eKtab
EN ع
صرة المر
اقرأ عينة مجانية

صرة المر

بقلم عبد السلام صالح

صفحة 1
وصل أول

لا أزالُ أذكرُ وجههُ الذي يشعُّ بالبِشْرِ،لا أزالُ أذكرهُ وأحبهُ على الرغم من كل ما حدث..
كنت أحضِّر له وجبة الغداء وأحملها إلى دكانِ بيع القماش الذي لم يعد يشتريه أحد في الفترة الأخيرة، وظلّ يصرّ على الذهاب إليه، يفتحهُ ويبقى هناك من الصباح وحتى المغيب.
كنتُ أحضِّرُ له غداءهُ، فيبتسمُ لي كما دوماً، لم يعد يحملني كما كان يفعل عندما كنتُ طفلةً صغيرة، فقد صرتُ صبيةً في الخامسة عشرة من عمرها، ومنذ أن تفتّح (زهرٌ كثيرٌ) صار كل شيءٍ مربكاً، اختلفتُ أنا وصرتُ أرتبك، ثم انتبهت أنني لم أكن وحدي من صار يرتبك، ارتبكوا جميعاً، حتى هو صار يرتبك، وبات ارتباكهُ واضحاً، صارت نظراته إلي تتحوّر وتتحول إلى شيء لم أكن أفهمه في البداية، ثم صرتُ أُؤوِلُهُ كما شاءت طفولاتي، إلى أن رَجَّحت أيائلُ رغباتي الشقية، وصرتُ أنتبهُ أكثر، وألتفت اليه فجأةً، لأجدهُ ساهماً، مسروقاً، أو ساكناً هو ونظرهُ وكلُّهُ إلى تفصيلةٍ أهملتها من لباسي أو جسدي، صرتُ أنتبه إلى أنه ينظر إلي بشكلٍ غريب، ولم يكن بروحي أي ارتيابٍ بشيء، إنما استمرار وتواصل نظراته. لقد أجبرني على الانتباه، على الرغم من أني حاولتُ مراراً أن أهملها، حتى صارت تتعلقُ بي وترافقني. فبعد أن أخرج من دكانه وأذهب، تظل تلك النظرات ترافقني، أطردها لتعود، لأطردها، إلى أن فقد قدرتهُ على ضبط نفسه بعد أن اكتملت أُنوثتي، وتكوّرت أشيائي كأجمل تكورٍ نافرٍ ومستفز، وكنتُ أهملها، لم أكن أخجل منها لأُخبئها، ولم اكن أتباهى بها لأُبرزها، إنما هي الأشياء تتكوّنُ وتنفرُ وحدها، وصرتُ أضحك... هل من المعقول، هل من الممكن.
ومع تكرار ذهابي وإيابي اليه، صارت الأمور تتضح أكثر، صارت أكثر من واضحة، حتى صارت ضحكتي التي كنت أكتمها لتنتظرني على زاوية دكانه تماماً، ما أن آخذ خطوتي الأولى في الغياب عن نظره، أضحك وأمشي بسرعة، أضحك ولا أدري لماذا، أضحك وأدري...
لذاك الوقت، كنت أرى وأضحك، إلى أن صار يضع بعض الأواني والأدوات على يمينه في عمق الدكان، حيث يجلسُ هو في وسطه على كرسيه خلف الطاولة، ويطلبُ إليَّ أن آخذها معي إلى البيت، كي اضطر للمرور في الممر الضيق بينهُ وبين الطاولة؛ كنتُ أمرّ وأُدير له ظهري، انحشر وأمرُّ على مهلٍ، أمرّ بأناةٍ، حريصةً على أن لا يرتطم جسدي بأشيائه التي يضعها على الطاولة. كان جسمي من الخلف يمرُ تماماً أمامه، كان يَمِسُّ ويُمَس، كان يجسُّ ويجسّ. ثم صار يرسمُ الأشياء ويوزع الأثاث، ويلقي بأشياء على الأرض بجانبه أو تحت كرسيه الذي يعيده إلى الخلفِ قليلاً كي ينثني جسدي عندما ألتقطهُ له وأعيده، خصوصاً عندما تكون فتحةُ الصدر عندي أوسع قليلاً، وتظهر أكثر عند انثنائي لالتقاط أشيائه الصغيرة... كان يبدعُ في قسري على الإتيان بحركاتٍ تظهرُ مفاتن جسدي... ولغاية الآن كنت أضحك وأحبه، بل كنت أفهم عليه واستجيب له استجابةً نموذجية... ماذا سأخسرُ إن استطعتُ إسعاده، ثم صار يفتعلُ احتكاكاً سريعاً بي، كأن يضعُ راحتهُ أو راحتيه على إليتيّ عندما أمرُّ محشورةً بينه وبين الطاولة، ويسحب جسده إلى الخلف كي أمرّ. كان يمسُّ جسدي سريعاً، بخوف،بارتباك، برجفة، بترددٍ، بوجلٍ، قليلاً، ثم صار يطيلُ ثوانيه تلك، ثواني احتكاكه أو مسّه غير المقصود، ثم صار المسُّ جسّاً سريعاً، ثم صارت تصاحبُ جسَّهُ حركةٌ، كأنه يتحسسُ سريعاً، ثم علا جنوناً ما، فصار يضغطُ الأشياء براحتيه... صار يعبثُ... إلى أن صار يعاركني مازحاً كي يطال، يفتعلُ مشكلةً ويعاقبني بطريقته الخاصةِ من ضربٍ خفيفٍ إلى قرصٍ أو فرك جزء ما يستفزّهُ من جسدي... وهنا عاد ارتباكي إليّ، لم أعد مرتاحةً لحراكي معه، صرتُ مرتبكةً ولم أعد أضحك فقط، صرتُ أضحك وأبكي في طريق عودتي إلى البيت، واحترت،ماذا أفعل؟ هل أواصلُ تماشيّ معه، هل أواصلُ انسياقي... هل ثمة ما أخسره.
لم يكن يستشيرني، كان يرتبُ أشياء متعته وتفاصيلها بدقةٍ واحتراف، كان دوماً يبادرُ ويفاجئني بوضعٍ جديد، بشيءٍ جديد...
جسدي بيت التواطُؤات، منجمها، منه الابتداء وإليه المنتهى...
لذا صرتُ أتواطأُ معي ومع الجميع بكل أشيائهم، تواطأتُ وسكتُّ عن كثير من الأشياء التي صارت تحدث معي منذها، وأنا للآن لم أبُح بأي شيء حدث بيني وبينه بعد ليلة الصيف تلك، والبيتُ خالٍ إلا مني ومنه، لأنَّ كل ما حدث ليلتها، وما بعدها، لم يكن إلا حلم ليلة صيفٍ لرجلٍ يغادرُ العمر متجهاً نحو الانتهاء؛ ربما يكون هذا الحلم قد تواصل بعدها ليلاً أو نهاراً، نوماً أو يقظة، إنما شيءٌ فيّ، في جسدي قرر أن يتواطأ معه، شيءٌ داخلي لم يكن يستطيع منعه من أن يفعل بجسدي ما يشاء، تناقضٌ حاد كان يصطرعُ في داخلي، وقوى جذبٍ بألف اتجاه تحاول سحبي لموقفٍ، لفعلٍ، لرأيٍ، إنما ظللتُ ساكنةً حين كانت يداهُ تجوسان كل مسامٍ في جسدي، وكنتُ أفتعلُ النوم حيناً وأقيمُ في إغفاءاتي تلك، وهو يذرفُ كل رغباتِهِ وشهواته على جسدي. لقد كان يعرفُ أنني فقط أُغمضُ عينييَّ ولستُ نائمةً؛ ربما يكون هذا هو ما شجعه على الاستمرار والإيغال، ربما شعر أنني كنتُ استمتع بيديه وأصابعه تجوسُ الإثارةَ الكامنة في جسدي وتشعلُ فيّ كل جنون، ربما لمح طرفَ ابتسامةِ رضى مرسومةٍ على أطرافِ غفوتي، ربما شكّل ارتخاء جسدي أو انفراجُهُ ليديه وجسده، ربما طُرقُ تقلبي التي كانت لأي شيءٍ سوى إبعاده أو طلب التوقف عن الفعل....
جسدانِ محرّمانِ يفعلان الفحش مُغمِضين منهما كلّ العيون، وجينات الجنون تقود التيه والعبث والاصابع، بِمَسِّها اللذيذ تقترب أكثر لتغطي العري وتمد يدها نحو ملابسي الداخلية، تغطيني لتنزع ملابسي عني وتجوس هناك في الأنهار، ينلمسُ الشفا لأصير أخرى غيري تنادي النفي فيّ، ذاك النفي الذي أُلقيتُ في جُبّهِ ورُميتُ به منذُ تَكور نهداي، وتكور كل شيءٍ في جسدي، رُميتُ وحدي هناك، ولم ينتبه إليّ أحد، كلهم كانوا يزيحون النظر عني، ولم يكلمني أحدٌ عنه، حتى صار هو لعبتي التي أُعابثها فترسلني لإثارةٍ أجملُ من أي شيء في الوجود؛ متعة لا مثيل لها، موتٌ جميلٌ وخدرٌ لذيذ، جنانٌ مطلقةٌ وأحاسيس فذةٌ ولذاذاتٍ وذرى قمم، وقمم عوالمَ كانت ترسلني إليها يداي وأنا أعبثُ وحيدةً في جسدي... فبماذا سأشعرُ عندما يُزالُ عني تعبُ الفعلِ والركضُ وراء المتعةِ، عندما لا يكون مطلوباً مني سوى أن أستلقي وأغمض عينيّ، ويفعلُ آخرُ بي أكثر مما كنتُ أفعل، يوصلني لأكثر مما كنت أصل، يوصلني ويقطِّعني بألف قطعٍ ووصلٍ ووصول، ويَصلُ أشياءهُ بي، كل أشيائهِ الموصلات، لأكتشف أن كل الذرى التي كنتُ أتوهمها ذرى، ليست إلا عتباتٍ صغيرةً، ما أن يعتليني حتى أراها، حتى يوصلني لها وبها...
كان عبثي بي هو الموت، فصار عبثهُ يرسلني لما بعد الموت، لما فوق القمم، لذا كنتُ أفتعلُ النوم، كنتُ أنامُ راضيةً أو بجسدٍ راضٍ، ولم يكن شعور الذنبِ يمرُّ إلا لماماً، كان يمرُّ بخاطري مرور السحاب.
صفحة 2
وصل ثانٍ

منذُ سقطتُ من رحمها، وحتى سقوطي الأخير في رحم الأرض الأُنثى... وأنا أهوي فاغراً عمري.. أتساقطُ هاوياً.. دون أن أصل إلى قرار...
عمرٌ من الفراغ المطلق وأنا في كلِ لحظة على وشك الارتطام..
هاوياً إلى غير قاع ومرعوباً للحد الأقصى من الرعب.. إلا في ثوانيّ تلك، حين تبسطُ امرأةٌ ما راحتيها لتوقف هاويتي فيتعلقُ كلّي بها بلا أملٍ، إنما.. تتعلقُ روحي بها.
ربما.. هو أملٌ قدريٌ مبهم، غير مستوعب، وغير مدرَك، إنما.. تتعلقُ روحي.
وبِمُطلَقها شُغلتُ، إذ كلما حَمَت براحتيها سقوطي القدري هنيهةً، يلتفتُ قلبي المرهف لشكل صوتها، لوجهها، فيرى جزءاً من مطلقها الموزعِ بين نساءِ الأرض...
هذا بعضٌ منها...
رقّة الوجود... بعضها الموزع بين النساء.
الأنوثةُ والعمر... أي طغيان حادٍ... جارح وقاتل.
عمرٌ لهُ شهوةُ الإقامةِ في التفاصيل الأُنثويةِ، رغبةُ التمرغِ في ثنايا مُدهِشها، قاب بُعدها، وبعدَ قربها الحبيب والقريب من القلب، وثار تفاصيلها، توقُها وتوقُهُ لها.
ليس هو مجرد شكل، ولا حتى هو مضمون... ربما تعاركَ شكلٌ مع مضمونهِ، ربما المضمون يحاول خلق شكل جديد، يستطيع التمدد بين أحضانه.
هذا المعنى الوقح، الجريء، المدان، الوسخ النظيف، يحاولُ أن يكون لذيذاً.
أساسُ القولِ بؤسهُ
معنى لا يلمهُ اتساع الأرض ولا يحويهِ مكان...
وحنينٌ أول لأول روح، لمطلقها، لأصلها، لحقيقتها.
في الطريق إلى بهاء الجسد العالي، في الطريق لعيشهِ، لمسّ مسامه الروحي والحقيقي نضيعهُ، تأخذنا الصور والمشاهد والخيال العليل بها، فلا نرى حلاً وإحلالاً إلا الوصول، لا نعود نريد سوى لمس الجسد الحبيب، نريد رغبةً غامضةً فينا ولا نشعر منها أو فيها إلا بالجسد.
لا أحد يريدك مثلي... و يشتهيكِ كما أشتهي... جسداً وناي... لا أحد يريدُ أن يستمع لموسيقى المسام سواي... وأحار لشقوتي، بشهوتي كيف لي بعد كل هذا العمر ألّا أكونَ عنيفاً، كيف لا أقدُّ كل القميص من قبلٍ ومن دبر... أهمُّ وأُهمهم... وأفحُّ فحيح الغزالةِ في انثناءات كسلها الشتائي اللذيذ... من سيقنعني أنني لمستك إن لم أدخلْ داخل المسام وأنام... إن لم يغطِّ كل جروح العمر زغب البياض الحليبي الذي نسيتِه على أطراف المساحات المهملةِ هناك... كيف لي أن أجسَّ صدرك دون أن أرى ابتسامته الطفولية المماحكة لرغبةٍ ما، تراها تطل مختبئةً ما بين رمانةِ كتفي وعنقي، تطل وتدور للجهة الأخرى مداريةً ومراودةً بنفس الشهوة؛ رحيق آخر حُلمها بدمعةٍ ذرفتها على أول ما مس الفم... أول ما ناغت شفاه... أول من منح الحياة.
كيف لنا أن نَلمّنا معاً، نحضننا، دون أن نشعر بالمطلقين فينا.. دون أن أشعر بأنك مطلقُ المرأة، كلها، بكل تفاصيلها، بكل تاريخها، بكل عطشها وجموحها، رقتها ودقتها وجنونها، لا بد إنَّ فيك من كل امرأةٍ شيئاً أخفوه ويخفونه الآن ويحاولون حشرك في جسد، لا بدّ فيك شيءٌ من كل ما حدث لكل امرأةٍ عبر التاريخ، فيك شيءٌ من كل شيء، المطلق فيك ويريدون أن يغيبوه...
وأنا الغبي الذي لا يريد إلا أن يراه... لا يمكنهُ أن يكون... إلا به... دون سواه.
أولُ تَبرعمٍ للروحِ رعتهُ امرأةٌ لا أعرفها، كل ما أذكر منها أنها امرأةٌ جميلة، أذكرُ أنني نبتُّ فجأةً في قحالةٍ حادة، أذكر أن عمري كان من المفترض أو من الممكن أن يكون زمنَ هُنيهةٍ أتنفسها، زمن إطلالةٍ صغيرةٍ، أفردُ فيها جسدي وأطرافي ثم أضمحلُّ وأنتهي وأموت... لكن ثمةَ امرأة، صبية صغيرة، فوجئتْ بي مصادفةً فرعت روحي، جمعتني ولملمتني ونفضت عني كل غبار الأرض، حنَّتْ وانحنت بتحنانها الرحيم على كل مسامِ جسدي، أزالت عن شفتي الناشفتين كل الرمال، نظفت ما بين أصابعي، لعقت بلسانها تبرعمات شراييني ونبهت ما نام منها، أيقظت دمي على جريانه الكسول بدءاً، ثم حرضته على الذهاب والإياب والعودة، حتى عرف طريقه الممل في جسدي وأحبَّ رتابة طرقه القصيرة، صار يغذّ الخطى لأطرافي علهُ يلامسُ أطراف شفتيها، أو حلاوةَ لسانها حين تلثم وجه مسامة في جسدي.
نبهتهُ على متعٍ ما، ألقٍ ما، لذةٍ ما زال يحارُ في فهمها، وكأنها منحتهُ الحياة.
تلك المرأةُ... غابت منذ قرون، لكن روحي ما زالت تتعلقُ بكل ما يشير أو يشي بشيءٍ له علاقةٌ بتلك المرأةِ أو بمتعلقاتها.
...ونشأتُ ذكراً... حاولت الأشياء أن تُؤنِسَني، حاولت وتحالفتُ معها، لكن شفاه تلك المرأةِ، نارها ولسانها، ما زالا هما السبب الأول والحقيقي للوجود.
وهي التي ما زالت تحرسني من الإساءةِ لها.. لمطلقها ومتعلقاتها، هي التي جعلتني أحب، وتحميني من أن أُسيء.
هي التي لم تسأل نفسها من أنا، هي التي ذات صدفةٍ، حَنت، نست، وتناست وانسابت عليّ برعايتها، هي التي كونت رغبتي بالكون... والكون إن جردتُهُ امرأة.
صفحة 3
يلتاثُ رأسي بصورتها.. بصهيلها المكبوت... بانفلاتات عينيها حين تخفي لتخفي، يلتاث رأسي بصراخِ صمتها حين يريد عقلنة الجنون الجارح والحاد في روحها، حين تضطر أن تكون عادية ومتوقعة.. يلتاث رأسي حين تصير..
يلتاث دمي بشهوتها.. وبعتقٍ معتقٍ وقديم..
مؤخراً صار يلتاثُ رأسي بصورتها.. صرتُ أراها.. أو أنها التي أراها الآن.. أو..
فأصبحتُ موجعاً بالأُنوثةِ..
ويربكني أن الجمال يمسّ الروح، يضيءُ مبهماً ما فيها، يشعله، يثير إثارته. الجمال يمسّ ما لا ندركه في الروح، لذا نرتبك... تتحركُ كثيرٌ من الأشياء نحو الجمال، أما الجزء المتناغم، الجزء الجدير والذي أحس ورأى، الأصل الذي اشتعل، مُسّ وأَحسَ فيبقى مربكاً ومبهماً، لذا يتشوّه الجمال، ولا نصله، ولا نحافظ على الإحساس به.
جمال امرأةٍ يمسُّ.. لكن ما يتحرك نحو هذا الجمال نوعٌ من الشهوةِ، يُفقد المرأةَ بعضاً من ذاك الجمال الأول الذي حرك ذاك الجزء المبهم والمتناغم والجدير.. وبعضٌ منا يفقدُ في الطريق، أثناء مسير خروجه ولا أدري أين، ثمة أصلٌ فينا يشوّه عندما يخرج، ثمة جمال تفقده أشياؤنا عندما تخرج منا، ثمة مطلق يستدعي مطلقاً، يستجرّهُ، وثمة استعداد، ثمة شيء يشبه الاكتمال أو الأصل هو الذي يبدأ الأشياء أو يحركها من عالي ألقها من اكتمال ما، ما خلق إلا له، ثمة أصل لمشروعية وجود الأشياء منها تبتدأ، لكنها تنساهُ سريعاً وتلتهي بشيء آخر يشوهها، فمطلق وجودها رهافةٌ تهفُّ أو تهبُّ مع نسمات الوجود، مطلقها رقةٌ، لكن ثمة ما يشوه، ثمة من يشوه... لو تتأملون كيف تنسربُ أشياؤها إلى القلب، كيف تدخل كلها إلى القلب كيف تحتله، وتلغي كل شيءٍ سواها، كيف يصير مساحةً للهوها وعبثها وتعابثها في كل شيء، حتى بنا، لو تتوقفون قليلاً عند انسراقكم منكم، كيف تصبحون مستلبين وبرغبة، بحب، بلا أي اعتراض بل بسعادةٍ غبية تدرك غباءها، لكنها لا تستطيع أن توقفه، كل هذا القبول، كيف نفسره، كيف نقبله كقدر مطلق ولا نحاول حتى الاعتراض عليه، إذ ثمة آخر دائماً هو من يفيقنا علينا ويخرجنا منا كي ننتبه أو نعترض، نخرج قليلاً منا، نرى حالنا فنستاء منا ونتماشى مع الآخر. إنه لا يجوز ويفترض، ونتخذ آلاف القرارات التي تتبخر بمجرد أن تهب رياحُ حضورها، أو نسمع جرسَ صوتها بمجرد أن تبتسم، تلتغي كل القرارات، كل الوعي... كأنا وحدنا نعود لأصل ما فينا، لطبعٍ،لطبيعةٍ... لكن ما هي طبيعتها هي، ما هو الاصل فيها.
الأنوثة... غموض روح الرجولة...
والرجولةُ قَسرٌ للإنسانيةِ، قتلٌ للطفولة بإغرائها بلعبِ دورٍ مبهمٍ وقاسٍ.
الرجولةُ بساطةُ الوضوح، التي تسير خلف كل ما يحدثُ على السطح، كل الصواب الموزع لاستهلاك الظاهر.
وهم الأهميةِ، عناوين اليومي، الخطوط العريضةِ لكل شيء، ارتداء مستمر لشكل القوة، الإقامة الدائمة في الظاهر، التحقق الكامل والامتلاء بالبسيط وبوهم القوة.
والرجولةُ محضُ الجفاف، والعطش المطلق للحنان، خشونة الشكل، والعمى عن التفاصيل، تنطحٌ مستعجلٌ، إنجازٌ عبثيٌ، رعبٌ وجودي وكلي، فإما أن تكون رجلاً أو لا تكون، انسياقٌ بلا وعي للعب دور لا يُطلب.
محضُ واهمٍ يسابق نفسه للوصول لآخر الكذبةِ التي لا تنكشف أمام أحد.
فراغٌ قادرٌ على استيعاب كل ما يُلقى فيه.
والرجولةُ مفهوم يُستحضر في أوقات معينة لتمرير حماقةٍ ما تواجه بمعارضةٍ إنسانية.
والرجولةُ صحراءٌ من العطش والاحتياج، وذراعان يلمان أطراف الكون توقاً لأصغر برعم وهمٍ قد يفضي للأنوثة، خَلقٌ متعطشٌ يبتلعُ كل شيءٍ ولا يرتوي.
فقدٌ مطلقٌ، شكلٌ يبحثُ عن روحه التي ضاعت، وهو يعرفُ أنها اختبأت في مكانٍ ما من الأنوثة، لذا فما زالت كل أشيائه تهفو اليها، وهي وحدها، دون جبابرة الارض جميعاً، تقوده أنى شاءت، بلا جهد منها، شيءٌ بداخله ينقاد ويقوده بسلام غريب وبلا أدنى اعتراضٍ خلفها.
هل يتماهى ذاك الشيء الذي يقوده مع شيء من الأنوثة عندما يقترب منها، أم أن روحه التي ضاعت واختبأت في الأُنوثةِ تجعلهُ يرقُّ كلما اقترب منها، من مخبئها، من بيتها.
***
من أين يأتي هذا الحنين لنوع مبهم من الحب ومن العشق ومن الطفولة؟
من أين يأتي احتياجنا وافتقادنا لأمومة ما؟ لطريقة شبه أمومية في العشق؟ لبعض الأمومة الملتبسة في الحب؟ نوع من حنو الأنوثة.. من الرقة.. نوع من مطلق الحب.. نوع من الحقيقة؟
أي تيه تكشفه الأيام.. أي فراغ ترميني الأشياء إليه.. أي فقد.
الأشياء من حولك ليست لك.. ويزداد تعلقكَ الطفولي بالأشياء.. التي تزداد بعداً أو تزدان بعداً..
وتغالي أنت في بحثك المحموم عن حقيقةٍ للأشياء.. والأشياء هي الأشياء.. هي ما يمشي إلى غير كينونته، هي ما يشتاقُ غيره، هي ما يتحول لأشياء لا ترى إلا بحراكها.. باختلافها.. بتغيرها، وأنت القابض على عمر الولدنة، كل شيء يكبر حولك.. فيك.. ويتغير.. إلا ذاك الطفل الغبي الصغير المُصر على امتلاكه لأشيائه ولأفكاره.. لطريقته في العشق.
تَوَلْدَنَ عمراً.. فظلت طفولته طاغية، فشبّ وشاب، وعمى وهوى، حَلا واستحلى، ذاق وتفتحت كل براعم روحه، مع كل مسة للريح، مع كل ريح كان له تفتحه المؤلم.. كأنه ألم التفتح والوعي..
وما زال الحنين ذات الحنين، ما زال الفقد والعيش والأشياء تتحرق.. تتزوّق.. تتزين.. تَفسُدُ حَوله.
صفحة 4
وصل ثالث

وكالذنبِ أردتُ أن أكون، أمرّ على الأشياء مَرَّ السحاب، وكما مَرَّ العمرُ،كنتُ أمررني من كل شيء، كان العمر هو أكثر ما يشبهني أنا والسحاب...
كذا كان مروري ولم أجدني الآن إلا هنا... ها أنا معه هذا المجنون، أحاورهُ، ويحاورني، يوقظني عليّ، ويفتحُ لي باب الريح كي أطير، ويقول " دافعتُ عما كان لي ويفرُّ مني حين توقظهُ يداي "... فهل كنتُ له، هل يقصدني أنا أم أحداً آخر غيري، هل ما زلتُ له إذا كنتُ انا المقصود..
هل كنتُ لي سابقاً... ثم هل ما زلتُ لي...
كان مروري سريعاً بين صفوف الدراسة الثانوية، حتى أنني أكاد لا أذكرُ منها شيئاً؛ ارتبكت قدماي قليلاً على بوابة جامعة اليرموك الرئيسية، ثم واصلت طيرانها في ما يسميهِ هو الآن، التيه.. هل حقاً كنتُ تائهة، عندما أخذني شيءٌ ما فيّ إلى أن أسجل مادة مقدمة في النحت والرسم، وأخذني ذلك الشيء إلى مرسم الكلية الذي صرتُ أقضي كل وقت فراغي فيه، فيما يشبه اللعب... لم يقتنع أحد من كل الذين رأوا لوحاتي ومنحوتاتي الصغيرة أنني كنتُ ألعب، لم أكن غير طفلةٍ صغيرةٍ تلهو بألوانها وأشكالها كيفما اتفق..
وحين فاجأني الدكتور العراقي الذي كان يدرّسني ذات المادة، وهو واقفٌ خلفي، يراقبُ ألواني وخطوطي، يراقبُ كل ما كنتُ أفعل، ضحكتُ عندما، قال: داخلكِ فنان، فنان حقيقي..
وبدأ يوجّهني ويحاول أن يعلمني تقنياتٍ كنتُ أستجيب له في إظهار محاولاتي لإتقانها، على الرغم من أن داخلي كان يضحكُ منه ويضحكُ عليه، فأنا من لا تستخدم التقنيات، أنا ألعب، وألعب فقط، ألعب بالأشكال والألوان والرغبات، ثم صار يقدّر الأوقات التي أكون فيها في المرسم، ويكون هناك، ربما أخذته ابتسامتي التي أعرفُ عذوبتها، ربما نظرات الإعجاب التي كنتُ ألقيها عليه كلما قدم لي فكرةً أو حساً جميلاً، فقد كان فناناً حقيقياً، ولم تكن بي رغبةٌ بأن أكون مثله، كنتُ فقط أريدُ أن ألعب..
كان خمسينياً ومتزوجاً وله ابنتان في مثل عمري. خطر لي وهو ينظر إلي بطريقةٍ مختلفة، يسرقُ النظر إلى جسدي ويجسه - وإن كنتُ أشعرُ بنوعٍ من الإهانةِ كلما تركني شخصٌ وانسرقَ إلى جسدي أو بدأ يسرقُ منه، هكذا كنتُ أشعر - إنما خطر لي، لماذا لا أحبه؟ ليس حباً إنما هو شيء قريب من ذلك، فما هو الحب أصلاً، لا أحد يعرف، المهم شعرتُ بقليلٍ من شيء يشبه الحب ولا أستطيعُ تحديده، ولا أدري أيُّنا بدأ بإغواء الآخر، من منا أشرع شهوتهُ أولاً، من منا اختار أن يبدأ الهجوم بأن تفضحهُ عيناه - أليس هذا ما تفعلونه جميعاً - من منا صار يرمي نظرهُ إلى مناطق ما من جسد الآخر، من صار يركز نظرهُ على فَم الآخر على عينيه...
كان يشتهيني، ولم يكن يرسلني لشيء، كنتُ أحب أن يُحبني ويشتهيني، لم يكن عندي من مانعٍ أو رادعٍ لأي شيء، ولم تكن رغبةً، كانت نوع من الرغبةِ القادمةِ من الملل، كانت رغبتي في الكون أن أجرب كل شيء، وبطريقتي..
وكان دوماً يحدثني عن لوحةٍ ما، كان رسمها في مدينةٍ أخرى، وعن معارض له في مدنٍ بعيده، عن تجاربه ومشاعره ونسائه، وعن المدارس الفنية والفكرية، وعن اللوحات العالمية وقصة كل لوحة، وسِيَر الفنانين العظام، ودوماً كان يختم بأن هذه الأعمال أو صوراً عنها، أو الكتب موجودةٌ في مرسمه في البيت، وعرفت إلى ما يرمي، فأهملت، إلى أن سافرت زوجتهُ وبناته، في ذات يوم سفرهم طلبتُ منه أن يأخذني إلى بيتهِ، إلى مرسمه كي أراه... وكذا كان..
دخلتُ بيته الذي ينتمي لبيوت الطبقة الوسطى، لم يكن يهمني البيت، كنتُ أريد المرسم، دخلت المرسم الذي هو أكبر من غرفةٍ وأصغر من صالةٍ، كان مرسمهُ مثلَهُ، ليس فوضوياً ولا مرتباً، بهِ من الترتيب وبهِ من الفوضى، بهِ من الجنون، وبهِ من التعقل..
جلسنا.. أحضر مشروبهُ وتوقّع أن أرتبك، سكب كأسين، قدم لي الأولى، تناولتها ووضعتها أمامي، أخذ الأخرى وبدأ يشرب، ويتحدث... يقول أشياء ويرحل لعوالم الفكر والفن والتحرر والجسد، يتحدث عن الخلق الأول والخلق الإبداعي، عن الاساطير ويحللها على هواه، وبمنتصف حديثِهِ قمت، نزعتُ ثيابي عني وجلستُ مقابلهُ....
- ارسُمني..
- فاجأتني..
- بماذا؟
- لأنك تريدين أن أرسمكِ هكذا... عارية.