eKtab
EN ع
صور من صحابة رسول الله
اقرأ عينة مجانية

صور من صحابة رسول الله

بقلم إبراهيم النعمة

صفحة 1
مقدمــة
 
الحمد لله حمداً يبلغني رضاه، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى سائر أنبيائه ورسله، وآله الطيبين وصحبه المخلصين، ومن اتبع هداه إلى يوم الدين!
 
أما بعد:
 
فإن القرآن الكريم هو المصدر الأول من مصادر تشريعنا، وسنة رسول الله  هي المصدر الثاني. ومن هذين المصدرين يتلقى المسلم أكثر أحكام دينه: من عقيدة وشريعة وأخلاق. أما القرآن الكريم: فهو كلام الله المنزل على محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه باللفظ العربي، المتعبد بتلاوته، المنقول بالتواتر، والمكتوب في المصاحف، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس. وأما السنة: فهي أقوال رسول الله  وأفعاله وتقريراته.
 
ولقد محّص السنة وعُني بها عناية بالغة علماء أفذاذ، وأئمة عظام، وحفاظ أمناء، قاموا بتدوينها وتقسيمها إلى صحيحة وحسنة وضعيفة. ولم نجد أمة من الأمم عنيت بدينها، ونقلت من تراث ماضيها ما نقلته الأمة المسلمة في هذا الشأن! وهذا التشريع الإلهي الذي بلّغه رسول الله  وصل إلينا عن طريق الصحابة العدول الصادقين، واخذ عن الصحابة التابعون ومن جاء بعدهم. وقد بارك الله للصحابة والتابعين وتابع التابعين في أوقاتهم وهم يمحصون سنة رسول الله ، ويتنقلون في أرض الله الواسعة ليسمعوا الحديث عمن سمعه من رسول الله  مباشرة... فتم على أيديهم في مدة وجيزة من الزمن ما لم يتم على أيدي غيرهم في آلاف السنين!
 
ونحن حين نتدبر ونتأمل في تاريخ الصحابة الكرام وتبليغهم لدعوة الله في العالمين، نرى أن كل ما نحن فيه من خير وسعادة إنما هو من ثمرات الجهاد الذي قام به الصحابة، إذ لولاهم لكنا –جميعاً- كفاراً: نعبد الشمس أو القمر أو الصنم أو الحجر، أو الوثن أو الشجر ... وهكذا فإن للصحابة فضلاً كبيراً على كل مسلم في هذا الوجود، لقد حرصوا –كل الحرص- على هداية الناس إلى الإسلام، وكان فرحهم بدخول الفرد الواحد في الإسلام أكثر من فرحهم بحيازة الدنيا بحذافيرها. لقد وقفوا كالشم الراسيات في أحلك الأحوال وأقساها، باذلين المال والنفس والأهل والولد في سبيل الله. وحين تتوالى المصائب عليهم من كل جانب، ويحدق بهم أعداؤهم ويضيقون عليهم الخناق، وتبلغ بهم الحراجة مبلغها ما يزيدهم ذلك إلا ثباتاً على دينهم. وما أروع ما صوره القرآن الكريم فيهم، قال تعالى:
 
وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُـونَ الأَحْـزَابَ قَالُوا هَـذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا سورة الأحزاب/22.
 
لقد قام الصحابة بتبليغ رسالة الله: فأدوا الأمانة، وحفظوا القرآن الكريم والسنة. ولو فرطوا في ذلك لما وصل إلينا واحد منهما سالماً، كما ضربوا المثل الأعلى في كل شأن من شؤون الحياة، فكانوا في الحرب المجاهدين الصابرين المحتسبين، وكانوا في السلم الهداة المعلمين، حتى لقد وصفهم رسول الله  بقوله:
 
(النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)(1).
 
لقد محصت الصحابة الفتن، وامتُحنوا بالنفس والمال والوطن فاسترخصوا كل شيء من اجل رفع راية الإسلام ... هؤلاء الصحابة الكرام ما كان لواحد منهم أن يقف هذا الموقف لو لم تكن نيته خالصة لله وحده! وكيف لا تكون نياتهم خالصة، وقد نص الحكيم الخبير في قرآنه على ذلك، قال تعالى: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا سورة الفتح /18.
 
فلا نعجب إذا علمنا أن الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه كان يحضّ على احترام الصحابة وينهى عن أذاهم ... ولا نعجب -أيضاً- إذا علمنا أن كثيراً من علمائنا ذهبوا إلى أن الطعن بالصحابة هو الطعن بالدين نفسه!
صفحة 2
عدالة الصحابة
 
ثبتت عدالة الصحابة بنصوص صريحة في كتاب الله، وأحاديث صحيحة نص فيها رسول الله  على ذلك. فأيّ تعديل أصح من تعديل الله ورسوله لهم؟
 
وإذا انتقلنا إلى المصدر الثالث من مصادر تشريعنا الذي هو (الإجماع)، نرى أن جمهور التابعين والذين جاءوا من بعدهم ومَنْ يعتد بإجماعه قد نصوا على تعديل الصحابة.
 
على أن تلك العدالة ثابتة للصحابة ولو لم يرد شيء في القرآن والسنة، إذ الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد وبذل كل شيء في سبيل الله يقطع بتعديلهم، كيف وقد مدح الله الصحابة بصورة عامة في آيات كثيرة، لذلك قرر أئمة أهل السنة والجماعة من نقاد الحديث وفقهاء الإسلام: أن عدالة الصحابة ثابتة من غير بحث في أحوالهم، فقد مدح الله عامة الصـحابة في آيات كريمة، منها قوله تعالى:
 
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا سورة البقرة /143.
 
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
 
وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ سورة آل عمران /110.
 
الَّذِينَ استَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌالَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ سورة آل عمران /172-173.
 
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ... فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ سورة الأعراف /156-157.
 
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَوَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ سورة الأنفال / 62-63.
 
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ سورة الأنفال / 64.
 
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ سورة الأنفال / 74.
 
الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَيُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌخَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ سورة التوبة 20-22.
 
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتحًا قَرِيبًاوَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا سورة الفتح / 18-19.
 
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا سورة الفتح / 29.
 
هذا وصف رائع لذلك الجيل القرآني الفريد الذي رباه رسول الله ، فحقق أعلى مستوى في الارتقاء الخلقي والروحي. لقد صقَلَ قلوبهم المحراب، وزكاهم قيام الليل والناس نيام ... إنه الجيل القرآني الفريد الذي وصفته التوراة والإنجيل والقرآن بهذا الوصف الرائع (وقد ذكر عند الأمام مالك بن أنس رجل ينتقصالصحابة –رضوان الله عليهم- فقرأ الأمام مالك هذه الآيات حتى بلغ (يُعجبُ ...) فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله  فقد أصابته هذه الآية)(2) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:
 
(فلا بد أن يغيظ بهم الكفار. وإذا كان الكفار يغاظون بهم، فمن غيظ بهم فقد شارك الكفار فيما أذلهم اللهُ به وأخزاهم وكبتهم على كفرهم، ولا يشارك الكفار في غيظهم الذي كبتوا به جزاءاً لكفرهم إلا كافر؛ لأن المؤمن لا يكبت جزاءاً للكفر)(3).
صفحة 3
وقال تعالى:
 
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى سورة الحديد /10.
 
أما الذين حكم الله سبحانه لهم بالحسنى، فهم الذين ذكرهم بقوله:
 
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَلا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَلا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ... سورة الأنبياء / 101-103. قال ابن حزم:
 
(فجاء النص أن مَنْ صحب النبي ، فقد وعده الله الحسنى وقد نص الله تعالى: (إن الله لا يُخلف الميعاد) وصـح بالنص كل من سبقت له من الله تعالى الحسنى، فإنه مبعد عن النار، لا يسمع حسيسها وهو فيما اشتهى خالد، لا يحزنه الفزع الأكبر وليس المنافقون ولا سائر الكفار من أصحابه عليه السلام)(4).
 
وقال تعالى:
 
لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَوَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ سورة الحشر /8،9.
 
وهناك آيات كريمة كثيرة لا يتسع المجال لذكرهـا، تشـير إشـارات واضـحة إلى ثناء الله ورضوانه عن الصحابة.
 
وإذا يممنا وجوهنا شطر السنة النبوية رأينا العجب العجاب من ذلك الثناء العاطر من رسول الله  على أصحابه. فمن ذلك المدح والثناء ما رواه البخاري ومسلم عن عمران بن حصين  أن النبي  قال:
 
(خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم –قال راوي الحديث عمران بن حصين-: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة؟ ثم إن بعدهم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السّمن)(5).
 
وقال :
 
(يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقولون فيكم منْ صاحب رسول الله ؟ فيقولون لهم: نعم؛ فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: فيكم منْ صاحب أصحاب رسول الله ؟ فيقولون نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: فيكم منْ صاحب أصحاب أصحاب رسول الله ؟ فيقولون:
 
نعم؛ فيفتح لهم)(6).
 
وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري  قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد؛ فقال النبي :
 
(لا تسبّوا أحداً من أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل أحدٍ ذهباً ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه)(7).
 
هكذا يوجه الرسول الكريم  خطابه إلى خالد ابن الوليد ونحوه بالنهي عن سب عبد الرحمن بن عوف وأمثاله؛ ذلك أن ابن عوف كان من السابقين الأولين الذين أسلموا قبل فتح مكة وقاتلوا: فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان.
 
يقول الإمام أبن تيمية –رحمه الله-:
 
(والصحبة اسم جنس تقع على من صحب النبي  قليلاً أو كثيراً، لكن كل منهم له من الصحبة بقدر ذلك: فمن صحبه سنةً أو شهراً أو يوماً أو سـاعةً أو رآه مؤمناً فله من الصحبة بقدر ذلك ...)(8).
 
وقال :
 
(الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومنْ أبغضهم أبغضه الله)(9).
 
ودعا صلوات الله وسلامه عليه للأنصار فقال:
 
(اللهم أغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار)(10).
 
وقال :
 
(لو أن الأنصار سلكوا وادياً أو شعباً لسلكت في
 
وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار)(11).
 
وقال :
 
(إنكم يا معشـر المهاجرين تزيدون وان الأنصار لا يزيدون، وإن الأنصار عَيْبَتي التي أويت إليها؛ أكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم، فإنهم قد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم)(12).
 
إن هذا الثناء العظيم من رب العالمين ومن رسوله الكريم  على الصحابة، ليدل دلالة قاطعة على عدالتهم، وما أروع ما قرره محمد بن أحمد الحنبلي الشهير بـ(أبن النجار) حيث قال:
 
(إن مـن أثنى الله سبحانه وتعالى عليه بهذا الثناء كيف لا يكون عدلاً؟ فإذا كان التعديل يثبت بقـول أثنين مـن الناس، فكيف لا تثبـت العدالة بهذا الثناء العظـيم من الله سـبحانه وتعالى ومـن رسوله)(13)
 
وقال أبن عبد البر وهو يتحدث في عدالة الصحابة:
 
(ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم، وثناء رسوله  ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته، ولا تزكية أفضل من ذلك، ولا تعديل
 
أكمل منه ...)(14).
 
وقال الخطيب البغدادي وهو يتحدث في عدالة الصحابة:
 
(ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له، فهم على هذه الصفة إلى أن يثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية، والخروج من باب التأويل، فيحكم بسقوط العدالة، وقد برّأهم الله من ذلك ورفع أقدارهم عنده ... هذا مذهب كافة العلماء ومنْ يعتدّ بقوله من الفقهاء)(15).
صفحة 4
ما يترتب على القول بعدالة الصحابة
 
ويترتب على القول بعدالة الصحابة قبول رواياتهم كلها ووجوب محبتهم، والثنـاء عليهم، وتبيان فضائلهم، والاهتداء بهديهم، والإمساك عما شجر بينهم من الأقوال والأفعال؛ فلا يلتفت إلى من جرحهم أو جرح بعضهم، فإن الصحابة كانوا على قدر كبير من خـوف الله يمنعهم عن الكذب علـى رسول الله .
العصمة والعدالة
 
ونحن إذ نتحدث في عدالة الصحابة، لا نريد بذلك إثبات العصمة لهم واستحالة المعصية منهم؛ فإن هذا ينافي حكمة الله في ختم النبوة، قال تعالى:
 
... فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا سورة النساء/59.
 
لذلك لا نقول بعصمة أي إنسان كان إلاّ الأنبياء والرسل فيما يبلغونه عن الله. فالمراد بعدالتهم إذن: قبول رواياتهم من غير أن نبحث ونتكلف في أسباب العدالة وطلب التزكية.
صفحة 5
التفاضل بين الصحابة
 
ولكن هل الصحابة في منزلةٍ واحدةٍ من الفضل أم هم متفاضلون؟
 
ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الصحابة قد رضي الله عنهم كلهم فلا يفاضل بينهم، وذهب الجمهور من العلماء إلى التفضيل وهو الراجح؛ إذ الصحابة ليسوا في درجة واحدة في الفضل، يدلنا على ذلك قول الله تعالى:
 
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى سورة الحديد /10.
 
أما الرسول الكريم  فقد أشار إلى التفاضل حين نص على خصائص عدد من الصحابة العلمية أو الخلقية أو الجهادية؛ إرشاداً للأمة لتقتدي بهم؛ فقال  مشيداً بسماحة أبي بكر الصديق  بماله ونفسه في سبيل الله فقال:
 
(إنه ليس من الناس أحد آمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خلة الإسلام أفضل. سـدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير
 
خوخة أبي بكر)(16).
 
وأشاد  بعمر بن الخطاب  فقال:
 
(لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدّثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر)(17).
 
وأشاد بعثمان بن عفان الذي زوّجه الرسول الكريم بنتيه: زوّجه (رقية) فلما ماتت زوّجه بنته الثانية (أم كلثوم)؛ لذلك لقب بذي النورين، وقد بشره الرسول الكريم بالجنة والشهادة.
 
كما أشاد  بعلي بن أبي طالب  الذي زوّجه  أبنته فاطمة، وشهد له بالجنة والشهادة، ولقد قال  يوم خيبر:
 
(لأعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه. فدعا رسول الله  علي بن أبي طالب فأعطاه إياها)(18).
 
وقال :
 
(إن أرأف أمتي بأمتي أبو بكر، وأقواها في أمر دين الله عمر، وأصدقها حياءاً عثمان، وأقضاها علي، وأقرأها أبيُّ، وأفرضها زيد، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)(19).
 
وقال :
 
(استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسـعود، وسـالم مولى أبي حذيفة، وأبَي بن كعب،
 
ومعاذ بن جبل)(20).
 
ويتحدث الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم فيقول:
 
(قال الإمام أبو عبد الله المازري: اختلف الناس في تفضيل بعض الصحابة على بعض، فقالت طائفة: لا نفاضل بل نمسك عن ذلك، وقال الجمهور بالتفضيل ثم اختلفوا، فقال أهل السنة: أفضلهم أبو بكر الصديق ، وقال الخطابية: أفضلهم عمر بن الخطاب ، وقالت الراوندية: أفضلهم العباس ، وقالت الشيعة: أفضلهم علي ، واتفق أهل السنة على أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر . قال جمهورهم: ثم عثمان ثم علي  ... قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أحد، ثم بيعة الرضوان، وممن له مزية أهل العقبتين من الأنصار،وكذلك السابقون الأولون: وهم من صلّى إلى القبلتين في قول أبن المسيب وطائفة، وفي قول الشـعبي: أهل بيعة الرضـوان، وفي قول عطاء ومحمد بن كعب: أهل بدر ...)(21).