إلى زوجتي فاطمة
وإلى جاسر وياسر
"فمن يروي قصتنا نحن السائرين على هذا الليل، مطرودين من المكان ومن الأسطورة التي لم تجد منا أحدا يشهد على أن الجريمة لم تقع."
محمود درويش في حضرة الغياب
المقدمة
لعقود من الزمن ظلت السرديات في مقاربتها للسرد منحصرة في أفقها البنيوي. وإذا كانت قد استطاعت أن ترسي مقاربة علمية دقيقة للسرد خلال المرحلة البنيوية، فإن مشروعها النسقي لم يخل من مفارقات ابستيمولوجية، كشفت عن محدودية هذا الأفق البنيوي. ذلك أن طموحها إلى بناء نحو للسرد على غرار نحو اللغة، جعلها تسقط في ميتافيزيقا النسق، حيث تحدد موضوعها في بناء نموذج افتراضي كلي للسرد. وهذا ما ترتب عنه اختزال النص المفرد إلى مجرد تجل لهذه البنية الافتراضية العامة، باعتباره إنجازا من إنجازاتها الممكنة، بقطع النظر عن تنوعات متون السرد الثرية واختلافاتها، وتعدد مرجعياتها الأجناسية. وكانت النتيجة تهميش دينامية النص المفرد لفائدة نسقية النموذج، بحيث صار موضوع البحث هو السرد بصفة عامة، وليس هذا النوع السردي أو ذاك، أو النص السردي المفرد، وإنما قواعد النسق بصفة مجردة متعالية على تحققاتها الإمبريقية. هذا المأزق الابستيمولوجي، كان نتاج التأثر بالنموذج اللساني، لكنه انبنى على مفارقة، تمثلت في إهمال طبيعة النص المعقدة، ذلك أنه لا يمكن إسقاط النموذج اللساني على وصف النصوص، لأن بنيتها الداخلية تعتمد على عوامل ليست لسانية بشكل خالص.
ينبثق طموح هذه الدراسة من محاولة تجاوز الأفق البنيوي للسرديات، أو بالأحرى توسيعه لينفتح على الأسلئة المعرفية والمرجعيات الثقافية لطبيعة السرد، وذلك في إطار اهتمامنا بصياغة تصور للسرديات الثقافية، لا يلغي المنجز النظري للسرديات البنيوية، خاصة ما يتعلق بمقولات تحليل النص السردي، ذات الطبيعة الإجرائية، والتي تحتفظ بفاعليتها في تحليل البنيات السردية، ورصد أساليب السرد، ولكن يعيد تكييفها في أفق ثقافي، يتجاوز مستوى الوصف البنيوي، نحو عملية التأويل، وذلك بالبحث في المرجعيات الثقافية المحددة لدينامية السرد وقوته الرمزية في تشفير العالم، واستنطاق سياسات التمثيل السردي.
هذا التعديل الابستيمولوجي، اقتضى منا إعادة تحديد مفهوم السرد، بما يتجاوز التحديد البنيوي، الذي ينغلق في مستوى الوصف اللساني. فكان أن انطلقنا من تصور ثقافي لا يختزل مفهوم السرد في الوظيفة الأدبية كما تبلورت في البويطيقا، بل يستدعي مرجعيات الدراسات ما بعد الكولونيالية، التي ترى في السرد شرطا ضروريا للمعنى والمعرفة، معرفة الذات والعالم. وتتم عملية البنينة process of structuring، التي تتمثل في الصياغة التخييلية للذات والعالم في" تشكيل عالم متخيل، تحاك ضمنه استراتيجيات التمثيل". بهذا المعنى الثقافي المعرفي يستمد السرد قوته التمثيلية من تنازع الاستراتيجيات في تجاذبات التخييل والقوة.
إن الهوية الذاتية تتشكل في مجازات السرد كما تؤكد هيرمينوطيقا بول ريكور، وتكتسب الأمم هوياتها الجماعية عبر قوة السرد، "فالأمم مرويات وسرديات"، كما يوضح النقد الثقافي. ولقد تشكلت في مرحلة الكولونيالية خلال النصف الأول من القرن العشرين هوية أكثر من "ثلاثة أرباع شعوب العالم" في إفريقيا وآسيا وكندا وأمريكا اللاتينية وأستراليا وجزر الكاريبـي، بفضل "سرديات التحرر الوطني".
في هذه التجارب والسياقات يمثل السرد إستراتيجية خطابية أساسية بالنسبة للذات في التمثيل، وصياغة هويتها عن طريق تأكيد اختلافاتها مع صور الآخر. اختلاف يأخذ أنماطا متعددة من العلاقات، شكل ديالكتيك السيد والعبد، وهندسة المركز والهامش في الحكاية الكولونيالية، وشكل السلطة والتابع في حكاية السلطة، وشكل الألفة (الأنا/المحلي) والغرابة (الآخر/الأجنبـي) في الحكاية الحضارية.
في سياق هذه العلاقات الدياليكتيكية تتحدد وظيفة السرد وفق علاقات القوة بين الأطراف، حيث تدخل إستراتيجية كل طرف في مواجهة خطابية مع إستراتيجية الآخر، إما من أجل فرض سرديتها، أو منع سردية أخرى من الظهور. وفي هذا السياق الخطابـي المحتدم بجدليات السلطة والرغبة، تتشكل وظيفة السرد كإستراتيجية مضادة لتقويض الافتراضات المتحيزة التي تنشأ عن عملية تمثيل الآخر. وبفعل هذه المواجهة الخطابية، يتورط السرد في سياق مرجعيات ثقافية مرتبطة بجوانب من ديناميات الهوية والاختلاف والسلطة والإيديولوجيا.
في محاولتنا مقاربة السرد في ضوء هذه المرجعيات الثقافية، اقترحنا نموذج السرديات الثقافية. ولوصف معالم هذا النموذج وتفسير ممارسته المعرفية، قسمنا هذه الدراسة إلى مدخل وأربعة مباحث.
في المدخل سعينا إلى بسط تصورنا للسرديات الثقافية. وقد تأسس هذا التصور على أساس مراجعة ابستمولوجية لمسار السرديات البنيوية من جهة أولى، وعلى فهم للسياقات الجديدة، المعرفية والتاريخية للنظرية ما بعد الكولونيالية من جهة ثانية، وعلى تحديد الممارسة البديلة التي تقترحها في القراءة والتأويل من جهة ثالثة.
في المباحث الأربعة الأخرى قدمنا قراءات تطبيقية لنصوص روائية عربية، تركز على تحليل أنماط السرديات البديلة التي تطرحها هذه النصوص في استراتيجياتها الخطابية والسردية.
في مبحث السرد والسلطة نستقصي العمليات الخطابية المقترنة بالقوة على ممارسة السرد، خاصة في الوضع الذي تفرض فيه السلطة حالة الإسكات على المجتمع (الاعتقال، القمع، التحكم في وسائل الاتصال والإعلام..). في مواجهة هذا الوضع يمثل السرد القوة الدافعة للكتابة، وكسر حالة الصمت. وتضم هذه العمليات امتلاك "الصوت" وشفرة التمثيل.
في رواية "دمية النار" لبشير مفتي، تحضر السلطة في صورة المتاهة الميتافيزيقية التي تبسط هيمنتها على المجتمع، وكأنها قدر حتمي. ويقوم السرد بتشريح جسد السلطة بإستراتيجية "طباقية"، وليس أحادية، حيث يتواجه صوت السلطة بأصوات ضحاياها. في مقابل سردية السلطة التي تفرض تاريخا أحاديا للحدث، بوصفه التاريخ الحقيقي، تاريخ الأمة المقدس، ينتج السرد الروائي، باعتماد أسلوب "إعادة الكتابة" سردا انتهاكيا، ينبثق على هامش حكاية السلطة، ويزرع الشك والارتياب في خطاب السلطة، متوسلا في ذلك العمليات التدميرية للمحاكاة الساخرة.
في انبثاق الأصوات المقموعة من هامش نسيانها، في صورة محكيات صغرى، تنتهك سلطة السرد المركزي، وتخط مسارات مناقضة للمسار الغائي الحتمي لمحكي السلطة، شذرية ومتشظية، بما يغير شروط الخطاب الذي تفرضه السلطة على استعادة الماضي.
وفي رواية "الساحة الشرفية" لعبد القادر الشاوي، تمثل الحكاية الملاذ الأخير الذي يجعل السجن فضاء قابلا للاحتمال، حيث يعاش زمن الحرية تخيليا في أطياف السرد الاستعادي. وباعتماد تقنية الحكاية داخل الحكاية (محكيات المعتقلين السياسيين)، وهجنة الأجناس المتخللة (الرسائل، اليوميات) ينبثق سرد مضاد لحكاية السلطة، يأخذ موقعه داخل بنية النص الخطابية من مواجهته لخطاب السلطة، في شكل خطاب- نقيض يقوم على الحفر السردي في الماضي المسكوت عنه (ماضي السلطة في الانتهاكات). ويتم تعرية خطاب السلطة باستدعاء حكايات الضحايا في الحاضر مسرودة بأصوات رواتها، التي تعيد حكي الماضي برؤى واستراتيجيات مختلفة، تدخل في نـزاع مع سرد السلطة.
وفي رواية "كهوف هايدراهوداهوس" لسليم بركات توظف إستراتيجية الخطاب- النقيض بطريقة أليغورية (مجازية)، عبر استحضار حكاية خرافية في الميتولوجيا الإغريقية، تتحدث عن كائنات "السنتور"، وهو كائن خرافي، نصفه العلوي إنسان، ونصفه السفلي حصان. وبأسلوب التمثيل الكنائي تقوم الرواية بترميز الصراع على السلطة بين الأمير الذي يقتل في أحد جولاته المتنكرة، من طرف معارضيه. وللحفاظ على السلطة يستخدم النظام أسلوب "التنكر"، حيث يتم إخفاء حادثة مقتل الأمير، بإنتاج "شبيه" له هو شخصية الشاعر "زينون". غير أن الشبيه لا يمكن أن يكون صورة للأصل، حيث تتدخل عملية المحاكاة الساخرة في تشويه الأصل، وبالتالي تدميره. يتم تقويض قانون السلطة في الانـزياحات الهزلية التي تصاحب عمليات الشبيه والتنكر والازدواج، لأن الشبيه، وهو يوضع في مكان الأمير، لا يحل محل الأصل (الأمير)، بل يحاكيه، وبالتالي ينتج صورا هزلية للأصل، تفكك صلابة السلطة ومهابتها في الانـزياح الهزلي للصور والوضعيات الساخرة للشبيه.
في هذه النماذج الروائية، يقع السرد في صميم النـزاع على استعمالات الماضي، من أجل تسويغ الشرعية (إستراتيجية السلطة)، أو نـزع الشرعية (إستراتيجية المقموع). تتم هذه الإستراتيجية في رواية "دمية النار" بإعادة كتابة قصص الثورة، وإحياء الروايات المنسية لضحايا السلطة المعارضين للقمع، وإسماع الأصوات البديلة، وفي رواية "الساحة الشرفية" بتضمين رسائل ويوميات المعتقلين السياسيين، التي تخترق سرد السلطة، وتفككه كاشفة مزاعمه في نبرة ساخرة تهكمية.
ويبرز هذا الوعي الحفري دور التخييل الروائي في "إعادة كتابة"- بالمعنى التفكيكي ما بعد الكولونيالي- التواريخ المنسية، وتحرير الأصوات المقموعة من حالة الإسكات التي تفرضها القوة. وهذا ما يترتب عنه بالضرورة المنطقية تقويض حالة الهامشية التي تبنى في العلاقة بين المركز والهامش.
وبتحيز هذه الروايات لأنماط السرديات البديلة، يقوم السرد بإعادة تمثيل وضع المهمشين والمقموعين في وجه المهيمنين، بالتوازي مع جعل الأسس الخفية للسلطة مرئية، ثم تفكيك وحدة خطابها، وكشف وظيفتها في مجال إسكات الفرد وقهر المواطن. وهذا ما يشكل تهديدا حقيقيا لخطاب السلطة، أولا من المنظور المهمش للضحايا، وثانيا من التفكيكات الخطابية التي تفرضها أنساق بديلة غير خاضعة للنظام، وثالثا من أشكال التهجين والأسلبة والتذويت. وبذلك تعلن هذه الروايات عن منظور متحيز للإنسان المهمش والمقهور، ولقيمة الحرية.
في مبحث السرد وتمثيل الآخر، نكشف الآثار الخطابية المقترنة بسياسات الغيرية والآخرية التي تعاش في زمنية الاختلاف الثقافي، خاصة تلك التي سادت في نموذج الرواية الحضارية، حيث يخضع تمثيل الآخر من وجهة نظر الذات لمتطلبات النسق الحتمي، صراع الشرق والغرب. غير أن قيمة النموذجين موضع الدراسة، تكمن في انـزياحهما خطابيا وسرديا عن سلطة النسق الحضاري، وبالتالي تقويض سياسات التمثيل في هذا النسق.
تنتج رواية "مصابيح مطفأة" لأحمد الكبيري انـزياحها عن سياسات التمثيل في الرواية الحضارية، بواسطة تقنية الخطاب النقيض، والذي يتخذ في الخطاب السردي، وضع الحكاية المعكوسة. على خلاف الرواية الحضارية التي تحكي رحلة الذات من الجنوب إلى الشمال، فإن "مصابيح مطفأة" تقلب هذا المسار، وتحكي عودة الذات من الشمال إلى الجنوب، حيث يتولد نسق جديد كان مهمشا ومغيبا في الرواية الحضارية، يدشن منه السارد مسارا انتهاكيا جديدا، هو استعادة المكان المحلي بوعي الذات. وهذا ما يترتب عنه تحول في سياسات التمثيل، من سياسات الهوية إلى سياسات الاختلاف التي تطال أشكال الرؤية وأساليب الترميز وعمليات التمفصل.
وتتمرد رواية "روائح ماري كلير" للحبيب السالمي على سياسات التمثيل في الرواية الحضارية، حيث تنتهك النسق الفحولي، وتطرح نموذجا إنسانيا. في مقابل سياسات الجنس، تشخص رواية "روائح ماري كلير" علاقة الحب في زمنية الاختلاف الثقافي، خارج نسق "الشفرة الكولونيالية" التي فرضت جمالياتها المانوية على سياسات التمثيل في الرواية الحضارية، ويتركز هذا الانتهاك على تفكيك النسق الفحولي القائم على علاقات الهيمنة الكولونيالية والذكورية. وبتحيزها للبعد الفردي الإنساني في علاقة الحب، تقدم الرواية منظورا ثقافيا، يقوم على أنسنة العلاقات بين المرأة والرجل وبين الثقافات، بدل سياسات الجنس التي تقوم على علاقات القوة. وبذلك تطرح مفهوما حواريا للحياة يعاش في زمنية الاختلاف الثقافي.
في مبحث السرد والقوة، نوضح أن القوة على ممارسة السرد، ذات أهمية قصوى في بناء الذات وتشكيل ملامح الوعي الذاتي، وإعادة تملك القوة، نقصد قوة المعرفة، أي المعرفة بالذات والعالم في سياق محتدم بالصراع وعنف السلطة.
في رواية "ترانيم البردي القديم" لآمال النخيلي، يتموقع دور السرد داخل خطاب الرد بالكتابة على السلطة، وعلى الآخر الكولونيالي، حيث تتشكل وظيفة السرد كقوة رمزية موازية لقانون القوة، سواء قوة السلطة القائمة، أو القوة الكولونيالية الجديدة. ومن ثم يتأسس الخطاب- النقيض على استعادة الماضي ما بعد الكولونيالي، بصفته يمثل لحظة مقاومة مضيئة. هذه الاستعادة تتم في اللحظة التي تتمكن الذات من الاستحواذ على الأرشيف المنسي. ويمكن تأويل تمكن الذات من تفكيك شفرة الأرشيف الخاص بتاريخ قرطاج القديمة، والذي يسعى الآخر الكولونيالي إلى الاستحواذ عليه، على أنه تأكيد مجازي على أهمية امتلاك المعرفة/السلطة لتشكل الوعي. وهذا ما يؤكد الأطروحة ما بعد الكولونيالية بضرورة تملك المعرفة التي تقود إلى اكتساب القوة، وبالتالي التحرر من هيمنة الآخر، وأيضا كوسيلة لاستعادة تاريخ غمره المعيار الثقافي المفروض، وتفكيك النسق الدلالي الكولونيالي، وكشف دوره في مجال إسكات وقهر الموضوع الكولونيالي.
في رواية "آيلان أو ليل الحكي" لإدمون عمران المليح ينطلق الخطاب- النقيض من تكسير حالة الصمت التي تفرضها السلطة، على التاريخ غير المرغوب في استمراره، تاريخ الانتهاكات، لكن السرد المضاد يقوم بانتهاك المحظور، والنبش في تاريخ السلطة الأسود.
وهكذا، فإن تاريخ الضحية الذي تريد له السلطة أن يموت بموت الضحية، ينبثق عبر قوة التخيل، في استعادة قصص الضحايا. وفي هذا السياق الأنطولوجي المهدد بعنف السلطة، يتحدد دور الكتابة كفعل مواجهة للموت بصوره المادية والرمزية التي تحيل على مجازات الغياب والصمت والنسيان.
وبانحياز السرد لمنظور الضحية، تؤكد الرواية الإدراك ما بعد الكولونيالي للعلاقة بين السرد والقوة. فالقوة على ممارسة السرد في سياق مواجهة السلطة، تقدم إستراتيجية مضادة لاختراق حالة الصمت، والتحرر من عملية الإسكات التي تفرضها السلطة على ذاكرة الضحايا.
في مبحث الهوية والسرد نستقصي الإشكالات الاستطيقية والابستيمولوجية التي تطرحها نصوص تراهن على الهجنة الأجناسية في بناء المتخيل السردي. ينبثق الإشكال هنا من خاصية الازدواج التي تسم التمثيل، حيث يتمفصل على حدود التوتر بين نوعين مختلفين. ولكن أهمية هذا التمفصل المزدوج لا تقتصر على الجانب الاستطيقي الخاص بتهجين أسلوب السرد، الذي ينتج عن عملية الأسلبة بين وعيين مختلفين، ولكنه يطال تفكيك الذات في صيرورة تمثيل مشروخ باستطيقا الازدواج.
في رواية "ثلاثة وجوه لبغداد" لغالب هالسا يمارس السرد تفكيكا مزدوجا للهوية: تفكيك خطابـي لهوية النص، وتفكيك أنطولوجي للذات. ذلك أن الوقائع السير الذاتية التي يستحضرها النص في سياق كتابة تسعى إلى الاستحالة، في أن تكون كتابة بمنطق الحلم، وبالتالي في حالة اغتراب عن منطق الواقع، تتفكك في لعبة الغرابة. وفي سياق هذا المبدأ (منطق الحلم) ينتهك السرد إطار التمثيل بوصفه وعي التطابق القائم في السيرة الذاتية، حيث يعاد تمثيل الذات على مسافة استطيقية ملتبسة بعمليات الغرابة والتشظي، تعمق الفجوة بين المرجعي والتخييلي، بحيث لا يتعلق الأمر بمشكلة الكينونة الأنطلوجية (التطابق)، بل بمشكلة التمثيل الذي يقوم على الاختلاف وليس الأصل.
وفي نص "كتاب الأيام: أسفار لا تخشى الخيال" للروائي شعيب حليفي، يتم خرق معيار النوع في عملية التفكيك المزدوج، الخطابـي والأنطولوجي، حيث تتورط هويته النصية في تجاذبات المابين l entre deux، على حدود التوتر بين ميثاق الرحلة وغواية التخييل الروائي. ويعمق ازدواج الهوية دينامية التجاذبات الاستطيقية والثقافية التي تعصف بأي محاولة لاحتواء الذات في تمثيل التطابق الذي يفرضه نوع الرحلة، ذلك أن هذا الازدواج كخاصية للكتابة يطرح إشكالا ابستمولوجيا يتعلق بمن يحكي؟ هل المسافر أم الكاتب؟ ذات الرحلة أم ذات الكتابة؟ ويكرس هذا الازدواج تمزق الذاتية المركزية للمتكلم إلى صوتين يتنازعان على سلطة التمثيل.
وأخيرا، لابد من الإشارة إلى أن انشغال هذه الدراسة بالأسئلة الثقافية لطبيعة السرد وإستراتيجيته الخطابية، يشترك في الأفق المعرفي الجديد للنماذج العربية ذات المرجعيات الثقافية، ونذكر منها، أعمال عبد الله الغذامي ومعجب الزهراني وعبد الله ابراهيم ونادر كاظم ويحيى بنالوليد وماري تيريز عبد المسيح وادريس الخضراوي...
د. محمد بوعزة
مكناس 23/09/2013
السرديات الثقافية :من البويطيقا إلى ما بعد الكولونيالية
مع بداية القرن العشرين بدأت نظرية السرد المعاصرة في التشكل مع مشروع الشكلانيين الروس. ومع ترجمة أعمالهم إلى الفرنسية ستتطور النظرية السردية وتتبلور في نماذج نسقية مع تودوروف، وجيرار جينيت، ورولان بارث، وغيرهم.
منذ الستينات، وفي إطار مشروع البويطيقا العام، الذي يتعلق ببناء نحو للخطاب الأدبـي، على غرار نحو اللغة، تحدد موضوع السرديات في معرفة القوانين التي تنظم كل الأشكال المختلفة للسرد، بغض النظر عن تعدد أجناسها وتنوع نصوصها، مستلهمة- في ذلك- النموذج اللساني البنيوي.
ميتافيزيقا النسق
على قاعدة بناء النسق في اللسانيات، التي اقتضت بناء نحو للسرد، أحدثت السرديات قطيعة مع نماذج التحليل التاريخية والسوسيولوجية والسيكولوجية، حيث أصبحت البنية هي نقطة الارتكاز في تحديد أدبية السرد، وليس التفسيرات التي تربط النص السردي بمرجع خارجي، أو بتأويل إيديولوجي.
هذا المشروع النسقي للسرديات لم يكن ممكنا دون مواجهة إشكالات ومفارقات ابستيمولوجية، حيث ستواجه السرديات معضلة التناهي، في تصنيف الأشكال المختلفة للسرد. هل بإمكان النموذج الذي تقترحه أن يستوعب كلية الأجناس السردية، على الرغم من تعدديتها وتنوعها اللانهائي.
وقد رأى تودوروف وبارث منهجين لإنجاز هذا النموذج، المنهج الاستقرائي inductive، السائد في العلوم التجريبية، الذي يستدعي دراسة كل سرود جنس ما لفترة ما، ولمجتمع ما، ثم يتم من خلال هذه المعطيات الإمبيريقية الانتقال إلى وضع مخطط إجمالي لنموذج عام.
وأمام استحالة تطبيق المنهج الاستقرائي العلمي في مجال السرديات، لاستحالة ملاحظة جميع الأشكال اللانهائية للسرد وحصرها، سيكون من المحتم عليها أن تتبنى منهجا استنباطيا déductive، يقوم على "تصور نموذج افتراضي للوصف... ثم النـزول بعد ذلك شيئا فشيئا انطلاقا من هذا النموذج باتجاه الأنواع التي تشارك فيه وتنـزاح عنه في نفس الوقت: إنه فقط في مستوى هذه التوافقات والانـزياحات وبمساعدة أداة وحيدة للوصف سيقف هذا النموذج على تعددية السرود وتنوعها التاريخي والجغرافي والثقافي[1]."
في ضوء هذه الرؤية النسقية، اتخذت السرديات منهجا استنباطيا، يقوم على صياغة نموذج افتراضي للوصف. وبالتالي، لن يكون موضوع السرديات هو العمل السردي المفرد، وإنما النموذج المجرد. فما تستنطقه هو قوانين الخطاب السردي، بالكشف عن بنية تنظيمه المجردة، باعتبارها نسقا ضمنيا "وكل عمل عندئذ لا يعتبر إلا تجليا لبنية محددة وعامة، ليس العمل إلا إنجازا من إنجازاتها الممكنة.[2]"
ستخط السرديات مسارها المنهجي في اتجاه مخالف للنماذج التفسيرية، يعيد الاعتبار لبنية السرد بوصفها محددا لأدبية الخطاب السردي. وهذا ما سوف يمثل- من الناحية التاريخية- مجاوزة راديكالية لنماذج التحليل الخارجية، بإحلال مقاربة بنيوية للأعمال السردية، في إطار مبدأ نسقي موجه للبويطيقا هو استقلال الأدب، وما يفترضه هذا المبدأ من عزل للوظيفة المرجعية، لفائدة مركزية الوظيفة الأدبية. ويتمثل العامل الأساسي في هذا التغيير الجذري- برأي تودوروف- في استلهام البويطيقا للنموذج البنيوي" لن تتغير وضعية النظرية الأدبية الحديثة، إلا في الستينات، والعامل الحاسم لهذا التغيير هو تأثير المنهجية البنيوية، على مجمل العلوم الإنسانية، فبتأثير لفي شتراوس اتخذت الإستراتيجية البنيوية، التي تبلورت في اللسانيات، وانتقلت بفضله إلى الاثنولوجيا، مكانة مرموقة، وبما أن البنيوية تعطي في كل ميدان أهمية للخطاب النظري، فإنها في الدراسة الأدبية ستدعم النظرية على حساب التفسير... هذا التأثير هو الذي سيحدد أيضا الشكل الذي ستعطيه النظرية الأدبية لموضوعها: إنه الخطاب الأدبـي، أعني مجموع البنيات اللفظية التي تعمل في كل عمل أدبـي.[3]"
في هذا السياق الابستيمولوجي الذي يهيمن عليه النموذج اللساني تأسست السرديات، متأثرة في منهجيتها بالإستراتيجية البنيوية، حيث ستقارب موضوع السرد باعتباره خطابا أدبيا، تتحدد بموجبه وظيفة السرديات في استكشاف البنيات اللفظية التي تعمل في كل خطاب سردي، بغض النظر عن نوعه وشكله.
باشتراع هذا الأفق اللساني البنيوي الجديد، دشنت السرديات منظورا جديدا في الوصف، يمكن معاينة إبدالاته الجديدة على مسارين:
- مسار منهجي: يهتم بالمسألة المنهجية في مقتضياتها النظرية وشروطها الابستيمولوجية وإستراتيجيتها التحليلية. تميز بالمقارنة مع المقاربات التفسيرية (الاجتماعية والنفسية والتاريخية) بإقرار منهجية علمية صارمة ودقيقة في معرفة الموضوع الأدبـي، ضمن أفق وضعي يراهن على تحقيق "علمية" التحليل، وذلك في مجال التأكيد على علمية المنهج وشروط بناء النموذج.
لذلك ستخص السرديات نفسها بميزة العلم، وهي تريد بهذه الصفة العلمية "الإحالة على المنظور العام الذي اختاره المحلل، فما عاد هدفه وصف الأثر المفرد وتعيين معناه وإنما هدفه وضع القوانين العامة التي يكون هذا النص النوعي نتاجا لها[4]". ولترسيخ هذه المنهجية العلمية اتخذت السرديات من علم اللسانيات نموذجا مؤسسا للتحليل البنيوي للسرد.
- مسار تحليلي: يتخذ من البحث في "أدبية" الخطاب السردي بؤرة التحليل، بتدشين القطيعة مع التفسيرات الخارجية، وذلك بالتركيز على مكونات الخطاب السردي، وخصائصه الاستطيقية، وتحليل قواعد نسقه وإواليات اشتغاله. هذا التغيير في الموضوع، يستدعي بالضرورة تغييرا في أدوات التحليل، حيث ستستبدل السرديات في إستراتيجيتها التحليلية إجراء التفسير، بإجراء الوصف كفاعلية علمية تتوخى الموضوعية. وتبعا لهذا الإجراء الجديد، سيتركز التحليل على رصد المعطيات النصية (الوحدات، الكلمات، مستويات النص...) التي تسمح بالوصف الموضوعي، واستبعاد كل ما له علاقة بالتأويل (المعنى، المعطيات البيوغرافية..) الذي يقوم على تفسير معنى النصوص بإخضاعها لأنساق تفسيرية مستمدة من التاريخ أو السيكولوجيا أو السوسيولوجيا، وينتهي إلى إدراج النص في نسق خارجي غير النسق الأدبـي.
بطبيعة الحال المساران غير منفصلين، يتداخلان في عملية الوصف ويتكاملان، ويكشفان دور السرديات في إنتاج معرفة جديدة بالموضوع السردي، وفي تغيير نموذج المقاربة. وهذا ما يتوضح من المقولات النظرية التي أسفر عنها نموذج الوصف النسقي الذي تقترحه السرديات[5]، وأهمها التمييز في كل سرد بين مستويين، مستوى القصة التي تمثل متوالية الأحداث وفق نظام التتابع الزمني، ومستوى الخطاب الذي يعني طريقة تمثيل القصة لفظيا، والتمييز بين صور ظهور السارد ووضعياته السردية، ومنظورات التبئير، وأنواع العلاقات بين زمن القصة وزمن السرد، وما يخترقهما من مفارقات زمنية، تحدد إيقاعات زمن السرد.
مفارقات منطقية
هذا التمييز يعتبر مقدمة أساسية بالمعنى المنطقي في البناء الابستيمولوجي للسرديات، تنبني عليها كل إستراتيجية التحليل والوصف. لكن، كما يوضح جوناثان كالر في قراءة تفكيكية للسرديات، تقوم ثنائية القصة/الخطاب على مصادرات ضمنية، مسكوت عنها، تخترق البناء التصوري للسرديات في صورة مفارقات ابستيمولوجية، تكشف محدوديته والتباساته المنطقية، وهي[6]:
- إن التمييز بين الخطاب والقصة، يشتمل على مفارقة، ذلك أنه يفترض وجود أشكال متعددة من التمثيل للقصة، بمعنى أن القصة الواحدة يمكن أن تسرد بطرائق خطابية متعددة، وذلك على افتراض ثبات القصة. وبالتالي فالعلاقة هنا تراتبية، بما يجعل القصة ذات جوهر ثابت، غير متغير invariant، في مقابل تغير أشكال التمثيل الخطابـي variant.
- إن تحديد الخطاب كتمثيل للقصة، يفترض ضمنيا أن القصة تشتغل كمعطى غير خطابـي nonduscursive وغير نصي nontextuel. معطى يوجد بشكل قبلي وسابق prior ومستقل independently عن الخطاب الذي يشخصها. هذا لا يعني أن الروائي يلتقط الأحداث في مرحلة أولى ثم يضعها في الخطاب السردي في مرحلة ثانية. وكأن الأمر يحيل على استعارة الوعاء. ولكن يعني أن التحليل السردي يفرض مقاربة الخطاب كتمثيل للأحداث، بمعزل عن القصة. وهذا العزل يقود إلى مقاربة القصة باستقلال عن التمثيل الخطابـي، وبوصفها تحيل على أحداث ذات طبيعة واقعية real.
هكذا، فإن التمييز بين القصة والخطاب، وما يضمره من تراتبية متحيزة لاستطيقا الخطاب، يفترض التسليم مسبقا بوجود نظام زمني واقعي للأحداث، يقوم الخطاب في خطوة تالية بخرقه والانـزياح عنه في لحظة تمثيله. ومن هنا، تنشأ المفارقة الابستيمولوجية في أن المحلل السردي ينبغي أن يفترض أن الأحداث الممثلة لها نظام حقيقي true، من أجل أن يستطيع وصف الخطاب كتعديل أو محو لنظام الأحداث.
بافتراض أسبقية priority القصة على الخطاب الذي يقوم بتمثيلها وتشخيصها، تؤسس السرديات تراتبية hierarchy، بموجبها يتحدد الخطاب كإستراتيجية خطابية دينامية، تحدد جمالية القصة، التي ينظر إليها كشيء معطى تابع، يكتسب صورته التمثيلية من اشتغال الخطاب، أي كنتاج للفعل الخطابـي.
سيقود هذا المنطق التراتبـي في بعض التطبيقات العربية إلى تكريس معيار تفاضلي يتحيز للخطاب، ويجرد القصة من أية جمالية. هذا ما يعيد إنتاجه سعيد يقطين أحد أبرز المتخصصين بالسرديات، حين يصر على الفصل بين الخطاب والقصة، ويعتبر ذلك مرتبطا بالاختيارات المنهجية للباحث، باعتبار أن كل باحث يختار زاوية معالجته للموضوع بحسب رؤيته التي تمليها عليه مرجعيته، يقول "لقد كان هدفي دائما هو الاشتغال ب"الخطاب"، ومختلف أبعاده النصية، لأني أعتبره الموئل الأساس ل"السردية"، بصفتها الخاصية التي تتميز بها الأعمال السردية عن بعضها البعض، وكان هذا الخيار ينبع من طريقتي الخاصة في تناول السرد من خلال نصوص تجريبية، لأن ما يشغلني فيها هو المستوى "التعبيري". أما جانب المحتوى فلم يكن يحظى في هذا النوع من النصوص بالقيمة التي نجدها في غيرها. إن النصوص التجريبية هي بأحد المعاني ضد القصة أو المادة الحكائية. وإذا ما اشتغلت بالمادة، فإن ما يحكم هذا الاشتغال سيكون بالضرورة محددا بالخلفية نفسها، ومؤسسا على القاعدة ذاتها: سرديات الخطاب[7]"
نلاحظ أن الباحث بفصله بين الخطاب والقصة، يسقط في ثنائية اللفظ والمعنى في البلاغة القديمة، لأنه يربط الخطاب بمستوى التعبير، أي المستوى الجمالي، في حين يربط القصة بمستوى المعنى (" لقد تبين لي أن الذين اهتموا بمادة الحكي، كان يشدهم إليها على وجه خاص "المعنى" أو "الدلالة"[8]).
ويسقط سعيد يقطين في اختزال القيمة الجمالية، حين يرى أن النصوص التجريبية تبني قيمتها على المستوى الخطابـي، وليس على مستوى الحكائي. في حين نرى أن الهدم الذي تقترفه النصوص التجريبية على إطار القصة هو جزء من إستراتجيتها وفلسفتها. وفي ممارسة فعل الهدم لا ينفصل الخطاب عن الحكاية. ذلك أن السرد التجريبـي يقدم شكلا نقيضا في الصوغ الحكائي هو الحكاية المضادة. وبالتالي فعملية الهدم هنا متمفصلة على صعيدي الخطاب والحكاية ضمن علاقة تفاعلية، وليس تجاورية، بحيث تكون القيمة الجمالية نتاج هذا التفاعل، ولا تقتصر على مستوى دون آخر، أي ليست قيمة حصرية على مستوى الخطاب دون مستوى القصة، أو مستوى التعبير دون مستوى المحتوى. وهذا ما يؤكده الباحث صبري حافظ، حين يكشف أن الفصل بين القصة والخطاب عند سعيد يقطين، ينهض على مصادرة فكرية تراثية، تعود إلى مقولة الجاحظ الشهيرة بأن المعاني مطروحة في الطريق، لكن ما يميز الكاتب هو أسلوب معالجته لهذه المعاني. "لذلك فإن هذه المقولة تنهض فلسفيا على مركزية الذات المفكرة والذات الكاتبة عند أعظم تأثر عربـي قديم. ولا تفصل المعنى عن أشكال تلقيه فحسب، ولكنها تقدم هذه الأشكال عليه، وتعتبرها السبيل العقلي إليه. لأن الشواهد عند المعتزلة هي الدليل العقلي الصلب على المعاني، وليس العكس. ولذلك فإن أي استشهاد بمقولة الجاحظ لا يدرك ظهارها الفلسفي يقع في مجموعة من المزالق التي تسيء فهم المقولة ذاتها، وتعتبرها مقولة تفصل الشكل عن المعنى، كما أن ظاهر هذه المقولة، الذي يقصده الاستشهاد يغفل، عادة، بحثا مهما من مباحث النقد الأدبـي الحديث، وهو مبحث محتوى الشكل. فالشكل ليس شكلا عاريا عن المعنى والدلالة، تصب فيه المعاني والمضامين، كما شاع لأمد طويل، ولكنه معنى ومحتوى له دلالاته الفلسفية والفكرية والأدبية، وهي أهم بكثير مما اعتدنا دعوته بالمعنى أو المضمون.[9]"
وعلى خلاف السياق المعرفي الفرنسي، الذي تميزت فيه السرديات بنـزوعها التنظيري المفرط، سيكون النقد الأنجلوساكسوني في بريطانيا وأمريكا أقل ميلا إلى التنظير، لأنه لم يهتم بشكلنة مقولاته على غرار السرديات البنيوية، أو ببناء نحو للسرد، حيث اهتم بالدرجة الأولى بمسألة وجهة النظر point of vieux. وكانت محاولة وايث في كتابه بلاغة الرواية رائدة في هذا المجال، ذلك أنها مثلت نموذجا لما يمكن تسميته المقاربة الإمبيريقية[10]empiricism الأنجلو أمريكية، التي قامت على فحص شامل لمتن واسع من النصوص التخييلية. وانطلاقا من هذا الفحص النقدي لأعمال روائية مفردة سيوضح وايث سلسلة من الأنواع المختلفة للسرد، بالتركيز على مفهوم "وجهة النظر".
في مقابل المنهج الاستنباطي في السرديات البنيوية الفرنسية، سيعتمد وايث المنهج الاستقرائي، الذي يعنى أساسا بدراسة وفحص الأعمال السردية المفردة، وليس افتراض نموذج مجرد، لا تمثل النصوص سوى إنجازا من انجازاته الممكنة.
وعلى النقيض من مفهوم الرؤية السردية وما يتسم به من طبيعة تقنية شكلانية في السرديات البنيوية، لا يقتصر الأمر في مفهوم "وجهة النظر" الأنجلو أمريكي على معرفة من يروي؟ أي وضع السارد، ومن أي جهة يروي؟ أي طبيعة معرفته، بل يتجاوز هذه الوظيفة البنيوية، نحو معرفة تعالقات المنظور وديناميات القوة المرتبطة بوجهة النظر. ذلك أن مفهوم وجهة النظر يتضمن تعالقا جدليا بين من "يروي" narrates و"يرى" seing. بين الراوي والمنظور الذي يرى منه الأحداث. وهذا لا يقتضي فقط التعرف على من يضطلع بالسرد وتحديد طبيعة معرفة السارد، بل يقتضي -إضافة إلى ذلك- التعرف على وجهة نظره حول ما يرويه. وهذا ما يحدد منظورية السرد، أي وظيفته الدلالية والفكرية.
وإذا كان تحديد موقع السارد ونمط رؤيته السردية ضروريا، فإن أهمية الترابطات بين موقع السارد ونمط رؤيته وبين وجهة نظره تظهر أكثر في فهم الامتياز الذي يمنح للشخصيات، والتراتبيات المحتملة للمعرفة وأشكال القوة المعبر عنها من خلال المواقع السردية.[11]"
وهنا يمكن أن نستحضر مفهوم باختين عن الخطاب الروائي[12]، وبالتحديد ما يسميه بالرواية البوليفونية، أي الرواية المتعددة الأصوات، التي تشخص تعدد المواقع وتعدد وجهات النظر، بحيث يكون الخطاب تعدديا وحواريا، لا يسعى إلى فرض وجهة نظر واحدة وموحدة على العالم الروائي.
نحو سرديات ثقافية
تكمن دينامية الإبدالات المعرفية للمشروع البنيوي في مجال الدرس الأدبـي، في تأسيس علم جديد للأدب، أحدث قطيعة مع النماذج التفسيرية، وأفضى إلى إنتاج معرفة نسقية دقيقة بالخطاب السردي على درجة عالية من الوصف الموضوعي. غير أن أهمية هذه التحولات التي حققتها السرديات خاصة في السياق المعرفي الفرنسي، لا ينبغي أن تحجب محدودية هذا النموذج، سواء بالنظر إلى مفارقاته الابستيمولوجية، أي ما يتخلل نسقه من مصادرات ملتبسة، أو بالنظر إلى تعقد مفهوم السرد وتشعب مرجعياته اللسانية والتعبيرية والثقافية، وأيضا بالنظر إلى ما ستعرفه النظرية الأدبية والثقافية من تحولات جذرية في سياق تطورها واستجابتها للتحولات التاريخية والاجتماعية.
هذه الإشكاليات المعرفية المرتبطة بوهم النموذج العلمي، هي في الحقيقة جزء مما عرفته الشعرية تاريخيا من التباسات منطقية ومفارقات ابستيمولوجية، خاصة في نـزعتها العلموية الوضعية، وهو ما كان تودوروف نفسه تنبه إليه، وجعله يعيد النظر في النـزعة الشكلانية للمنهج البنيوي في سياق مراجعة جذرية وشاملة للمشروع البنيوي، بدأت ملامحه الأولى في كتابه "نقد النقد[13]"، حيث اقترح ما أسماه "بالنقد الحواري" نموذجا بديلا للشعرية، وأيضا ما كتبه في المقدمة الانجليزية لكتابه "الشعرية"، حيث قام بمراجعة شاملة لوضعية الدراسات الأدبية خلال الثمانينات، مسجلا التغيرات التي بدأت تطرأ على نظرية الأدب، "إنها تعود بالأساس إلى أن الخصوصية الأدبية ليست من طبيعة لغوية (وبالتالي كونية) وإنما من طبيعة تاريخية وثقافية.[14]"
وفي سياق إعادة قراءة وتفكيك الأسس المركزية للبنيوية، ستظهر نماذج جديدة، تختلف عن الشعرية، مجاوزة لأفقها البنيوي، بحيث أنها لم تعد تقف عند حدود الأدبية، وتكتفي بوصف البنيات اللفظية.
وهو الأمر الذي استلزم مراجعة وإعادة النظر في الخلفيات المعرفية المؤسسة للنظرية السردية. ففي مقابل اتساع طبيعة السرد التعبيرية والثقافية والرمزية، اختزلت السرديات طبيعة السرد في بنيته الشكلانية. ومن جهة أخرى، وبسبب ارتهانها إلى النموذج البنيوي، انتهت السرديات إلى تقليص دينامية النص في المستوى اللغوي، بحيث ستختزل هوية السرد إلى مجرد وحدة لسانية صغرى هي الجملة النحوية، تخضع للوصف اللساني، وبذلك ستضحي بمرجعيات السرد الدلالية والرمزية، التي تستدعي ربط السرد بنماذج أخرى أكثر شمولية، تداولية وثقافية وتأويلية.
هذه الممارسة الاختزالية المحايثة لواقع السرديات، ستدفع بالنظرية الثقافية إلى البحث عن آفاق جديدة تتجاوز المستوى اللساني البنيوي لمفهوم السرد. فما يميز السرد ليس هو كونه صيغة للتلفظ، ولكن بالأساس، طبيعته عبر اللسانية. إنه يمثل خطاب الذات إلى العالم، يقوم بوظيفة الوساطة الرمزية، بمعنى أنه كفعل رمزي يتوسط التجربة الزمانية الإنسانية" فالعالم الذي يفترعه أي عمل سردي هو دائما عالم زماني... إن الزمن يصير زمنا إنسانيا ما دام ينتظم وفقا لانتظام نمط السرد، وأن السرد بدوره، يكون ذا معنى ما دام يصور ملامح التجربة الزمانية[15]".
وكما كشفت الأبحاث المعرفية[16]، لا يمثل السرد مجرد خاصية نصية مكونة للخطاب الأدبـي، بل يمثل الشرط الضروري والحتمي للغة والمعنى والمعرفة، معرفة الذات والعالم. في هذا السياق يتحدث الناقد فريديريك جيمسون عن العمليات المشكلة للسردية، "ويعتبرها الوظيفة المركزية للذهن الإنساني[17]." هذه الطبيعة الكلية للسرد تستدعي تقديم تصور معرفي يدرج السرد ضمن أنساق الثقافة والمتخيل والتاريخ، ويكشف ترابطاته الجدلية ببنيات القوة والرغبة.
باستحضار المرجعية الثقافية، نرى أن السرد أكثر من مجرد مظهر لفظي للخطاب. إنه "تشكيل عالم متخيل، تحاك ضمنه استراتجيات التمثيل، وصور الذات عن ماضيها وكينونتها وتندغم فيه أهواء، وتحيزات، وافتراضات تكتسب طبيعة البديهيات ونـزوعات وتكوينات عقائدية يصوغها الحاضر بتعقيداته بقدر ما يصوغها الماضي بمتجلياته وخفاياه.. كما يصوغها بقوة وفعالية خاصتين، فهم الحاضر للماضي وأنهاج تأويله له[18]".