eKtab
EN ع
سؤال الهوية الكردية
اقرأ عينة مجانية

سؤال الهوية الكردية

بقلم عبد الكريم يحيى الزيباري

صفحة 1
المقدمة

لن أحاول اختصار الكتاب، لن أتطرق إلى تعداد فصولهِ، تاركاً هذه المهمة للفهرست، كما لن ألتزم بمنهجٍ محُدَّد في الكتابة، سأذهبُ حيث تأخذني الفكرة، بلا رقابة، مع حذرٍ قليل استناداً إلى ابن العربي:

واعلمْ بأنَّ ذوي الأفكارِ في عَمَهٍ

فَكُنْ من الفكرِ يا هذا على حذرِ

ولقلة حذري وقعتُ في أخطاءٍ، حتى أنني كلما راجعتُ الكتاب حذفت وعدلت حتى يوقفني الإجهاد.

ظلَّ سؤال الهوية الكردية غير مطروق فكرياً وبجدية على الأقل. إهمالٌ غير متعمَّد تكرر في انعطافات تاريخية لشعوبٍ أخرى في فترات وظروف محددة، كاليابان وألمانيا الخارجتين من الحرب العالمية الثانية بهزيمة ساحقة: هل تندمجان كليَّةً في الغرب الحديث، أم تقاومان؟ إذا اختارتا المقاومة ماذا تفعلان؟ حتى أنَّ أديباً كتوماس مان رفضَ العودة إلى ألمانيا بعد نهاية الحرب قائلاً: إنَّها مازالت محتلة، فاتهمه مثقفو الداخل بالخيانة والجبن لأنَّه فرَّ من هتلر. والسؤال هنا اليوم: هل يندمجُ الشعبُ الكردي ويذوب في الهوية العراقية التي لم تتشكَّل وتعاني صراعاً أكبر من صراع اللهجات، أم يقاوم؟ ماذا سيكسب من المقاومة؟ ماذا سيخسر؟ هل يندمج في الهوية الدينية الإسلامية رغم الجروح القديمة؟ ما فتئوا يرددون: لقد وقف العالم الإسلامي متفرجاً على مأساتنا، ولم تصدر عنه كلمة شجب أو استنكار. يقول صمويل هنتغتون (لاحظ برنارد لويس ذات يوم أنَّهُ حين يتحقق الناس أن الأمور تسير في اتجاه خاطئ فإنَّهم يسألون أحد سؤالين: الأول: ما الخطأ الذي ارتكبناه؟ والثاني: من فَعَلَ هذا بنا؟) (1). بحسب التاريخ معظم قادة الشرق الأوسط، ومعتنقي نظرية المؤامرة، من المكارثيين الجدد (2)، يرددون السؤال الثاني مع تجاهلٍ شبه تام للأول، فضلاً عن تجاهل: كيف نُصحِّحُ الخطأ؟

العراق اليوم في حالة سيئة، بينما يبدو إقليم كردستان متعافياً بعض الشيء، لكن هذا لا يعني أنَّ الأول شرطُ الثاني، كما يريد بعض المُغرضين أنْ يصوِّروا لأنفسهم باستمرار عدوَّاً وهمياً، غاب عنهم جدلٌ مهم بخصوص القبل والبعد، فالإقليم لم يتعافَ اليوم بالذات، ولا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأنَّ تدهوراً في بغداد سوف يعني ازدهاراً في أربيل، بل تذهب على العكس تماماً جميع المؤشِّرات، فالعلاقة بين أربيل وبغداد ليست علاقة نفي، بل علاقة تاريخية وطنية، تُكمِّلُ إحداهما الأخرى، كالأب والابن، فلا أحد غير حكومة بغداد بمقدورها تبرير هذا الاستقلال النسبي لإقليم كردستان، وهي التي تمنحه الشرعية الدولية. بالمقابل: يمكن للعراق الاستفادة بشكل إستراتيجي من الاستقرار النسبي في كردستان، كما إنَّ أيَّ خللٍ يصيبُ هذه العلاقة، سوف يفتحُ الأبواب مُشْرَعَةً لتدويلِ الأزمة، وتشظيها في جميع الاتجاهات، وما كان ذلك كذلك، إلا لأنَّ كردستان عانت لعقودٍ طويلة، ولم تحظَ بحوار متكافئ مع بغداد قبل 2003، رغم أنَّنا لا يمكننا تجنُّب الحديث عن أزمة، لأننا إذا فعلنا ستبدو الصورة غير مكتملة، ومصدر الأزمة هو تضارب المصالح، وافتقاد الثقة اللازمة في الدخول في حوار جاد، هو فوز بعض المتطرفين في انتخابات مجلس النواب العراقي في دورتيه الأولى والثانية، نتيجة شعارات تُضْمِرُ إلغاء حقوق الآخر على أساس الهوية المُغلقة، كما حدث في أوروبا وأميركا بعد الحادي عشر من سبتمبر.

وفي محاضرةٍ للشاعر مؤيد طيب بتاريخ 26/6/2011 في اتحاد أدباء دهوك (إنَّ بعض المسؤولين، الذين لم يتربعوا على كراسي المسؤولية، إلا بعد أنْ أقسموا على صيانة الدستور، والدفاع عنه، نجدهم بعد ساعة فقط، قد صرحوا لوسائل الإعلام تصريحات نارية، تطعن فيالدستور، وفي إحدى المرات سألت أحدهم عن هذه الازدواجية، فأجابَ مباشرةً وهو يبتسم: " نحن نقول هذا الكلام لأنَّ ناخبينا ينتظرون منا هذه التصريحات!!"، وبالتالي فإنَّ أعضاء الدورة المقبلة سوف يكونون أكثر تشدداً) (3).

السائلُ أو المسؤول عن هويته، نفسه، ذاتهُ، صار شخصاً آخر غير الذي أراد هو أن يكون، لأنَّ عضو مجلس النواب يتصرف بحسب ما ينتظره ناخبوه، هذه ثقافة تجعلني أخسر نفسي، تبحث عن مستهلكين فقط، وهي ثقافة لا إنسانية، وحين شعرَ فلاسفة البنيوية بمخاطر لا إنسانية ثقافتهم، بدأوا ببحثٍ عن حلول وتبريرات. يقول ليفي شتراوس: (إنَّ هدف العلوم الإنسانية ليس الكشف عن الإنسان بل تفكيكه) (5). ولكن علينا بحسب هيدغر (تجنُّب فهم إنسانية الإنسان على نحوٍ ضيق أكثر مما ينبغي) (4). الفهم الضيق للإنسان باعتبار هويتهِ شخصاً مختلفاً، وهو بحسب هويته الأكثر اتِّسَاعاً باعتبارهِ إنساناً، وهل غير الفهم الضيِّق لإنسانية الإنسان سبب في انحطاطِ العالم إلى واقع المجتمعات البدائية؟ حيث يأكل القوي الضعيف، ويحوِّل الغني أخاه الإنسان الذي يعمل عنده، إلى آلة حرارية تعمل في درجة حرارة 37 درجة مئوية، عامل المطعم يعمل منذ الساعة الثامنة صباحاً حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، لقاء أجر يومي قدره عشرة آلاف دينار فقط، صاحب المطعم قد يكسب خمسمائة ألف دينار يومياً أو أكثر، هذا العامل: متى ينام؟ متى يرى أطفاله؟ هل لديه فرصة للتفكير وللتأمُّل؟ هذا النوع من الاستغلال، يمحو الشرط الإنساني في نفوسنا، الفاصل الصامد ضد تحويلنا إلى آلات.
صفحة 2
وبحسب مونتين (إنَّ كل فرد في حدِّ ذاتهِ يحمل شكلَ الوضع البشري برمته) (6). لأنَّهُ قبل أنْ تكون له هويَّـة هو إنسان، سُمُوُّهُ في إنسانيتهِ، ولذلك قال تعالى {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا } المائدة: 32. فَمَنْ يستَحِلُّ قتل الإنسان، يستحِلُّ قتل الجميع، لأنَّـهُ ينكرُ الشَّرع، ويرى نفسه إلهاً فوق القانون، كقول النمرود: (أنا أحيي وأميت). لم يقل تعالى مَـن قتلَ مؤمناً أو مسلماً، ولم يحدِّد هوية للقتيل، بل قالَ نفساً، إنساناً، بل يَحرُمُ قتل أرنبٍ أو طائرٍ دونما سبب، ومن قتل حيواناً خطأً، تقع عليه صدقة يدفعها كفَّارةً عن قتلهِ الخطأ. لكن ليس في أنواع القتل كافة: سفكٌ للدماء، فالغني يقتل الفقراء باستغلالهم، ووعاظ السلاطين يقتلون المئات بتضليلهم، يُقْتَلُ الآخر بسبب اختلاف لونه أو لغته أو هويته، وهذه العنصرية في ازدياد مستمر، الثري يقسو على الفقراء لأنَّهم فقراء، والمؤمن ينظر إلى غيره باحتقار، بينما الغنيُّ بالإيمان عليهِ أنْ يراعي الفقر الإيماني لدى الآخرين، وكذلك الغنيُّ بالمال أو بالسلطة، أو بالعلم والمعرفة. لكن المتطرفين يقفون على النقيض تماماً، و(ليس هناك بشرٌ أسوأ من الذين يتبجّحون دائماً بهويِّتهم. فهؤلاء المتعصبون لا يعتقدون ـ أنَّهم على صواب ـ فَحَسْب، بل إنَّهم مُسْتَعِدُّون دائماً لحفرِ قبرٍ تحت أقدام من لا يصدِّقُهُمْ، وَمَنْ يُنَبِّههُمْ إلى أخطائهم) (7). الذين يتبجَّحون بهويتهم هم أعينهم الذين يتبجَّحون بثقافتهم، أو أموالهم، أو مناصبهم، أو منزلتهم لدى السلطان.

وكانت الحقوق والحريات في القانون الأساس لسنة 1925 ضئيلة إلى حدٍّ ما، فلم يرد أيُّ ذكرٍ للشعب الكردي، ولا لغيره من الاثنيات، ونصت المادة الثامنة (العراقيون متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وفي ما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة. لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الأصل أو اللغة أو الدين وإليهم وحدهم يعهد بالوظائف العامة مدنية كانت أو عسكرية ولا يولى الأجانب هذه الوظائف إلا في أحوال استثنائية يعينها القانون). ووفق قانون آخر قسموا العراقيين إلى تبعيات عثمانية وفارسية، ومنحوا الوظائف العامة إلى الوافدين من سوريا ومصر والجزيرة العربية، ثمَّ صدرَ دستور العراق المؤقت في 27/07/1958، ونصت المادة الثالثة منه (يقوم الكيان العراقي على أساس من التعاون بين المواطنين كافة باحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم ويعتبر العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية). فازدهرت الثقافة الكردية لثلاث سنوات فقط، ثمَّ صدر دستور العراق 29/04/1964 لتنص المادة 19 منه على (العراقيون لدى القانون سواء وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين ويتعاون المواطنون كافة في الحفاظ على كيان هذا الوطن بما فيهم العرب والأكراد ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية) فعين للكرد واجب الحفاظ على كيان الوطن، ولم يمنحهم أيَّة حقوق. ونصَّ دستور العراق المؤقت 16/07/1970 في الفقرة ب من المادة الخامسة (يتكون الشعب العراقي من قوميتين رئيسيتين، هما القومية العربية والقومية الكردية ويقر هذا الدستور حقوق الشعب الكردي القومية والحقوق المشروعة للأقليات كافة ضمن الوحدة العراقية). وفي الفقرة ب من المادة السابعة (تكون اللغة الكردية اللغة الرسمية إلى جانب اللغة العربية في المنطقة الكردية). فانتشرت النزعة القومية المحلية الإقليمية الكردية.

واليوم تمرُّ الهوية الكردية بمرحلة انتقالية خطيرة، بعد معاناة عدة قرون، مدن كردستان الثلاث (أربيل، السليمانية، دهوك) بعد 2003 خصوصاً، مرت بمراحل نمو سريعة جداً، على نحو قفزات، وكلما تتسع المدن، تبتعد عن جذورها التاريخية وممارساتها وتقاليدها الاجتماعية، وتزداد تبعيتها الاقتصادية، حيث تعتمد في تأمين مفردات استهلاكها اليومي على دول الجوار: تركيا، إيران، سوريا، هذه التبعية عينها هي التي عانتها أثينا في أوج حضارتها، قبل السقوط، وروما من بعدها، وبغداد المستعصم، كانت هذه المدن تستورد كلَّ شيء، مجرد سوق استهلاكية، حتى لم يعد بمقدورها دفع رواتب موظفيها من الشرطة والجيش وموظفي البلاط، حتى أنَّ فكرة المجتمع المحلي الكردي، لم تعد أكثر من فكرة جغرافية بحتة، لم يعد أحدٌ يهتم أو يلاحظ فقدان المودة، وانتشار التشدد إلى حدٍّ ما.

ونقلة من غريزة حب البقاء، إلى غريزة حب النمو والتطور، ثم نقلة بعد نقلة وفجأةً لم نعد نعرف ماذا نريد؟ وإلى أين نحن سائرون؟ ولا نكادُ نعرف ماذا لدينا؟ ماذا نملك؟ وماذا يملكون؟ وماذا ينقصنا؟ خصوصاً والظروف الخارجية من حولنا مضطربة، وبإزائها اضطربَتْ الرؤى والطموحات، مقابل ذكريات ثابتة عن حجم المعاناة التي ما زالوا يُبْدُوْنَ قلقاً صريحاً وواضحاً بشأن إمكانية تكرارها، حالة الاضطراب هذه، أشفقَ منها أدونيس فوقفَ في 16 نيسان 2009 أمام رفات الضحايا في مقبرة حلبجة وقال: (أجبرتني ذكرى مجزرة حلبجة علىالبكاء، أنا الذي لا أبكي، وهذه إحدى سيئاتي الكثيرة، ولكن لا تفسحوا المجال لهذه الذكرى الأليمة أن تفسد عليكم حياتكم) (8). يبدو أنَّ شيئاً لا يفسد الحياة كما تفعل الذكريات الأليمة التي لا تُنسى.
صفحة 3
مكوِّنات الهوية بحسب هنتغتون (1- شخصية: العمر، الاسم. 2- ثقافية: اللغة، الدين، الطائفة، العشيرة، القومية. 3- إقليمية: الجوار، البلدة، المدينة، الإقليم. 4- سياسية: الزمرة، الحزب. 5- اقتصادية: الوظيفة، الطبقة. اجتماعية: الأصدقاء، النادي، المكانة الاجتماعية). وبالإضافةإلى كلِّ ذلك، فللهوية مكوِّن رئيس فات هنتغتون، هذا المكوِّن هو الذي جعل (فراكلين بنجامين يفتخر عام 1760 لانتصار بريطانيا على فرنسا، ويقول: "أنا بريطاني" وفي تموز 1776 شجب فراكلين وألغى هويته البريطانية ووقع إعلان الاستقلال الأميركي) (9).

هذا المكوِّن هو مجموعة كبيرة من الشكوك والأخطاء والمخاوف، التي تثقل كاهل الإنسان، تجعله أكثر تمسكاً بهويتهِ، أو تجبره على إلغائها، وهو بالتالي يعاني صراعاً من جرَّاء التغير المستمر في هويته، والنابع من عجزه عن الإجابة عن (مَـنْ أنا؟ ماذا أريد؟ لماذا أنا هنا؟ أينَ كنتُ قبل مائة سنة؟ أين سوف أكون بعدها؟... الخ). هذه الأسئلة تقضُّ الفكر الإنساني، ولأنَّ بعض العلوم الإنسانية، قد خرجت عن السيطرة، وصارت لا إنسانية، لا تجد حرجاً من تبرير العنف، ومحاولات إلغاء الآخر، منذ العرض الأول لمسرحية شيلر "اللصوص" إلى مقولة الجنرال الأميركي باتون (الأسلحة الأكثر دماراً، هي الأكثر إنسانية، لأنَّها تؤدي إلى نهاية سريعة للحرب). لا يمكنُ لشعبٍ ينقادُ وراء المحافظين، أنْ ينجو من تأثيرات خارجية ناتجة من محاولات غزو ثقافي، من السهل احتواؤها وتحجيمها، لأنَّ الوقوف ضدَّها سوف يزيد من خطورتها، فلكلِّ جديدٍ لذَّة، والإنسان بطبعهِ يعاني صِراعاً بخصوص هويته المفقودة، وهي غير مفقودة، ولكنَّها تنفلتُ منه كلما حاول الإمساك بها، لأنَّها متغيِّرة، وبقاء الحال من المُحال، فالضحيَّة تصير أقسى من جلادها حين تواتيها الفرصة، والأكوان في تغيُّرٍ مستمر، وجوهر كينونة الإنسان في تغيره المستمر، وإنسانيته كامنة في (لن نصبر على طعامٍ واحد) حتى لو كان طعاماً من الجنَّة، ماذا يفعل الإنسان في بحثه عن هويته المفقودة، إذا كان يعرف أنَّهُ يقفُ عاجزاً أمام أسئلة تتعلق بهويته: مَـنْ أنا؟ وأنْ نُشخِّص ونتأمَّل ونعيد صياغة الأسئلة التي نتحدَّث عنها.

وعَوْدًا عَلَى بَدْءٍ، تجاهلنا لأسئلة الهوية من نوع: مَـنْ نحنُ؟ ماذا نريد؟ قد يؤدي إلى عزل الشعب الكردي عن قضيته الرئيسة، ومحو هويتهِ الثقافية، وخلخلة انتمائه، وقطع جذور الموروث الشعبي، مما يهدِّد الأمن الاجتماعي، ويُحقِّق قطيعة بين هويات أديان وقوميات مختلفة، كانت متجاورة ومتعايشة، لكنَّ كلاً منها يعيش في عالمٍ مختلف من الحقائق المختارة بانتقائية عالية، وتأويلات مُغْرِضة، من التاريخ المشترك عينه، لكلِّ قوميةٍ رؤيةٌ مختلفة، ومفاهيم متناقضة، لكن مَـن يقرأ أسئلة الهوية الكردية، اليوم، سيدرك أنَّ ثَمَّـة صورة خارجية جديرة بالتأمُّل:

كيف يمكننا تحقيق مصالحنا العامة بصورة موثوقة؟

في أربيل عاصمة إقليم كردستان أكثر من عشرين قنصلية أو مكاتب رسمية لدول العالم، من بينها أربع دول أعضاء في مجلس الأمن الدولي، تتعامل مع الإقليم بشكل رسمي وبموافقة بغداد، هذا النشاط الدبلوماسي الذي يقوم به إقليم كردستان عربياً ودولياً، بموازاة سياسة الاعتدال والتزام الحياد السياسي الإيجابي غير السلبي، يستلزم وجود خبراء في علم السياسة، يحللون المواقف والتصريحات ويستنتجون ويعملون بصمت تام لدفع العجلة إلى الأمام، لأنَّ الحياد السلبي المزعوم والاكتفاء بمراقبة التطورات، ربما يخفيان موقفاً خائناً أهْوَج، لدولةٍ أو كتلةٍ ما، تُحَرِّضُ جزءاً ضد الآخر، لِحَاجةٍ تُحاولُ إخفاءها، كمن يحاول حجبَ شَمْسِ الضُّحَى بغربال، فأيُّ طريقٍ يؤدِّي إلى فَشَلٍ أميركيٍّ، هو الذي تسلكهُ وتؤيدهُ بعض الدول، حتى وإنْ كان بازدياد عدد القتلى من العراقيين، أو فشلٍ سياسيٍّ أو كارثةٍ أخرى، ومصائبُ العراق عند قومٍ فوائدُ.

الحياد الإيجابي قد يمَنَحُ أربيل ثقلاً إستراتيجياً، يجعلها محط أنظار العالم، لتصير كتلة التحالف الكردستاني الورقة الرابحة، في مجلس النواب العراقي في دورته الثانية، رغمَ أنَّها لم تنل غير 57 مقعداً من مجموع 275 مقعداً، أيْ خُمس المقاعد تقريباً، لكن الكتل السياسية الأخرى، تسعى مُعَنَّاةً إليها، ورغمَ ذلك لَمْ يَصْدُر عن الإقليم تصريحٌ واحدٌ معادٍ لأيَّة كتلة نيابية أو شخصية سياسية، وأبقت الأبواب مُشرعة للحوار مع الجميع، وسارعت إلى الترحيب بأية بادرة لانفراج أزمة تشكيل الحكومة التي استمرت ثمانية شهور بدءاً من آذار 2010، واقترحت استضافة الفرقاء في أربيل، لدفعِ العجلة إلى الأمام، ولكن العجلة لم تتقدَّم، النيات الحسنة وَحْدَها غير كافية، التغير الإيجابي في الموقف الكردي جاءَ عن فهمٍ تام، بأنَّهُ ليس بمقدورِ أحدٍ الرقص في الظلام، وتبديل التحالفات، وتغيير المواقف، فالعالم كله، فَضَلاً عن الشعب العراقي يسمع ويراقب العملية السياسية التي لم تتقدَّم، حتى تدخلت المحكمة الاتحادية بقرارٍ بات غير قابل للتمييز، وليته كان قابلاً، ليرى الجميع ويسمعَ حجج الذي يريد التمييز، بغية تأخير تشكيل الحكومة أكثر من تسعة شهور، وذلك لارتباط إرادةِ بعض الكتل بأطراف خارجية، تعترف عَلَناً بنفوذها في بغداد، وبأنَّ لها مصالح لا يمكن أنْ تتخلى عنها في بغداد، والمصالح هي كِنايَة عن الأطماع، فتشكيل الحكومة العراقية هو في جانبٍ آخر أزمة دولية، قبل أنْ يكون أزمة عراقية، وأمريكا لا تريد معارضة قوية في بغداد، قريبة من نصف مقاعد مجلس النواب، بل تريد حكومة شَرَاكة وطنية، وبمعنىً أصحّ حكومة مُحَاصَصَة، كالحكومات السابقة، تشترك فيها الأطراف كافة لأنَّ وجود معارضة قوية، يعني وجود رقابة، ووجود رقابة قوية يبدو أنَّهُ لا يخدم المصالح الأمريكية، كما أنَّ الشراكة الوطنية الظاهرة في حكومة مؤلفة من جميع الأطراف، تخفي بركاناً من الأحقاد والاتهامات المتبادلة بتهميش الآخر.
صفحة 4
ليس بمقدورنا اليوم أنْ نقاومَ تيار العولمة، فالكرة الأرضية، قرية صغيرة، وعلينا أنْ نعي موقعنا أمام الآخر في هذه القرية، وجميعنا مغلوبٌ على أمرهِ فيها، لكنَّ الغالب بالشرِّ أولُّ المغلوبين، وليس بمقدور العولمة إلغاء الهوية، مهما كانت رياحها عاتية، يقول الشاعر حاجي قادري كويي:

(مائة شاهنشاه وملك قد ماتوا

انظرْ فكردنا لا يزالون كرداً

الشعب باقٍ وغيرهُ فان) (10)

بينما مئات القبائل من الهنود الحمر كانت موجودة قبل كريستوفر كولومبس اختفت ولم يبقَ منها شيء.

كما أنَّ الاستفادة من العولمة أو التعامل مع الآخر، لن يتم بدون تغيير هويوي، لكن هذا التغيير، ليس بالضرورة أنْ يكون ضارَّاً ضَرَراً محضاً، وإنْ كانَ من المستحيل أنْ يخلو من ضرر هويوي، ولكنَّهُ ضرر لا بدَّ منه، لمعرفة أنفسنا بشكلٍ أفضل، وموقعنا بالتحديد من واقعنا المحيط، بدون تزويق يتطلب خوض بعض التجارب.

الهوية الكردية وهي تسيرُ قُدُمَاً في بحثها عن نفسها أو عن التكامل الذي تبغيه، تحاول القفز فوق الكثير من العقبات ذوات الجذور الضاربة في التاريخ، القفزة تعني وجود هوة بين الهوية الداخلية والخارجية، القديمة والحديثة، لكن الهوية الحديثة لا تعني إلغاء الهوية القديمة، وليس بمقدورها، كما يريد البعض منها، وبالتأكيد ليست الصورة الداخلية بأقل أهمية، والتي سوف نقدِّم لها بحكايةٍ من الموروث الهندي الشعبي:

توفي رجلٌ ولم يترك لأبنائهِ الثلاثة غير بطيخة، فاقترحَ الابن الأكبر الاحتفاظ بها كذكرى موروثة من أبٍ عزيز، اعترضَ الابن الأصغر بأن ذلك يجلب العفن والروائح المؤذية، واقترحَ أكلها ورمي قشورها، أما الابن الأوسط فأجاب نأكل البطيخة ونلقي قشورها، نشتري الأرض المجاورة ونزرع البذور، فنخلِّد ذكرى أبينا وننتفع بالخير لأنفسنا وجيراننا، الابن الأكبر (أ) أكثر التصاقاً بالماضي، رأي المحافظين المتطرفين، الابن الأصغر (ج) يمثل العقلانيين المجددين المتطرفين، الذين لا يعلمون أنَّهم يحاربون الهويَّـة، والتراث، ويعملون على زعزعة الوعي الوطني، وزرع بذور الفتنة، وخلخلة الوفاق وروح التسامح، وعرقلة التنافس الشرعي. الابن الأوسط (ب) رأي المعتدلين، لأنَّهُ يعلم أنَّ الحداثة والتجديد لا يعنيان بمكان التخلص من الموروث والأصول.

من منطقِ أرسطو تأسَّسَت العقلانية الغربية، بدأ منطقه بمبدئين، مبدأ الهوية، ويُسمَّى أيضاً بمبدأ الذاتية، ويعني أنَّ أ = أ، لا يمكن أن يتغيَّر (أ) بشكل جوهري، وإنْ حدث تغيير فهو جزئي فقط، وكذلك (ب) و(ج) لذا يجب أنْ يستمر الحوار والتسامح بينهما، ومبدأ عدم التناقض، أي لا يجوز لشيء أنْ يحمل صفتين متناقضتين في الوقت نفسه، فيكون موجوداً وغير موجود في الوقت نفسه، أو حداثياً وتقليدياً، أو شيوعياً رأسمالياً.

في هذا العصر، يتحدث الناس عن حقوقهم فقط، لم نسمعْ أحداً يتحدث فيه عن الواجبات، فعدم اهتمامنا بواجباتنا هو أسُّ المشكلة، فعدم قيام الجماهير بواجبها الضروري لتصحيح المسار، هو سلوكنا الدائم، وهو الذي يجعل الآخرين على ما هم عليه، فلو تعاملنا بطاعة عمياء، سيعاملوننا كعبيد، ولو تعاملنا معهم بلطف ودماثة، وسهولة وأخلاقٍ لَيِّنة، سوف يعاملوننا بالمثل، وهوية المرءِ تتبدَّل بحسب الآخر الذي يواجهه، يقول بيركلي: (إنَّ طعم التفاحة ليس في التفاحة نفسها ـ فالتفاحة بذاتها لا طعم لها ـ وليس في فَمِ مَنْ يأكلها، وإنما الطعم في التواصل بين الاثنين) (11)، فهوية الإنسان ليس في نفسه، بل في الشخص المقابل، فالذكرُ أمام الحسناء الجميلة الأنيقة، يصيرُ شخصاً آخر، وأمامَ شخصٍ يحبه كصديقٍ أو قريب، يصيرُ لطيفاً لأنَّهُ سعيد، والسعادة واللطف معلولان، والعِلَّة تَدورُ معَ المَعلولِ وُجوداً وعَدَماً، لأنَّها تسبق المعلول في الرتبة والدرجة، فإذا زالت العِلَّة زالَ المعلولُ، وعند الغوصِ عميقاً، في أعماقِ الإنسان، في دوافعهِ ورغباتهِ المكبوتة، نكتشفُ أنَّ الإنسان يدفنُ جوهره الذي يجعله هو، يُفَاجأ أنَّ في داخلهِ غابةً، لم يكتشفْ حدودها بعد.

سواء كان هاجس أسئلة الهوية الكردية، يَفرضُ نفسهُ في العلن، أو في السر، مباشرةً أو بصورة غير مباشرة: مختبئة وراء المصطلحات الشعبية التي يشيعها اللاوعي الجمعي، وتأثيره في السلوك الاجتماعي، وللباحث أنْ ينتبهَ أنَّ هذه الأسئلة جزءٌ رئيس من الشرط الإنساني، اليوم يتبارى بشأن هذا الجزء بعض المثقفين الكرد (ج) في بحثٍ محموم عن بناء هوية كردية معاصرة، تتلاءم مع العالم الحديث، دون أدنى اعتراف بالجذور التراثية والثقافية، ولا يعلمون أنَّ التراث والهوية وجهان لعملةٍ واحدة، فلا تكاد تجد هويةً بلا تراث، أو تراثاً بغير تحديث، والتراث هو الموروث الاجتماعي، ولهذا يعاني تفكير هؤلاء شيئاً غير قليل من التعسُّف، فالمجتمع الكردي المحافظ، لا يمكن قولبته بهذه السهولة، برفع شعارات قد تكون غبية، وزائفة، ومُضلِّلَة، عند التطبيق، كاستخدام حرية الرأي والديمقراطية، ككلمةِ حقٍّ يُراد بها باطل، ولهذا يصطدم هؤلاء بصخرةٍ كبيرة (أ) والبعض أيضاً يعمل على استغلال هذه الصخرة، فيقفُ كداعٍ للتمسك بالماضي، والجمود، وذلك لأنَّهم يرون في كلِّ فِكْرٍ جديد وموجةٍ فكرية جديدة، انحساراً لظلالهم الباهتة وأطلالهم البالية، ومصالحهم الشخصية، وفي حوارهم الثقافي مع الآخر لديهم قاعدة: هذا كردي، هذا غير كردي، ثمَّ ظهرَ بعد ذلك: هذا كردي أصيل، هذا غير أصيل، ثمَّ ظهرت ألقاب وأنواع جديدة، منها الكردي "البالة"، وهذه التسمية وإنْ جاءت اعتباطاً، لكن من غير الجائز تركها، دون تفسير وتحليل، فهي كلمة تنعتُ الكردي المُستخْدَم لدى غير الكردي، أو الذي نشأ في بيئةٍ غير كردية، وإنْ كانوا يعلمون أنَّ الذين فروا من كردستان العراق إلى محافظات العراق الأخرى، هم الأغنياء والوجهاء، بسبب الظروف الأمنية السيئة آنذاك، أو من الذين نفتهم الدولة في عمليات تهجير متفرقة وقعت في عمر الحكومة العراقية منذ بداية تأسيسها، ولأسبابٍ مختلفة، وبالتالي فلا ذنبَ للكردي الذي ولد في بغداد أو في البصرة، وظهرَ فريقٌ ثالث يحاول التوفيق (ب) وفرقٌ أخرى تحاول القفز عالياً، أو الاعتزال. وفريق الاعتزال هو الأخطر والأكثر عنفاً، لأنَّهُ يغري (أ) و(ج) كلّاً على حدة، بجدوى المقولات التي يتبناها، وهو استسلامٌ يهدِّدُ كياننا، يتمثَّل البقاء في الظلام بصمت.
صفحة 5
السياسي في العراق هويته ملتبسة، فهو عسكري محترف، وأكاديمي، واقتصادي، وكلُّ شيء، ولكن الغالب على هوية السياسي، هو العنصر العسكري، ولهذا أسميه العسكسياسي.

لا أدري لماذا لا يرتدي ساسة المنطقة الخضراء الزيَّ العسكري؟ خصوصاً وهم متخندقون في المنطقة الخضراء وراء أكداسٍ من أكياس الرمل الكبيرة، ونقاط التفتيش الكثيرة. هل هذه مأساة تاريخية أم مهزلة؟ بالأمس القريب احتفلَ الشعب العراقي مُجبراً بتحرير الكويت، واليوم يحتفل بتحرير العراق! بالأمس احتفلنا بانتصارات زائفة كأمِّ المعارك ويوم النصر العظيم، اليوم نحتفلُ لأنَّ العراق أكثر دول المنطقة استقراراً وأمناً!! يعلِّقُ ماركس على مقولة هيغل (جميع الأحداث الكبرى والشخصيات التاريخية تكرر نفسها مرة ثانية إنْ جازَ التعبير) بقوله: (لقد نسيَ هيغل أنْ يضيف في المرة الأولى كمأساة، وفي المرة الثانية كتهريج) (12).

جورج بنجامين كليمنصو (1841-1929) رئيس وزراء فرنسا إبان الحرب العالمية الأولى قال: (الحرب لعبةٌ خطيرة جداً، ومن الخطأ تركها للعسكريين وحدهم). بعد أكثر من عقدين ردَّ عليه الجنرال شارل ديغول (1890-1970) بقولهِ: (الحرب لعبة خطيرة جداً، ومن الخطأ تركها للسياسيين وحدهم). كانا محقين، كلٌّ في عصرهِ وأوانهِ والظروف المحيطة، وبعد أكثر من نصف قرن، قال الفريق الركن رعد مجيد الحمداني قائد فيلق الحرس الجمهوري العراقي الثاني: (لكي لا يتحمَّل القادة السياسيون أخطاء القادة العسكريين، ينبغي أنْ يتمسَّكوا بتلك الحدود الفاصلة بينهما) (13). ما هي الحدود الفاصلة؟ هل يعلم رئيس الحكومة القائد العام للقوات المسلحة، وزير الدفاع والداخلية وكالةً، شيئاً عن هذه الحدود الفاصلة؟ لماذا يدعمُ شخصاً في منصب قائد فرقة رغم معرفته بكلِّ الأخطاء التي ارتكبها؟ يذكرني بعبد الملك بن مروان ودعمهِ غير المحدود للحجاج بن يوسف الثقفي: بذرة سقوط الدولة الأموية.

كلُّ خطأ عقوبةٌ للخطأ الأول، حرب الخليج الأولى كانت مأساةً كبيرةً، وقعت لأسبابٍ سخيفة، باعتراف قادة الطرفين في الرسائل الشخصية التي تبادلوها بعد نهاية الحرب، حرب الخليج الثانية كانت تهريجاً حقيقياً، انتحاراً سياسياً وعسكرياً بسبب حجم الديون الكبيرة التي ترتبت على الحرب الأولى، بتوابعها والاحتفالات السنوية بالانتصار العظيم في أمِّ المعارك، قام الرئيس بوش الأب بتحريض الشعب العراقي على الثورة والانتفاض، ووعدَ بمؤازرته في خطاب أذاعته وسائل الإعلام، وألقيت المناشير، ولكن الرئيس الأمريكي لم يفِ بوعودهِ، وتركَ أربع عشرةَ محافظة تحت سطوة القمع والانتقام، وما حرب الخليج الثالثة إلا نتيجة من نتائج الحرب الأولى، لمَّا لم تستطع أمريكا حشد التأييد الدولي لحربها الأخيرة، مع تهديد وزير خارجية فرنسا باستخدام حق النقض الفيتو، إذا تمكنت أمريكا من الحصول على تسعة أصوات من مجموع خمسة عشرَ صوتاً، أنذرَ بوش الابن بدعم بريطانيا وإسبانيا صدام حسين بوجوب مغادرة العراق مع نجليه خلال 48 ساعة، مع تسريب تصريحات إعلامية لكبار المسؤولين الأمريكيين، بأنَّ الحرب قائمة سواء غادر الرئيس العراقي أم لم يغادر. حاول الشيخ زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة بدعمٍ من السعودية، إقناع صدام حسين بمغادرة العراق لتجنب ويلات الحرب، واليوم أيضاً أقنعت السعودية الرئيس التونسي زين العابدين بضرورة تجنب إراقة الدماء، والمصري كذلك. فمجلس الأمن الذي يسارع إلى التدخل في حالات انتهاك حقوق الإنسان، يتقاعس إذا تغيرت شخصيتا الظالم والمظلوم، وكذلك الموظَّف الذي يسارع إلى تسهيل معاملة المراجع إذا كان ثريَّاً شهيراً، أو مسؤولاً كبيراً أو مواطناً قد يحمل رسالةً من أحدهما، يتقاعسُ إذا كان المراجعُ مواطناً عادياً، فالفساد موجود في العقل اللاواعي السائد، وليس بالمقدور التأكد هل فساد المجتمع سبب لفساد السلطة، أم نتيجة؟ نتجنَّب الولوج إلى متاهة البيضة والدجاجة، لنعودَ إلى الناس صانعي التماثيل التي يعبدونها، ومن ثمَّ يثورون عليها، الناس يديمون شكاواهم وتذمرهم، لا يجدون وقتاً للسؤال: كيف نصحِّحُ الخطأ؟ بدلاً من هذا يسألون: مَنْ فعلَ هذا بنا؟ ماذا نفعلُ بهِ؟ الناس في هذا العصر يتحدثون عن حقوقهم فقط، لم أسمعْ أحداً يتحدث فيه عن الواجبات، عدم اهتمامنا بواجباتنا هو أسُّ المشكلة، سلوكنا هو الذي يجعل الآخرين على ما هم عليه، فلو تعاملنا معهم بلطف ودماثة، وسهولة وأخلاقٍ لَيِّنة، سوف يعاملوننا بالمثل، وهوية المرءِ تتبدَّل بحسب الآخر الذي يواجهه، كتفاحة بيركلي، ولا يوجد أدنى تواصل بين الشعب المغلوب على أمرهِ، وحكومة المنطقة الخضراء، ومن الغبن تحميلهم الخطأ وتبرئة أنفسنا، خصوصاً وأنَّ صناديق الاقتراع تشهد لهم، وسوف يفوز الأشخاص أنفسهم في أية انتخابات مقبلة، كما قلت في الانتخابات السابقة، وصدقَ حدسي، خصوصاً وأنَّ الصناديق بأيديهم.

لم يستطع كتابي مجاراة البحث العلمي، لأنَّه في أصلهِ مجموعة مقالات، لكن بعض أمَّهات الكتب الفكرية كانت في أصلها مجموعة مقالات، تعرضت للتنقيح، والتشذيب، كما لم ألتزم بوحدة الموضوع، حتى قد يبدو للقارئ أحياناً أنَّ العنوان لا يتطابق مع المتن، لكن ونحن نعيش هذا التطور الهائل، قد صار واضحاً جلياً، أنَّ كلَّ شيء متعلِّق بكلِّ شيء، وتقاعسنا وكسلنا الذهني ينأيان بنا عن اكتشاف العلائق المجهولة بين الأشياء، ولست أروم الحصول على درجة علمية، ولا جائزة، ولعلي ساهمت في رفد المكتبة الكردية بكتابٍ وعنوانٍ جديد، وربما سهَّلتُ على الباحثين من طلبة العلم، التنويه بالمصادر التي اعتمدتُ عليها، كما أنَّ مناهج البحث العلمي، صارت محلَّ انتقاد الكثير من العلماء والباحثين لكون بعض أساتذة الجامعات أبعد ما يكون عن التجرد التام للعلم، وانشغالهم بمصالحهم الشخصية، كما أنَّ آليات البحث الأكاديمي قد أكلَ الدهرُ عليها وشرب، ومن شأنها أنْ تقلل وتحصر حرية الباحث، وتحجِّمُ آراءه، بتمجيد المصادر التي كانت وسيلة فصارت غاية، وتغالي في قدسية التوثيق على حساب أهمية متن البحث نفسه.

من مقالةٍ قصيرة نشرتها في جريدة الزمان (14)، ثمَّ استهوتني محاولة تنفيذ حفريات في الهوية الكردية المعاصرة، للخروج من دائرة الكسل الذهني، والتأكيد على أهمية الموضوع، الذي لم أستطع أنْ أمنحهُ حقه، لضعف قدرتي وضيق الوقت، وقلة المصادر، ورغم كلِّ ذلك لَمْ يرقَ كتابي إلى مستوى الدراسات الأكاديمية، خصوصاً بعد التطور الكبير الذي أحدثتهُ المؤسَّسة الأكاديمية في علم الخرائط، حتى أنَّهم طوروا خريطة قرية صغيرة، حتى صارت تتَّسِعُ لمدينةٍ كبيرة بعمرانها وجسورها!!!

اكتشفَ فرانك فوريدي أستاذ علم الاجتماع في جامعة كينت البريطانية، وبواسطة المراسلات مع زملائه من دول العالم، أنَّ التسطيح المؤسَّسي لم يكن مجرد مشكلة بريطانية، يقول فوريدي: (في مايو عام 2003 كتبت مقالاً عنوانه "ما الذي تعنيه الجامعة الآن؟" ركزت علىالغياب النسبي للتحفيز الفكري والتحدي في الجامعات المعاصرة، وسردتُ قصصاً أخبرني بها طلاب في المرحلة الجامعية الأولى حيث هناك العديد من الحالات التي يقضي فيها الطلاب عاماً كاملاً لا يقرؤون فيها كتاباً واحداً) (15)، هذا الكلام عن بريطانيا التي تجني أكثر من سبعين مليار دولار سنوياً بواسطة السمعة العالمية لجامعاتها، فكيف الكلام في جامعاتنا؟ ويكمل فوريدي: (وفي حين أنَّ المؤسسة الثقافية تفخر وتتباهى بإنجازها المتمثل في تحويل المتاحف إلى مراكز نشاط اجتماعي أو حدائق ترفيهية تفاعلية، فإنَّ أولئك الذين يديرون التعليم العالي، ما زالوا خجلين من الإعلان عن حقيقة أنَّهم منخرطون في تحول الجامعات إلى مدارس ثانوية يجري التعامل مع طلاب الجامعات على نحو متزايد على أنَّهم زبائن/ص151) (16). خصوصاً إذا كان الطلاب مسؤولين سياسيين أو قادة أجهزة أمنية، كما في جامعات العراق الجديد حيث لا يُعامل الطالب المسؤول كطالب، بل كزائر مفتِّش، يمتحنُ في غرفة العميد بطريقة openbook وبمساعدة أفضل الأساتذة يتخرَّج بدرجة جيد.

ماذا بوسعي؟ ربما يشفعُ لي أنِّي بَذَلْتُ جُهْدَ المُقِل، في البحث والتنقيب، والفحص والتحليل، والشرح والتفسير والمقارنة، مع الاستعانة بالمصادر الشحيحة التي وقعت تحت يدي، وهذه بضاعتي المُزجاة أضعها بين يدي القارئ الكريم، وإنْ أخطأت، فمن نفسي، وعجزي، وضيق الوقت، وقلة حيلتي وشحّ مصادري، كما لم يخلُ كتابي من تحليلات وآراء، قد يراهن البعض على خطئها، لكني أنوِّهُ بحقيقة ثابتة منذ بدء التاريخ، لم يسلم إنسانٌ من الخطأ والسهو والنسيان.
صفحة 6
الفصل الأول

اللغة والهوية

كان رولان بارت يتنزَّه في بلدته التي تقع في الجنوب الغربي في فرنسا، بلدة هادئة يقطنها صِغار المتقاعدين، فقرأ ثلاث لافتات مختلفة على باب فيلات ثلاث (كلب شرير- كلب خطير- كلب للحراسة) فأخذَ يفكِّر في تفاحة نيوتن، واستنتجَ بارت (إنَّ هذه التعبيرات الثلاثة لا تكون سوى تعبير واحد ورسالة واحدة: "لا تدخلوا" وإلا سَتُعَضُّون..عبارة "هذا كلب شرير" عبارة عدوانية، وعبارة "هذا كلب خطير" تنمُّ عن حب للبشر، وعبارة "هذا كلب للحراسة" عبارة تبدو في ظاهرها موضوعية.. مالك الفيلة يختبئ وراء خطابه) (17) وهكذا تختبئ كلُّ قائمة انتخابية وراء شعاراتها، وكلُّ إنسانٍ وكلُّ جماعةٍ بشرية تختبئ وراء لغتها، وهوية الإنسان تنكشف جزئياً من لغته وأسلوبه في الكلام، ويضيف بارت (فالمجتمع ببناه الاجتماعية- الاقتصادية والعِصابية، يتدخَّل وهو الذي يبني اللغة كما لو أنَّها حَيِّز حربي.. ولقد نقول إنَّ الترادف هو الذي يسمح للغة بالانقسام، ذلك لأنَّ الترادف مُعطى نظامي وبنيوي وهو على نحوٍ من الأنحاء مُعْطَى طبيعي من مُعطيات اللغة، ولكن الحرب اللغوية هي نفسها ليست طبيعية: إنَّها تنشأ هنا، حيث يحوِّل المجتمع الفوارق إلى صراع) (18).

الإنسانُ لا يُظْهِرُ ولا يكشفُ هويته حتى يُطلبَ منه ذلك، لكنَّه غالباً ما تنكشِفُ هويته بمجرد نطقه لكلمات محدودة، فهل بمقدور إحداهما ـ اللغة والهوية ـ الاستغناء عن الأخرى؟ وبماذا تمتازُ كلُّ أُمَّـةٍ عن غيرها؟ كيف للغة أن تميِّزَ خِطاباً عن آخر؟

اللغة موجودة حتى في صمت الإنسان، وطريقة نظرهِ شزراً أو جذلاً، أو حزناً، أو عن طريق لمسةٍ خفيفة، أو نظرة موحية تقول أكثر مما تقوله مقالةٌ طويلة، واستشهد جان جاك روسو (ويذكر شاردان أنَّ الدَّلالين في جزر الهند يمسكُ بعضهم بأيدي البعض، ويغيِّرون من أساليب تلامسهم، بحيث لا يفطنُ إليهم أحد، فيعقدون بذلك كل صفقاتهم سِرَّاً على رؤوس الملأ، ومن غير أن يتبادلوا كلمةً واحدة.. وهو ما يبيِّن أنَّنا نقدر بالاقتصار على أحد الحسِّين اللذين بهما فعالياتنا على أن نجعلَ لأنفسنا لغة... بل ثَمَّـة ما يدعو إلى الاعتقاد بأنَّ لغة القنادس ولغة النمل إنَّما هي لغات إشارة، ولا تُخاطب إلا العيون) (19).

ولغة النمل حقيقة علمية قال بها القرآن، وأكدتها الأبحاث العلمية، فمن غير المعقول أنَّ النمل وهو يعيش في نظام عائلات، ويتم توزيع الوظائف بحسب الفئات العمرية، والطبقة العائلية، بين آلاف النمل، وبناء المستعمرات الكبيرة، بدون وجود لغة للتفاهم. وذكرَ الجاحظ في كتابه الحيوان عن النمل (إنّ سادتها اللَّواتي يخرُجْنَ من الجُحْر، يرتَدْنَ بجماعتها، ويستبقن إلى شمِّ الذي هُو مِنْ طعامهنَّ) (20). والنمل يعتمد الرائحة لغةً للتخاطب والتفاهم، وهي لغة خفية، صامتة، حيث تفرز مواد كيماوية " فرمونات "، ويقصر الباحثون استخدام كلمة " فرمون " على وصف الرسائل الكيماوية المتبادلة بين حيوانات من السلالة نفسها، وإذا طبقنا هذا على عالم النمل نجد أن النمل يتميز برائحة خاصة تدل على الوكر الذي ينتمي إليه، والوظيفة التي تؤديها كل نملة في هذا الوكر، وحينما تلتقي نملتان فإنهما تستخدمان قرون الاستشعار، وهي الأعضاء الخاصة بالشم، لتعرف الواحدة الأخرى، ووجِدَ أنه إذا دخلت نملة غريبة مستعمرةً غير مستعمرتها، فإنَّ النمل يتعرفُّ إليها من رائحتها، ويعتبرها بمثابة عدو، ويهجم عليها، وفي إحدى التجارب وُجِدَ أنَّ إزالة الرائحة الخاصة ببعض النمل التابع لعشيرة معينة، بإضافة رائحة خاصة بعشيرةٍ أخرى عدوة، أدَّت إلى مهاجمته بأفراد من عشيرته نفسها. وفي تجربة أخرى عن غمس نملة برائحة نملة ميتة ثم أعيدت إلى وكرها، لوحظ أن أقرانها تخرجها من الوكر لكونها ميتة، وفي كل مرة تحاول فيها العودة يتم إخراجها ثانية على الرغم من أنها حية تتحرك وتقاوم، وبعدما تمت إزالة رائحة الموت فقط تم السماح لهذه النملة بالبقاء في الوكر.

كذلك الإنسان الغريب تنكشِفُ جنسيته وشخصيتهُ وطريقة تفكيره بعدما يتكلَّم، كما قال إبرهة الحبشي لعبدالمطلب: قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه، فقال له عبد المطلب: إنِّي أنا ربُّ الإبل وإنَّ للبيت ربَّـاً سيمنعه، قال إبرهة: ما كان ليمتنع مني. قال أنت وذاك. من طريقة كلام إبرهة نستنتجُ أنَّه صاحب فِراسَة، لكنَّه لم ينجُ من الخطأ بسبب كبريائه، والكبرياء بداية السقوط، فهو قد قرأ في وجه عبدالمطلب سيماء الحكمة والوَقار، وكان يتوقَّع منه أنْ يطلب منه الرجوع أو يتفاوض معه على الأقل، لينقذ الكعبة، وإبرهة لم يفهم جوابه، أيضاً، لأنَّهُ لا يثقُ إلا بقوته.
صفحة 7
يظنُّ البعض أنَّ اللغة هي أهم عناصر الهوية، والبعض الآخر يقدِّم الدين، أو القومية، أو غير ذلك، بحسب الرائي والرؤية، اللغة شِعار، وسيلة، وذريعة، وإذا لمْ يكُنْ شعاري إلَيكُمْ ذَرِيعَةً، فَيا لَيتَ شِعرِي: ما تكونُ الذّرَائِعُ؟ هذا لسان حال الأحزاب، ولسان حال المواطن العراقي يقول: يا ليت لي نعلين من جلد الضبع، وَشَرَكَاً مِنْ إسْتِهَا لا تَنْقَطِعُ، ولسان حالي يقول: ليت الحرب بين الأحزاب تبقى في خانة الشِّعارات الصادقة القابلة للتطبيق، بعيداً عن المزايدات الوطنية الرخيصة، كما في دول العالم الأول، ولا تنتقلُ إلى حرب الشوارع والأزقة والمحال، ويقول في ذلك عنترة العبسي يَذُمُّ التمني والطمع الكاذب:

ألا قاتلَ الله الطلولَ البواليا

وقاتل ذكراك السنين الخواليا

وقولك للشيء الذي لا تناله

إذا ما هو احلولي ألا ليت ذاليا

لا أحدَ ينكرُ أنَّ صورة الكردي في العقل العراقي، قد تطورت بعد 2003، فالعمران في أربيل والحدائق الغنَّاء والشوارع النظيفة غير المغلقة، والتشجير مثار حديث الناس، هذه الصورة في انعكاسها السلبي والإيجابي، لم تظهر في نصوص الأدباء الكرد، لكن هل يكفي العمران للتحديث؟ وهل المجتمع الكردي: تقليدي أم حديث، أمْ هو مزيج من الاثنين؟ كيف يتأتى أنْ تكون الهوية الكردية حديثة قديمة، عشائرية قبلية تقليدية، غربية أوروبية، في آنٍ واحد؟ وبهذا تكون أزمة الهوية الكردية داخلية أكثر مما هي خارجية، داخلية من حيث العلاقة بين الشخصانية الانفعالية والحقيقة، والمغالاة في البعد التاريخي باعتبارهِ إطاراً ضيقاً يحتوي مسألة (الذاتي/الحقيقي)، ليست بأقلَّ ضرراً من استبعاد هذه المسألة. هل هوية المجتمع الكردي نتيجة حتمية للأنساق الثقافية التي تشكِّلُهُ؟ ما هي حقيقة وجود إستراتيجية مُحدَّدة المعالم عند المؤسَّسة الثقافية؟ غالباً ما تمارس خططاً، ليست فاقدة للإستراتيجية فحسب، بل ذات نسق ثقافي واحد، متفرِّد، يثير الملل، مما قد يدفع إلى نسق أو أنساق مضادة، خصوصاً وأنَّ جزءاً من هذا المجتمع يعيشُ واقعاً لا زمنياً، (خاصيته الأهم أنَّه يعيد إنتاج نفسه في عملية اجترارية لا متناهية).

المؤسسة الثقافية والجهات المدعومة من الدولة، تحاول فرضَ نوعٍ من الحداثة، لا يرى فيه المجتمع الكردي ضرورة ملحة في سلم أولوياتهِ، وبالتالي نشأت حالة صراع بين بنية حديثة تلتزمها الدولة وتريد فرضها، وبنية تقليدية، يتمسك بها الشعب في عقله السائد، وشعوره اللاواعي، قد يبدو أنَّ تماسك الشعب الكردي وتمسكه بهويته، بدأ يتضاءل شيئاً فشيئاً، ليس بسبب الانبهار بكل ما هو غربي ومستورد فحسب، بل بسبب الاستلاب الحضاري والضغط الذي تمارسه جماعات من جنسيات مختلفة، عادت من الغرب بعد حصولِ أحدهم على جنسية إحدى دول العالم الأول، وثروة صغيرة ليبدأ مشروعاً ثقافياً كالمدارس الخاصة التي تتبنى طرق تدريس غربية حديثة باللغة الإنكليزية، أو حصول أحدهم على منصب إداري أو حكومي يساعده على تطبيق النظريات الغربية المستوردة، دونما ملاحظة التدرج الذي مورس في المجتمع الغربي، مع الفروق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ما الذي يجعل مجتمعاً ما، يتفكَّكُ بمجملهِ؟ أليس الفساد وازدياد الفروق الطبقية؟ لماذا توجد اختلافات كبيرة بين طبقات المجتمع الواحد؟ ربَّ قائلٍ إنَّها اختلافات سطحية فقط، لماذا لا ننتبه إلى جذور هذه الاختلافات التي بدأت تمتدُّ نحو الأعماق؟

هل تلزم عملية تحديث مؤسسات الدولة، أنْ تسبقها عملية تحديث اجتماعي؟

أليس من الممكن أن يعود هذا التحديث المفاجئ بنكسة كما حدث للدولة العثمانية ولشاه إيران في أواخر عهديهما؟

قد يأتي التحديث سبباً للتطور والتقدم، ولكن التاريخ يخبرنا بأنَّهُ قد يسبق السقوط أيضاً، حين يصير عبئاً ثقيلاً على كاهل المجتمع، حين يعمل على تدمير الطبقة المتوسطة من المجتمع، حين يلغي العادات والتقاليد، فممارسة حق التظاهر في مدينة السليمانية انتهت إلى حوادث مفجعة من قتل وتخريب، وذلك لأنَّ التحديث فوقي فقط، وغير اختياري، والمجتمعات التي فشلت في إنجاز مشروع الحداثة أصيبت بأزمة هوية حادة، أدت بالسلطة الحاكمة شاه إيران، عبدالحميد الثاني، الملك فاروق، إلى بدء التحديث في المجتمع الغربي بممارسته الضغط على السلطة، ثورات أوروبا الكبرى: ثار وليام الصامت أمير أورانج عام 1568، على مستخدمهِ ملك إسبانيا فيليب الثاني، بسبب اعتداءات الأخير على حريات الهولنديين، وإدخالهِ محاكم التفتيش إلى هولندا، فانقلبَ على فيليب، وصارت هولندا دولة مستقلة، وثورة إنكلترا 1688، المعروفة باسم الثورة المجيدة، تمثّل نجاحها في عزل الملك جيمس الثاني، وفي " إعلان الحقوق" الذي أصدره البرلمان الإنكليزي عام 1689، وقد استعرض إعلان الحقوق المظالم التي ارتكبها الملك جيمس الثاني في حقِّ الشعب، واشترط على الملك الجديد عدم القيام بأي عمل يؤدي إلى الانتقاص من حقوق الشعب، ومن أهم ما تضمّنه إعلان الحقوق الإنكليزي: (حقِّ الملك في التاج مستمد من الشعب الممثل في البرلمان، وليس من الله. ليس للملك إلغاء القوانين أو وقف تنفيذها أو إصدار قوانين جديدة، إلا بموافقة البرلمان. لا تُفرض ضرائب جديدة، ولا يُشكّل جيش جديد إلا بموافقة البرلمان. حرية الرأي والتعبير في البرلمان مكفولة ومصونة).

ثمَّ جاءت الثورة الفرنسية 1789. هذه الثورات قامت بها الشعوب ضد ظلم السلطات، وأجبرت السلطة على إجراء تغييرات حاسمة في هويتها نصف الإلهية ونبذ فكرة الحق الإلهي في الحكم، بينما تريد السلطة إجراء تغييرات جوهرية في هوية الشعب، بدعوى تحديثهِ، ومبدأ عدم الكمال يحكم إدارة المدن والدول.
صفحة 8
أزمة العقل الحديث

أزمة العقل الحديث، تبدأ من سؤال الهوية.

سؤال الهوية الفلسفي: مَـــــنْ أنا؟ يختلفُ عن سؤال الهوية البوليسي: من أنت؟

الثاني سؤال عائم على السطح، طرحته دوائر البحث الأمريكية، بعد حرب الخليج الثانية وقبلها، فسؤال العراقي: من أنا، يختلف عن سؤال الأمريكي: من هو العراقي؟ الثاني مادي محض، لا روح فيه، مائت ومميت، كالتوافقات والتحالفات المؤقتة قبل تشكيل الحكومة، توحي بوجود مصالح وقضايا مشتركة، هذا الإيحاء الذي سرعان ما يتلاشى بمرور الوقت، وتختفي الابتسامات المستعارة أمام وسائل الإعلام، وتعود لغة التهديدات، استخدام النموذج المادي يعني استخدام الحواس الخمس، كما يعني دراسة الظواهر الإنسانية كما تدرس الظواهر الطبيعية.

استناداً إلى قراءات أمريكية خاطئة للهوية العراقية، منها قراءة ليورا لوكيتز التي اعتمدتْ على حنا بطاطو في أطروحتها التي أجازتها بامتياز جامعة هارفارد الأمريكية عام 1992، ومصادر غربية كتقارير وزارة الخارجية الأمريكية، في سؤال الهوية العراقية منذ تأسيسها، لكن مصادر لوكيتز لم تتعامل مع الواقع العراقي الراهن، كما لم تقرأ الماضي بعمقٍ كافٍ، هوية العراقي معقدة إلى درجة تجعل من المستحيل على دراسة سطحية، من طالب دراسات عليا، كلُّ ما يشغله هو الحصول على الدرجة العلمية، هوية العراقي تشكَّلت عبر آلاف السنين، في تقلبات تاريخية، وجغرافية، وسكانية، صراع مستمر مع الشعوب المجاورة، علماً أنَّ القسم الأول من دراسة لوكيتز تناولَ ملخصاً عن الدولة العراقية منذ تشكيلها، حتى ثورة 1941، وتصل إلى نتيجة من خلال مخاطبات ووثائق رسمية (تعلَّمت بريطانيا أخيراً، بعدمحاولاتها بناء نظام سياسي في العراق، مَبني على أسس العقل والمنطق، أنَّ العواطف والمشاعر في الشرق الأوسط لا يمكن لجمها بالاتفاقيات والمعاهدات) (21). على هذا الأساس تتعامل أمريكا مع الشعب العراقي، باعتبار هويته العاطفية الانفعالية، وتعتمد لوكيتز على حنا بطاطو في تأكيدها على (أهمية دور علماء الدين في الحفاظ على هوية المجتمع على المدى الطويل) (22)، وبدت هذه السياسة واضحة من خلال اهتمام بريمر وتركيزهِ على محاولاته كسب بعض الرموز الدينية فقط، باعتبارها لِجاماً للشعب، لكن سلطة الرموز ليست مطلقة، وغالباً ما تنساق وراء مطالب الشعب، وهوية شعبٍ ما، تتشكل عبر مئات السنين من خلال تفاعله مع الطبيعة وبيئته الجغرافية ومع بني جلدته ومع الشعوب الأخرى. ولأن أعضاء هذا الشعب لا يعكسون الواقع كما هو، وإنما يتفاعلون معه (فعقولهم التوليدية تبقي وتستبعد وتضخم وتهمش) وهويتهم تتشكل من خلال إدراكهم لما حولهم، ومن خلال تطلعاتهم ورؤاهم وذكرياتهم، فهي ليست مجرد انعكاس بسيط لبيئتهم. ومن هنا تكتسب الهوية فرادتها وتركيبيتها اللتين لا يمكن ردهما إلى قانون أو نمط مادي.

لكن عادة ما ينطلق البعض من الرؤية المادية التي يسمونها "علمية"، فيدرسون الهوية في إطار النموذج المادي كما يفعل كثير من الدارسين في الغرب.

وتكمِلُ الدكتورة لوكيتز: (أمَّا في الأقاليم الشمالية، فكانت هذه الفروقات تظهر بشكلٍ أقلَّ وضوحاً... فشيوخ العشائر الذين كانوا يمارسون السلطات الدينية والحياتية كانوا واعين للتهديد الثقافي الذي كانت عملية بناء الدولة تشكِّلها على مجتمعهم الكردي، قاطعين بذلك الطريق على قيام أطراف منافسة لهم، في البحث عن تحالفات خارج مجتمعهم) (23). لماذا ومتى تصير الدولة خطراً على المجتمع؟ وإذا كانت الأسباب غير معروفة، فما يدرينا اليوم أنَّ البعض يعتقد أن بناء مؤسسات الدولة العراقية، خطر على هويتهم؟

العقل الأمريكي ومنذ أكثر من ثلاثة عقود، واقعٌ تحت سيطرة أجهزة المخابرات والجنرالات، هي التي تختار اتجاه الدراسات، وإنْ كان ذلك بطريقة غير مباشرة، وبذلك دخل العقل الأمريكي مرحلة العمل العلني المكشوف مع علاقات غير ودية مع أوروبا، ودول العالم كافة. قالت وزيرة خارجية أمريكا مادلين أولبرايت: (نحن الأقوى في العالم، وعلى من يعتقد في نفسه القوة، أنْ يواجهنا بحقيقته، ونحن الأغنى، وعلى من يعتقد في نفسه الثراء، أنْ يكشف لنا أوراقهُ).
صفحة 9
أزمة الهوية في النَّسَق المعرفي

أين المجتمع الكردي في التقسيم الثنائي للمجتمعات: حديثة، قديمة؟

لكن ما هي معايير الحداثة؟

المجتمعات الحديثة تنظرُ إلى مؤسَّسات الدولة، نظرة أليفة، كما تنظرُ إلى بيتها، وتحتقرُ الكاذب أيَّما احتقار، ولا يوجد أحد يقبلُ على نفسهِ أن يقبض راتبين من الدولة، ويأنف الكثير من الحصول على إعانة العاطلين رغم الحاجة، سألت الكثير من المغتربين: ماذا تعلمتم؟ فأجابني الكثير، مباشرةً: الصدق. هل كانَ مجتمعنا يُعَلِّمُهم الكذب؟

هذا السؤال يحتاج إلى وقفة طويلة، لماذا لا يزدان الكذَّاب عندنا، المتملِّق، المنافق، بالاحتقار الذي يلحقه في المجتمعات الغربية؟ لم نرَ أو نسمع أنَّ مسؤولاً في دول الغرب، يمدحُ نفسه، أو يسمحُ للآخرين بمدحهِ حدَّ التقديس، نحن نصنع آلهتنا بأيدينا، ثمَّ نعبدهم، لديهم الخيانة الزوجية عارٌ للجنسين معاً، الذكر والأنثى، لكن هنا يبدو أنَّ الذَّكَر قد تمَّ إعفاؤه بعد تراكمات وتكريس مفهوم خاطئ للفحولة، حيث إنَّ الكثير من الذكور المتزوجين يفتخرون بخياناتهم أمام المجتمع، وأمامَ زوجاتهم في أحيانٍ كثيرة، وإنْ في صورة مزاح، انهيار المنظومة الأخلاقية يسبقه زيادة الهوَّة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، بحيث يعتقد الموظَّف المرتشي، أنَّه يأخذ حقه المسلوب، وهذه فكرة سيئة جداً، ولهذا هلَّلَ هيغل لاجتياح نابليون، لأنَّهُ كان يعلم أنَّ المجتمع الأوروبي سوف يتغيَّر إلى الأبد، وفَهِمَ الأباطرة أنْ ليسَ بمقدورهم الوقوف في وجه نابليون، ما لم يحدثوا تغييرات جوهرية في البنية الاجتماعية والسياسية، وبناء مؤسَّسات تعيد المواطن إلى حاضنة الدولة، ولقد وجدَ علماء البايولوجي أنَّ البقاء والفناء، يعتمدان على قدرة الكائن على التغيير، لأنَّ استمرار النَّسَق، لا يعني شيئاً آخر غير الموت، و(أنَّ سؤال الهوية لنسقٍ ما، يجب طرحه والإجابة عنه من داخل النَّسَق نفسه، وليس عِبرَ مراقب خارجي، يجب أنْ يستخلص النَّسَق قراره بذاتهِ، فيما إذا كان قد تغيَّر أثناء المسار التاريخي من خلال تغيُّر البُنَى إلى درجة أنَّهُ لم يعد هو نفسه) (24).

صار الكردي أكثرَ اعتزازاً بهويته، يريد اسماً يدلُّ عليها، شفان، كاوه، دلشاد، وغير ذلك، أما الذين اضطرَّ آباؤهم إلى اختيار أسماء عربية لهم، فيتسمون بألقاب كردية، كتغليف للاسم الحقيقي المذكور في هوية الأحوال المدنية، وما زال الكثير يرفعون دعاوى تغيير الاسم إلى محاكم الأحوال الشخصية، وكأنَّهم بتغيير الاسم يرومون تغيير الحياة برمَّتها، ففي إقليم كردستان ازداد هذا النوع من الدعاوى بعد عام 1991، الكثير غيروا أسماءهم العربية إلى أسماء كردية، وبعد 2003 امتلأت المحاكم العراقية بالكثير من الدعاوى، هذا نَسَقٌ شَخْصِيٌّ سلوكي، ذو وظيفة محددة، استناداً إلى منطق ذاتي منفرد مستقل، لكنه يصبُّ في نهاية الأمر لمصلحة نسق اجتماعي مرتبط بالبيئة، باعتبارهِ شرطاً من شروط استمرار المجتمع الكردي، كمجتمعٍ ذي خصوصية متمايزة، من جانبٍ آخر، يؤكِّد هذا النَّسَق أنَّ الهوية الكردية تمر بأزمة فكرية عميقة، حيث ما زالت تحتفظ بنسق معرفي إدراكي سائد منذ الخمسينات والستينات، باعتبار توافر الشروط الدنيا التي يجب توافرها لتحقيق المحافظة على الهوية الكردية، الأسماء الكردية ليست وحدها شرط استمرار الهوية الكردية، بل هي الشرط الأدنى لهذا الاستمرار، والارتكاز عليها يعني إحداث تغيير في هوية النَّسَق الاجتماعي، بسبب تهميش النَّسَق المعرفي الإدراكي، والاعتقاد السائد أنَّ للإنسان من اسمهِ نصيباً، إنْ خيراً فخيراً، وإنْ شرا فشراً، فلا تجد أحداً يُسمِّي ابنه قبيحاً، ولكن جميلاً، وجمالاً، ولبعض الأسماء الكردية عمق في لغات أخرى، كالتركية والإيرانية، مثل شيرين، اسم فارسي يعني الحلوة العذبة، شاهيناز فارسي: شاه يعنى ملكاً، ناز يعني دلعاً، ترجمتها الملك المدلَّل، وآزاد اسم فارسي يعني الحرية، ونرمين اسم تركي يعني ناعماً، نيفين تركي يعني قمر الأقمار.

لكن هذا لا يعني ترك الأمور تسير في أعِنَّتها، بالعودة إلى المشيئة الإلهية، والقعود عن التفكير والعمل، وحين قال طرفة بن العبد:

فَلَوْ شَاءَ ربّي كنتُ قيْسَ بنَ خالدٍ

ولو شَاءَ ربّي كنتُ عَمْرَو بْنَ مَرْثَدِ

ما كان يعني تغيير الأسماء فقط، لأنَّ المذكورين كانا من سادة العرب، وأثريائهم، وهو ما يعني تغييراً جذرياً في الهوية، كقول أبي العلاء المعري:

لو شاءَ ربّي لَصَاغَني مَلِكاً

أوْ مَلَكاً، ليسَ يعجَزُ القَدَرُ

وقد أوردَ الأصفهاني في كتابهِ الأغاني، حكايةً طريفة عن استبعاد النَّسَق المعرفي، والركون إلى السطحي:
صفحة 10
(وَلَقِيَ تَأبَّطَ شَرَّاً ذات يومٍ، رجلاً مِنْ ثَقيْفٍ، يُقَالُ له أبو وهب، كانَ جَبَانَاً أَهْوَج، وعليه حِلَّةٌ جديدة، فقال أبو وهب لتأبَّطَ شَرَّاً:

- بِمَ تَغْلِبُ الرجال يا ثابت، وأنت كما أرى دميمٌ ضئيل؟

- باسمي إنما أقول ساعة ما ألقى الرجل: أنا تأبط شرا، فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت.

فقال له الثقفي:

- أ قَطْ؟

أجابَ ثابت:

- قط.

- فهل لك أن تبيعني اسمك؟

- نعم فبم تبتاعه؟

- بهذه الحلة وبكنيتي؟

- أفعلْ.

ففعل وقال له تأبط شراً:

- لك اسمي ولي كنيتك.

وأخذَ ثابت حلته، وأعطاه طمرية، ثم انصرف وقال في ذلك يخاطب زوجة الثقفي:

ألا هل أتى الحسناءَ أنَّ حَلِيلهَا

تأَبّط شَرّاً؟ واكتنيتُ أبَّا وَهْبِ!!!

فَهَبْهُ تَسَمَّى اسْمي وسُمِّيتُ باسمِه

فأَين له صبري على مُعْظَمِ الخطبِ؟

وأينَ لَهُ بأْسٌ كَبَأْسي وسَوْرتي

وأينَ لَهُ في كُلِّ فادحةٍ قَلْبي) (25)

لا نطعنُ بعلم الأسماء، فهو أشرف العلوم، ومنه تفرعت العلوم وانفتقت المصطلحات، سأل الملائكة اعتراضاً {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } فحجَّهم الله تعالى بعلم الأسماء، في قولهِ { وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} البقرة: 31. "كُلَّها" دالٌ على الشمول التام، وجاء في الحديث الشريف (أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ). ومن عِلْمِ الأسماء ودلالاتها، انبثقت العلوم كافة.

بسبب التغيُّرات أو التطوُّرات الطارئة على اللغة الكردية، لم يعد بالإمكان استساغة الكثير من الألفاظ الدخيلة، وإنْ كان الجزء من هذه الألفاظ ضرورياً ونافعاً، وفق سنن التطوُّر اللغوي، وقد لاحظ هذه الضرورة الفيلسوف الروماني لوكريتيوس (55- 95 ق.م) فقال: (إنَّني علىوعي تماماً، بمدى الصعوبة في أنْ تعيد إلى الضوء، بوساطة الشِّعر اللاتيني، كل مكتشفات اليونان العميقة، أعرفُ أنَّ مصطلحات جديدة يجب أن تُستَحدَث، لأنَّ لساننا فقير، وهذه المعاني جديدة عليه) (26). لكن جزءاً آخر هو فاسد إلى حدٍّ ما، وهذا الحد هو أدنى درجة، لأنَّ هذا التطور جعل (المثقفون يقولون رأيهم.. بدافع الكتب التي يقرؤون، موضوعة أو مترجمة، بدافع النظريات الوافدة على الورق فهو لديهم غير علمي "بمعنى غير ماركسي" وغير عميق "بمعنى غير متعالٍ" وركيك الأسلوب بمعنى "غير حداثي") (27). وهناك حدٌّ أعلى، ويقول أستاذ اللغة الإنكليزية في جامعة باريس جان جاك لوسركل: (وفي هذا العرض التاريخي للتحوُّل الاستعاري في استعمال الكلمة ما يبعث على التفكير، فهو يخبرنا ليس فقط أنَّ اللغة تتغيَّر.. ولكنَّهُ أيضاً يُشبِّه هذا التغير بالتغير المادي الذي يراه المتشائم تحللاً وتدهوراً.. وثمة قول للكاتب الإنكليزي جوناثان سويفت "التدهور والفساد مستمران في لساننا الإنكليزي"، وقول آخر لماكس مولر يعود إلى العام 1961: "إنَّ التدهور في صوتيات اللغة.. يدمِّر ليس شكل اللغة فحسب، بل طبيعتها كلها) (28).

وانتشر جرَّاء كلِّ واقعةٍ تاريخية أو اجتماعية، العديد من المصطلحات، كمصطلح (جلي) عند الإشارة إلى الهجرة المليونية للشعب الكردي، هذه الهجرة التي هزَّت ضمير المجتمع الدولي، ودفعت مجلس الأمن إلى إصدار القرار رقم 688 في الخامس من نيسان 1991، الذي اعتبرَ إقليم كردستان منطقة آمنة خالية من الجيش العراقي، كما طالب المجلس فيه بوقف قمع السكان المدنيين العراقيين وأصر على أن يتعاون العراق مع المنظمات الإنسانية الدولية وأن يكفل احترام حقوق الإنسان لجميع المواطنين العراقيين.