآبقين الأسرى أبو الوقيب المِنجلي، ولم يبق في المعقل غير نائب السرية أبي فلقة ذي الشعر الكث، وبعض الأزلام المتمارضين الكسالى.. وامتد أمد الغزو منذ مساء البارحة، ولم يعد الغزاة من غزوتهم بعد، فأتاح أبو فلقة الفرصة للسبايا ولقطيع الحريم أن يخرجن لنبع الماء لشيء من الفسحة والاستراحة المسروقة، ولغسل ثيابهن، وثياب نسلهن على الصفا بجوار المجرى الرقراق الصافي مثل نور النجوم ولمعان الفضة، إذ الغسل في ورشة التكييف غير متقن لنقص الماء، وغير مسموح به للجميع، وكنت قد رجوت أم المساكين منذ أن التقيت بها في الوصيد الأعلى، أن تعاود الأمير في السؤال عن ربيحة، إذ تبرع عليّ ببعض المعلومات، أبو ورقة السجين مثلي منذ اليوم الأول حين انضممت للآبقين، ونحن نتعارف ونتداول على معول مدبب نكسر به صخرة تعترض مد النفق بين مخبئي الأمير ونائبه، فقال لي:
ـ عليك يا أبا سفيان بأم المساكين؛ بُدور، جارية الأمير أبي محشوشة،التي تزعم أنها زوجته.. هي وحدها القادرة على أن تأتيك بالخبر اليقين..
وتساءلت ساخرا سخرية من يبكي:
ـ أبُعثت أم المساكين؟!..