صفحة 1
تقديم
بقلم الاستاذ الدكتور هاشم ياغي
في هذا البحث الذي نالت به كاتبته السيّدة أمل نصير درجة الدكتوراه من الجامعة الأردنية جهود مبينة مضيئة تخللتها عواطف حارّة جاءت من اهتمام باحثة امرأة بقضايا المرأة في عصر من أهمِّ العصور في تاريخ هذه الأمة العربية، ذلك هو العصر الأموي الذي أُتيح له أن تبنى فيه أقوى دولة ظهرت في تاريخ العرب·
ولم تكن هذه العواطف الحارة التي انسابت في ثنايا البحث قادرة على أن تشتط عن الطرائق الأكاديمية، بل إنها ذهبت مذاهبها وهي تأتمر بكثير، بل بكثير جداً من الموضوعية·
ولقد جاء هذا البحث يتناول ظروفاً استطاعت أثناءها الدولة الأموية أن تقود عدداً كبيراً من الشعوب والأمم بفضل الفتوح والظلال الجديدة من الدين الجديد، فأتاح ذلك لهذه الدولة أن تضمّ تحت أفيائها الكثير من خيرات الشعوب المفتوحة، وأن تساعد هذه الخبرات على المزج الخصب الواسع بين العرب الفاتحين وبين الأجناس المتعددة، ومن جاء منها من رقيق وسبايا، ومن نوع أُطلق عليه اسم الموالي إطلاقاً نَمَّ عن ذلك الحوار الاجتماعي بين رواسب التركيب القبلي واحتفاله بالأنساب وبين هذا الجانب اللافت من المجتمع الذي ظل يسم الكثيرين ممن تحرروا من رقّهم فوسمهم المجتمع بسمة الانتماء لأصل من أصول القبائل·
ولعل مما يدعو القارئ إلى التأمّل في بعض مراحل الحضارات أن يقرأ هذا البحث، وأن يوازن بين تلك المرحلة الجديدة التي التقت فيها حضارات أُمم وشعوب مختلفة الأصول زمن الدولة الأموية وبين هذه المرحلة الحضارية الحاضرة في أيامنا التي يسّرت وسائل الاتصال بين الأمم والحضارات الكثير من فرص اللقاء والكثير من فرص التفاعل· والذي يمر مثلاً بنفور العرب من الزواج بأجنبيات وبإماء حفاظاً على نقاء أصلهم ثم يرى أَنّ بعضا من أحفاد علية القوم كحفيد النبي صلى الله عليه وسلم وحفيد أبي بكر وحفيد عمر (رضي الله عنهم) قد كانوا من طليعة الذين جاءوا من أبناء الجواري، إنما يدعوه هذا الذي يمر به إلى التأمل، بل التأمل الواسع في أمر التقاء الحضارات اجتماعياً وثقافياً وسياسياً·
إنّ هذا البحث الخصب الذي يجده القارئ بين يديه الآن قد بذلت فيه كاتبته الدكتورة أمل نصير جهوداً مضيئة سلّطتها على أحوال المرأة في العصر الأموي الخصب وعلى مدى ما أسهمت فيه تلك المرأة من نشاط بارز نعدّه اليوم من أهم جواهر التراث؛ فقد صوّرت الدكتورة أمل نصير المرأة من شعر الشعراء في العصر الأموي صورة متعددة الجوانب، فبدت تلك الجوانب ساطعة الدلالة على شخصية المرأة وشخصية العصر، وشخصيّة التمازج الحضاري، فكان بين يدي هذا البحث صورة المرأة النموذج في عناصرها المادية والمعنوية، وصورة المرأة التي نالت قسطا من ترف الغنائم بفضل الفتوح كالمرأة الحجازية مما أوجد مناخاً ندياً للغزل والغناء والتجديد في الشعر، وكالمرأة ذات الشخصية القوية رغم أنها من بيئة نجدية قبلية كالشاعرة ليلى الأخيلية، وكالمرأة ذات المذهب السياسي والأيدولوجي ممن ظهرن بين نساء الخوارج المحاربات·
وما أريد أن الخّص هذا البحث ولا أن أقف بيني وبين صاحبته وآرائها وإنما أُريد أن أُطمئن القارئ أنه سيمر برحلة خصبة موحية حين يقرأ هذا البحث، وحين يذهب متأملاً في كثير من إيحاءاته·
صفحة 2
المقدمة
صورة المرأة في الشعر الأموي
بدأ اهتمامي بقضايا الأسرة والمرأة منذ مرحلة الماجستير إذ درست الأسرة في الشعر أثناء فترة من العصر العباسي تنتهي بالقرن الثالث الهجري، وأحببت أن أُتابع في مرحلة الدكتوراه ما كنت بدأته في السابق، فآثرت أن أدرس موضوعاً قريباً، وأن أبقى في المجال نفسه، ورأيت أنّ موضوع المرأة في الشعر الأموي من الموضوعات القريبة إلى نفسي لقربه الطبيعي من نفس المرأة، إذ تدرس صورة لبنات جنسها في عصر سابق، ونشاطهن في حقول الحياة المختلفة، وكذلك لقربه من حقل اهتمامي في مجال الدراسات الأدبية الاجتماعية، ولعل العصر الأموي كان مُشجّعاً لي؛ لأَنّ المرأة سجّلت فيه حضوراً بيّناً تجلّى في شعره على مستويات بيئية مكانية، وسلوكات إنسانية مختلفة كما سيبدو أثناء المعالجة·
لقد عمدت إلى دواوين الشعر في هذا العصر، وإلى المجموعات الشعرية، وإلى بعض كتب الأدب، والأخبار، والتاريخ التي توافرت لديَّ، فأخذت منها ما يخدم موضوعي، ثم قمت بتجميع المادة وترتيبها وتبويبها وتوزيعها على فصول· ومن هنا جاءت هذه الدراسة في تمهيد وستة فصول:
أمّا التمهيد، فقد عرضت فيه لبيئات الشعر الأموي من حيث جغرافيتها، واقتصادها وعناصر سكانها، وأشرت إلى تفاوت حركة الشعر، وعدد الشعراء في هذه البيئات المختلفة، وكيف يمكن للحياة الاقتصادية أن تؤثر على الأغراض الشعرية المنتشرة في هذه البيئة أو تلك، ثم استيضاح صورة المرأة في هذه البيئات ما أمكن·
وكان الفصل الأول بعنوان المرأة في إطار النوع، عرضت فيه لصفات جمال المرأة الجسدية والمعنوية، ثم لوسائل الزينة والتجميل عندها، وقد جاء هذا الفصل أكبر من غيره؛ وذلك لأنه يعكس واقع الشعر الخاص بالمرأة، فقد كان اهتمام الشعراء بوصف المرأة جسداً وروحاً ووسائل زينة اهتماماً كبيراً·
وأما الفصل الثاني، فكان دراسة للمرأة في الإطار الإنساني حيث عرضت فيه لصورة المرأة الإنسانة، وكيف اختلفت من بيئة إلى أخرى معاملة وتعاملاً·
وقد جاء الفصل الثالث عن المرأة في إطار الأسرة حيث حاولت فيه تقديم صورة للمرأة زوجة وأماً وأختاً وبنتاً موضحة مظاهر الحب والوئام بينها وبين أفراد أسرتها، ولم أهمل مظاهر الجفاء بينها وبينهم أيضاً، وما عمد إليه بعض الشعراء من مواقف في هذا الإطار·
وأما الفصل الرابع، فقد جاء عن المرأة في الإطار السياسي، عرضت فيه للغزل السياسي إذ اتخذ بعض الشعراء المرأة وسيلة لهجاء خصومهم السياسيين والتعريض بهم، ثم درست فكر المرأة، ومشاركتها في الحياة السياسية والحروب، وخصصت المرأة الخارجية بجزء منه بسبب دورها البارز في هذا المجال·
صفحة 3
وفي الفصل الخامس تناولت المرأة في الإطار الثقافي، فعرضت فيه للمرأة ناقدة ثم شاعرة وأشرت إلى بعض جهودها النقدية، ثم عرضت لشعر بعض شاعرات هذا العصر، وكان لليلى الأخيلية النصيب الأكبر في الفصل؛ لأنها كانت شاعرة بازرة في هذا العصر·
والفصل السادس عرضت فيه للجواري والقيان؛ لأنهن عنصر بدأ يظهر ويتكاثر ويؤثر في المجتمع بصورة ملحوظة، وأوضحت مشاركتهن في تطوير فن الغناء واكتماله، وأَثرهنّ في الشعر وأسلوبه·
وقد انتهيت من ذلك كله إلى خاتمة عرضت فيها لأهم نتائج الدراسة·
كانت دواوين الشعراء من أهمّ مصادر الدراسة إذ عمدت إلى جميع الدواوين التي استطعت الحصول عليها سواء كانت مطبوعة طباعة مستقلة، أم موجودة في الدوريات والمجلات العلمية، فتتبعت صورة المرأة فيها، ثم عمدت بعد ذلك إلى المجموعات الشعرية كشعر الخوارج، وأشعار النساء وشاعرات العرب في الإسلام · · · وغيرها، وانتقلت أنقّب في كتب الأدب والأخبار، ومن أهمها كتاب الأغاني الذي أفادني فائدة كبيرة، فقد وجدت فيه كثيراً من الشعر، وكثيراً من الأخبار التي ألقت الضوء على كثير من الجوانب في موضوعي هذا، ومثل كتاب الأغاني كان كتاب العقد لابن عبد ربه، وعيون الأخبار لابن قتيبة، والكامل للمبرد، وخزانة الأدب للبغدادي، وكتب التاريخ وأهمها تاريخ الطبري، وتاريخ مدينة دمشق خاصة الجزء الذي حوى تراجم النساء، ثم الكتب الخاصة بالنساء ومنها بلاغات النساء، وأعلام النساء، والدُرّ المنثور إلى جانب مراجع حديثة مثل: المرأة في العصر الجاهلي، والمرأة العربية في جاهليتها وإسلامها، والقيان والغناء وغيرها·
وقد استشرت كثيراً من المعاجم خاصة معجم لسان العرب، والمخصص، ومعجم البلدان، وبعض الكتب الجغرافية، وبعض الكتب التي تبحث في المجال الاقتصادي والسكاني والاجتماعي وغير ذلك مما برز في هوامش الرسالة وقائمة المصادر والمراجع·
وبعد، فإني أتقدم بعظيم الشكر والامتنان لكل من ساعدني في هذا العمل وأخصّ بالذكر الأُستاذ الدكتور هاشم ياغي الذي أشرف عليَّ في رسالة الدكتوراه، وقدّم لي كل الدعم والعون، والأُستاذ الدكتور عبد القادر الرباعي الذي لم يبخل عليَّ يوماً بنصح أو مشورة، وإلى ابنتي لما بسام نصير التي أعانتني كثيراً في مراحل الدراسة المختلفة خاصة في مرحلة الطباعة والنشر· فلهم جميعاً الشكر والعرفان وجزاهم الله عني كل الخير·
هدفي أن أُبيّن صورة المرأة في هذا العصر إيجاباً وسلباً فإن كنت قد استطعته فذلك من فضل الله تعالى وكرمه عليّ، وإن لم أستطع فحسبي أنني حاولت دون أن أََدخر جهداً أو أُضيّع وقتاً·
أمل نصير
إربد في 1/6/1999
صفحة 4
العراق
سُميت بذلك من عراق القربة، وهو الخِــرْزُ المثني الذي في أسفلها؛ أي أنها أسفل أرض العرب· قال أبو القاسم الزجّاجي: قال ابن الأعرابي: سُميّ عراقاً لأنه سفل عن نجد، ودنا من البحر وقيل: إنما سُمي العراق عِراقاً لأنه على شاطئ دجلة والفرات مدّاً حتى يتصل بالبحر على طوله· وقد ذكر ياقوت الحموي أسباباً أخرى وراء هذه التسمية في معجم البلدان· والعراقان الكوفة والبصرة·
كان العراق منذ فجر التاريخ مهداً للحضارات، فقد تعاقبت عليه أجناس مختلفة كالبابليين والآشوريين والكلدانيين وغيرهم· ولعل وجود نهري دجلة والفرات كان سبباً مهماً وراء قيام هذه الحضارات، وكان كذلك سبباً مهماً وراء مطامع آخرين كثيرين فيه، فكثرت الهجرات إليه، ومنها هجرة القبائل العربية التي كانت تفد من الجزيرة العربية موطن العرب الأول·
وعلى إثر النزاع الذي كان بين الروم والفرس، ومطامع كل إمبراطورية في ممتلكات الإمبراطورية الأخرى، أقامت كلّ واحدة منهما مملكة عربية على حدودها؛ لتكون مصدّاً تصدّ أي عدوان أو غزو تتعرض له أراضيها، فأقام الروم مملكة الغساسنة على حدود الشام، وأقام الفرس في المقابل مملكة المناذرة في مدينة الحيرة العراقية·
كانت الحيرة تقع على مسافة تبعد نحو ثلاثة أميال من الكوفة، وكان يسكنها العرب، وجماعة من النبط، وأخرى من اليهود، بالإضافة إلى طائفة من الفرس سادة البلاد الأصليين، وقد حكمها عدد من الأمراء والملوك العرب من قبيلة لخم· منهم: المنذر ابن امرئ القيس المعروف بابن ماء السماء الذي تنصّرت الحيرة في زمنه، ومنهم عمرو بن المنذر المعروف بعمرو بن هند·
وقد كانت الحياة في الحيرة مزدهرة ازدهاراً كبيراً، وفي مجالات مختلفة منها: العلمية؛ إذ كانت تزخر بمعاهد العلم ومدارسه· والعمرانية؛ إذ كثرت فيها القصور والكنائس، وقد ساعد موقعها الجغرافي بين العراق والشام على اتصال أهلها بغيرهم من الشعوب المجاورة، بسبب قربها من بلاد فارس، ودراية بعض أبنائها باللغة الفارسية الأمر الذي جعلهم يطلعون على الثقافة الفارسية من علوم وآداب ونظم سياسية وحربية وإدارية· وكان لتنصّر ملوك الحيرة، واتباعهم الكنيسة النسطورية التي سيطر عليها السريان دور كبير في معرفة أهلها واطلاعهم على الثقافة الإغريقية، وذلك بواسطة طرق متعددة: على رأسها الترجمة، وكتب الطب والرياضيات، والفلسفة الأفلاطونية، ومنطق أرسطو·
وقد كانت العلاقة بين الكنيسة النسطورية والثقافة الإغريقية وثيقة إذ كانت الكنيسة النسطورية تحاول التوفيق بين اللاهوت المسيحي والفلسفة اليونانية· كما كان للحروب بين اللخميين والروم، ووقوع عدد من الأسرى الروم في أيدي أهل الحيرة أثر في الاتصال بالحضارة البيزنطية، والاطلاع على ما كان لديهم من علوم وثقافة وفنون وسبل عيش·
فلما جاء الإسلام، وشرع المسلمون في بناء الكوفة بدأت أحوال الحيرة تتغير، فتراجعت أهميتها، وتناقص عمرانها، بل نقض هذا العمران، واستخدمت حجارة قصورها وكنائسها في العمارة الإسلامية خاصة المساجد، فقد ذكر البلاذري عن شيخ من أهل الحيرة: "وجد في قراطيس هدم قصور الحيرة التي كانت لآل المنذر أَنّ المسجد الجامع بالكوفة بُني ببعض نقض تلك القصور، وحسبت لأهل الحيرة قيمة ذلك من جزيتهم"· ولكن هذا التراجع في المكانة السياسية والعمرانية ومظاهر الحضارة الأخرى
لم يقلل من قيمة الثقافة اللخمية التي انتقلت بعناصرها الفارسية والإغريقية إلى العرب المسلمين· ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل فُتح المجال للتوسع في الاطلاع على هاتين الحضارتين عن طريق دخول أعداد كبيرة من الفرس في الإسلام، وتعلمهم العربية ونقل كنوز فارس الثقافية إلى اللغة العربية، وكذلك عن طريق دخول بعض النصارى خاصة العرب منهم إلى الإسلام، فنقلوا ما يحفظون من ثقافة الإغريق إلى العربية، فحلّت الكوفة والبصرة محل الحيرة، وأخذتا عنها وعن جيرانها حضارات الأمم السابقة، فهضمتاها، واستفادتا منها استفادة كبيرة كان لها دور في نمو الحياة الثقافية والعقلية عند المسلمين فيما بعد·
وببدء الخلافة الأموية كان دَوْر الحيرة قد انتهى، وبدأ دور الكوفة والبصرة، وأصبح العراق بهاتين المدينتين من أكبر بيئات الشعر في العصر الأموي، وأكثرها إنتاجاً للشعر والشعراء·
صفحة 5
الكوفة
تأسست زمن عمر بن الخطاب لتكون معسكراً للجيوش الإسلامية التي خرجت من الجزيرة العربية لفتح بلاد فارس بعد أن أمر عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص "أن يتخذ للمسلمين دار هجرة وقيرواناً"·
اختطّت الكوفة في السنة السابعة للهجرة، في بيئة تشبه بيئة العرب الأولى التي خرجوا منها على بعد أميال من شمال الحيرة عاصمة اللخميين في ظل الدولة الفارسية في محطة للقوافل التجارية، ومركز لتبادل البضائع بين عمال الايرانيين ومأموريهم من جهة، وكبار أصحاب الإبل -البدو- من جهة أخرى بصورة مستمرة· وقد قام سعد بحشد القبائل حسب أنسابها، فوزعها توزيعاً سباعياً قبليّاً واستمرت الكوفة على هذا التوزيع حتى زمن زياد بن أبيه الذي قام حينما تولّى إمارة الكوفة بتغيير التقسيم السباعـي السابق إلى تقسيـم رباعي أراد منـه -على ما يبدو- تغييـر الطبيعة القبليـّـة للكوفة؛ وذلك للتخفيف من هذه العصبية القبليّة التي كانت تشتعل في المدينة، والتي كانت تؤدي إلى الثورات المتتالية ضد الحكم الأموي·
ولكن هذا المزج الذي قام به زياد لم يخفف من نار القبليّة في المدينة وتسيير حياتها، بل غلبت هذه الروح على نواحي الحياة المختلفة، واشتدت في زمن مروان بن محمد بين اليمن وربيعة·
ومن الأسباب الأخرى التي ساعدت على هذا الوضع أَنَّ الكوفة كانت موئلا للشيعة، فكانت منذ البداية تعارض الحكم الأموي، وقد حاربت إلى جانب علي بن أبي طالب في صِفّين، وكذلك فإنَّ التشكيلة الطبيعية لمجتمع الكوفة وسيطرة العرب خاصة ولاة بني أمية وأتباعهم على مقدّرات المِصر الاقتصادية، ومعاملتهم لغيرهم من أفراد الرعية والموالي معاملة قاسية، كانت كلها أسباباً مهمة في احتدام العصبيات، لذا نجد أهل الكوفة يشاركون في كلّ الثورات التي قامت ضد بني أمية، فقد كان أهل الكوفة وسادتها يمتعضون من ظلم ولاة بني أميّة وخاصة الحجّاج، ويرون أنّ الأمويين يستأثرون بالفيء دونهم مع أنهم أصحابه الشرعيون·
صفحة 6
البصرة
اختلفت الروايات في تسميتها، وفي سنة تمصيرها، والأرجح أنها مصّرت في السنة الرابعة عشرة للهجرة، عقب معركة القادسية على يد عتبة بن غزوان بأمر من عمر بن الخطاب الذي كان خليفة المسلمين آنذاك، ويرى ياقوت أنها كانت قبل قدوم المسلمين إليها مسلحة للأعاجم·
ويبدو أنّ المنطقة كانت معروفة للعرب قبل ذلك بحكم علاقاتهم التجارية إذ اشتهر ميناء "الأبُلّة" هناك؛ فعرفوا نوعاً من العلاقة التجارية بينهم وبين هذه المنطقة التي كانت تسمى بأرض الهند·
خُططت البصرة على مقربة من مصبّ نهر دجلة بين إقليم البطائح وشاطئ خليج العرب، وكان هدف عمر بن الخطاب أن تكون معسكراً للجيش، وقد خططت تخطيطاً قبليّاً كما كان الوضع في الكوفة، فقد كان لكل قبيلة خطتها، وقد كان لهذا التخطيط دور في احتدام العصبيات القبليّة هناك، مما أثّر في نواحي الحياة المختلفة خاصة الأدبية منها، فقد ظلت المدينة تعيش معيشة قبليّة، ومن هنا نجد أنّ الشعر فيها شعر قبلي أيضاً يهتم بأغراض الفخر والمدح والهجاء، ويقدمها على غيرها من الأغراض الشعرية الأخرى· فقد أصبح الشاعر يفتخر بقبيلته، ويعدد أمجادها، ويهجو من عاداها من القبائل الأخرى· وتوقف هؤلاء الشعراء عند الأحلاف المختلفة، كحلف تميم وقيس، وحلف الأزد وربيعة، ولم يكتفوا بذلك، بل فاخروا بأيامهم القديمة في الجاهلية وأثاروا ما كان بين القبائل من أحقاد دفينة تمثّل ذلك بشكل واضح في شعر النقائض·
يُعدّ العراق بمدينتيه الكوفة والبصرة أغنى مراكز الدولة الأموية، وذلك بحكم ما كان يصل إلى بيت المال من ضرائب، بالإضافة إلى طبيعته الزراعية، ومركزه التجاري، وعلى رأس هذه المدخولات:
الفيء
وهو ما أفاءه الله على الفاتحين وكان يقسّم وفق أحكام القرآن الكريم إلى خمسة أقسام: خمس لبيت المال، وأربعة أخماس توزع على المقاتلين {واعلموا أنما غنمتم من شيء، فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}· ولا شكَّ أنّ أموالاً ضخمة قد حازها بعض العراقيين من جرّاء الفتوحات في المنطقة الشرقية للدولة الإسلامية، وقضائهم على الدولة الفارسية التي كانت تُعدّ بحق من أغنى بقاع الأرض في ذلك الوقت· وقد استمر تدفق هذه الأموال زمن الخلفاء الأمويين بحكم استمرار مشاركة العراقيين في فتوحات جديدة خاصة في منطقة الشرق·
صفحة 7
الخراج
وهو مقدار من المال يدفعه أصحاب الأراضي المفتوحة لبيت المال· والأصل في الأرض المفتوحة عنوة أن توزع على الفاتحين، وخمسها يذهب لبيت المال باعتبارها من الفيء، ومنها أغلب أرض السواد، ولكن عمر بن الخطاب ارتأى أن يبقيها بأيدي أصحابها، واكتفى بالخراج "فتكون فيئاً للمسلمين المقاتلة والذرية ولمن يأتي بعدهم"· ولا شكّ أنّ مبالغ طائلة كانت تجبى من خراج العراق، فقد بلغت مئة مليون درهم زمن عمر بن الخطاب، ثم ارتفعت إلى أن وصلت في بعض الأحيان مئة وعشرين مليوناً· هذا بالإضافة إلى خراج الصوافي؛ وهي كل أرض لكسرى أو لأهله، ولمن فرَّ عن أرضه أو قتل في المعركة، وكل دير، وبيوت النيران أو السكك، وكانت أراضي واسعة كثيرة الإنتاج· وذكر الصولي أنَّ واردات الصوافي، وهدايا النيروز، والمهرجان كانت تبلغ زمن معاوية خمسين ألف ألف درهم، وفي زمن ابن الزبير عشرين ألف ألف·
وقد قام معاوية فيما بعد بحيازة هذه الأموال لنفسه، ولآل بيته، مما أوقع خسارة كبيرة ببيت المال، وأثار بغض رعيته لما رأوه من أخذ أموالهم والاستئثار بها دونهم·
الجزية
وهي مقدار من المال يدفعه الذمي الذي يرغب بالبقاء على دينه لبيت المال، وهي تختلف من شخص إلى آخر، فقد وضع عمر على الرأس ثمانية وأربعين، أو أربعة وعشرين، أو اثني عشر درهماً حسب قدرتهم المادية· قال: "لا يوضع عليهم أكثر من ذلك، ومن عجز خفف عنه"· واستمر تحصيل هذه الأموال من الذميين في العصر الأموي، وكانت تشكّل جزءاً كبيراً من إيرادات بيت المال لهذا العصر·
عشور المزروعات
وهي ضريبة كانت تُجبى من مزروعات المسلمين، وهي غير محددة تحديداً قطعياً لكنها كانت تزداد مع ازدياد امتلاك العرب للأراضي الزراعية وزراعتها· ومن المعروف أنَّ هذه الزيادة كانت مطّردة إلى نهايات العصر الأموي·
صفحة 8
عشور التجارة
وهي ضريبة يؤديها التاجر إذا سافر من بلد إلى آخر بقصد التجارة وهي ضريبة معروفة منذ الجاهلية، وأقرّها الإسلام فيما بعد، ومقدارها مختلف في قيمته· ذكرت المصادر أنَّ على المسلمين ربع العشر، وعلى أهل الذمة نصف العشر، وعلى أهل الحرب العشر، وكانت تدفع على المتاع والرقيق والأموال، وكل شيء يبقى في أيدي الناس· هذا بالإضافة إلى ضرائب كثيرة كهدايا النيروز والمهرجان وأثمان الصحف، وأجور الفيوج، وأجور البيوت، ودراهم النكاح·
كان جزء كبير من هذا المال ينفق على تجهيز الحملات، وعلى الجنود، وعلى شقّ الأنهار، وإنشاء السدود والطرق· وقسم يدفع منه العطاء للمهاجرين والأنصار والمسلمين الأول الذين كانوا عماد الإسلام· وما يفيض عن حاجات المصر كان يرسل في بداية الأمر في زمن الخلفاء الراشدين إلى الحجاز الذي كان أغلب مصادره تأتي من العراق وفيما بعد أي في زمن الأمويين، أصبح يحمل إلى معاوية، ومن جاء بعده في الشام، بالإضافة إلى استئثار الولاة، والحكام الأمويين، والأشراف العرب بنصيب كبير من هذه الأموال والإقطاعات؛ مما ترك آثاراً سيئة على أهل العراق أَدّت بهم إلى كره الأمويين والثورة عليهم·
هذا هو الوضع العام لبيت المال في العراق لكن لم تكن الأمور تسير على وتيرة واحدة دائماً، فقد تحدث أمور تخالف هذا الوضع من ذلك استئثار بعض ولاة بني أمية بخراج العراق، وحيازته لأنفسهم، ومن ذلك إعادة فرض الجزية على من أسلم من أهل الذمة، كما حدث في زمن الحجّاج إلى غير ذلك من الأمور التي كانت تُثير العراقيين ضد حكامهم وولاتهم، فيثورون ضدهم، وينتهزون الفرص التي يمكن أن تخلّصهم من الحكم الأموي·
عند النظر في عناصر سكان العراق وفئاته الاجتماعية نرى أَنَّ هذه العناصر تتكون في الدرجة الأولى من العرب المسلمين الذين قاموا بالفتوحات، أو الذين جاء وا إليه بعد ذلك، وهم من قبائل مختلفة منها متحضرة كقبائل الحجاز، وعلى رأسها قريش، ومنها شديدة البداوة مثل تميم وطيء، وقسم ثالث نصف متحضرة من أسد وربيعة وبكر وعبد القيس، ومنهم نصارى كان بعضهم من تغلب والنمر وإياد، وبعضهم الآخر كان من نجران، وهؤلاء كانوا قد توطنوا العراق في وقت مبكر منذ تمصير البصرة والكوفة·
العنصر الثاني هو الفرس· وأكثرهم استسلموا للعرب، ودخلوا الإسلام، وعلى رأس هؤلاء "الأساورة" في البصرة، و"حمراء ديلم" في الكوفة· أما الأساورة، فقد كانوا قوّة ساسانية، تُحارب في الأهواز عقدوا اتفاقية مع أبي موسى الأشعري وافقوا بموجبها على المحاربة إلى جانب المسلمين، وقد شاركوا فيما بعد في فتح خرسان· وأما حمراءديلم، فقد سموا بذلك نسبة إلى قائدهم ديلم، فهم عنصر وافد إلى الكوفة، وكان بعضهم من بقايا الجيوش الساسانية التي انضمت إلى العرب، وقد ساهموا في فتح المدائن وغيرها مع سعد بن أبي وقاص، وبعضهم الآخر كان من أسرى الحروب وسباياها الذين كانوا غنائم للفاتحين توزّع بينهم، فأصبحت هذه العناصر تغزو البيت العربي، وأدى ذلك إلى ظهور جيل جديد من المولّدين·
والعنصر الثالث هم النبط· وكان هؤلاء من العنصر الوطني في العراق، ويعرّفهم المسعودي بأنهم السريان الذين كانوا يسكنون العراق والجزيرة والشام· في حين يرى د· جواد علي أنهم بقايا الشعوب القديمة التي سكنت بلاد الشام والعراق مترسبات الإرميين (الآراميين) في هاتين المنطقتين· وكانوا يعملون في الزراعة، ويدفعون الجزية مقابل المنعة، وحراسة أراضيهم حتى يتمكنوا من زراعتها ورعايتها· وأما السريان، فقد كانوا يسكنون في حوض دجلة الأعلى وفي الجنوب حول الحيرة، وفي الحيرة نفسهـا، بالإضـافـة إلى مجموعـات مـن الهنـود، والأتـراك، والأصفهـان، والأحباش، والزنج، والزط الذين وصلوا العراق عن طريق الأسر، أو التجارة·
وقد أثّر هذا التوزيع السكاني في تشكيل الفئات الاجتماعية إذ نستطيع تقسيم المجتمع إلى فئتين رئيسيتين: الطبقة العليا، وعامة الناس· فأما الأولى فهي تتكون من الحكام المعيَّنين من قبل الخليفة، وقادة الفتوح، وذوي الإقطاعات والتجار الذين يملكون رؤوس الأموال الكبيرة، ومنهم صحابة وتابعون· كانت هذه الفئة متميزة دينياً واقتصادياً واجتماعياً؛ فمن شدة غنى هذه الفئة قيل فيهم: إنهم أصبحوا يهيلون الذهب والفضة، ومن شدة تفرّدهم تناسوا مبدأ المساواة الذي جاء به الإسلام· ساعدهم على هذا الغنى العطاء المنتظم الذي كان يأتيهم من بيت المال، وما حصلوا عليه من غنائم الفتوحات، فقد حاز هؤلاء كنوز الدولة الفارسية·
وزاد في ثراء هذه الطبقة احتجاز الأمراء لمبالغ من المال من بيت المال أثناء إمارتهم لجهة من جهات الدولة؛ فقد ذُكر أَنَّ عبد الرحمن بن زياد احتجز إبان إمارته على خراسان مبلغاً من المال كان يكفي على حد ادعائه أن يعيش مئة سنة، وينفق كل يوم ألف درهم، بل إنّ بعض هؤلاء الأمراء كان يقدر على ما يستكثره الخليفة، فقد انبثقت البثوق أيام الحجّاج فكتب إلى الوليد بن عبد الملك يعلمه أنه قدّر لسدّها ثلاثة آلاف ألف درهم، فاستكثرها الوليد، فقال له مسلمة بن عبد الملك: أنا أنفق عليها على أن تقطعني الأرض المنخفضة التي يبقى فيها الماء· وساهم في غنى هذه الطبقة أيضاً الإقطاعات الكبيرة التي اقتطعت لهم في زمن الخلفاء الراشدين خاصة عثمان بن عفان الذي توسع فيها كثيراً هو ومن جاء بعده من خلفاء بني أمية، فقد أقطع عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكوفة خططاً مستقلة بنوا فيها دوراً كبيـرة· وفـي الجنـوب من نهر الأبلّة يمتد شط عثمان؛ وهو أرض واسعة باعها عثمان بن عفان لعثمان بن أبي العاص الثقفي· وبين شط عثمان والأبلّة ترع كثيرة تقوم عليها إقطاعات طينية شديدة الاتساع لعدد من الزعماء العرب· كما أننا نجد إقطاعات خاصة بنساء هذه الطبقة مما يصوّر مكانة المرأة في هذه الطبقة التي أهلتّها لنوع من الاستقلال الاقتصادي· هذا بالإضافة إلى القطائع التي اشتراها أصحابها بمالهم الخاص، وذلك عندما سمح عثمان بن عفان لمن يرغب بشراء ما أفاءه الله على الفاتحين في العراق حتى يأتي من شهد من أهل العراق الفتوح فيقيم معه في بلاده، وبالتالي فقد قام أغنياء الحجاز بشراء القطائع الكبيرة في العراق منهم طلحة بن عبيد الله، ومروان بن الحكم، والأشعث بن قيس فظهرت فئة تمتاز بالغنى والمكانة الاجتماعية معاً· وقد شعر هؤلاء العرب بالتفرد والتميز عن الشعوب الأخرى؛ نتيجة لانتصاراتهم الكبيرة، وقضائهم على إمبراطورتي الفرس والروم وإخضاعهم الشعوب الأخرى لسيطرتهم·
صفحة 9
وأما الطبقة الثانية، فعامة الناس وتتألف من الطبقة الشعبية من العرب، ومن أفراد القبائل، وعناصر الجيوش الفاتحة، والعرب النصارى، وأهل الذمة والموالي· وهؤلاء جميعاً لم يكن حظهم من الغنى والتميز ما كان للطبقة الأولى، بل كان غناهم يتراوح من شخص إلى أخر· فأما العرب، فقد كانوا يشكّلون جيوش الفتح، وهم على درجة لا بأس بها من الغنى، وذلك لما يحصلون عليه من أموال الفيء، أو أموال العطاء الذي كانت الدولة تفرضه لهم لقاء محاربتهم تحت لوائها متى طُلب إليهم ذلك· وأما العرب النصارى، وأهل الذمة، فلم يكونوا يشاركون في الفتح والجهاد، وإنما كانوا مواطنين عاديين يقومون ببعض المهن كالزراعة والتجارة والصناعة· وأما الموالي، وهم المسلمون من غير العرب فكانت تعاليم الإسلام تقضي بأن يُساوى بين المولى ومولاه لا فرق بينهما إلا بالتقوى، وقد ظهرت معالم هذه المساواة منذ بدايات الإسلام إذ ساوى الرسول عليه السلام بين الموالي والعرب مساواة تامة، ولعمر بن الخطاب مواقف عظيمة في هذا المجال·
وقد كان هؤلاء الموالي يشكّلون نسبة كبيرة من السكان· وكانوا يعملون في مجالات الحياة المختلفة في الزراعة والتجارة والصناعة، وفي خدمة البيوت العربية، وحفظ الأمن، وحراسة السجون، وجمع أموال الصدقة· كما عملوا في الحياة الثقافية وبمجالاتها المختلفة، ووصلوا إلى مراتب متقدمة، ونافسوا العرب في ذلك حتى بدؤوا يخشون من كثرتهم وتسلطهم على نواحي الحياة المختلفة·
ورغم ما ذكرت آنفاً من حثّ الإسلام على المساواة بين العرب والموالي إلا أنَّ الملاحظ على موالي العراق بشكل خاص أنهم عُوملوا معاملة بعيدة عن روح الإسلام في كثير من الأحيان، فقد حُرم بعضهم من العطاء، وأما الذين اشتركوا فيه فقد كان عطاؤهم غير مساوٍ لعطاء العربي؛ لأنّ العربي كان يرى نفسه أحق بالعطاء لقيامه بالفتوحات، وأَنَّ هؤلاء الموالي ما هم إلا فيء أفاءه الله على العرب المسلمين· قال أشراف الكوفة للمختار الثقفي عندما ضمّ إليه الموالي والعبيد في حركته وأشركهم في العطاء: "عمدت إلى موالينا؛ وهم فيء أفاءه الله علينا وهذه البلاد جميعاً فلم ترضَ لهم بذلك حتى جعلتهم شركاءنا في فيئنا"·
وهذا الكلام باطل من أساسه، وذلك لأَنّ هؤلاء الموالي قد دخلوا في الإسلام وساووا العرب في جوهر الأمر، ولأنّ بعضهم، بل كثيراً منهم شارك في الفتوحات، وفي أعمال الجندية الأخرى جنباً إلى جنب مع العرب؛ فهم مسلمون أيضاً، زد على ذلك فرض الجزية على بعض الموالي بعدما أسلموا وذلك بسبب نقص موارد بيت المال، وربما كان ذلك نوعاً من العقاب لهم لاشتراكهم في الثورات التي حدثت ضد نظام الحكم آنذاك· ومن الناحية الاجتماعية فقد عومل بعضهم معاملة فيها ازدراء وكبر من قبل بعض العرب، إذ نظر إليهم على أنهم جنس لا يمتاز كثيراً عن العبيد، ولم يكن هؤلاء يملكون أمر أنفسهم حتى إن الرجل منهم لم يكن يملك تزويج ابنته أو أخته دون مشورة مولاه، بل إن الخاطب كان يخطب المرأة من مولاها العربي، فإن رضي تمّ الزواج، وإلا رُدّ، وقد يقوم السيد العربي بفسخ النكاح إن لم يكن راضياً عنه· كما حرّم عليهم الزواج من النساء العربيات، وإن هم فعلوا ذلك فإنهم قد يضطرون إلى الطلاق مع المهانة والإذلال· ومع أَنّ العرب رفضوا تزويج بناتهم للموالي خوفاً على نقاء الجنس العربي إلا أنَّ رجالهم ناقضوا هذا الأمر عندما سمحوا لأنفسهم بالزواج من الأجنبيات، والتسري بهن· مما أدى إلى ظهور جيل من العرب يسمى بالهجناء، وهؤلاء كان مركزهم الاجتماعي أقل من أولاد الحرائر· قال الفرزدق يمدح عبّاد بن علقمة ويهجو ابن أبي حاضر:
صَلْتُ الجبينِ كريمُ العودِ مُنْتَجَبٌلــم يدرِ ما طعمُ ثديــــــــــيْ أمِّ أولادِ
بل إن هؤلاء لم يكونوا مساوين لأبناء الحرائر في أمور الوراثة والعقل ولم يسمح لهم بتولي منصب الخلافة في الدولة الأموية·
وانطلاقاً من هذا لم ينظر المجتمع إلى أمهات الأولاد (الإماء) نظرته إلى أمهات البنين (الحرائر)· كان للفرزدق بنت من جارية زنجية يقال لها مكيّة وكان يكنى بها زماناً، فوفد إلى سليمان بن عبد الملك فكتبوا يشكون شراسة خلقها، فقال:
فإلا تَعُدّوا أُمها من نسائكمفإن ابن ليلى والد لن يشينها
استأثر العرب بالمناصب السياسية والدينية الهامة، ولم يسمحوا للموالي بتقلدها خاصة تلك المناصب التي تكسب شاغلها بعض النفوذ والسلطة كمنصب القاضي· فكانت العرب ترى أنه لا يصلح للقضاء إلا عربي· مثل ذلك قيادة الجيوش، وغيرها من المناصب الهامة، وبالتالي اقتصر عملهم على الزراعة والصناعة والحرف اليدوية، وهي مهن كان كثير من العرب يأنف من العمل بها· ومن المعلوم أنَّ هذا الوضع بالنسبة للموالي كان ظاهراً في العراق دون غيره من مراكز الحكم الأموي، ويعود ذلك إلى إبقاء القبائل العراقية على النظرة القبلية إلى نظام الولاء الذي كان سائداً في العصر الجاهلي، وكذلك إلى بروز العصبية العربية التي كانت تنظر نظرة استعلاء للأجناس غير العربية· ساعد على هذا كله موقف الدولة من موالي العراق ممثلة بولاتها وعلى رأسهم الحجّاج الذي عاملهم بقسوة بسبب اشتراكهم في الثورات التي كانت ضد الحكم الأموي، مثل ثورة ابن الاشعث التي قامت على أكتاف الموالي بشكل خاص· لكن علينا أن لا نبالغ في تصوير ازدراء العرب للموالي، فإنّ هناك حالات كثيرة تصوّر العلاقة الطيبة بين هؤلاء الموالي وسادتهم العرب لأنّ الموالي لم يكونوا فئة واحدة، وعلى هذا فإن النظرة إليهم لم تكن واحدة أيضاً، بل كانت تتأثر بأصولهم ومهنهم، فكان منهم الأشراف وكُتّاب الدواوين والفقهاء، وهؤلاء كانت لهم منزلة اجتماعية، ومنهم أصحاب رؤوس الأموال، وهم قوة اقتصادية كالدهاقين والتجار، بينما نرى أنّ عامة أهل الحرف في الصنائع والمهن وعامة الفلاحين في القرى من الموالي وأهل الذمة وبالتالي فإنّ النظرة الاستعلائية كانت موجّهة إلى الفلاحين والحرفيين أما بالنسبة للأشراف والكتاب والفقهاء والتجار، فكانت تختلف·
أما العبيد وهم أسرى الحروب التي خاضها العرب المسلمون، فكان يجوز للمسلمين فيهم قتلهم أو استرقاقهم أو مفاداتهم أو المنّ عليهم بإطلاقهم أحراراً· ويبدو أنّ العرب لم يسترقوا إلا حاميات المدن التي قاومت العرب مقاومة شديدة، أو التي ثارت بعد استسلامها، أو التي فتحت بحدّ السيف· وكان خمس هؤلاء من حق الدولة، أما الأخماس الأربعة الأخرى، فإنها توزع بالتساوي على المقاتلين·
وقد استخدم هؤلاء في بعض الأعمال العسكرية والمدنية إذ شاركوا في القتال إلى جانب الجيوش الإسلامية، وبعضهم كان يعمل في الزراعة أو التجارة أو الصناعة أو خدمة البيوت، وقد كانت الهوّة بينهم وبين سادتهم من العرب واسعة في بداية الأمر، ولكن ما لبثت أن خفّت مع الأيام باعتناق كثير منهم الإسلام، وتعلمهم العربية، بالإضافة إلى العلاقة الطيّبة التي كانت تربط كثيراً منهم بسادتهم·
صفحة 10
الجزيرة الفراتية
تقع الجزيرة الفراتية بين نهري دجلة والفرات مجاورة للشام، واختلف في تبعيتها منذ القديم فمنهم من يضمّها إلى العراق، ومنهم من يضمّها إلى الشام وما زال هذا الاختلاف إلى وقتنا الحاضر· كانت تسمى في القديم جزيرة أقور· وهي تمتد من منابع نهري دجلة والفرات حتى جنوب الموصل· قسَّمها بعضهم إلى ثلاث مقاطعات هي: ديار بكر، وديار مضر، وديار ربيعة نسبة إلى ثلاث قبائل عربية كبيرة، أو إلى ثلاث مجموعات من قبائل عرفت بهذه الأسماء كانت قد هاجرت إليها في زمن الدولة الساسانية التي امتدَّ حكمها من عام (622م-826م)· والجزيرة ذات مناخ معتدل كثيرة الأمطار صحيحة الهواء جيدة الريع والنماء واسعة الخيرات؛ لتوافر مصادر المياه من أنهار وأمطار·
وقد تميّزت الجزيرة إضافة إلى ذلك بموقع جغرافي هام إذ يمرّ فيها طريق التجارة القديم بين الشرق والغرب مما جعلها تلعب دوراً تجارياً مهماً في عمليات التبادل التجاري، فكان يجري نقل مختلف البضائع عبرها·
أمّا عن الواردات التي كانت ترد بيت المال، فهي مشابهة لتلك التي كانت في العراق والشام· منها الخراج وقد بلغ في بعض أوقاته خمسة وخمسين ألف ألف درهم· والجزية التي كانت تؤخـذ من أهل الذمة مـن غير العرب· أمـا العــرب النصارى
من قبيلة تغلب وغيرها، فقد عوملوا معاملة خاصة، إذ أُعفوا من الجزية، واكتفي منهم بدفع مثل ضعف صدقة المسلم، وذلك تمييزاً لهم عن غيرهم كونهم عرباً، ولأنهم رفضوا دفع الجزية كغيرهم من أهل الذمّة، فأراد المسلمون بذلك تألفهم، والحفاظ عليهم من الانحياز إلى الروم أعداء المسلمين، وعوملوا المعاملة ذاتها في عشور الزراعة· ذكر البلاذري: أَنَّ أراضي بلد وديار ربيعة والبرية هي أعشار، وأنّ حكمها حكم ما أسلمت عليه العرب، أو عمرته من الموات الذي ليس في يد أحد، أو رفضه النصارى، وغلب عليه الدُغْل فأُقطعه العرب·
ومن واردات بيت المال أيضاً عشور التجارة التي كانت تأتي بأموال كثيرة نظراً لموقع الجزيرة المتميز من الناحية التجارية·
كانت هذه الأموال تُصرف في تغطية نفقات الحملات الخارجية التي تجهز لحماية الثغور الإسلامية من عدوان الروم لأنها تقع على مقربة من حدود الدولة البيزنطية، وكذلك الحملات الخارجية التي كانت تجهز لقمع الفتن، وإخماد الثورات التي كانت تقوم ضد نظام الحكم مثل ثورات الخوارج· وكان بعض المال ينفق في أعمال الإصلاح والتعمير وشقّ الطرق وحفر الأنهار· ذكرت المصادر أنّ الحرّ بن يوسف أنفق على حفر نهر الموصل من الأموال التي كان يجبيها من المنطقة، ولم يحمل للخليفة هشام بن عبد الملك شيئاً· وعند النظر في سكان الجزيرة الفراتية نرى أَنَّ جلّهم من العرب، وبعضهم
من الآراميين والجرامقة· أما الأديان السائدة، فكانت الإسلام دين الدولة الرسمي ودين الغالبية العظمى من السكان، ثم النصرانية واليهودية والصابئة·
ويرجع وجود العرب في الجزيرة الفراتية إلى عصور قديمة قبل الفتح إذ قامت بعض القبائل العربية مثل تغلب وبكر وربيعة بالهجرة من مواطنهم في الجزيرة العربية إلى هذه المنطقة، ومناطق أخرى في العراق واستقرت فيها· وقد كانت هناك أسباب كثيرة استوجبت هذه الهجرة منها العداء التقليدي الذي كان بين العرب القحطانيين والعرب العدنانيين الذي أدى إلى سلسلة من الحروب تكاد لا تنتهي، ومنها الحروب التي وقعت بين شيبان وتغلب وربيعة ومضر، وبين قبائل مضر ذاتها مثل داحس والغبراء والبسوس وغيرهما، إذ دفعت هذه الحروب بعض القبائل إلى الهجرة إلى منطقة الجزيرة الفراتية، وكانت الموارد الاقتصادية الجيدة فيها تشجع هؤلاء على الهجرة لقلة موارد بلادهم من الكلأ والماء اللذين كانا عماد حياتهم في ذلك الوقت كما ساهم خراب سد مأرب في مزيد من هجرة القبائل اليمنية إلى هناك·