eKtab
EN ع
سنونوات كابول
اقرأ عينة مجانية

سنونوات كابول

بقلم ياسمينة خضرا

صفحة 1
في أقاصي الدنيا، تبسط زوبعة فستانَها بأذياله المزركشة في رقصة عجيبة مرعبة لساحرة هائجة؛ لم تتمكن هستيرياها حتى من نفض الغبار عن النخلتين المكلّستين المنتصبتين في السماء كما ذراعي معذّب. في حين أن الرمضاء امتصّت نفحات الهواء المفترضة التي يكون الليل، في فوضى انسحابه، قد نسي أخذها معه. ومنذ نهاية الصبيحة، لم يجمع طائر كاسر واحد الحوافز الكافية ليحلق فوق فرائسه. اختفى الرعاة الذين تعوّدوا على دفع قطعانهم الهزيلة إلى غاية سفح التلال. لكن على بعد أميال، وباستثناء الحراس القليلين القابعين بداخل مَراقبهم الهشّة، لا أثر لحياة تذكر. لكن على مدى البصر، يرافق الصمت القاتل هذه القفار التي يبدو أن الآلهة قد تخلّت عنها.
إن الأراضي الأفغانية ليست سوى ساحات للقتال، مُصْطَرعات ومقابر. تتفتّت الصلوات في غضبة شظايا الرصاص. كل مساء، تعوي الذئاب إلى حدّ الموت. والريح، حينما تنتفض، تسلّم شكاوى المتسوّلين إلى نعيق الغربان.
هنا يبدو كل شيء ملتهباً، متحجّراً، صعقته تعويذة مقززة. يكشط الانجراف التربة المنخورة، يزيل رواسبها، ينزع حشوتها، يبلّطها، رافعاً نصبها التذكارية بقوته الهادئة، بلا أدنى عقاب. ثمّ، ودون سابق إخطار، عند سفح الجبال التي نتفتها بغيظ نفحات السعير، تنبثق كابول... أو ما تبقى منها: مدينة في حالة تحلّل متقدّم.
لا شيء سيكون مثل سابق عهده، هذا ما توحي به الطرق المصدّعة، التلال الجرداء، الآفاق الملتهبة وقعقعة الأسلحة. لقد مسّ خراب القلاع الأرواح. دمّر الغبار البساتين، أعمى الأبصار واسْتَغلق الأذهان. في أماكن متفاوتة، يضيف طنين الذباب ونتانة البهائم الميتة للخراب المستفحل بصمة لا تمحى. يبدو أن العالم يتعفن شيئاً فشيئاً، وأن الغنغرينة اختارت هذا المكان لنموها، في منطقة الباشْطون، في حين يواصل التصحّر زحفه الشرس عبر ضمائر الرجال وذهنياتهم.
لا أحد أصبح يؤمن بمعجزة الأمطار، وعجائب الربيع، وبدرجة أقل، بأفجار أيام رحيمة. أصيب الرجال بالجنون؛ أداروا ظهورهم للنهار ليقابلوا الليل. تمّ خلع القديسين المبجلين. مات الأنبياء وصُلبت أشباحهم على جبهات الأطفال...
ورغم ذلك، وُلدت قصتنا هنا أيضاً، في سكوت الحجر وصمت القبور، بين قحْط الأرض وجدْب القلوب، كما يتفجّر نبات النيلوفر في مياه مستنقع آسنة.
صفحة 2

1

يُسقِط عتيق شَوْكَتْ كُرباجه حوله كي يشقّ لنفسه طريقاً وسط الدهماء بثيابها الرثّة، التي تتزَوْبع بين رفوف السوق، كما سرب أوراق ميتة. إنه متأخر، ولكنه يستحيل أن يتقدّم بسرعة أكبر. بدا كما لو أنه في خلية نحل؛ إن الضربات التي يبديها بكل قواه لا تحرّك أحداً. إنه يوم السوق والناس يوجدون في حالة ابتهاج وهياج. أحسّ عتيق بدوار في رأسه. يتدفق المتسوّلون من جميع أرْباض المدينة، بأمواج تكبر شيئاً فشيئاً، يزاحمون أصحاب العربات اليدوية والمتسكعين حول الفضاءات الشاغرة المفترضة. أما روائح الحمالين، وكذا تلك المنبعثة من المواد المتعفنة، فإنها تملأ الجوّ بنتانة مرعبة، فيما تسحق البطحاءَ حرارةٌ خانقة. تتشبث بعض النساء بالمتسوّقين، بمظهرهن الشبحي، محجورات خلف الشادور المتسخ، بأيديهن الممدودة المتوسلة، لتجمع الواحدة منهن قطعة نقدية، والأخرى لعنة. وحينما يتعنَّتن، وهو غالباً ما يحدث، ترجعهن إلى الوراء ضربة سوط حانقة. تراجع طفيف ويُستأنَف الهجوم، عبر توسلاتهن التي لا تطاق. فيما تتجمّع الأخريات بإلحاح يائس حول تجار الخضر والفواكه، مثقلات بذرية يقيم الذباب وليمة حول مناخرها، تترقب، بين دعاءين، حبة طماطم أو بصلة عفنة يكون زبون يقظ قد اكتشفها في عمق سلّته.
صرخ بائع باتجاههن، وهو يلوّح حانقاً عصاه الطويلة فوق الرؤوس:
- ابتعدن من هنا... إنكن تجلبن النحس لسلعتي ومعها مختلف أنواع الحشرات.
تفحّص عتيق شَوْكت ساعته. تقلّصت قسمات وجهه من الضجر. يكون الجلاد قد وصل منذ ما يزيد عن عشر دقائق، فيما لا يزال هو، يجرجر قدميه في الأزقة. اشتط غضباً، فعاود استئناف الضرب كي يفرّق الأمواج البشرية. ولكنه هاج بلا فائدة على مجموعة من الشيوخ الذين لم يحسوا بضربات مقرعته ولا بشهيق طفلة تائهة وسط الازدحام الشديد. بعد ذلك، استغل فرجة أحدثها مرور شاحنة، فتمكن من التسلل إلى غاية زقاق جانبي، أقل حركة، وأسرع الخطى في مشية عرجاء باتجاه بناية واقفة، بأعجوبة، وسط الخراب الذي يلفّها من جميع الجهات. هنا يتعلق الأمر بمستوصف قديم مهجور، تعرّض للنهب والتخريب منذ زمن طويل من قِبَل الأرواح الضاربة، حيث يستعمله الطالبان أحياناً كسجن مناسباتي عندما يتم التحضير لإعدام عمومي في الحي.
قال ملتح مُتكرّش راعداً وهو يلامس كلاشنيكوفه:
- أين كنت؟ لقد أرسلت شخصاً يبحث عنك منذ ساعة تقريباً.
قال عتيق دون أن يتوقف:
- أطلب منك العفو، قاسم عبد الجبار. لم أكن بالبيت.
ثم أضاف بصوت حانق:
- كنت في المستشفى. اضطررت إلى نقل زوجتي على عجل.
دمدم قاسم عبد الجبار، غير مقتنع، ثمّ وضع إصبعاً على مربع ساعته ليفهمه أن الجميع متذمرون بسببه. أدخل عتيق رقبته بين كتفيه واتجه نحو البناية حيث ينتظره رجال مسلحون، يجلسون القرفصاء على طرفي السياج، فوقف أحدهم وهو ينفض الغبار عن مؤخرته، واتجه صوب شاحنة منزوعة الغطاء، متوقفة على بعد حوالي عشرين متراً، قفز بداخل الكابينة، أشعل المحرك، رجع القهقري، واصطف أمام مدخل السجن.
أخرج عتيق شوكت علّاقة مفاتيح من تحت صِداره الطويل واندفع إلى داخل الزنزانة، متبوعاً عن قرب بميليشيتين ملفوفتين بالشادور. في زاوية من غرفة الحجز، في المكان الذي تدفق كوةٌ بركةَ ضوء، أنهت امرأة محجبة صلاتها. طلبت الميليشيتان من الحارس أن ينسحب. وبعد ذلك، انتظرتا أن تنهض المسجونة كي تلتحقا بهما. ثمّ، وبلا أدنى لطف، أمرتها إحداهن بالاستقامة في وقفتها، قبل أن تباشرا في قيد ذراعيها وفخذيها بصرامة. وبعد التأكد من أن الحبل ممدود إلى آخره، مررتا كيساً كبيراً من الكتان فوق جسدها ودفعتاها أمامهما بداخل الرواق. كان عتيق ينتظر عند العتبة، وبمجرد خروجهن، أشار إلى قاسم عبد الجبار بحركة من اليد. طلب هذا الأخير من رجاله في الساحة أن يبتعدوا. تجمّع بعض الفضوليين مقابل البناية، حائرين، صامتين. خرجت الميليشيتان إلى الزقاق، أمسكتا بالسجينة من الإبطين، ودفعتاها على المقعد الخلفي للشاحنة قبل أن تجلسا إلى جانبها في ضيق شديد.
صفحة 3
رفع عبد الجبار حاجز المركبة الحديدي وأسقط الأقفال. بعد ذلك ألقى نظرة أخيرة على الميليشيتين والسجينة ليتأكد أن كل شيء على ما يرام، ثمّ ركب بقرب السائق وأعطى ضربة بأخمص بندقيته على أرضية السيارة إعلاناً بالانطلاق. مباشرة، تدحرجت الشاحنة، محروسة من قبل سيارة كبيرة، رباعية الدفع، يعلوها فانوس دوّار، ومثقلة برجال الميليشيات بأزياء مبتذلة.
تردّد مُحسن رَماتْ طويلاً قبل أن يقرّر الالتحاق بالتجمع المنعقد بالساحة العمومية حيث أعلنوا عن تنفيذ حكم الإعدام بحق امرأة فاجرة. سيتمّ قتلها رجماً. قبل ساعات قليلة، جاء عمال لإفراغ عربات مليئة بالحجارة في مكان تنفيذ حكم الإعدام، كما حفروا ساقية صغيرة بعمق خمسين سنتيمتراً.
سبق لمُحسن أن حضر عدّة إعدامات من هذا النوع. بالأمس فقط، تمّ شنق رجلين، أحدهما في سنّ المراهقة، في أعلى شاحنة-رافعة ولم تُنزل جثتاهما إلا عند سقوط الليل. يكره محسن الإعدامات العمومية. إنها جعلته يدرك هشاشته، كما أثقلت آفاق محدوديته؛ بغتة، اكتشف تفاهة الأشياء والكائنات ولا شيء يصالحه مع قناعاته السابقة حينما كان لا يرفع عينيه باتجاه الأفق إلا ليطالب بحضوره. أصيب بالقرف في أوّل حضوره لتنفيذ إعدام عمومي -تمثّل المشهد في ذبح القاتل من قبل قريب للضحية. خلال ليالٍ عديدة، كانت رؤى كابوسية تعكِّر صفو نومه. عادة ما كان يستيقظ صارخاً أكثر من ممسوس. بعد ذلك، وكلما زادت الأيام في تمتين مشانقها ونمّت قطيعها التكفيري إلى حدّ أضحى الناس في كابول يشعرون بالقلق لفكرة تأجيل تنفيذ إعدام، توقف محسن عن الحلم. انطفأ ضميره. إنه يغرق في نوم عميق بمجرد إغماض العينين ولا يحيا إلا مع الصبح، رأسه فارغ كما الجرّة. أضحى الموت عنده وعند الغير أمراً عادياً. ومن جهة أخرى، أصبحت الحياة كلها لا قيمة لها. لا يوجد شيء ذو بال سِوَى الإعدامات التي تطمئن الأحياء كلما كنس الملالي أمام أبوابهم. لقد تحوّلت كابول إلى غرفة انتظار الرحلة نحو الآخرة. غرفة انتظار مظلمة حيث زوّرت فيها جميع المعالم؛ شقاء محتشم؛ كمون عصي الاحتمال يعاش في سرية تامة.
لا يعرف محسن أين يذهب ولا ماذا يفعل بفراغ أيامه. منذ الصباح، لا يتوقف عن التسكع عبر الأحياء المخرّبة، شارد الذهن، سحنته جامدة. سابقاً، يعني سنوات ضوئية عديدة، كان يحب التجوّل مساءً، عبر شوارع كابول. في ذلك العهد، لم تكن واجهات المحلات تعرض شيئاً ثميناً، ولكن لا أحد يأتي ليسوط وجهك بالكرباج. كان الناس يذهبون إلى انشغالاتهم اليومية بكثير من الحوافز، تجعلهم يخطّطون، في هذيانهم، لمشاريع عجيبة. كانت المحلات غاصة إلى حدّ التشقق؛ تتدفق ضوضاؤها على الأرصفة كما سيل انشراح. كان الشيوخ المكوّمون على كراسي خَيْزَرانية يرضعون نراجيلهم، يغضّنون عيونهم من فرط قوة أشعة الشمس، والمراوح موضوعة بإهمال على بطونهم. أما النساء، وبرغم النقاب المشبّك، فكنّ يستدرن داخل عطرهن كما نفحات الحرارة. لقد كان قادة القوافل القديمة يقرّون بأنهم لم يشاهدوا في أي مكان آخر من العالم، خلال ارتحالهم الدائم، حوريات أكثر إبهاراً. عذارى غامضة، ضحكاتهن نشيد، تغنّجهن استيهام. لهذا السبب، أضحى ارتداء الشادور ضرورة؛ يعمل على حفظهن من الحسد، كما يجنّب الرجال من الوقوع في تعاويذ مفرطة... ما أبعده، ذاك الزمن... أهو حقيقة أم خرافة؟ الآن، لم تعد شوارع كابول تسلّي. تشهد الواجهات الجرداء التي لا تزال واقفة بأعجوبة أن المنازل والبنايات والمطاعم والمحلات المتعددة احترقت كلها. تحوّلت القارعة المزفّتة سابقاً إلى دروب محفورة تكشطها الصنادل والحوافر طوال النهار. أخفى أصحاب المحلات ابتساماتهم في الخزائن. تبخّر مدخِّنو تشي لام وتخندق الرجال خلف الظلال الصينية، أما النساء، المحنّطات بأكفان بلون الرعب والحمى، فغرقن في غفلة مطلقة.
قبل الغزو السوفييتي، كان محسن في عامه العاشر؛ عُمْر لا نفهم فيه لماذا هجر الناس الحدائق العمومية ولماذا أصبح النهار أخطر كما الليل؛ عمر نجهل فيه أن شقاءً يمكن أن يحدث فجأة. كان أبوه تاجراً ناجحاً في البيع بالجملة. أما العائلة فكانت تقطن في منزل كبير وسط المدينة وتستقبل بانتظام الأهل والأصدقاء. لا يتذكر محسن الشيء الكثير عن تلك الفترة، ولكنه متأكد أن سعادته كانت كاملة، ولا أحد يحتج على ضحكاته المرتفعة أو يستهجن نزوات الطفل المدلل الذي كان يمثله. بعد ذلك، حدث التدفق الروسي، بجيشه العرمرم وعملقته الغازية التي توحي بنهاية العالم. فجأة، تلبّدت السماء الأفغانية بالكواسر المدرعة، هي التي كانت فيما سبق مكاناً تنسج فيه أجمل قصص الحب والغرام: تشقّق صفاؤها الأزرق بنثار البارود وتشتّتت السنونوات المفزوعة وسط شلال الصواريخ المتدفقة بلا انقطاع. إن الحرب هنا. ها هي تعثر على وطن...
صفحة 4
قذفه بوق سيارة جانباً. وبحركة غريزية، وضع طرف عمامته المتدلي على وجهه ليقي نفسه من الغبار. لقد لمسته شاحنة عبد الجبار وكادت تسقط بغّالاً مع عربته، وهي تتدحرج بسرعة باتجاه الساحة العمومية، تتبعها عن قرب سيارة الـ4×4 المزمجرة. عند رؤية الموكب، هزّت جلبة فظة التجمهر الصاخب حيث يتشاجر رجال مشعَّثون مع أطفال مشاكسين حول الأماكن الأمامية، ممّا أجبر حراس الميليشيا على توزيع الضربات القوية كي يفرضوا نوعاً من الهدوء. توقفت الشاحنة قرب الساقية التي تمّ حفرها حديثاً. أنزلوا المُذنبة فيما كانت الشتائم واللعنات تنبعث من هنا وهناك. من جديد، عاد الازدحام إلى زعزعة الصفوف، قاذفاً إلى الوراء الأقل يقظة.
استغل مُحسن الثغرات التي قدّها الاهتياج بداخل الحشد المزدحم كي يلتحق بالصفوف الأولى، غير مكترث بالاندفاعات العنيفة التي تحاول قذفه بعيداً. وحينما انتصب على أطراف قدميه، رأى كائناً عملاقاً "يغرس" المرأة الفاجرة في الحفرة، يغطيها بالتراب إلى غاية الفخذين بحيث تبقى مستقيمة وتُمنَع من التحرّك.
رمى مُلّا أطراف عباءته على كتفيه، تفرّس آخر مرّة ركام الأحجبة التي تخفي كائناً يستعد للهلاك وقال صارخاً:
- من العباد من فضّل التمرّغ في الوحل كما الخنازير. مع أنهم على دراية بالرسالة الربانية، وعرفوا مساوئ المغريات ولكنهم لا يملكون الإيمان الذي يجعلهم يقاومون الرذيلة. لقد فضّل هؤلاء الأشقياء، الذين أعمى الله أبصارهم، لحظة لذّة زائلة وتافهة، على جنّة الخلد. لقد أخرجوا أصابعهم من الماء الزلال المطهّر لإغراقها في الماء القذر، أغلقوا أذانهم لنداء الرحمان وأنصتوا إلى وساوس الشيطان، عوض الامتناع عن ارتكاب المحرمات والفوز برضا الله. ماذا نقول لهم سوى حزننا وسخطنا على أفعالهم؟... (امتدّ ذراعه نحو المرأة المحنطة كما السيف البتار). لا تجهل هذه المرأة طبيعة أفعالها. لقد أبعدتها نشوة الفجور عن طريق الله. اليوم، الله هو الذي يدير لها ظهره. لا حق لها، لا في رحمته، ولا في شفقة المؤمنين. عاشت في الخزي، وستموت في الخزي.
سكت لحظة، تنحنح، ثمّ بسط ورقة في صمت مخيف. ارتفع صوت من عمق الحشد:
- الله أكبر...
رفع المُلا يداً مهيبة لإسكات الصائح. بعد تلاوة آية قرآنية، قرأ شيئاً أشبه بحكم، ثم أرجع الورقة إلى جيب صداره الداخلي، وبعد لحظة تأمل، دعا الغوغاء إلى التسلح بالحجارة. إنها إشارة بداية الرجم. في اندفاع عصي الوصف، ارتمى الناس على أكوام الحجارة المتناثرة على طول الساحة، والتي أُفرغت قبل ساعات قليلة خصيصاً لعملية الرجم. مباشرة، سقط شلال من القذائف على المعذّبة، المكمّمة الفم، التي تتخبّط تحت غضبة الضربات، دون أن تتمكن من إطلاق الصراخ. جمع محسن ثلاثة أحجار ورماها باتجاه الهدف. ضاع الحجران الأوليان بسبب السعار المحيط به، ولكنه أصاب الضحية في الرأس عند الضربة الثالثة، ورأى انفجار لطخة حمراء في المكان الذي مسها فيه، وهو يشعر بابتهاج غامض. دقيقة بعد ذلك، انهارت المعذّبة، دامية الوجه ومكسّرة، وتوقفت عن الحركة. أجّج جمودها الراجمين الذين ازدادوا شراسة، بعيونهم الجاحظة وأفواههم المزبدة، كما لو أنهم يحاولون إحياءها ليستمر عذابها. في خضم الهستيريا الجماعية، اقتنع الراجمون بأنهم يطهرون أنفسهم من رجس الشيطان عبر ذنوب الفاجرة، فلم يدرك أحدهم أن الجسد المقصوف من جميع الجهات لم يعد يستجيب للضربات، وأن المرأة المضحى بها تقبع بلا حياة، نصف مدفونة، كما كيس القذارة الذي يرمى للكواسر.
صفحة 5

2

شعر عتيق شَوْكت بانزعاج داخلي. خضّته رغبة الخروج إلى الهواء الطلق والتمدّد قرب جدار مقابل الشمس. لا يمكنه أن يبقى دقيقة واحدة في غار الجرذان هذا، يهذي أو يحاول فكّ الخطوط المتعرّجة التي تتعانق في شبكة عنكبوتية على جدران الزنزانات. لقد أجّجت برودة السجن الصغير جراحه القديمة؛ أحياناً، تتشنّج ركبته من البرد ويجد صعوبة في طيّها. بالموازاة مع ذلك، أحسّ بأن الأماكن المغلقة أضحت ترعبه؛ لم يعد يتحمّل الظلام، ولا ضيق المكتب الصغير الذي يشتغل فيه، المكدّس بنسيج العنكبوت وبجثث حمير القبّان. رتّب قنديله الزيتي إلى جانب قربة جلد المعز وصندوقه المغطى بالقطيفة الذي يحوي نسخة كبيرة من القرآن، ثم لفّ حصير الصلاة، علقه في مسمار وقرّر مغادرة السجن. على كل حال، إن رجال الميليشيا يعرفون أين يعثرون عليه فيما لو احتاجوا إليه. لقد أضحى عالم السجن يثقل كاهله. فإنه يجدها منذ أسابيع قليلة، وكلما فكّر في مهنة السجّان التي يمارسها، فإنه يجدها بلا أفضال ولا نبل. تغرقه هذه المعاينة في سخط دائم. فهو كلما أغلق الباب الحديدي خلفه، وانعزل هكذا عن المدينة وضوضاء أزقتها، أحسّ أنه يدفن نفسه حيّاً. خوف وهمي يقلق أفكاره. حينئذ، ينكمش في زاوية ويرفض تمالك نفسه. إن عدم المقاومة يمنح له نوعاً من السكينة النفسية. هل التحقت به العشرون سنة من الحرب التي خاضها باندفاع عجيب؟ في الثانية والأربعين من العمر، يشعر بنفسه منهوكاً، ولا يرى نهاية النفق ولا حتى طرف أنفه. وشيئاً فشيئاً، استسلم لوضعه، وبدأ يشك في وعود الملالي، ويتفاجأ أحياناً بأنه لا يخشى العقاب الرباني إلا لماماً.
هَزُل كثيراً. سقط وجهه إرباً إرباً تحت لحية الأصولية الكثة؛ كذلك فقدت عيناه حدّتهما برغم الكحل الذي يملأهما. لقد قضت ظلمة الجدران على وضوحهما، واستقرّت ظلمة مِهنته بعمق داخل روحه. لا ينتظر شخص الشيء الكثير من وقته الشاغر حينما يقضي لياليه يحرس المحكوم عليهم بالإعدام ليسلّمهم للجلادين في النهار. الآن، اختلطت عليه الأمور، ولا يستطيع عتيق القول إن كان السبب يعود إلى صمت الزنزانتين الفارغتَين أو أن شبح الفاجرة التي رُجمت هذا الصباح هو الذي يكسي زوايا الغرفة بروائح عفونة ما وراء القبر.
خرج إلى الشارع. كانت شرذمة من الأطفال تطارد كلباً ضالاً في جوقة متنافرة الأصوات. لقد أزعجه الصراخ والهرج والمرج، فالتقط حجارة ورماها على أقرب طفل حيث تفادى هذا الأخير الرمية، فواصل الصراخ نكاية في الكلب الذي بدا على وشك الانهيار، غير مكترث بشيء. أدرك عتيق أنه يضيّع وقته. سوف لن يفترق الأشقياء قبل رجم رباعي الأقدام، متدربين هكذا، بشكل مبكر، على رجم الكبار.
ابتعد عتيق عن السوق الملوّثة بالمتسوّلين والحمّالين، يتحسّس حزمة مفاتيح السجن تحت صداره. وكالعادة، برغم القيظ اللاهب، تعجّ السوق بالغوغاء الهائجة، تتحرك وسط الرفوف الهشة، تقلب وتعيد تقليب الملابس، مبعثرة الأسمال المعروضة، باحثة عن شيء غير واضح المعالم، مهلكة بأصابعها الشديدة النحول الفواكه المفرطة النضج.
نادَى عتيق على شاب من أبناء جيرانه وأعطاه البطّيخ الذي اشتراه توّاً، وقال مهدداً إياه بإشهار كرباجه:
- خذه إلى بيتي. أسرع ولا تجرجر قدميك في الأزقة.
وافق الطفل بحركة من الرأس، ثمّ شدّ الفاكهة على مضض تحت إبطه واتجه نحو مجموعة أكواخ غريبة الأطوار.
لقد قرّر عتيق التوجّه أوّلاً عند عمّه الذي يشتغل إسكافياً ويملك محلاً يقع مباشرة خلف ركام قريب من الخراب؛ ولكنه عدل عن الفكرة بغتة لأن عمّه من أكبر الثرثارين الذين أنجبتهم القبيلة؛ وسيجبره على البقاء إلى غاية الليل وهو لا ينفك يعيد سرد الحكايات نفسها حول الأحذية الراقية التي كان يصنعها لضباط الملك وأعيان النظام القديم. في السبعين من العمر، نصف أعمى ونصف أصم، كان العجوز أشرف يهذي هذياناً خالصاً. وحينما يضجر زبائنه من سماعه وينسحبون خلسة، فلا يتفطن إليهم ويواصل مخاطبة الجدار إلى حدّ اللهث. الآن، وبما أن لا أحد أضحى يأتي إليه ليطلب صناعة حذاء على مقاسه وأن النعال القليلة التي تسقط بين يديه بالية إلى حدّ لا يعرف من أين يبدأ ترقيعها، فقضّ الضجر أيامه، ولم يبق له إلا هذيانه المفرط ليضجر به غيره.
صفحة 6
توقف عتيق في منتصف الطريق منشغلاً بالتفكير فيما سيفعل بأمسيته. إنه في أعماقه، لا يرغب في العودة إلى بيته ليجد سريره غير المرتب وأواني المطبخ منسية في ماء الحوض الآسن وزوجته راقدة منكمشة في زاوية من الغرفة، رأسها معصوب بمنديل متسخ ووجهها شاحب وشفتاها متورمتان. وصل بسببها متأخراً هذا الصباح، وكاد يؤخر تنفيذ الإعدام في المرأة الفاجرة. وفي المستوصف، كفّت الممرضات عن الاعتناء بها، منذ اليوم الذي رفع فيه الطبيب ذراعيه، تعبيراً عن عجزه. ربما بسببها أيضاً، توقف فجأة عن الإيمان بوعود الملالي والخوف من العقاب الرباني. فهي في أغلب الليالي، تبقيه ساهراً، تتأوّه من الوجع كالمجنونة، ولا تغفو إلا عند اقتراب الفجر، بعد أن ينهكها الألم والتشنجات. ويقضي فراغ أيامه متنقلاً بين كهوف الدراويش بروائحها العفنة، بحثاً عن عقاقير من شأنها تخفيف آلام زوجته حيث لم تتمكن فضائل التمائم ولا الصلوات الخاشعة من إسعاف المريضة. أخته بدورها، فبعد أن قبلت السكن معهما كي تقدّم لها بعض الإسعافات، خرجت يوماً باتجاه إقليم بالوتشيستان ولم تعد. بقي عتيق وحيداً، أعزل، لا يعرف كيف يسيّر وضعية تتأزّم يوماً بعد يوم. فإذا كان الطبيب قد كفّ عن علاجها، ماذا بقي خارج حدوث معجزة؟ ولكن هل تحدث المعجزات اليوم في كابول؟ أحياناً، تكاد أعصابه تتفتّق، فيضمّ يديه ويرفعهما إلى السماء في دعاء خاشع، متوسلاً الله أن يتذكر زوجته ويرجعها إليه. في نهاية المطاف، ما الفائدة من بقاء مريض على قيد الحياة حينما يؤلمه التنفس البسيط ويرعب أقرباءه؟
ارتفع صراخ:
- حذار... ابتعدوا، ابتعدوا...
ارتمى عتيق بكامل جسمه جانباً كي لا تسقطه عربة هاجت مطيتها. اندفع الحصان المجنون وسط أزقة السوق، محدثاً بداية هلع، ثم استدار فجأة نحو مجموعة خيم. لقد فقد السائق توازنه وسقط في تحليق وتدحرج على خيمة، فيما واصل الحصان سباقه التائه وسط صراخ الأطفال وصيحات النساء قبل أن يختفي خلف أنقاض مزار.
لقد شمّر عتيق على أذيال صداره الطويل وضرب على مؤخرته كي ينفض عنها الغبار، كما اعترف له رجل جالس على شرفة دكان، قائلاً:
- ظننت أنك هلكت.
تعرّف عتيق على مِرْزا شاه. اقترح عليه هذا الأخير كرسياً.
- أدعوك على شاي، يا خفير.
قال عتيق وهو يترك نفسه ينهار على الكرسي:
- أقبله بصدر رحب.
- يبدو أنك أغلقت الدكان باكراً هذا اليوم.
- من الصعب أن يكون المرء سجين نفسه.
قطّب مرزا شاه حاجباً:
- هل تريد القول بأنه لم يبق سجين في زنزاناتك؟
- إنها الحقيقة. آخرها رُجِمت هذا الصباح.
- الفاجرة؟ لم أحضر مراسيم الرجم، ولكن وصلتني الأخبار...
اتكأ عتيق على الجدار، ضمّ أصابعه على بطنه وتابع أنقاض ما كان سابقاً أجمل شوارع كابول، وأكثرها حيوية.
- أجدك حزيناً يا عتيق.
- حقاً؟
- إنه الشيء الأوّل الذي يجلب الانتباه. بمجرد أن رأيتك، قلت مع نفسي، تسْسْت... إن العفريت عتيق ليس على ما يرام.
صفحة 7
هزّ عتيق كتفيه. إن مرزا شاه صديق طفولته. كَبُرا معاً في حيّ متواضع وقد عرفا الأشخاص أنفسهم والأماكن نفسها. اشتغل والداهما في معمل صغير للزجاج. وكانا مثقلين بالهموم التي صرَفَتهما عن الاهتمام بالطفلين. فمن الطبيعي إذاً أن يتَجَنّد مِرْزا في الجيش عندما بلغ الثامنة عشرة من عمره، فيما مارس عتيق مهنة سائق بديل بقرب صاحب شاحنة قبل أن يجرّب عدداً هائلاً من المهن الصغرى التي تكسبه في النهار ما تسحبه منه الليالي. افترق الصديقان إلى غاية احتلال الروس للبلد. كان مرزا شاه من أوائل العساكر الذين هربوا من وحداتهم للانضمام إلى صفوف المجاهدين. وبفضل شجاعته والتزامه، تدرّج بسرعة إلى أن أصبح برتبة "تاج". التقى به عتيق في الجبهة وعمل تحت قيادته بعض الوقت قبل أن توقف قذيفة اندفاع جهاده. نقل إلى بيشاوَر للإسعاف. واصل مرزا الحرب بتفان عجيب، وبعد انسحاب القوات السوفييتية، تلقى اقتراحات لتولي مسؤوليات في الإدارة ولكنه رفضها. لم تكن تغريه السياسة ولا السلطة، لكنه بفضل علاقاته، أنشأ مؤسسات صغيرة استعملها لتمويه وتغطية استثماراته الموازية، وبالأخص في التهريب وتجارة المخدرات. لقد قلّل وصول الطالبان إلى السلطة من حماسه الفياض دون أن يفكّك شبكاته، حيث تطوّع بالتضحية بعدد من حافلاته وبعض الأشياء الأخرى غير ذات قيمة في سبيل القضية، كما ساهم بطريقته في جهود الحرب التي يخوضها الحثالة المبشرون بالخلاص ضد رفاقه القدامى في السلاح ونجح في الحفاظ على امتيازاته. يعرف مرزا أن إيمان بائس قلّ ما يقاوم إغراءات الربح السريع؛ لهذا فإنه لا يتوانى عن تقديم الهدايا والعمولات لأسياد البلد الجدد، فتمكّن هكذا من قضاء أيام هادئة وسط الإعصار. مرات عديدة، اقترح على صديقه الدائم أن يشتغل لصالحه. ولكن عتيق كان يتملّص من العرض بانتظام، مفضلاً البؤس في الحياة الدنيا الزائلة عوض عذاب جهنم الخالدة.
أدار مِرزَا سبحته حول أصابعه وهو يتفرّس في سحنة صديقه. تحرّج هذا الأخير فتظاهر بالانشغال بأظافره.
- ما هو الشيء الذي يقلقك يا حارس المساجين؟
- إنني أتساءل.
- أمِن أجل هذا كنت تحدث نفسك قبل قليل؟
- ربّما.
- ألم تجد أحداً للحديث معه؟
- هل هذا ضروري؟
- على حسب سريان الأمور، لِمَ لا؟ كنتَ غارقاً في همومك إلى حدّ لم ترَ وصول العربة. حينها، قلت مع نفسي أن عتيق، إما أنه بدأ يفقد عقله، أم أنه يخطّط لانقلاب عسكري خطير...
أوقفه عتيق بضجر ظاهر:
- احذَر مما تقول. يمكن أن يؤخذ كلامك مأخذ الجدّ.
- أريد التنكيد عليك قليلاً.
- أنت تعرف بأن مثل هذا النوع من المزاح لا مجال له من الإعراب في كابول.
ببطء، ربّت مرزا بكفه على ظهر يد صديقه كي يهدِّئه.
- يا رجل، أنسيت بأننا أصدقاء أعزاء منذ الطفولة؟
- المغامرون لا ذاكرة لهم.
- لم نكن نخفي شيئاً عن بعضنا البعض.
- لم يعد الأمر ممكناً اليوم.
تشنّجت يد مرزا.
صفحة 8
- ماذا تغيّر اليوم يا عتيق؟ لا شيء، لا شيء إطلاقاً. إنها الأسلحة نفسها التي تنتقل بين الأشخاص، والوجوه نفسها التي تعرَض، والكلاب نفسها التي تنبح والقوافل نفسها التي تمرّ. لقد عشنا دائماً بهذه الطريقة. ذهب الملك، عوّضته معبودات أخرى. صحيح أن الشعارات قد تغيّرت، ولكنها تطالب بالتعسّفات نفسها. لا ينبغي أن ننخدع. تبقى الذهنيات هي نفسها التي سادت منذ قرون. إن الذين ينتظرون انبثاق عهد جديد في الأفق يضيعون وقتهم. فمنذ أن خلقت الدنيا، يوجد دائماً أولئك الذين يعيشونها كما هي، وأولئك الذين يرفضون قبولها. طبعاً، إن الحكيم هو ذاك الذي يأخذ الأمور كما تأتيه. إنه يفهمها على حقيقتها. وأنت أيضاً، ينبغي عليك أن تفهم. أنت قلق لأنك لا تعرف ماذا تريد بالضبط، هذا كل ما في الأمر. والأصدقاء يوجدون لمساعدتك على إيضاح الرؤية. إذا كنت لا زلت تعتقد بأنني صديقك، حدثني عن مشكلتك، لعلني أستطيع تقديم يد العون.
تنفس عتيق تنفساً عميقاً. سحب معصمه من يد مرزا، بحث بداخل عينيه عن سند ما؛ وبعد تردّد قصير، استسلم:
- إن زوجتي مريضة. قال لي الطبيب بأن دمها يتحلّل بسرعة، وبأن مرضها لا علاج له.
بقي مرزا حائراً لفكرة أن يذهب رجل إلى حدّ الحديث عن زوجته في الشارع، ثمّ، لمس لحيته المصبوغة بالحناء، هزّ رأسه وقال:
- أليست هذه إرادة الله؟
- ومن تسوّل له نفسه بالوقوف ضد إرادة الله، يا مرزا؟ لست من هؤلاء، على كل حال. أرضى بقدري رضاءً تاماً، وبخشوع كلي، غير أنني وحيد وحائر. ليس لديّ أحد يساعدني.
- ولكن المسألة بسيطة: طلّقها.
ردّ عتيق بسذاجة، ولم يلاحظ الازدراء المتنامي الذي استولى على وجه صديقه، المنزعج فعلاً من الإطالة في موضوع يراه لا يستحق كل هذا الانشغال:
- لم تعد لها عائلة. توفى والداها، ذهب إخوتها، كل إلى وجهة غير معروفة. ثمّ، لا يمكنني رميها هكذا، غير معقول.
- ولِمَ لا؟
- لا تنسَ بأنها أنقذت حياتي.
اندفع مرزا بجسمه إلى الوراء، كأنه فوجئ بغتة بذريعة الحارس. مطّ شفتيه، مال بوجهه على كتف بحيث يمكنه مراقبة محدثيه بطريقة غير مباشرة. صاح:
- ترّهات... الله وحده يحي ويميت. جُرحت وأنت تجاهد في سبيل الله. بما أنه لا يمكن أن يبعث لك الملك جبريل، وضع هذه المرأة في طريقك. لقد عالجتك بإرادة الله. لم تفعل إلا ما كتبه الله لها. وأنت فعلت من أجلها أضعاف ما فعلَتْه لك: إنك اتخذتها زوجة لك. ماذا يمكنها أن تنتظر من الحياة أكثر مما فعلته لها، هي التي تكبرك بثلاث سنوات، وكانت في ذلك العهد عانساً بلا حماس ولا جمال؟ هل يوجد سخاء أكبر بالنسبة لامرأة تمنح لها سقفاً، حماية، شرفاً واسماً؟ لست مديناً لها بشيء. بالعكس، هي التي ينبغي أن تنحني أمام نبلك، يا عتيق، أن تقبّل أصابع قدميك كلما نزعت نعليك. إنها لا تمثل شيئاً ذا قيمة خارج ما تمثله أنت بالنسبة إليها. ليست سوى مرؤوسة. زيادة على أنه لا ينبغي لرجل أن يكون مديناً لامرأة في أي شيء. إن شقاء البشر آت من سوء التفاهم هذا بالذات.
فجأة، قطّب حاجبيه:
- هل جُننت إلى حدّ أصبحت تحبها؟
صفحة 9
- إننا نعيش معاً منذ حوالي عشرين سنة. ليس هذا بالأمر الهيّن.
أحسّ مرزا بسخط يسري في جوارحه، ولكنه تمالك نفسه كي لا يغضب صديق طفولته.
- يا صديقي الشقي، إنني أعيش مع أربع نساء. تزوجت الأولى منذ خمس وعشرين سنة؛ والأخيرة منذ تسعة أشهر فقط. ولا أشعر باتجاههن جميعاً إلا بالشك وعدم الثقة، لأنني لم أدرك في أية لحظة كيف يشتغل مخّهن. وأنا مقتنع أنني سوف لن أمسك أبداً بخيوط فكر النساء. كما لو أن تفكيرهن يدور في الاتجاه المعاكس لعقارب الساعة. أن تعيش سنة أو قرناً مع عشيقة، أمّ أو بنت من صلبك، ستشعر دوماً بالفراغ، كما لو أن حفرة مستترة تعزلك تدريجياً كي تعرضك أحسن لتقلبات إهمالك. فمع مثل هذه الكائنات المنافقة وغير المتوقعة بشكل غريزي، فكلما اعتقدت أنك روّضتها، قلّت حظوظك في تجاوز شرورها. لن تحصّن نفسك ضد سمومهن حتى وإن ربيت عقرباً في حضنك. أما بالنسبة لعدد السنوات، فلا يمكنه جلب الهناء في بيت حيث يخدع فيه حب النساء هشاشة الرجال.
- لا يتعلق الأمر بالحبّ.
- ماذا تنتظر إذاً كي ترميها إلى الشارع؟ طلّقها وامنح لنفسك بكراً سليمة وقوية البنية، تحسِن السكوت وخدمة زوجها بلا ضوضاء. لا أريد أن أفاجئك بعد اليوم تتحدث بمفردك في الشارع كالمعتوه. وبالأخص ليس بسبب أنثى. هذا الأمر يغضب الله ورسوله.
سكت مرزا فجأة. توقف شاب عند عتبة الدكان، البصر تائه والشفتان منزوفتان؛ طويل القامة، وجهه أمرد وجميل يزينه عقد من الزغب. يتدلى شعره الطويل الأجعد على كتفيه اللتين تبدوان ضامرتين كما كتفي فتاة. قال مرزا بفظاظة:
- ماذا تريد؟
وضع الرجل إصبعاً على صدغه كي يستعيد صحوته، الحركة التي زادت من ضجر مرزا.
- أنطق أو عُد من حيث أتيت. ألا ترى بأننا نتحدث؟
انتبه محسن رمات إلى أن الرجلين قد أمسكا بكرباجيهما وهما يستعدان لسوطه على الوجه. رجع القهقرى يتلعثم بالاعتذارات وابتعد باتجاه المخيّم. قال مرزا ساخطاً:
- أنظر إلى هؤلاء الأجلاف. لا يتحرجون أبداً من إزعاج الغير.
هزّ عتيق رأسه مدمدماً. أيقظه هذا التدخل المباغت. لقد أدرك فحش أسراره، ولام نفسه على عدم مقاومة الرغبة الجامحة في إفراغ همومه الوسخة على شرفة مقهى حقير. إثر ذلك خيّم صمت مزعج بينه وبين صديق طفولته. لم يجرؤ أحد على النظر إلى الآخر، تخندق أحدهما خلف تأمل خطوط يديه، فيما انشغل الثاني بالبحث عن صاحب المقهى.