eKtab
EN ع
صراع الجبر والاختيار
اقرأ عينة مجانية

صراع الجبر والاختيار

بقلم عبد الكريم بن سعيد العمري

صفحة 1
مقدمــة
 
يجد الناظر في الحركة الأدبية المعاصرة أن حمزة شحاتة(1) (1328/1908- 1391ﻫ /1972م) يمثل؛ وقد تنوع إنتاجه الأدبي بين الشعر والمقالة والمحاضرة والرؤى النقدية والرسائل والشذرات النثرية- نموذجًا يشهد على التحول الإيجابي المنعكس عن المشهد الثقافي السعودي في مرحلة مبكرة من مراحل تشكله، وليست الشهادة لوفرة كمية يتسم بها ذلك الإنتاج؛ وإنما لميزات نوعية يشهد لها النزوع الواضح إلى طرافة الرؤية وجدَّة الأداة في سبيل الإصلاح والسعي إلى نهوض اجتماعي يبني الجسر بين الواقع والواجب.
 
وشعر حمزة شحاتة إذ يستمد أهمية من انشغاله بالهم الإصلاحي لا ينفك عن تميز فني تؤكده لحظته التاريخية، فتجربته الشعرية تشير بوضوح إلى الجدل الفعال بين التراث وروح العصر، وتنطوي على تميز أسلوبي رؤيوي يعد الرمز أحد مظاهره التي تسترعي الاهتمام؛ لما ينطوي عليه في ذاته من حيث هو لغة لها بنيتها الخاصة، ودلالتها التي تتطلَّب الكشف، ولما يعلقه عليه الشاعر من أهمية تستدعي فهمه، وتحقيق التواصل لإحراز غاية تنويرية تسمو بالواقع:
 
- متـى يعي مدعي الإدراك غايته وغـايتي مـن إشـاراتي وتلويحي(2)
 
- أرامز في قولي فيخطئ صاحبي مرادي، فأستخذي ويغمرني الحزن(3)
 
على أن المطلع على مقاربات شعر حمزة شحاتة لا يجد تقصيا في دراسة الرمز رغم أنه منعقد للاختلاف فيما بين الدارسين، اختلاف تنوع من حيث التأويل وبناء المعنى، واختلاف تضاد من حيث حكم القيمة الفنية.
 
ودارس شعر حمزة شحاتة لا ينفك عن مواجهة قضيتين:
 
الأولى: اختلال المصادر، ومصدر شعره المتاح الديوانُ الصادر بعد وفاته بسبع عشرة سنة، وتسري في الأوساط الأدبية مقولات عن نقص يخل بهذا المصدر، وسيجد المنقب خلف هذا النقص تأكيدًا على ذلك يصل بالنقص إلى أن المنشور من شعر حمزة شحاتة في الديوان لا يعادل إلا ثلث شعره(4) ، ولكن العثور على الوثائق التي تمنح هذا التأكيد صبغة منهجية أمر لم يتح للدارس؛ لأسباب يتحرز عن كشفها مدعو حيازة تلك الوثائق تعزى غالبًا إلى الشأن السياسي، وهذا المصدر بصفته مدونة في مواجهة القراءة ليس نصًّا كاملا؛ "لأن كمال النص يكمن في رضا صاحبه عنه بالإذن بتبييضه، أو الإذن بنشره، أو الإقدام على قراءته"(5) ، وشيء من هذا لم يتوفر لهذه المدونة، على ما في إخراجها من الأخطاء المنهجية التي تصل حد التصرف في النصوص، تحريفا وإضافة وحذفا وتضليلا بالشرح المعجمي الخاطئ، وهذا ملحظ لا يخطئه فاحص المدونة أشارت إليه بعض الدراسات(6) ، وقد كانت الاستفادة من نتائج تلك الدراسات مع معارضة نصوص المصدر بما أمكن توفيره من نقول أخرى لشعر حمزة شحاتة في دراسات سابقة، إضافة إلى تجاوز هوامش الشارح إلى مظان بناء الدلالة، وتوسم القارئ- وسائلَ هادفةً لرتق هذا النقص.
صفحة 2
والأخرى: الغموض التاريخي الذي يحوط شخصية الشاعر؛ لقصور مصادر ترجمته عن تقديم أجوبة حاسمة لبعض القضايا التي تدفع إلى تبصُّرها النصوص، على أن المدوَّن من سيرة الشاعر أفضى إلى بروز تأريخ شفاهي لا تتوفر له صياغة توثيق منهجي، يضطلع بتفسيرات شتى لما سكت عنه المدون، ولا تغيب عن هذا التأريخ بشكليه فتنة الاستقبال التي فرضتها على معاصريه قوة الحضور الشخصي التي كان يمتاز بها الشاعر(7) ، وقد تسللت هذه الفتنة إلى قرائه الذين لم يطلعوا على الكثير من أدبه(8) ، وإلى بعض الدراسات التي قاربت أدبه، فأثرت في منهجية تناولها وموضوعية نتائجها(9) .
 
والقضيتان –كلتاهما- تتركان أثرًا يحد من القيمة الموضوعية المرجوة في الدرس العلمي، فبينا تشكل القضية الأولى معضلة تستدعي ابتكار الحلول، والسعي وراء مظان دفع هذا الخلل، يمكن أن تعد القضية الأخرى هامشية عند من لا يعير خارج النص كبير اهتمام، ومن مجموع القضيتين يمكن القول إن المدونة الشحاتية نص لم يكتمل، وعلى القارئ عبء تحريره وتأويله، فهو أشبه بالنسخة الأولى التي تستلزم معاودة كاتبها لما كتب تعديلا وتبديلا وإضافة وتزويرا، وعلى القارئ أن يقوم بذلك في مواجهة نصوص بعينها، وإذا كانت المدونة الشحاتية بهذه الصفة تتيح للمؤول حرية أكبر في اجتراح تآويل قد لا تتيحها المدونة المبيضة فإنها تشترط قارئا تفاعليا قادرا على الوفاء بشرطي تحرير المدون وتأويله.
 
ولم تسبق دراسة مستقلة للرمز في شعر حمزة شحاتة، وإنما كانت مناقشته ترد عرضا في الدراسات الأدبية التي كانت تنشغل بقضايا لا يشكل الرمز أولوية بينها، وسبر هذه الدراسات أملى استعراضها من وجهتين:
 
الأولى: سيرورة الفِكَر خلالها حول رمزية شعر حمزة شحاتة، وأول دراسة عرضت للرمز: (التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية) ، بتحليلها نماذج من شعره بعضها لم يرد في الديوان ضمن تقرير رمزية خاصة بأدب الجزيرة المصاب بالعقد والمركبات النفسية نتيجة كبت يعانيه الشعراء، وفي تأويلها لرموز حمزة شحاتة تلمح إلى غاية الحجب والإغماض الدافعة للترميز، وتصف رمزية الشاعر بالعموم لا الذاتية لأنها تشير إلى معنى عام وفكرة وطنية(10) ، وسرت بعض أفكار هذه الدراسة في دراسات بعدها على سبيل الإحالة المحايدة(11) ، أو البناء عليها لإصدار حكم قيمة فني، ودراسة (الخطيئة والتكفير) أبرز نموذج لذلك حين حاكمت الرمز في عدد من القصائد بالدافع إليه، ومادام الدافع اجتماعيًّا غير فني فإنه مجرد غطاء اضطراري لتمرير القصيدة إلى النشر، وعليه فإن تلك القصائد ليست من الشعر وهي نظم يمثل كبوة الجواد في شعر حمزة شحاتة(12) ، وفي فلك دراستي: (التيارات الأدبية، الخطيئة والتكفير) دارت رسالة الماجستير (أدب حمزة شحاتة- دراسة تحليلية) في بحثها الرمز تقنية أسلوبية، باستعراض سريع يصدر حكما على قيمته الفنية، وتصنيف ينسبه إلى الرومانسية، وتعليق يسير على بعض نماذجه اللغوية والأسطورية(13) .
صفحة 3
والأخرى: قراءة الرمز في شعر حمزة شحاتة بأثر من مقولة تتبنَّاها الدراسة، وأهم المقولات أربع:
 
أولاها: المقولة الابتداعية: وتعنى بتحديث الشعر السعودي موضوعيا وفنيا، ومن الشواهد المؤكدة للظواهر الفنية لهذه المقولة الرمز في شعر حمزة شحاتة، ورسالة الماجستير (الاتجاه الابتداعي في الشعر السعودي الحديث) تتخذ من قصيدة (التاريخ..بلغة الأساطير) نموذجا لتوظيف الرمز في الشعر التفعيلي، وتحللها مقترحة تأويلا يختلف عن التأويل الذي توصلت إليه الدراسة الحالية (14) .
 
الثانية: المقولة السجالية: وترد في سياق استقبال دراسة (الخطيئة والتكفير) ، حيث تتبنى الدراسات أحكاما مضادة تجاه شعر حمزة شحاتة لتتوسل بها إلى نقض الرؤية أو التطبيق في دراسة (الخطيئة والتكفير) ، ومن ذلك أن شعره خال من الأبعاد الرمزية والدلالات الإيحائية(15) ، ودراسة (نقاد الحداثة) نموذج مثالي لهذه المقولة وتنطلق من المصادرة التالية: إن شعر حمزة شحاتة مسطح لايعكس فلسفة ولا موقفا، ورغم اعترافها برمزية نفسية يؤكدها المعجم الشعري عبر تكرار بعض المفردات، فإن مما يمثل التسطيح رمز الليل في شعره لقصور أبعاده الدلالية، كما تمثله الأسطورة التي بقيت رمزًا متسما بالتوظيف الخارجي لا يثير بعدًا تاريخيًّا ولا يقدم رؤية ذاتية؛ وما ذلك إلا لأن الشاعر لم ينشغل بتطوير أدواته الفنية(16) .
 
الثالثة: المقولة الكلية: وتعنى باندياح الخطاب الإبداعي إلى منظور إنساني شامل غير مشروط بشخص معين أو مرتهن بظرف نتيجة امتزاج الفن بالفلسفة في خطاب حمزة شحاتة، ودراسة (مثالية الشاعر الفيلسوف) تجرد معظم الإشارات التاريخية والأسطورية من فنية الرمز ولكنها تعترف بحملها دلالة إشارية على بعد إنساني شمولي، وتحت مفردة "بحر المعنى..الرمز والتجريد" تلمح التميز الدلالي الذي تحوزه بعض المفردات ذات الطابع التكراري في شعره، وتشير إلى رمزية موضوعية نموذجها قصيدتا: (الربيع، الطريق) ، تهدف عبر دلالاتها الإنسانية إلى وجود أعلى يتخطى الخاص والموقوت إلى كوني خالد(17) .
 
الأخيرة: المقولة النصية: المعنية بالأسطورة تحديدًا من خلال تحولات الخطاب ورصد العلاقة بين النص والنص الموازي ونصوص مستدعاة بالتناص، وتمثلها دراسة (استدعاء الأسطورة وتحولات الخطاب في قصيدة أبيس) بارتكاز قراءتها على أدوات إجرائية تغذو رمزية القصيدة الميثيولوجية بدلالات مبتكرة، وإن كانت في منهجها غير منشغلة بشكل مباشر بتوظيف أسطورة (أبيس) رمزًا(18) .
صفحة 4
ولما كانت الدراسات المشار إليها منشغلة عن استقصاء الرمز بأولويات تخصها، مختلفة في جهات تناولها، متفاوتة في أحكامها، قامت هذه الدراسة ببحث الرمز في شعر حمزة شحاتة، مرتكزة على مدخل يرسي أسس الدراسة النظرية، مستندة إلى محورين تأويليين تتفرع عنهما فصول الدراسة الخمسة وفق التتابع التالي:
 
- المدخل: الرمز مفاهيم وتنزيل: يهتم الشق الأول من المدخل بتتبع المفاهيم النظرية للرمز من خلال إحالات المعجم التأثيلية للمفهوم على حقول البيان والأصول والعرفان، ثم يستعرض مفاهيم الرمز عند بعض الفلاسفة وعلماء النفس واللسانيين، وعند أتباع المذهبين الرومانسي والرمزي، كما يشير إلى مفاهيم الرمز في بعض الدراسات الأدبية العربية الحديثة. أما الشق الآخر فيعالج من وجهة تركيبية تركز على مدى فاعلية المفهوم الإجرائية التعالقَ والتفارق الناجزين عن تقاطع تلك المفاهيم في جهات محددة ثم تباعدها لغايات يستهدفها كل مفهوم.
 
- المحور الأول: الرمز ودلالات المصدر: وفصول هذا المحور الثلاثة تدرس الدلالة الرمزية من جهة تأثيلية ترصد العلاقة بين مصدر الرمز الأولي وتبلوره في الكيان الشعري، وهي مبنية على النسبة إلى مصدر الرمز الذي تنوع بين ثلاث جهات: أولها التاريخ، وثانيها الأسطورة، وثالثها الطبيعة، على النحو التالي:
 
• الفصل الأول: الرمز التاريخي: يؤسس الدرس في هذا الفصل تصورا مركزيا لطبيعة العلاقة بين الشعر والتاريخ يسهم في رسم مقاصد كبرى للتأويل، وبعد حصر المادة التاريخية في الديوان حصرا تصنيفيا يعين على تحديد مسالك التأويل اللاحق تحدَّدُ مقومات إجراء رمزية تلك المادة من خلال تركيب نظري يستلهم معطيات تأويلية مأثورة ومحدثة، ثم تؤول تلك المادة تأويلا هادفا إلى كشف بعدها الرمزي وقياس فاعليته ضمن السياق الشعري، ثم يختم الفصل بتوصيف للتفاعل الجدلي بين دلالة الرمز التاريخي في الديوان ودلالة مرجعه ضمن المدون التاريخي، من خلال سياقين: سياق الموازاة، وسياق المغايرة.
 
• الفصل الثاني: الرمز الأسطوري: يرسي الدرس في هذا الفصل تصورا مركزيا للعلاقة بين الشعر والأسطورة يسهم في تحديد منظورين أساسين للتأويل هما: التداخل والاستقلال، ومنظور التداخل بين الشعر والأسطورة يقوم على علاقات التشاكل بين متشابهين، أو بين أصل وفرع، أو بين متبادلي تأثير، أما منظور الاستقلال فيقوم على علاقات الاختلاف بين جنسين كان لإحلال أحدهما في الآخر دوافع فكرية وفنية، والدرس يعضد هذه الأسس النظرية بالإجراءات الموضحة لكل أصناف التعالق في المنظورين، وهو ما استدعى معالجة نقدية لقراءات سابقة للأسطورة في شعر حمزة شحاتة، ثم يتخذ الدرس منحى جماليا تأويليا للإحلال الشعري للأسطورة.
صفحة 5
• الفصل الثالث: الرمز الطبيعي: ينبني الدرس في هذا الفصل على مفهوم انفعالي للعلاقة بين الشعر والطبيعة، استنادا إلى تصورات نفسية وظاهراتية ومذهبية تتوسم أبعاد اتصال الشاعر بالطبيعة، وهذا المفهوم يستدعي رمز الليل نموذجا محوريا يجلي طبيعة هذه العلاقة، ولتلك النموذجية مرجحات تعود إلى طبيعة المراجع الدلالية الثلاثة لهذا الرمز: الغريزية، والثقافية، والنصية، أما مسالك التأويل فقد تحددت ضمن مقولتين: أولاهما: المواءمة، ومبناها موقف انفعالي مشاكل لليل يستند إلى البعد الوجداني في صورتين بسيطة ومركبة، والمناوأة، ومبناها موقف انفعالي منازع لليل تبرزه لحظة مقاومة الوعي.
 
- المحور الثاني: الرمز وتحولات البنية: بني الفصلان الأخيران على رصد معالم التشكل اللغوي للرمز التي لم يستهدفها الدرس في الفصول الأول، وهي الصورة الشعرية، والمحور والسرد، على النحو التالي:
 
• الفصل الأول: رمزية الصورة الشعرية: يقوم الدرس في هذا الفصل على بناء مفهوم يفصل الصورة عن الرمز ليبين تحول الصورة إلى رمز لاشتمالها على نموذج دال، والإجراء يوضح بإسهاب أبعاد المفهوم، من خلال تحديد الصورة الشعرية /الرمز وتحليل بناها اللغوية، وتتبع حركة النموذج خلالها، ثم بناء سياقها الرمزي، عبر مقولة سياقية ذات فاعلية كبرى في فتح الآفاق وبناء الدلالات، تسهم في تشييد أنساق دلالية توثق وشائج بين بنى الدلالة في الديوان، وتحل عقدا شائكة فيها.
 
• الفصل الثاني: الرمزية المحورية والسردية: يحدد الدرس في هذا الفصل مسالك التأويل بناء على الوظيفة اللسانية للمحور والسرد، حيث تسهم الاستعارة والتجريد بوصفهما تقانتين أسلوبيتين مركبتين في بروز الوظيفة المحورية، كما يسهم أسلوب الحكي في بروز الوظيفة السـردية، والتفرع النظري للمحور والسرد معزز بقراءات تجلي الوظيفة الرمزية لهما.
 
- خاتمة تستعرض أبرز نتائج الدراسة.
 
والدراسة في منهجها تعتمد نمذجة نظرية معضودة بالإجراء الدال على كفاءة النموذج، حيث يتخذ الدرس وجهة نظرية تبتدئ من النص وتعود إليه، ولأن للدراسة نزوعا مفهوميا بنيويا مداره الرمز في مدونة شعرية ذات خصائص وسمات وجيهة ومتميزة كما وكيفا فإنها تفرض مقاربة تستند إلى منظورات مركبة تقترح نموذجا تحليليا بناء على مفاهيم نظرية تستمد من الحقل المعرفي الملائم لطبيعة النص، والقضية محل النظر، ثم تعزز هذه المنظورات بإجراء يستهدف إثبات المفهوم الأساس للنموذج، ثم يؤكد ذلك المفهوم باندياحه خلف التفاصيل والجزئيات المكملة له، وهذه المنهجية تقوم على التحليل بغية التركيب وإعادة البناء، وأدواتها التحليلية مقصورة على ما يستدعيه الإجراء من حقول الدراسات اللسانية والنقدية والبلاغية والأسلوبية، وهذا القصر يحررها من عبودية المنهج الواحد، وينحو بمقاربتها النصية إلى تكامل في وصف بنية الرمز وتمثيلها للدلالة، وكل ذلك مشروط بخبرة دارس لم ينته إلى الرضى عن صنعته وسعيه الدائب لتطويرها، وما قدمه رأي استنبته في حدود ما تيسر له من الضوابط المنهجية غب رحلة سؤال واستكناه وبحث، ومادام الرأي مَعْقِد أخذ ورد فإنه السبيل إلى نماء المعرفة وتنوير العارف.
 
وبعدُ..فإن من شكر الله شكر أولئك الذين خدموا الدراسة وأعانوا الدارس بفكرة أو اقتراح أو مرجع، وبالحرى ذكرُ:أ.د.صالح الزهراني مقترح موضوع الدراسة، والمرحوم أ.د.جودت كساب الذي علم الدارس كيف يرتقي بلغته، والفضلاء أ.د.مصطفى عناية، وأ.د.عبدالله العضيبي، ود.عبدالله بانقيب، ود.أحمد العدواني، وأ.محمد الدبيسي، و مفلح بن زابن الذين أمدوه ببعض المراجع، والشكر والامتنان أجلهما للمشرف على الدراسة أ.د. محمد بن مريسي الحارثي كفاء ما تفضَّل به على الدارس، علمه فضيلة الإفادة من الآخرين، وأصالة الاستقلال بالرأي على أسس منهجية، وأرشده إذ يضطرب به المتاه بتواضع العالم وخبرة المجرب وحدب المشفق.
صفحة 6
هوامش
(1) لترجمة الشاعر، انظر: عبد السلام الساسي، الموسوعة الأدبية (مكة المكرمة: مطابع الثقافة، ط1، 1394ﻫ) 2/ 133- 134،وَ: محمد علي مغربي، أعلام الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة (نشر المؤلف، 1404ﻫ- 1984م) 2/129- 185، وَ: عزيز ضياء، حمزة شحاتة- قمة عرفت ولم تكتشف (الرياض: مطابع اليمامة، ط1، 1977م) .
 
(2) حمزة شحاتة، ديوان حمزة شحاتة (جدة: دار الأصفهاني، ط1، 1408ﻫ- 1988م) 164 ، وسيحال إلى المصدر فيما يتلو بعبارة الديوان.
 
(3) المصدر نفسه، 164.
 
(4) عن حوارميرزا الخويلدي مع الشاعر مصطفى زقزوق، انظر: جريدة الشرق الأوسط، 16/7/2003م، ع (8996) .
 
(5) عبدالملك مرتاض، الكتابة من موقع العدم- مساءلات حول نظرية الكتابة (كتاب الرياض عن مؤسسة اليمامة، 1419 ﻫ - 1999م) 319.
 
(6) انظر: عبدالفتاح أبومدين، حمزة شحاته ظلمه عصره (جدة: النادي الأدبي الثقافي، 1418ﻫ- 1998م) ، وَ: عبدالله باشراحيل، من أسقط بيت الشاعر حمزة شحاتة، 28/1/1427 ﻫ ،جريدة الجزيرة- المجلة الثقافية،ع (142) .
 
(7) انظر: نايف فلاح، على ضفاف حمزة شحاتة ( ضمن إصدارة الآطام، المدينة المنورة: النادي الأدبي الثقافي 1427 ﻫ- 2007م،ع/27) 74.
 
(8) انظر: عزيز ضياء، جسور إلى القمة (جدة:مكتبة تهامة،ط1، 1401 ﻫ- 1981م) 128- 129.
 
(9) ومرد ذلك إلى الاندفاع لترميز المشهد الثقافي السعودي؛ حتى إنك لتجد اسم الشاعر معطوفا في سياق درس يصف نفسه بالعلمي الجاد على أسماء غربية وشرقية فيها: فولتير وروسو وبلزاك، والبنا والعقاد وإدوارد سعيد والجابري! دون تسويغ معرفي لهذا الاقتران، انظر: زهير كتبي، العقل السعودي- قراءة نقدية، حمزة شحاته وخطابه أنموذجًا (نشر المؤلف، ط1، 1417 ﻫ- 1996م) 16، 46.
 
(10) عبدالله عبدالجبار، التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية (القاهرة: معهد الدراسات العربية العالية بجامعة الدول العربية، 1959م) 292- 297.
 
(11) انظر مثلا:إبراهيم الفوزان، الأدب الحجازي الحديث بين التقليد والتجديد ( القاهرة: مكتبة الخانجي، ط1، 1401ﻫ- 1981م) 3/1294- 1296.
 
(12) لاتحيل الدراسة إلى دراسة التيارات الأدبية، والمتأمل يجد أنها تقتفي أثرها في سبيلها لتقرير هذا الحكم، انظر: عبدالله الغذامي، الخطيئة والتكفير- من البنيوية إلى التشريحية قراءة نقدية لنموذج إنساني معاصر (جدة: النادي الأدبي الثقافي، ط2، 1412ﻫ- 1991م) 105- 107.
 
(13) انظر: عادل الزهراني، أدب حمزة شحاتة- دراسة تحليلية (رسالة ماجستير بجامعة الملك عبدالعزيز، رقم(872582) (مخطوط) ، 1427ﻫ- 2006م) 292- 297.
 
(14) انظر: محمد حبيبي، الاتجاه الابتداعي في الشعر السعودي الحديث إلى بداية التسعينيات الهجرية (رسالة ماجستير بجامعة أم القرى (مخطوط) ، 1415ﻫ) 269- 276.
 
(15) انظر مثلاً: عمر زرفاوي، الغذامي ومشروع النقد الألسني ( ضمن مجلة حوليات التراث بمستغانم، ع7- 2007م) 151- 152.
 
(16) انظر: عبدالحميد إبراهيم، نقاد الحداثة وموت القارئ (القصيم: النادي الأدبي، ط1، 1415ﻫ) 86 - 90، 105- 107، 112- 115 .
 
(17) انظر: صالح زياد، مثالية الشاعر الفيلسوف: الذات الحرة، (ضمن: علامات في النقد، جدة: النادي الأدبي الثقافي، 1427ﻫ- 2006م مج 15/ ج60) 404- 405، 418- 421.
 
(18) انظر:حافظ المغربي، استدعاء الأسطورة وتحولات الخطاب في قصيدة أبيس (ضمن علامات في النقد، جدة: النادي الأدبي الثقافي، مج15/ج60) 426- 477.
صفحة 7
تمهيد: الرمز.. مفاهيم وتنزيل
 
1 – المفاهيم:
 
للرمز طابع إشكالي لا يتحدد معه مدلول بعيدا عن الالتباس؛ لاختلاف مجالاته، ولتنوع المرجعيات التي تغذوه بالمفاهيم، ومفاهيم الرمز التي تكوِّن مهادًا نظريًّا تبني عليه الدراسة منظوراتها في الوصف والتأويل تستهدي بالمعالم الآتية:
 
1.1 – إحالات اللغة لتأثيل المفهوم:
 
الرمز في المعجم الإشارة(1) ، وفي الترجمة القرآنية إيحاء، ورد في آل عمران في مخاطبة نبي الله زكريا: "قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا"(2) ثم كان امتثاله للتكليم الرمزي في سورة مريم إيحاء: "فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا"(3) ، والمفسرون على أن أوحى أشار أو أومأ أو كتب(4) ، والإيحاء "إلقاء المعنى في النفس بخفاء وسرعة" (5) ، وللدلالة في خفاء حضور في معاني الرمز المعجمية: ظاهر في التصويت الخفي، ومستنبط من علاقة الرمز بالفجور عند حرج الإبانة عن المعنى باللفظ، ووفاء الرمز عنه بالقصد(6) ، والرمز في الكلام "الخفيُّ الذي لايكاد يفهم" (7) .
 
1.1.1 – الإحالة البيانية:
 
حول هذه المعاني أدارت الدراسات البيانية مباحثها دون تمييز اصطلاحي صريح بين الرمز والإشارة، أما الإشارة بمعزل عن الرمز فتعددت مباحثها، بدءا من الإشارة الحسية التي عدها الجاحظ من أصناف الدلالات على المعاني المعينة على حسن البيان باللفظ والنائبة عنه أحيانا(8) ؛ لامتيازها "بالاختصار والسرعة وشدة الالتحام بالمعنى الذي تعبر عنه" (9) ، وكفاءتها في إفهام خاص الخاص(10) ، وقد لمح البيانيون هذه السمات الإشارية ونقلوها إلى الإبانة بالكلام فارتبطت الإشارة بأساليب الدلالة الموحية وغير المباشرة: الإيجاز(11) ، وأضرب المجاز والإلغاز (12) .
 
وعند عبد القاهر ترد الإشارة صفة لتنامي الدلالة بتحول المدلول إلى دال في أساليب معنى المعنى: الكناية والتمثيل والاستعارة، "وكل ما كان فيه، على الجملة، مجاز واتساع وعدول باللفظ عن الظاهر"(13) ، التي لا يحصل الغرض منها بدلالة اللفظ وحدها، "ولكن يشار بمعانيها إلى معان أخر" (14) ، وهذه الصفة تشاكل الإشارة بصفتها حركة بين المعنى ومعنى المعنى، وهي الحركة التالية لاستصفاء المعنى الأول، وذلك بتتبع إشارات البنية التصورية للدلالة، والعروج منها صعدا نحو معنى المعنى، الدلالة الإيحائية التي تصل المتقبل بالغرض(15) .
صفحة 8
وأما الرمز فحينا أفرد عن الإشارة في بحث الكناية اصطلاحا على كناية خفية تقل وسائطها فتقرب المسافة بينها وبين المكنى عنه(16) ؛ مشاكلة لمعنى الإشارة الخفية المدركة عن قرب في الرمز، وحينا آخر كان الرمز أحد صورها في عمدة ابن رشيق (17) ، ويفهم أن الرمز عنده ما استغلق فهمه من الكلام ثم صار بالاستعمال دالاًّ تقل نسبة خفائه عن ذي قبل، ومرجع الخفاء إلى التركيب المنطوي على تداخل مجازي(18) .
 
2.1.1 – الإحالة الأصولية:
 
عَمَّق الأصوليون ارتباط الإشارة بالدلالة فكانت واحدة من خمسة أضرب للدلالة، والإشارة مما "يقتبس من الألفاظ لا من حيث صيغتها بل من حيث فحواها وإشارتها" (19) ، وهي دلالة فحوى (20) اللفظ المنطوق الثابتة بنظم الكلام من غير أن يساق لها النص(21) ، تؤخذ باستنباط عقلي بالنظر في نص، أو مقايسة بين النصوص (22) .
 
وفي نهج الأصوليين تدريج محكم لما صادفهم من حالات استتار المعنى التي لا تنال إلا بطلب من الناظر، وقد تعجزه، بدءا من الخفي لعارض من غير صيغته ، وهو مقابل للظاهر، وتوسطا بالمشكل المستتر معناه في نفسه لا لعارض وهو المقابل للنص، وانتهاء بالمتشابه الذي لا يرجى بيانه ولذلك سقط طلبه(23) .
 
3.1.1 – الإحالة العرفانية:
 
بحث الرمز بيانيا من جهة خفائه، وعني به ما قصد المتكلم طيه من الكلام عن عامة الناس والإفضاء به إلى بعضهم(24) ، ولا ينفك هذا عن التوجيه الباطني لدلالة الخفاء التي تضارع معنى الإشارة والرمز عند الصوفية، فالأولى: "ما يخفى عن المتكلم شرحه بالعبارة للطافة معناه" والآخر: "معنى مخزون تحت كلام ظاهر، لا يظفر به إلا أهله" (25) ، وبينهما تداخل من حيث تعلق الأولى بحال المتكلم المشير إلى أحوال تعلم ولا سبيل إلى قولها، وتعلق الآخر بحال المتقبلِ لكلام لا يُقصد ظاهره(26) .
 
وأهل العرفان حين بنوا الكلام على ظاهر وباطن اتخذت اللغة في تصورهم وضعية ثنائية تباطن فيها الإشارة كل عبارة، "فظاهر العبارة هو ما تدل عليه من حيث وضعية اللغة، والإشارة هي باطنها من حيث هي لغة إلهية. وإذا كان أهل الظاهر يتوقفون عند العبارات ومعانيها التي تعطيها قوة اللغة الوضعية، فإن العارفين ينفذون إلى ما تشير إليه العبارة من معان وجودية وإلهية" (27) ، ومن ثم فإن تأويلات الرموز معلقة بالإدراك العرفاني للوجود، وعلى ذلك فإحاطتهم المتقبل بأهلية الجواز من الظاهر إلى الباطن، والظفر بالتأويل لم تكن استنادا إلى ما تقوله اللغة ويسنه البيان، ولكن تعلقا بحال المتقبل، وآكد التآويل ما صدر عن فاهم ذي عصمة ولايةٍ أو إمامة(28) .
صفحة 9
2.1 – الرمز في المقاربة الفلسفية:
 
الرمز في اليونانية مادة(29) دالة على "علامة تعريف مؤلفة من نصفي شيء مكسور يجري تقريبهما"(30) ، وفعلها يعني رمى معا، أو قارن، أو طابق(31) ، ومعرفيا عُدَّ الرمز أداة تعرف بناء على قيمة التناظر البسيط التي تربط بين مجرد ومحسوس، فهو صورة دالة تحيل على مدلول مقابل عرفيًّا(32) ، وقد استقام للفلاسفة التفريع على هذه المقولة ذات الأصل الأفلاطوني تفريعا لا ينفصل عن تصورهم للمعرفة والإدراك، ومقاربتهم للإشكالات الجمالية، وفيما يلي عرض لمقاربات ثلاث:
 
1.2.1 – كانْت:
 
يؤسس كانْت مفهوم الرمز في سياق نقده لملكة الحكم الجمالية خلال تنظيره للحدوس المؤسسة للمفاهيم القبلية، إذ يفرق بين التمثيل المباشر وغير المباشر للمفهوم، ويرى أن عرض حقيقة المفهوم يقتضي عيانات تقدم بتجسيد حسي تعيينا للمفهوم، وحين لا يتفق للمفهوم عيان حسي مقابل له يكون التجسيد الحسي رمزيًّا، حيث يُعرض المفهوم عرضا غير مباشر بواسطة تمثيل تقوم فيه ملكة الحكم بوظيفة مزدوجة: تطبق أولا المفهوم على موضوع عيان حسي، ثم تطبق آخرا قاعدة التفكير المجردة حول ذلك العيان على موضوع مختلف يكون ارتباطه بالأول رمزيًّا لا يقتضي التشابه، كتمثيل الدولة التي تحكمها قوانين صادرة عن الشعب بجسم حي، فالتمثل رمزي ؛ ليس لوجود وجه شبه حسي بين الدولة العادلة والجسم الحي، وإنما لوجود وجه شبه بين قواعد التفكير في جهتي التمثيل، وما يؤسسه كانْت يوظفه لاصطناع علاقة بين الجميل والخير الأخلاقي، تنبني على تمثل رمزي مستمد من التشابه العميق بين الجميل والأخلاقي في طبيعة الرضا عن كليهما، وامتثالهما الطوعي لقانون، وصفة مبدأ الحكم عليهما(33) .
 
2.2.1 – هيغل:
 
في سياق فلسفته الجمالية، وبأثر من مذهبه الجدلي، يقيم هيغل مفهومه للرمز على تركبه من: معنى وتعبير عن معنى، الأول: تصور أو موضوع، والآخر: وجود محسوس معطى للعيان المباشر قصد منه أن يفهم بمعنى أوسع وأعم من وجوده الواقعي المباشر، ويلمح هيغل إلى التشابه الجزئي بين المعنى والتعبير عنه، من جهة أنه يقتضي تطابقًا من وجه، واختلافًا من وجوه، فالأسد بصفته رمزا للقوة ينطوي على ارتباط بين الصورة والمعنى الذي تشير إليه، لكن الأسد ليس قويا فقط، ومن ثم فإن التعبير لا يستنفد كل طاقات المعنى في الوجود الرامز، كما أن المعنى لا يحد في تعبير وجود بعينه؛ فللمضمون أشكال عديدة ترمز إليه، كما أن للشكل الواحد أكثر من معنى، وهذا ما يجعل الرمز احتماليا بعيدا عن التواطؤ في تفسيره، وهنا يشير هيغل إلى صعوبة معرفة التفسير المناسب للشكل أيكون رمزيا أم حرفيا؟ ويمثل لما يجب تأويله رمزيا بالأساطير، حيث ينبغي أن نجاوز ما فيها من غرائب وغير معقول وشذوذ إلى ما فيها من معقولية المعاني، وهيغل يوظف هذا المفهوم في تتبع تطور الفن من الرمزية مرورا بالكلاسيكية وانتهاء بالرومانتيكية، من خلال دراسة العلاقة بين الفكرة وتجليها الفني(34) .
صفحة 10
3.2.1 – كاسيرر:
 
في سياق فلسفته للحضارة الإنسانية، استشكل كاسيرر معرفة الذات الإنسانية، وانشغل بحد جديد للإنسان يصونه عن قصور الحد الفلسفي القديم، فاستعاض بالنطق (وبالعقل) ؛ لأنهما لا يمكنان من فهم أشكال الحضارة الإنسانية في ثرائها وتنوعها، القدرةَ على الرمز؛ وانطلق من تشريحية البيولوجي يوكسكل الذي يرى أن الكيان العضوي يمتلك جهازين: جهاز استقبال للمؤثرات الخارجية، وجهاز تأثير للاستجابة لها، وهما في تلاحم وثيق يشكلان ما يعرف بالدائرة الوظيفية في الحيوان، وحيث يبرز كاسيرر التغير الكمي والنوعي للجهازين عند الإنسان مقارنة بسواه من الكائنات يخلص إلى تمييزه بالجهاز الرمزي؛ لأن الإنسان يعيش في بعد جديد من أبعاد الحقيقة، يخرج فيها من العالم المادي خروجا يبعد الوعي عن المواجهة المباشرة للأشياء والحقائق المادية، ولكنه يداخله بوساطة هذا الجهاز الذي يرمِّز العالم، ويودع في الأشياء معاني تدرك من خلالها، وما اللغة والأسطورة والفن والدين إلا تجليات لهذا العالم الرمزي الوسيط بين الوعي والمدرك الكوني(35) ، وهذا "العمل الترميزي...لا يهدف إلى تسمية عالم معروف من قبل بل إلى إنتاج شروط معرفته نفسها"(36) .
 
3.1 – الرمز في البحث النفسي:
 
لا ينفصل الرمز في البحث النفسي عن دراسة الأحلام، وتعبيراتها عن النفس الإنسانية، وأنشطتها الذهنية، وطبائعها العقلانية والأخلاقية، وما يقابلها، سواء أكانت تلك الطبائع كامنة في الوعي الإنساني أم مفارقة له متعالية عليه، كل ذلك ضمن إطار دراسة الظواهر النفسية، ومحاولة عقلنة حالات اضطراب النفس البشرية، وفهمها، وفيما يلي تكثيف لثلاثة تصورات:
 
1.3.1 – فرويد:
 
الرمزية عند فرويد سمة للتفكير الإنساني، تجليها الأغاني الشعبية والأساطير والروايات المتوارثة والحكم والأمثال، والرمزية خاصة من خواص التفكير (اللاواعي) ، و(اللاوعي) حيث تنطوي النفس على حوافز وقوى ورغبات لا يعيها الإنسان تملي عليه تصرفاته، ووعيه لها محاصر برقابة تدفع لكبتها لدواع مختلفة أهمها كسب الرضى الاجتماعي، والحلم أحد متنفسات التعبير عن ما تنطوي عليه النفس، ذلك أن النوم يوفر قدرا من التخفف من رقابة الوعي، لكن التعبير الحلمي يبقى غير مباشر لأن رقابة الوعي لم تنتف انتفاء كاملا، وعليه فإن للحلم ظاهرا وباطنا مستترا خلفه، يرمي إلى تحقيق الرغبة التي يهدف رقيب الوعي إلى مصادرتها، وهذا الباطن يكشف تصور فرويد للرمز الحلمي، فهو رمز يقنع (اللاوعي) ويموهه، وهو ما يجعل لغة الحلم لغة تصويرية ملغزة تقتضي كشفا لما تخفيه وتقنعه، لكن فرويد يحصر المقنع في حدود المكبوت الجنسي، ويأخذ في تفسير عدد من الرموز الحلمية على هذا الأساس، وتحول أفكار الحلم أي ما يشكل باطنه إلى المحتوى الظاهر المنقول إلينا يتم من خلال عمليات ثلاث: