eKtab
EN ع
صورة المجتمع الأندلسي في القرن الخامس للهجرة (سياسيا واجتماعيا وثقافيا)
اقرأ عينة مجانية

صورة المجتمع الأندلسي في القرن الخامس للهجرة (سياسيا واجتماعيا وثقافيا)

بقلم د. عمر إبراهيم توفيق

صفحة 1

المقدمة

الحمد لله رب العلمين و الصلاة و السلام على رسوله الأمين المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم واله وصحبه أجمعين

أما بعد:

فإن الأدب الأندلسي ولاسيما الشعر منه مرآه لواقع الحياة الأندلسية، ولمشاعر الناس، ودراسة مجتمع ما من خلال ما أنتجته قرائح شعراته تكشف عن قضايا غامضة أو خافية من تاريخ أمة معينة، وقد تبتعد جوانب منها عن عيون المؤرخين الذين تغلب على دراساتهم الموضوعية والنظرة الخارجية في بيان الهياكل العامة للاحداث المقرونة بالزمان و المكان من غير التوغل في خلجات الفرد المكون للمجتمع و المسيّرة لاحداث عصره افرادا وقادة،لذلك آثرنا دراسة أهم حقبة من الأندلس، التي كانت مفتاح تاريخها ومحدد مسيرتها، قرن اتسم بالاضطراب السياسي و التطاحن على السلطة وتعدد المظاهر الاجتماعية و التقدم في المسيرة العلمية الأدبية من خلال شعراء أنتخبهم أديب أندلسي معاصر للحقبة المدروسة،هو ابن بسام الشنتريني(542هـ) الذي أرخ للقرن الخامس للهجرة في موسوعته الأدبية المعروفة(الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) الذي جمع فيها أخبارا،وسيرا، وحقائق تاريخية متفرقة،وتراجم لشعراء عاصرهم،أو سمع منه او قرأ عنهم،من خلال السرد،أو عن طريق إيراد نصوص شعرية ونثرية في تشابك متين بين التاريخ والأدب.

وكان كتابه العدسة التي نظرنا من خلال شعرائه إلى المظاهر السياسية و الاجتماعية و الثقافية لذلك العصر بالاعتماد على ما توافر من المصادر في العلوم المختلفة التي لها علاقة بصورة موضوع دراستنا، ودواوين الشعراء الذين وردت أسماؤهم في الكتاب مع التحقق من تواريخ نظم الأشعار فيما يخص الذين وافاهم الأجل بعد انتهاء القرن الخامس للهجرة لغرض اعطاء صورة صادقة و متكاملة وواضحة الأبعاد والمعالم.

أما الشعراء فقد بلغ عددهم مئة واثنين وثلاثين شاعرا توزعوا بين مكثرين مثل: ابن دراج القسطلي(421 هـ) وابن شهيد(426هـ) وابن زيدون(463هـ)وابن عمار(477هـ)وابن اللبانة(507هـ) وابن حمد يس(527هـ) وابن خفاجة(533هـ)...وسواهم ، وبين مقلين لم نجد لهم إلا نتفا قليلة من الشعر، وقد توزعت اتجاهاتهم بين التيار المحافظ المتمسك بالموروث العربي القديم وسننه وبين التيار الجديد المتأقلم مع البيئة الأندلسية الطبيعية والاجتماعية و السياسية و الثقافية التي كانت سائدة في القرن الخامس للهجرة، وكان الشعراء جميعا يعكسون الواقع الأندلسي بكل تفاصيله من حيث المحاسن والمساوئ ، وقد شغل كل واحد منهم حيزا مهما من صورة المجتمع في تلك الحقبة بعلاقاته و دوره في مسيرة الحياة السياسية أو انتمائه للطبقة العامة وشرائحها المختلفة، والذي يلفت النظر أن ابن بسام قد تغافل عن عدد من الشعراء كان لهم دور بارز في مسيرة الحياة في تلك الحقبة كأبي إسحاق الألبيري(ت460 هـ)الذي أشعل شرارة الثورة في غرناطة ضد اليهود في حكم باديس بن حبوس بقصائده المؤثرة، وقد حاولت أن أسد هذه الفجوة بالتركيز على شعراء آخرين مماثلين من الحقبة نفسها.

ولغرض إعطاء صورة كاملة عن القرن الخامس للهجرة لم يستغن البحث عن المصادر التاريخية التي أشرنا إليها في الهوامش التي كانت بمثابة حلقات وصل بين الصور المختلفة التي عكسها الشعراء، بحيث أصبح الأدب و التاريخ فصين يعكسان لحمة هذه الدراسة ولا سيما أن ابن بسام في كتابه النفيس قد اعتمد كثيرا على كتاب ((المتين)) للمؤرخ ابن حيان (ت469هـ) وانّ جلّ المؤرخين كانوا يحملون سمتي الذاتية و الموضوعية في آن واحد، وقد جمع بعضهم بين الشعر و كتابه التراجم و التاريخ.

وكان منهجي في الفصل الأول يعتمد على السرد الزمني من خلال التاريخ و الشعر لبيان الصورة السياسية لعصري الفتنة(399_422هـ) ودويلات الطوائف (422_483هـ) وحقبة قصيرة من عهد المرابطين.

وفي الفصل الثاني، واعتمادا على منهج التفسير و التحليل وتتبع الأخبار حاولنا إعطاء صورة دقيقة عن المظاهر الاجتماعية و الدينية بتسليط الضوء على شرائح المجتمع كافة، وبيان نمط حياتهم و سلوكهم الاجتماعي و الديني من خلال الشعر.

ولغرض اعطاء صورة دقيقة عن الواقع الثقافي و الفني بسطنا القول في الفصل الثالث عن الحياة الثقافية بأبعادها المختلفة، ومن ثم عن الأنشطة الشعرية التي برزت في القرن الخامس للهجرة مع دراسة فنية للهيكل العام للقصيدة و المقطعات.

وتجدر الاشارة إلى اني لم أضع تمهيدا يسبق فصول الدراسة يتناول الحالة السياسية و الاجتماعية و الثقافية في الأندلس في القرن الخامس للهجرة لورودها مفصلة في متن البحث، ولم أعرض أيضا دراسة عن كتاب ((الذخيرة)) لدراسته من قبل الدكتور حسين يوسف حسين في كتابه"ابن بسام وكتاب الذخيرة" وارجو ان ينال الكتاب رضى القارئ الكريم وان يكون جامعا لتلك الحقبة المضطربة الشائكة من تاريخ الاندلس.

والله هو المعين

المؤلف

صفحة 2

عصر الفتنة

توفي الحكم المستنصر سنة 366هـ بعد فترة من الازدهار العلمي و الادبي ووصى بالحكم لابنه هشام الملقب بالمؤيد، الذي لم يبلغ الحلم، وبأيحاء من امه صبح عُين المنصور بن ابي عامر حاجبا للصبي، فأستأثر بالحكم بعد ان ضرب خصومه واحدا بعد الاخر، ولم يبق للخليفة الا الدعاء على المنابر و ذكر اسمه على السكة والطرز وتلقب بالمنصور وامر ان يحيا بتحية الملوك وان يذكر اسمه عقب الدعاء للخليفة، وبنى مدينة الزاهرة قرب قرطبة و نقل اليها خزائن الاموال و الاسلحة، وامر ان تنفذ اليه الكتب و المخاطبات([1]).

ونظم الجيش على اسس جديدة متماسكة خاضعة لقيادة عليا([2]) واستخدم البربر المستقدمين من شمال أفريقيا محاربين محترفين في غزواته التي بلغت اثنتين وخمسين غزوة انتصر في جميعها، وتوسعت رقعة الدولة الاسلامية في عهده إلى اقصى حدودها، واستنجدت به امارتا قشتالة القديمة و ليون بعد خلاف بينهما فقضى عليهما([3]) وتكدست اموال ضخمة و ارتفعت المستوى المعاشي و كثرت السبايا و الجواري وبلغت الدولة قمة مجدها العسكري و الثقافي و العمراني([4]) وكان له باع طويل في الشعر و تذوقه،منه قوله([5]):

رميتُ بنفسي هولَ كل عظيمة

وخاطرت و الحر الكريم مخاطِـُر

وما صاحبي إلا جنان مشيـّـــع

وأسمر خطيّ وأبيضُ باتـــــــــرُ

فسدتُ بنفسي أهلَ كل سيـــادة

وفاخرتُ حتى لم أجد من أفاخرُ

وحكم سبعا وعشرين سنة و توفي سنةهـ392 بعد غزوة، وكان يحمل كفنه بيده في غزواته ووصى ان يكتب على قبره ([6]).

آثاره تنبيك عن أخبــــاره

حتى كأنك بالعيـــان تراه

تالله لا يأتي الزمان بمثلــه

أبدا ولا يحمي الثغور سواه

صفحة 3

وخلفه في الحكم ابنه عبد الملك المظفر الذي لم يختلف عن ابيه في السياسة و البأس و القوة و العلم ، وصف المقري عهده بقوله: (( وكانت ايامه أعيادا دامت مدة سبع سنين وكانت تسمى بالسابع تشبيها بسابع العروس)) ([7]) وتوفي سنة 399 هـ في ظروف غامضة، تولى الامر بعده اخوه عبد الرحمن الملقب بشنجول نسبة إلى جده من امه ([8]) وتلقب بالناصر لدين الله، و سجل ابن دراج القسطلي ذلك في مرثيته في المظفر معزيا اخاه ومهنئا اياه بتنصيبه بقصيدة مطلعها ([9]): -

ما اطبق الهم إلا ريثما انفرجا

ولا دجا الخطـبُ إلا وشك ما انبلجا

ولم يكن ذا خبرة بالسياسة و علمها ودرايتها افتتح امره (( بالخلاعة و المجانة مجاهرا بالفتك وشرب الخمر)) ([10]) واستمر في نهج ابيه و اخيه في الحجر على الخليفة و التودد اليه، وحمله على توليه ولاية العهد معلنا عنها في جمع من رجال الدولة وزعماء الطوائف وكان لذلك القرار اثره السيء على حكمه (( فكان فيه حتفه وانقراض دولته ودولة قومه وكان اسرع الناس كراهة لذلك الامويون و القرشيون)) ([11]) وتقليدا لابيه واخيه خرج في غزوة إلى قشتالة في ظروف سياسية ومناخية غير ملائمة فاجتمع الساخطون على حكمه واجمعوا أمرهم في غيبة المذكور، و وثبوا على صاحب الشرطة فقتلوه وخلعوا هشاما المؤيد سنة تسع وتسعين وثلائمائة للهجرة ([12]) وكانت بداية للفتنة التي استمرت ثلاثا وعشرين سنة، ونقطة انهيار من القمة إلى الهاوية في سرعة مذهلة ثم انحلال طويل استمر قرونا عدة، وعندما صلت الاخبار إلى عبد الرحمن الحاجب بن المنصور بمكانه في الثغر ، ارتد بقواته فتفرق عنه جنده ، وجوه البربر و تسللوا إلى قرطبة معلنين ولاءهم للخليفة الجديد محمد بن هشام عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر الملقب بالمهدي ، فاعترضه جماعة منهم و قطعوا راسه([13]) و انتهت الدولة العامرية و قال في ذلك أبو طالب عبد الجبار في أرجوزته الطويلة ([14]):-

لما انقضت دولة آل عامــــر

قام بها المهدي من آل الناصر

فوقعت بينهــــم حروب

لاح له من بينها الــــهروب

فاظلمت في عصــره الآفـاق

وعمها الشقاق و النفــــاق

وقال ابن فرج الالبيري ــ السميسرــ في بني عامر ([15]):

اصاب الزمان بني عامـر

و كان الزمان بهم يفخر

فعاد نهارهم مظلمــــــــا

و ليلهم بعد لا يقمـــــــر

وفي هذه الفتنة انكشفت الاحقاد الدفينة وقلبت المقاييس وخربت الدور و عمت الفوضى و فقدت الخلافة هيبتها و انهارت اركان الدولة، ووصف المقّري ذلك الحدث نقلا عن ابن الرقيق قائلا (( ومن اعجب ما روى انه من نصف نهار يوم الثلاثاء لاربع بقيت من جمادى الآخرة إلى نصف نهار يوم الأربعاء ، فتحت قرطبة، وهدمت الزهراء، وخلع الخليفة وهو المؤيد، وولي الخليفة وهو المهدي، و زالت دولة بني عامر العظيمة و قتل وزيرهم محمد بن عسقلاجة، و اقيمت جيوش من العامة، ونكب خلق من الوزراء اخرون وكان كله على يد عشرة رجال فحّامين و جزّارين و زبّالين، وهم جند المهدي هذا، و قد قيل فيه: ــ

قد قام مهدينا و لكـــــــنّ

بملة الفسق و المجـونِ

وشارك الناس في حريــم

لولاه ما زال بالمصــونِ

من كان من قبل ذا أجمــا

فاليوم قد صار ذا قرونِ

....ولقد كان قيامه مشئوماًعلى الدين والدنيا فأنه فتـــــــــح أبواب الفتنة بالاندلس..) ([16]).

صفحة 4

وضرب الزاهرة و اخذ اموالها ثم حرقها وهدمها وكان في ذلك يفرغ حقده الدفين على ال عامر لأن عبد الملك المظفر ابن ابي عامر سبق ان قتل اباه في المؤامرة التي دبرها عيسى بن سعيد المعروف بابن القطاع لخلع الدولة العامرية وتنصيب هشام المذكور([17]) ولم يحسن المهدي التصرف فقد اجج الفرقة بين المسلمين باضطهاد البربر رغم ان روساءهم قد لحقوا به لما رأوا منه من سوء تدبير عبد الرحمن بن عامر وكان يظهر بغضهم وامرهم بان لا يركبوا ولايتسلموا,و انتهبت العامة دورهم([18]) وانقسمت الملة الى فئتين متباغضتين استمر قرونا عدة, فتجمع القرطبيون حوله و اشادوا به, و للمستعين بالله ــ خصمه اللدود فيما بعد ــ قصيدة مدحية فيه مطلعها:ـــ([19])

الحمد لله حمدا لا نقلله

هذا السرور الذي كنا نؤمله

و لابن دراج القسطلي قصيدة طويلة فيه مطلعها ([20]):-

قل للخلافة قد بلغت مناك

و رأيت ما قرت به عيناك

مهدي أمة أحمد وكريمها

وحليمها يأوي الى مأواك

ومـــــن أجراءاته سجن الخليفة هشام المؤيد وادعاء موته في السابع والعشرين من شعبان سنة 399هــ ، وسجنة لولي عهده سلــــــيمان بن هشام ،وحله للجيش الذي بذل المنصور بن ابي عـــــــامر اموالا طائلة في اعداده للدفاع عن الدولة الاسلامية من خلال تسريحة لما يقارب من سبع مئة الف جندي وتحويلهم الى طبقة عاطلـــة تمتهن الشعب والفرقة([21]) وقتله للخليفة المقترح هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر و اخيه ابي بكر([22]) وتماديه في اضطهاد البربر الذين تجمعوا في ما بعد خارج قرطبة و وحدوا قواهم و اختاروا سليمان بن الحكم الملقب بالمستعين بالله خليفة للمسلمين الذي اتخذ من قلعة رباح قاعدة له,واتفق مع امير قشتالة على معاونته مقابل تنازل له عن ما احب من مدائن الثغر ([23]) وتحركت قواته نحو قرطبة والتقت بجيش المهدي بقيادة واضح الصقلبي في 13 ربيع الاول سنة اربعمائه هـ في معركة ـ قنتيش ـوانهزم المهدي وقتل فيها عشرة الاف رجل و ازيد ومال النصاري على المنهزمين وقتلوا منهم على رواية ابن حيان في صعيد واحد نيفا على ثلاثة الاف رجل,و انبسط البربر في ارض قرطبة يقتلون و يأسرون و ينهبون و اصيب في تلك الوقعة من المؤدبين خاصة نيف على ستين([24]) واعلن سليمان نفسه خليفة و فر المهدي الى طليطلة ([25]) و اشار ابن دراج فصلا الى تلك المعركة في قوله ([26]):

وشعاب قنتيش وقد حشرت لهـــــم

أمم بغاة لا يُكت عديدها

تركوا بها ظهر الصّعيد وقد غدا

بطنا و اجساد الغواة صعيدها

وكتائب الافرنج اذ كادتك في

أشياعها والله عنك يكيدها

وفي قوله ((والله عنك يكيدها )) تحذير ضمني من معاونة الافرنج و قد اشار الى معاونة البربر له ولا سيما قبيلتي صنهاجة وزناته بقوله ([27]):-

في قبة الملك الذي صنهاجة

و زنانة اطنابها و عمودها


وقوله ([28]):

بكل زناتي كأن حسامه

وهامة من لاقاه نار وقربان

وأبيض صنهاج كأن سِنانه

شهاب اذا أهوى لقرنٍ وشيطان

وقدرعبد الواحد المراكشي في المعجب عدد القتلى بنيف وعشرين الف رجل ([29]) :-

ورثى ابن حزم الاندلس (ت 456هـ ) قرطبة قبل فراره منها الى المرية, فصور ما حل بالمدينة من خراب و دمار فيها كانت في السابق مربضا للأسود من الرجال ([30]).

فيا دار لم يقفرك منا اختيارنا

ولو اننا نسطيع كنت لنا قبرا

ولكن اقدارا من الله انفذت

تدمرنا طوعا لما حل أو قهرا

ويا خير دار قد تركت حميدة

سقتك الغوادي ما أحل و ما اسرا

وقوله:-

كانك لم يسكنك غيد او إنس

وصيد رجال اشبهوا الأنجم الزهرا

كانوا وبادوا واستمرت نواهم

لمثلهم اسكبت مقلتي الصبرا

وقد تمـــادى المستعين باستعمال العنف والقتل والتنكير وهو صاحب المقطوعة ([31]):-

حلفت بمن صلى وصام وكبرا

لأغمدها فيمن طغى وتجبرا

وابصر دين الله تحيا رسومه

فبدل ما قد لاح منها وغيّرا

فوا عجبا من عبشمى ملك

برغم العوالي والمعالي تبررا

فلو أن امرأ بالخيار نبذتهم

وحاكمتهم للسيف حكما محررا

فإما حياة تستلذ بفقدهم

واما حِمام لاترى فيه ما زرى

وفي طليطلة اخذ المهدي يجمع فلوله ويعد العدة مستفيدا من طاعة الثغور له وعون امير برشلونة مقابل شروط قاسية,فزحف بجيشه, وفي منتصف شوال سنة 400 هـ التقى في "عقبة البقر " بقوات المهدي وانهزم الاخير ومن معه من الافرنج, وظن المستعين ان الدائرة قد وقعت عليه, ففر وأعاد البربر الكرة ودخلوا قرطبة وحملوا معهم ذويهم ومتاعهم وخرجوا منها ودخلها المهدي ([32]) فاخرج هشاما المؤيد للناس وبايع له وقام بامر حجابته ظنا منه ان بذلك سيوطد حكمه ([33]) وكان مستبدا شديدا ونقل ابن بسام عنه انه قد سبق المعتضد بن عباد الى اتخاد الحديقة المطلعة لروؤس اعدائه التي اصبحت شغلا للنضارة وذكرها شعراؤه مثل قول صاعد بن الحسين من قصيده اولها ([34]):-

جلاء العين مبهجة النفوس

حدائق أطلعت ثمر الروؤس

هَناك الله مهديّ المساعي

جنى الهامات من تلك الغروس

فلم ار قبلها وحشا جميلا

كريه روائه أنس الأنيس

فماذ يملأ الاسماع منها

اذا ملئت من انباء الطروس

صفحة 5

وفي اثناء ذلك اخذ سليمان المستعين (( يجوس خلال الاندلس و رجاله ومن معه من البربر ينهبون ويقتلون ويقفرون المدائن والقرى بالسيف,وينهبون كل ما يجدونه من اموال )) ([35]) فخرج اليهم المهدي و واضح الصقلبي واصطدما بهم في وادي ــ اَره ــ على نهر الوادي الكبير وبعد معركة شديدة انهزما وارتدا الى قرطبة ([36]) واشار ابن دراج الى تلك الوقعة قائلا:ــ

ودنتْ لها اَر تحت صوارم

وريت بعز المسلمين زنوُدها([37])

وكان لهذه المعركة اثرها على المهدي واتباعه, فحاصرهم المستعين, فخشي اهل قرطبة من الاقتحام عليهم,فأغروا اهل القصر, فدبر واضح الصقلبي مؤامرة انتهت بمقتل المهدي في ذي الحجة من سنة 400 هـ ([38]) ومبايعة هشام المؤيد من جديد الذي اصبح في تلك الفترة كهلا, فلم يسلم له الأمر و لاسيما ان هشاما لم يكن رجل سياسة ودولة وعقل وان قوات المستعين كانت تحاصر قرطبة وتنشر الخراب والدمار, وبعد مقتل واضح الصقلبي في اثناء محاولته النجاة بنفسه, دخل المستعين قرطبة قي شوال سنة 403 هـ واستباح المدينة وقتل كثيرا من اهلها, وغيب سليمانُ هشامَ المؤيد فلم يره بعد ذلك احد واختفى في ظروف غامضة ([39]) واعلن المستعين نفسه خليفة للمسلمين للمرة الثانية, ورضى به اهل قرطبة على مضض و اقبل عليه الشعراء وقال فيه ابن دراج قصيدة مطلعها ([40]):-

هنيئأ لهذا الدهر روح وريحان

وللدين و الدنيا امان وإيمان

فإن قعيد الشرك قد ثل عرشه

وان امير المؤمنين سليمانُ

وخرج اليه اهلها متلقين له و مسلمين عليه فانشد ([41]):-

اذا ما رأ وني طالعا من ثنيةِ

يقولون ((من هذا )) وقد عرفوني

يقولون لي اهلا وسهلا ومرحبا

ولو ظفروا بي ساعة قتلوني

وفي تلك الوقعة خربت اجزاء كبيرة من الزهراء وقال في ذلك ابن حزم ((ولقد اخبرني بعض الوراد من قرطبة, وقد استخبرته عنها, انه رأى دورنا ببلاط مغيث في الجانب الغربي منها, وقد امحت رسومها وطمست اعلامها وخفيت معاهدها, وغيرها البلى, وصارت صحارى مجدبة بعد العمران و فيافي موحشة بعد الانيس, وخرائب منقطعة بعد الحسن, وشعابا مفزعة بعد الامن, ومأوى للذئاب, ومعازف للغيلان, و ملاعب للجان, ومكامن للوحوش, بعد رجال كالليوث وخرائد كالدمى تفيض لديهم النعم الغاشية تبدد شملهم فصاروا في البلاد ايادي سبأ )) ([42])

وقد رثاها ابن شُهيد قائلا([43]):-

مافي الطلول من الأحبة مخبرُ

فمن الذي عن حالها نستخبر

فلمثل قرطبة يقل بكاء من

يبكي بعينٍ دمعها متفجر

وفي تلك الفتنة قتل حشد كبير من الناس منهم الاديب ابن الفرضي الحافظ المشهور ((قتله البربر يوم فتح قرطبة.... و بقي في داره ثلاثة ايام ودفن متغيرا من غير غسل ولا كفن ولا صلاة )) ([44]) وخرج عنها العلماء والادباء وتفرقوا في الارض و قال في ذلك ابن حزم الاندلسي ([45]):-

سلام على دار رحلنا و غودرتْ

خلاء من الاهلين موحشة قفرا

تراها كأن لم تغن بالامس بلقعا

ولاعمرت من اهلها قبلنا دهرا

فيا دار لم يغفرك منا اختيارنا

ولو اننا نختار كنت لنا قبرا

و لم يكترث ابن شهيد لما يلحق بداره واموالها بعد ان خرج منها قائلا:-

عليكم بداري فأهدموها دعائما

ففي الارض بناؤون لي ودعائم([46])

وفي أهلها قال:

جار الزمان عليهم فتفرقوا

في كل ناحية وباد الاكثر([47])

واكثر الشعراء البكاء على المدينة بعواطف جياشة صادقة كلها ألم و حسرة من ذلك قول ابن شُهّيد ابي عامر([48]):-

حزني على سرواتها و رواتها

وثقاتها و حماتها يتكرر

نفسي على الائها وصفائها

وبهائها و سنائها تتحسر

كبِدي على علمائها حلمائها

ادبائها, ظرفائها تتفطُر

كما بكاها ابن فرج الالبيري ــ السميسر ــ قائلا ([49]): -

وقفت بالزهراء مستعبرا

مسعتبرا اندب أشتاتا

فقلت: يا زهرى ألا فأرجعي

قالت: وهل يرجع من ماتا ؟

فلم أزل أبكي وأبكي بها

هيهات يغني الدمع هيهاتا

كأنما اثار ما قد مضى

نوادب يند ْبن امواتا

واستعمل المستعين القسوة والعنف, واستعان بالبربر من اول حكمه ثم انقلب عليهم وهو القائل ([50]): -

عجبا,يهاب الليث حد سناني

واهاب لحظ فواتر الأجفان

وبلغ الخصام بين العرب والبربر حد البغض والقتل والسلب وقد عبر احدهم عن ذلك بقوله ([51]): -

قد بلغ البربر فينا بنا

ما افسد الاحوال و النظما

كالسهم للطائرلولا الذي

فيه من الريش لما أصمى

وصورابن حيان حكمه قائلا (( وكانت كلها شدادا نكدات, صعابا مشئومات, كريهات المبدأ والفاتحة... لم يعدم فيها حيف, ولا فورق فيها خوف, ولا تم سرور, ولا فقد محدور )) ([52]) لذلك قال احدهم فيه:

لا رِحم الله سليمانكم

فانه ضد سليمان

ذلك من غلت شياطينه

وحلّ هذا كل شيطان

فباسمه ساحت على ارضنا

لهلك سكان و اوطان([53])

وبلغ به الامر انه كان يهدي بنات المسلمين الى النصاري ومن ذلك ما نقله ابن بسام عن ابن الكتاني قائلا ((شهدت يوما مجلس العلجة بنت شانجة ملك البشكنس.... لبعض ترددنا عن ثغرنا اليه في الفتنة, وفي المجلس عدة قينات مسلمات من اللواتي وهبن له سليمان من الحكم ايام امارته بقرطبة, فأومات العلجة الى جارية منهن, فاخذت العود, و غنت بهذه الابيات:

خليلي ما للريح تاتي كأنما

يخالطها عند الهبوب خلوق

ام الريح جاءت من بلاد احبتي

فاحسبها ريح الحبيب تسوق

سقى الله ارضا حلها الاغيد الذي

لتذكاره بين الضلوع حريق

أصار فؤادي فرقتين فعنده

فريق وعندي للسياق فريق

فاحسنت وجودت, وعلى رأس العلجة جاريات من القوامات أسيرات كانهن فلقات قمر, فما هو الا ان سمعت احداهن الشعر, فارسلت عينيها كانهما مزادتان, فرققت لها, وقالت: ما ابكاك قالت: هذا الشعر لابي, وسمعته فهيج شجوي, فقلت لها يا أمة الله, ومن ابوك؟ قالت سليمان بن مهران السرقسطي, ولي في هذا الإسار مدة ولم اسمع لاهلي بعد خبرا, قال ابن الكتاني: فما جزعت على شئ جزعي عليها يومئذ )) ([54]).

وملك سليمان قرطبة في دولتيه ست سنين وعشرة اشهر ([55]) و ولي البربر مناصب عليا كالحجابة والوزارة ووزع الولايات عليهم فملك القاسم بن حمود الجزيرة الخضراء وشقيقه علي بن حمود ، قائد المغاربة في الاندلس، ولاية سبته ([56]) وفي محرم سنة 407 هـ ثار عليه الاخير واجتمع بالمرية مع خيران الصقلبي الذي كان يدعو لهشام المؤيد, فخرج إليهم سليمان وانهزم وقبض عليه وعلى أخيه وأبيه و أتهم بقتل هشام المؤيد (( دعا علي سليمان وذويه ،فضرب عنقه بيده, وظهر منه جزع شديد عند ملاحظته السيف, خارت منه قواه, فجثا على ركبتيه, ثم ضربت عنق الشيخ ابيه وعنق عبد الرحمن ابنه وجعلت الروؤس الثلاثة في طست )) ([57])

صفحة 6

وفي ذلك قال ابو عامر ابن شُهيد ([58]): -

بكى اسفا للبين يوم التفرق

وقد هون التودع بعض الذي لقي

وما للذي ولي به البين حســـــــرة

بكيت, ولكن حسرة للذي بقي

واعلن علي بن حمود نفسه خليفة للمسلمين مستفيدا من الدعوة العلوية وانتسابه الى حسن بن علي بن أبي طالب, رغم بربريته, فتلقب بالخليفة الناصر, واظهر احسن عشرة لمدة ثمانية اشهر,وعامل عتاه البربر بقسوة, وجلس بنفسه للمظالم, وسلكت السبل, الى ان ظهر المرتضى بشرقي الاندلس مناديا نفسه خليفة للمسلمين, فانقلب سريعا ونشر الظلم والتنكيل (( وانصرف الى حزبه البربري فاثره.. وصب على اهل قرطبة ضروبا من التنكيل والمغارم وانتزع السلاح منهم, وهدم دورهم, فلزموا البيوت وتطمروا في بطون الارض, حتى قل بالنهار ظهورهم وخلت اسواقهم )) ([59]).

ولابن شهيد قصيدة في عهده الاول:

فريق العدا من حد عزمك يفرق

وبالدهر مما خاف بطشك اولق

عجبت لمن يعتد دونك جُنّة

وسهمك سعد والقضاء مفــــــوّق([60])

ووصفه ابن بسام بقوله ((وكان الاغلب عليه.... السخاء والشجاعة على عطولة من الفهم والمعرفة وبراءته من الخير جملة )) ([61])

وفي ذي القعدة سنة 408 هـ تاَمر عليه ثلاثة من عبيده وقتلوه في الحمام, واجمعت الزناته من حينهم الى اخيه القاسم صاحب اشبيلية في تلك المرة وبويع بالخلافة وتلقب بالمأمون, اما المرتضى عبد الرحمن بن محمد الذي ثار في عهد علي بن حمود في شرق الاندلس بمبايعة الموالي, ومنذر بن يحيى التجيبي صاحب سر قسطة وخيران العامري صاحب المرية, تأهب في عهد القاسم للدخول الى قرطبة ولكنه سار الى غرناطة والتقى بصاحبها زاوي بن زيري الصنهاجي وغدر به خيران ومنذر فانهزم وقتل([62]) وقال في ذلك ابن الحناط:

تقدم خيران اليها بزعمه

ليدرك ما قد فاته من ذُحوله

فلما التقى الجمعان عاود رأيه

فخلى لبعض الهول جل فضوله

وولى وابقى منذرا من ورائه

يقيم لأهل الغدر عذر نكــــــوله ([63])

واظهر القاسم الامان والرفق بالناس. وتكلف في اتخاذ السودان وقيادتهم على اعماله مما ضعف امره وتسلط البرابرة عليه, فثار عليه ابنا اخيه يحيى بن علي القائم على سبته وادريس بن حمود القائم على مالقة, وجاز يحيى البحر وجمع له جمعا كبيرا من البربر, فلما راى القاسم عجزه عن المقاومة خرج من قرطبة الى اشبيلية في ربيع الثاني سنة 412 هـ واعلن يحيى نفسه خليفة للمسلمين وتلقب بالمعتلي ([64]) ((وسلك سبيل والده في التحقق بالفروسية والحب لركض الخيل والخروج للقنص وتنكب ما سوى ذاك من مذموم اخلاق ابيه ومكروه سيرته, فجانب

العصبية.... وقصر امام زناتة من البربر, ففر الى مالقة وجئ بعمه القاسم بن حمود الى قرطبة مرة ثانية سنة413 هـ )) ([65])

وبعد شهور قامت ثورة شعبية في المدينة ضد البرابرة بعد ان ضاقوا بهم ذرعا, فقتلوا منهم قتلا ذريعا, فارتحلوا عن قرطبة وخرج القاسم الى شريش ورجع عنه البرابرة الى اخيه يحيى الذي ملك مالقة والجزيرة الخضراء, وزحف الى عمه القاسم وحبسه الى ان مات فيما بعد سنة 427هـ ([66]) .

و اجتمع اهل قرطبة و فرض عليهم عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار شقيق المهدي و بايعوه في رمضان 414هـ ولقبوه بالمستظهر([67]) في عهد لم تكن سلطة الخلافة تتجاوز مدينة قرطبة مع خزينة خاوية ومدينة بائسة وقال عنه ابن حيان ((كان هذا لبقا ذكيا واديبا لوذعيا....... وعلى حداثة سنه ذكيا يقظا لبيبا اديبا, حسن الكلام جيد القريحة, مليح البلاغة يتصرف فيما شاءه من الخطابة بديهة وروية ويصوغ قطعا من الشعر مستجادة.... يزين ذلك بطهارة اثواب وعفة وبراءة من شرب النبيذ سرا وعلانية..... )) ([68]) ومن ادبه ان شاعرا رفع اليه في بيعته شعرا كتبه في مبشور واعتذر منه قائلا:-

الرق مبشور وفيه بشارة

ببقا الامام الفاضل المستظهر

ملك اعاد العيش غضا شخصه

وكذا يكون به طوال الادهر

فأجزل صلته ووقع على ظهر رقعته بهذه الابيات:-

قبلنا العذر في بشر الكتاب

لما احكمت من فضل الخطاب

وجدنا بالجزاء بما لدينا

على قدر الوجود بلا حساب

فنحن المنعمون اذا قدرنا

ونحن الغافرون أذى الذئاب

ونحن المطلعون بلا امتراء

شموس المجد من فلك الثواب([69])

صفحة 7

وحاول مصالحة البربر, فانقلبت عليه الدائرة, بعد ان خاب رجاله ان يفيض عليهم بالعطايا بعد ان وزع عليهم المناصب, فنادوا على ابن عمه محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن الناصر المستكفي بالله فهرب المستظهر واستخفى في مخزن فحم ثم عثروا عليه وقتلوه امام ابن عمه وهو فرح وكانت امارته سبعة واربعين يوما وسنة ويوم مقتله عمره ثلاث وعشرون سنة, ومما روي انه قال يوم الوثوب عليه ([70]): -

يا ايها القمر المنير

كن نحو شبهك لي سفير

بتحية اودعتها

شوقا بنيات الصدور

واشتهر اهل قرطبة بالانقلاب على الرؤساء وعدم الوفاء لهم ويضرب بهم المثل في القيام على الملوك والتشنيع على الولاة, وقلة الرضا بامورهم, قيل لأ حدهم: كيف اهل قرطبة ؟ فقال (( مثل الجمل, ان خففت عنه الحمل صاح, وان اثقلته صاح, ما ندري اين رضاهم فنقصده ولااين سخطهم فنتجنبه....)) ([71]) اما المستكفي بالله فيقول عنه ابن حيان (( انه لم يجلس في الامارة مدة تلك الفتنة أسقط منه ولا أنقص اذ لم يزل معروفا بالتخلف والركاكة مشتهرا بالشرب والبطالة, سقيم السر والعلانية اســــــــير الشهوة عـاهر الخلوة.....)) وقوله: (( انما ارسله الله تعالى على اهل قرطبة محنة وبليه اذ كان منذ عرف غفلا منقطعا الى البطالة مجبولا على الجهالة.... )) ([72]) وفي عهده استؤصلت بقية قصور جده, وطمست اعلام قصر الزهراء وتولع بامرأة خبيثة نصرانية أنجبت منه ولادة, وقتل ابن عمه ابن العراقي وسجن ابن حزم وغيره ([73]) وفي حكمها قال ابو طالب عبد الجبار في ارجوزته([74]):

وظهر المستظهر المرواني

وشعره من أحسن المعاني

وقتلوه بعد ذاك صبرا

من بعد ما قد قلدوه الامرا

فبايعوا للناصر المستكفي

بعد خطوب طال فيها وصفي

وفي سنة 416 هـ تحرك يحيى بن علي بن حمود نحو قرطبة فضعف امر المستكفي, وثارت عليه دائرته الفاسدة, فخرج بثياب غانية وهرب الى قرية وقتل مسموما بعد ان حكم ستة عشر شهرا واياما ([75]) واعلن يحيى خلافته من قرطبة للمرة الثانية واستقر في مالقة لانه لم يكن يثق باهل المدينة الذين كانوا ينظرون اليه بازدراء, من ذلك هجاء ابن شهيد ابي عامر لوزيره أبي جعفر بن عباس بقوله ([76]):-

أبو جعفر رجل كاتب

مليح شبَا الخط حلُُو الخطابة

تملأ شحما ولحما وما

يليق تملؤه بالكتابة

وذو عرق ليس ماء الحياء

ولكنه رشحُ فضل الجنابة

واتفق خيران العامري حاكم المرية ومجاهد العامري حاكم دانية على انهاء حكم اَل حمود واعادة الحكم للأمويين, وبالتعاون مع اهل المدينة تمكنا من طرد البربر من قرطبة بصورة نهائية, وفي مجاهد هذا يقول ابن دراج:

الى أي ذكر غير ذكرك ارتاح

ومن أي بحرٍ بعد بحرك امتاحُ([77])

ولم يستقرا فيها لعدم ثقة احدهما بالأخر, فخرجا منها تباعا, فأختار اهل قرطبة هشام بن عبد الملك المرواني شقيق المرتضى, ولقب بالمعتد بالله واعلن خلافته سنة 418 هـ وكان بعيدا عن قرطبة فوصلها بمشقة لكثرة الخارجين عليه, ولم يستقر الامر في عهده لعكوفه على المجون والملذات وتركه الامور بيد وزيره الحكم بن سعيد الذي اساء الى الناس ولاسيما العلماء وفرض على الشعب الضرائب الباهظة, فثار عليه الجند لتأخير رواتبهم, وقتلوا الوزير ونهبوا قصره, فتنازل المعتد بالله عن الحكم الى مجلس اعيان المدينة برئاسة ابن جهور([78]) وصور ابو طالب عبد الجبار عهد المعتد بالله في ارجوزته ([79]) : -

ثم اتى من بعده المعتد

والحرب في اقطارها تشتد

فنقموا استخلاصه للحائك

وزيره فخر أي هالك

وخلعوا معتدهم هشاما

وسجنوه عندهم أعواما

ومن الشعراء الذين اشادوا بالمعتد ابن شهيد ابو عامر الذي وصف علاقته به, ومساندته له على اعدائه وحساده: -

احلتني بمحلة الجوزاء

ورميتُ عندك من دم الأعداء

وطعمت لحم المارقيين فأخصبت

حالي وبلغني الزمان شفائي

وحملتني كالصقر فوق معاشر

تحتي كأنهم بنات الماء

ولمحتُ إخواني لديك كانهم

مما رفعتهم نجومُ سماء([80])

وانتهت الخلافة واسدل الستار على حكم بني امية وقد وصف ابن الخطيب هذه النهاية بقوله:

((ومشى البريد في الاسواق والارباض بان لايبقى احد بقرطبة من بني امية لايكنفهم احد )) ([81]) وكانت مدة الفتنة من أصعب أيام قرطبة في القرن الخامس للهجرة.

صفحة 8

اسباب الفتنة

أ- العوامل الكامنة:

1. طبيعةالمجتمع الاندلسي المتباين الاجناس والعناصر وانقسامه الى مناطق نفوذ وقبائل منذ السنوات الاولى بعد الفتح, والصراع المستمر على تقسيم الاراضي مما ادى بالخليفة عمر بن عبد العزيز(99-101هــ) ان يقرر الانسحاب الكامل من الاندلس لولا الصعوبات التي اعاقت تنفيذ ذلك, فارسل احد اعوانه الى الاندلس للسيطرة على الوضع و اعطاء القادمين الجدد من اراضي الخمس المخصصة للدولة ([82]) فضلا عن الصراع بين البلديين من العرب و البربر من جهة و مع القادمين الجدد من جهة اخرى و الصراع مع السكان المحليين من الاسبان, و هذا يفسر كثرة الثورات و التمردات التي كانت تواجه امراء الاندلس و خلفائها.

2. البربرمن قبيلتي صنهاجة و زناتة الذين استقدمهم المنصور بن ابي عامر ليلحقهم بجيشه لمحاربة الممالك الاسبانية الشمالية, و عدم تأقلمهم مع المجتمع الاندلسي, حيث ظلوا غرباء ليس لهم حرفة غير حمل السلاح.

3. تذمر الفئة الكبرى من المجتمع من استبداد العامريين بالحكم, فانقسم المجتمع الى فريقين فريق التف حول بني عامر و فريق تجمع حول بني امية ينظرون بغيظ وتذمر الى استئثار العامرين بالسلطة وفصلهم بين السلطة الروحية للخليفة و السلطة المركزية المتمثلة بالحاجب المنصور([83]) .

ب- العوامل المباشرة:

1- اختيار الحكم المستنصر ابنه هشام المؤيد لخلافة المسلمين, وهو لم يبلغ الحلم, فضلا عن عدم توفر شروط القيادة فيه,وقد وصفه الحجاري صاحب المسهب بجمود الحركة وضعف في العقل ([84]).

2- ضعف عبد الرحمن بن ابي عامر الملقب بشنجول وعدم ادراكه لخطورة توله ولاية العهد وخروجه الى محاربة الاسبان في الشمال في ظروف سياسية ومناخية غير ملائمتين فضلا عن استهتاره ومــيله الى الخلاعة والمجون ([85])

3- ضعف رابطة الدين الاسلامي بينهم وانتشار المجون والخلاعة والخمرة نتيجة لتكدس الاموال وكثرة الجواري والغلمان وانحسار الغيرة على الاسلام ومما رواه ابن عذاري ان رجلا نصرانيا وقف في وسط قرطبة ونال من الرسول الاعظم من غير ان يرد عليه احد او يز جره ([86]).

4- الأستعانة بالاعداء من النصارى الاسبان مقابل التنازل عن الثغور والمدائن, وفتح ابواب الاندلس لهم لمعرفة قضايا هذه الدولة واسرارها. وتدخلهم في الشؤون الداخلية, والاحتكام اليهم وطلب المرتزقة منهم.

5- الدور السلبي للمجتمع الاندلسي في التصدي لروؤس الفتن وتمادي بعضهم في التحريض على القتل وسفك الدماء, فابن شهيد ابو عامر حرض الخليفة الاموي هشام المعتد بعد مقتل وزيره عبد الرحمن الخياط الى الثأر له وعدم الاكتفاء بقتل القتلة ([87]).

ألحق به اخوانه فحياتهم

نكد وقد أودى أخو السفهاء

6- غياب القائد والادارة القادرة على الحسم في الوقت المناسب ([88]) وانغماسهم في الخلاعة والشرب والمجون.

اما نتائج الفتنة فيمكن حصرها في النقاط التالية:

1- الخراب والدمار في كل مكان ولا سيما قرطبة التي كانت جنة الله في الارض كما وصفها ابن حوقل قبل الفتنة قائلا (( هي اعظم مدينة بالاندلس, وليس بجميع المغرب لها عندي شبيه في كثرة اهل وسعة محل وفسحة اسواق, ونظافة محال, وعمارة مساجد وكثرة حمامات وفنادق )) ([89]) فتحول سريعا الى مدينة للأشباح وأزيلت معالم مدينتي – الزهراء والزاهرة – وقد رثاها الشعراء بكثرة منهم ابن شهيد ([90]): -

فلمثل قرطبة يقل بكاء من

يبكي بعين دمعُها متفجرُ

وقوله:

يا جنةًً عصفت بأهلها

ريح النوى فتدمرت وتدمروا

ونقل لنا ابن عربي ابياتا قال انه قراَها على بعض جدران الزهراء بعد خرابها ([91]): -

ديار باكناف الملاعب تلمعُ

وما ان بها من ساكن وهي بلقع

ينوح عليها الطير من كل جانب

فيصمت احيانا, وحينا يرجع

فخاطبت منها طائرا متغردا

له شجن في القلب وهو مروع

فقلت على ماذا تنوح وتشتكي

فقال: على دهر مضى ليس يرجــع

ولم يقتصر الخراب على قرطبة و انما شمل مدنا اخرى بنسب متفاوتة, فأبو اسحاق الألبيري صور خراب مدينة – البيرة – في جنوب الاندلس في قصيدة موثرة ([92]).

2- انحلال السلطة المركزية وحل الجيش النظامي وتفرقه, وسيطرة الطامعين من اصحاب السيوف والخارجين عن القانون على المدائن وتقسيم البلاد الى مناطق نفوذ وسيطرة في حروب طاحنة من غير توقف رغم دعوات الشعراءوالمصلحين في نبذ القتال والاحتكام الى العقل.فابن دراج الذي اشتهر بالمدح سقم الوضع واخذ يدعو الى الامان والصلح ([93]): -

وقلت لعاً للعاثرين كأنَه

نشورا لقوم حان منهم وقد حانوا

وقد امن التثريب اخوةُ يوسف

وادركهم لله عفو و غفران

وحنت لداعي الصلح بكر وتغلب

وشفعت الارقام عبس وذبيان

وفازت قداح المشتري بشعودها

وسالم بهرام واعتب كيـــــــــــــوان

3- الهجرة ورحيل العلماء والادباء من مراكزالمدن الكبرى الى مناطق اكثرامنا داخل الجزيرة وخارجها, فابن شهيد ابو عامر يصور حاله قائلا ([94]): -

ادور فلا اعتام غير محاربٍ

واسعى فلا القى امرءا لي يسالم

4- الفقر والعوز وانتشار المجاعة والامراض والاوبئة وكثرة الضرائب والاتاوات وتوقف النشاط الاقتصادي والزراعي, فابن دراج يوضح ذلك من خلال وصفه لما حل به حين انجلى عن اهله: -

تقسًَمهنَ السيف والحيف والبلى

وشطَت بنا عنها عصورٌ وازمان

كما اقتسمت اخدانهنًً يد النوى

فهم للردى والبر والبحر اخوان

اذا شرَق الحادي بهم غربت بنا

نوى يومها يومان والحين احيانُ([95])

5- الانحلال الاجتماعي وانتشار النفاق والرياء وتفكك الروابط بين الناس,وتفشي الجريمة وقطاع الطرق وانقسام الناس الى طوائف متباغضة, في ذلك يقول ابن بسام ((... شذ قوم من اهلها على حال... فاصبحوا طرائد سيوف وجلاء حتوف, قد خلعهم لين العيش على خشنة واسلمتهم غفلات الزمان الى محنة, يلوذون بافاق هذه الجزيرة المنكوبة... )) ([96])

6. فقدان ثغور ومدائن مهمة ولاسيّما المسلمّة من قبل قطبي الفتنة المهدي والمستعين وسقوط مناطق اخرى لعدم وجود مدافعين منظمين عنها بعد انحلال الجيش.

7. تدخل النصارى في الامور الداخلية ومشاهدة جنودهم و مرتزقتهم علناً في المدن والقرى يسرقون وينهبون ويقتلون.

وقد أجاد ابن شهيد في وصف الفتنة قلائلاً ([97])::

مِنْ فِتْتَنةٍ قد اسلبتْ

ظُلماتُها بيّد المظالمْ

عَمَهتْ لها احلامُنا

وكأنّها أْضغاثُ حالمْ

وتَضاءلتْ أجرامُنا

فيها بموبَقةِ الجرائمْ

وتحوَّلَت ْفينا الذُنا

بي فيها بموبقةِ الجرائمْ

وأدارَ كلُّ صغيرِ قد

رِ المنتهى أرْحي العَظالمْ

فكانُنا عُمَي نسا

قُ على العِمى في ظلِّ عاتِمْ

صفحة 9

دويلات الطوائف

ان ضعف السلطة المركزية وفساد ادارتها وانحلال اجهزتها التنفيذية من الجيش والمالية وتفاقم الصراع على السلطة كل هذا دفع الامراء من العرب والبربر والصقالبة على الاستقلال بمناطق نفوذهم ولا سيما (( ان خضوع المدن الاندلسية الكبيرة لقرطبة لم يعد ممكنا بعد ان تطورت هذه المدن ونشأت فيها ارستقراطية محلية مستقرة عميقة الجذور... كما لم يكن لدى قرطبة من القوة ما تسطيع فيها فرض سلطانها على هذه المدن )) ([98]) فنشبت بينهم حروب دامية ولاذوا بالجزية لدول النصاري وترفعوا عن المثل السامية وكان توزيعهم كالاتي: -

أ-الاندلسيون على الاجزاء الوسطى من الاندلس مثل قرطبة واشبيلية و بلنسية ومرسية ومرية....

ب- البربر: وقد استولوا على الجزء الجنوبي مثل غرناطة وقرمونة ومالقة.

ج- الصقالبة: وقد انحازوا الى شرقه واستبدوا به وسيطروا على الجزائر الشرقية.

وامارات صغيرة مختلفة العروق بين هذه المناطق تابعة لدويلات اكبر ومتأثرة بحروبها, وقد وصف ابن حزم الاندلسي ذلك العهد بقوله ((فضيحة لم يقع في العالم الى يومنا مثلها: اربعة رجال في مسافة ثلاثة ايام في مثلها كلهم يتسمى بامرة أمير المؤمنين, ويخطب لهم بها في زمن واحد وهم خلف الحصري باشبيلية, على انه هشام بن الحكم, ومحمد بن القاسم بن حمود بالجزيرة الخضراء, ومحمد بن ادريس بن علي بن حمود بمالقة, وادريس بن يحيى بن علي بن حمود ببشتر )) ([99]).

وقوله: - ([100])

حصلنا على هم واثم وحسرة

وفات الذي كنا نلذ به عنّا

في مقارنة بين ماضية السعيد في عهد الدولة الاندلسية الواحدة وبين حاضره التعيس في عهد ملوك الطوائف. وهذه الدويلات لم تكن تمتلك من مقومات الدولة ما يحفظ كيانها واستقراها, ويتلقب الامراء بالقاب في غير موضعها. ولنا في ذلك قول ابن رشيق القيرواني ([101]): -

مما يزهدني في ارض اندلس

سماع مقتدر فيها ومعتضد

القاب مملكة في غير موضعها

كالهر يحكي انتفاخا صوله الاسد

صفحة 10

وقد وصف ابن الخطيب تلك الحقبة قائلا ((وذهب اهل الاندلس من انشقاق والانشعاب والافتراق الى حيث لم يذهب كثير من اهل الاقطار, مع امتيازها بالمحل القريب, والخطة المجاورة لعباد الصليب, ليس للأحدهم في الخلافة إرث ولا في الإمارة سبب ولا في الفروسية نسب ولا في شروط الامامة مكتسب, اقتطعوا الأقطار واقتسموا المدائن الكبار, وجبوا العملات والامصار وجندوا الجنود, وقدموا القضاة وانتحلوا الالقاب, وكتبت عنهم الكتاب والاعلام وانشهدهم الشعراء, ودونت بأسمائهم الدواوين وشهدت بوجوب حقهم الشهود, ووقفت بابوابهم العلماء, وتوسلت اليهم الفضلاء..... )) ([102]).

وقال فيهم ابن فرج الالبيري – السميسر ([103]): -

نادِ المـــــــلوك وقـــــــــل لهم

ماالذي احدثتم

أسلمتم الاسلام في

أسر العدا وقعدتم

وجب القيام عليكم

اذ بالنصاري قمتم

لا تنكروا شق العصا

فعصا النبي شققتم

فكان الانهيار سمة غالبة على هذا العصر([104]) على الرغم مما قيل عن التقدم الثقافي الذي كان نتيجة قوة دفع سابقة.

أما أهم هذه الدويلات والادارات فهي: -

دولة بني جهور

بعد خلع المعتد بالله واضطراب الامور وضياع الامن والاستقرار, اجتمع اهل قرطبة لاختيار مجلس رئاسي يقوم بادارة مدينتهم وما يقع تحت سلطتها, فاختاروا في منتصف ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين واربع مئة ابا حزم بن جهور لرئاسة هذا المجلس بنظام الشورى، فاجاد السياسة والادارة ودبرها بالجد والحزم والتواضع, ومتى سئل قال: (( ليس لي عطاء ولا منعٌ هو للجماعة وانا امينهم )) ([105]) وفرض احترامه على بقية الملوك وفرق السلاح على اصحاب الدكاكين وفي البيوت, حتى اذا دهم امر في ليل ونهار, كان سلاح كل واحد معه, وكان يشهد الجنائز ويعود المرضى, وفي عهده رخصت الاسعار وازدحمت الاسواق ولم يتحول عن داره واحسن ترتيب الجند([106]) ، ونسب اليه صاحب المطمح البيتين الاتيين له وقد وقف على قصور الامويين بعد ان تقوضت ابنيتها ([107]): -

قلت يوما لدار قوم تفانوا

اين سكانك العزاز علينا

فاجابت: هنا اقاموا قليلا

ثم ساروا ولست اعلم اينا

وقال فيه ابن زيدون قصائد كثيرة منها الابيات الاتية ([108]): -

هو الملك المشفوع بالنسك مُلكهُ

فلله ما يخفى ولله ما يبدو

لقد اوسع الاسلام بالامس حسبةً

نمت غرض الأجرالجزيل فلم تَعدُ

اباح حمى الخمر الخبيثة حائطا

حمى الدين من أن ُيستباح له حد

وكان ابن جهور قد امر بكسردنان الخمر, وتوفي في سنة خمس وثلاثين واربع مئة, فرثاه الشعراء منهم ابن زيدون بقصيدة طويلة مطلعها ([109]): -

الم تر أن الشمس قد ضمَها القبر

وأن قد كفانا فقدها القمرُ البدرُ

فصار الامر لابنه ابي الوليد بن الجهور, فحاول في اول حكمه السير على نهج ابيه, فأقر الحكام وارباب المراتب في مناصبهم, وقرب العلماء والادباء, وكان من بين معاونيه ابن حيان المؤرخ وابن زيدون قبل ان يسجن, فساد الامن وبدا افضل ما كان عليه في الدولة الاموية والعامرية وتنافس ابناه على السلطة في حياته, فوزعها بينهما ثم قدم ولده الاصغر عبد الملك وأنشد في ذلك قول ( عبد الملك بن ادريس الجزيري ) ([110]):

واذا الفتى فقد الشباب سما له

حبُ البنين ولا كحب الاصغر

فاساء عبد الملك السيرة واستبد بالسلطة وقتل وزيره ابن السقا في سنة 445 هـ الذي يعود الفضل له في ضبط المملكة لمدة خمس سنوات, وغلب على اخيه وسجنه في بيته وقرب السفهاء, والشيخ ابو الوليد قعيد في بيته عن شلل لاحول له ولاقوة.

وفي سنة 462 هـ دلف المامون يحيى بن ذي النون من طليطلة قاصدا غزو قرطبة فاستغاث عبد الملك بصديقه المعتمد, فارسل اليه الفرسان والجند تحت امرة قائدين بارزين فنزلوا بالربض الشرقي للمدينة, فلما رجع ابن ذي النون, اقتحمت قوات المعتمد بن عباد الابواب, مستغلين النقمة الشعبية واضطراب الاحوال السياسية والاجتماعية ودعوات عدد من اعيان قرطبة للمعتمد, فاحتلوا المدينة والحقت بمملكة بني عباد في اشبيلية ونفوا اَل جهور منها ولما خرج الشيخ رفع يديه قائلا (( اللهم كما اجبت الدعاء علينا فاجبه لنا )) فمات بعد اربعين يوما من ذلك ([111]) في حين فرح المعتمد وصورها عروسا زفت اليها قائلا ([112]): -

من للملوك بشأو الاصيد البطل

هيهات جاءتكم مهدية الدول

خطبت قرطبة الحسناء إذ منعت

من جاء يخطبها بالبيض والاسل

وكم غدت عاطلا حتى عرضت لهـــا

فاصبحت في سري الحلي والحلل

وتولى ابو عمرو سراج الدولة بن المعتمد حكمها وادارة شؤونها, وفي 467 هـ هجم عليها ابن ذي النون بقيادة ابن عكاشة خلسة ليلا في مؤامرة محكمة, فقتل سراج الدولة واستولى على المدينة, وحزن المعتمد بن عباد على ولده وذكره في قصائده حتى بعد زوال ملكه ومقتل اولاده الاربعة ([113]):

وقبلكما قد اودع القلب حسرة

تجدد طول الدهر ثكل أبي عمرو

واخذ المعتمد يعد العدة وبعد ثلاث سنوات هجم على المدينة وبعد معارك طاحنة اعادها وطارد ابن عكاشة وقتله وعين ابنه المامون الفتح حاكما عليها الى سقوطها بيد المرابطين سنة 484 هـ ([114]).