eKtab
EN ع
صرخة
اقرأ عينة مجانية

صرخة

بقلم مها القصراوي

صفحة 1
إلى ···
 
َمنْ حملته على ظهري ودرتُ به في المنافي
 
أبحث عن زلزال يعيد ذاكرة وطن
 
نهش جسدي وعقلي
 
بات في زوايا أمكنتي وأزمنتي
 
طاردني··· طاردته··· سكنني··· سكنته
 
لمحته يغتسل في ذاكرتي
 
رأيت دموعه تنزلق من عيني
 
ونشيج صوته يحشرجني
 
كلما أمسكته ··· انفلت
 
يلبسني ··· حتى حدود الغياب
 
وجدته يولد من رحمي في لحظة الحضور
 
سجنته في الورق ··· فغرق في جسدي ···
 
عود ثقاب···
 
صرخة تدوي ··· تزلزل الجدار
 
طفل يولد من رحم الشمس··· ينزلق
 
يعانق الحياة بصرخة
 
أربعون عاماً أجرجرها وراء ظهري·· تسحقني المدن والصور ··· وأين انتهى المطاف يا هذا ··· الى هنا ··· الى مدينة تتدثر بضبابها الدبق ··· جئت يا هذا تدفن أيامك ولياليك في ضبابها ··· تبحث عن شيء ما ··· عن صورة لأصل ضائع··· ماذا وجدت؟ ··· لا شيء ···
صفحة 2
البحر سر هذه المدينة ··· فيه الموت والحياة ··· أعشق حزنه وألمه وانكساره ··· أحتضن صمته ··· هو صديقي ··· اليه أشكو ألمي ووحدتي··· أتأمله ··· إنه يشبهني ··· البحار في بلادنا تشبهنا ··· مقيدة بكواسر وحواجز تمنعها من الهيجان ··· أي بحر هذا الذي لا موج فيه ··· لا صعود ولا هبوط ··· بحارنا كسرت وهادنت ··· وهدأ صخبها ···
 
أيها البحر المحاصر بين الكواسر ··· هل حوصرت ··· هل ابتلعوا ماءك، وما عاد لك سوى الركون ··· هل أفقدوك المد والجزر ··· أم أحسبك غير قادر على هذه الظاهرة الكونية ··· لا عليك ··· ابق راكداً ··· كما أنت ···لأنهم أرادوا لك ذلك···
 
أي حزن في سكونك؟ ··· أيها المجنون في صمتك وانكسارك ··· تشبهني ، أشبهك ··· أذوب فيك حد التماهي ··· ماذا حدث ··· أراك تنثر ذكريات وئدت في زاوية ما···
 
يا صديقي الزمن خط باتجاه واحد ··· لن يعود ، وما يبقى إلا ذكريات ···
 
لا ملاذ لي في هذه المدينة إلا أنت ··· جئتك حزيناً ··· غريباً أبحث عن صوري ··· أسمع صوتك ··· موجتك توشوشني ··· تعصرني ألماً وأنا أراها تتكسر على شاطئك ··· تعانقه ، تنفلت مبعثرة ··· إنها أنا ··· هذه الموجة اليتيمة ، ُيتمها يشبه يتمي ··· وحدتها تشبه وحدتي ···
 
سنوات العمر تزحف ··· خيبتي وانكساراتي أحملها في ذاكرتي وأرحل ··· ضاع العمر في المدن وما بقي إلا ذكريات ضبابية ··· في هذه المدينة القابعة في ضبابها وصمتها ، لا ملجأ لي سوى البحر والشوارع ·
 
نظرت في ساعتي ··· عقربها يقفز مسرعاً ··· الزمن يجر خطواته سريعاً ··· لماذا تقفز عقارب الساعة ··· الأرض تركض في هذه النقطة ··· ربما ··· تخاف من الشمس ··· فتلهث هذه المدينة باحثة عن ليلها ··· تختبئ خائفة مرعوبة ··· الزمن لا قيمة له ··· كل شيء يفقد قيمته ···
 
الأشياء ··· الإنسان ··· الزمن ···
 
وما بقي إلا الساعة تركض عقاربها تستعجل الأيام والليالي ··· آه من هذا الزمن اللعين ··· فقدت كل شيء وانتهى بك المطاف في مدينة تلمح عروبتها ··· احترقت تلك المدن لتكبر مدن خارج حدود الزمان والتاريخ ···
 
اتخذت أحد المقاهي ملاذاً لي من الحر الشديد ··· اختبأت في إحدى الزوايا··· شعرت بلسعة برد وقشعريرة تسري في جسدي ··· الساعة مرة أخرى تقفز ··· إن شيئاً ما يحدث لهذه الساعة اللعينة ··· لماذا تهرب عقاربها ؟··· كأنما هي ملاحقة ··· العقارب تجري في سبق إلى الأمام والذاكرة تلهث إلى الوراء ··· لماذا يطل الماضي برأسه دائماً ··· فقر حاضري وتعاسته ، جعل للماضي سطوة عليه ··· والمستقبل مهزلة لا يجب التفكير فيه ··· أنا مرهون للحظة الحاضرة ·· · تسيّرني كيفما تريد ··· وأينما تريد ··· لم يعد للمستقبل مكان في حساباتي ومخيلتي ··· وأحلام اليقظة كلها أصبحت أحلاماً ماضوية·
صفحة 3
هناك في تلك المدينة التي تشبه هذه المدينة ··· حيث البدء وصور تلعق ذاكرتي ··· تنهشها ··· والمرض يلعق جسده ويحوله إلى جثة··· هذا ما جناه أبي علي وما جنيت على أحد ··· جئت يا أبي تبحث عن لقمة خبز ··· هارباً منفياً ··· مرعوباً ··· هدم البيت واحترق الشجر ··· وبقيت أنت وحيداً تبحث عن ملاذ ··· أين المفر ··· في تلك المدينة وجدت ضالتك ··· جمعت المال والمرض والموت ··· هكذا أنت هربت من فقرك إلى حتفك ·
 
كنت طفلاً صغيراً ··· ما زلت أذكر جسدك المريض وأنينك ··· آهاتك تمزق عتم الليل ··· تتألم ··· تئن ··· تسأل ··· هل سأشفى ؟ هل سنعود ··· كنت تدرك أنها النهاية ··· ولكنك كنت دائماً تبحث عن سؤال لجواب ··· هكذا أنت ··· تآكل جسدك بمرض خبيث ··· وأنت ما زلت تنتظر ··· في لحظة ظننت أن المنفى سينتهي وتعود ··· ولكن كان الموت أقوى ···
 
ذهبت وبقينا ··· أنا وأمي وأختي ننتظر هناك في البعيد ··· حيث الصحراء والغربة والمنفى ··· تتكوم الأيام والليالي كثباناً رملية ··· تذروها الرياح ··· ثم تعود مرة أخرى ··· هذه حياة المنفى ··· مضى العمر ونحن نكوّم الأيام والليالي ··· نعد سنوات وتعدنا الأيام ···
 
في زاوية هناك ··· أسندت ظهري الصغير إلى الجدار ··· وقبعت أنظر إلى جسده المسجى على سريره ··· كان في الثلاثين من عمره ··· الموت وجده صيداً ثميناً ··· أخذه ورحل ··· وبقيت أقبع في زاوية الأيام أحمل صورته في ذاكرتي ··· تكبر الصورة ··· تلعقني ··· تنهش ذاتي ··· دمعة ُيتم علقت بين جفني طفل حائر ما زال يحمل في ذاكرته ألماً ومرارة ··· ذلك اليوم ··· يوم حاضر في سنوات العمر ··· وما غاب ··· أبلع ريقي وأشعر بجفاف الحلق ··· ما أكثر ما بلعت ··· وما أكثر غصات العمر ·
 
صحوت على صوت الجرسون يسألني عن شيء أشربه ··· طلبت قهوة ··· دمعة طفرت··· مسحتها بسرعة قبل أن يراها أحد··· الساعة مرة أخرى··· دائما الساعة ··· يؤرقني الزمن والساعات ··· الوجوه من حولي غريبة ··· متعددة الأشكال والألوان ··· لغات مختلفة ··· أشكال متعددة من العيون ··· إنها النهاية في مدينة غريبة الملامح والسمات ··· ولكن الفتى العربي فيها ··· غريب الوجه واليد واللسان ··· ليرحم الله المتنبي ··· كان يدرك أننا سنقول نحن العرب في زمن ما قولته ، ولكن الفتى العربي فيها ···
 
سمعت صوت هشام يناديني ··· لقد أنقذني من كآبتي وتعاستي ··· نزل من السماء ··· نظر إلي مستغرباً ··· متسائلاً ··· ماذا حدث لك ··· لقد كبرت سنوات في هذه الشهور القليلة ··· حزن وكآبه ··· ماذا حدث لك···
 
في لحظة ··· شعرت أن الدمعة متحجرة في مآقيها ··· عصية ··· تخنقني ··· ليتها تهرب ··· تنزلق ··· هذا زمان النواح وبكاء الرجال ··· في شوارع إحدى المدن العربية ··· في زمن ولّى ··· كنت أتجول في ليلة شتوية ماطرة في سيارتي ··· وإذ بصبي في التاسعة من عمره يطرق زجاج النافذة ، ويسألني أن أشتري ما معه ···
 
كان يبكي ··· محتقن الوجه
 
قلت له : التاجر لا يبكي ···
 
قال: عليّ أن أبيع ما معي حتى أستطيع العودة إلى البيت ···
 
عرضتُ عليه مالاً مقابل أن يحتفظ ببضاعته الصغيرة ··· رفض· وقال : إذا أردت أن أقبل المال ، تأخذ البضاعة ···
 
قلت له : ولماذا تبكي ··· الرجال لا تبكي!
صفحة 4
حدق فيّ نظرة غريبة ··· اخترقت جسدي ··· وقال : أنت لا تعرف شيئاً ··· الرجال تبكي حين تكون مقهورة ··· أخذت البضاعة وأخذ المال وانصرف ···
 
الرجال تبكي حين تكون مقهورة ··· هذا زمن بكاء رجالات العرب في السر والعلانية ··· في زمن ليس ببعيد كان من العار أن يبكي الرجال ··· وأصبح الآن من العار أن لا يبكي الرجال دمعاً بل دماً وعلى شاشات التلفاز ··· أمام الحاضرين ·
 
قلت لهشام : إن زلزالاً داخلياً يهز أعماقي ··· يزلزل كياني··· وجودي ··· لم أعد احتمل انهياري الداخلي ··· أحاول منذ أن وصلت هذه المدينة منذ ما يقارب السنة ، التعايش ··· التوحد ··· الامتزاج ··· لكن هيهات ··· كلما اقتربت من هذه المدينة ··· نفرتْ مني وهربت لغيري ·
 
هذه المدن يا صديقي ليست لنا ··· هي لغيرنا ··· المدن تحزن وتخاصم ··· مدننا حزينة تسيطر عليها الكآبة والألم ··· تهرب من النهار لتختفي في حضن الليل ··· أصبح يومها ليلاً وظلاماً وعتمة ···
 
قال هشام : أنت يا صديقي لست واقعياً ··· ما زلت تعيش في أوهام الماضي ، تحلم بشعارات ومبادئ لم يعد لها وجود · عليك أن تكون واقعياً في حياتك ··· ضاع كل شيء، فقدنا الاتجاهات ··· أصبحت لا تسمع سوى جملة واحدة ··· تحترق البلد على مَنْ فيها ··· وأنا مالي ···
 
هذه هي الذات العربية ··· يا أخي أرجوك أن تستيقظ ··· انظر إلى حالك إلى الآن لم تتزوج ··· ما زلت تحلم بأحلام الماضي ··· الوطن والأرض ··· وما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة ···
 
ضحك هشام ساخرا ··· أسمع صوته يأتي من بعيد ··· العرب شعوب مدجنة ··· أكثر من خمسين عاماً وهم يتوارثون حب الذات ··· يورثونها ··· تحولت ذاتيتهم إلى دودة تورّث ···
 
يا صديقي نحن في عصر المفارقات ··· كل شيء يستباح ··· الأرض ··· الوطن ··· الكرامة ··· المفاهيم ··· لم يبق لنا ما نملكه ··· نعيش في العراء ، وما زلت تقول لي غير قادر على التعايش · عليك أن تتعايش مع واقعك الجديد ، وظيفتك الجديدة ··· الكثير يتمنى أن يكون مكانك ··· ويأخذ الأجر الذي تأخذه ··· أرجوك أن تهدأ ··· أن تنظر قليلاً إلى نفسك ··· ما عاد هناك ما يستحق أن نبكي عليه وقد أصبحنا عراة تتقاذفنا الرياح ···
 
قلت له: أتحسدني على وظيفتي؟ ··· مدقق لغوي في مجلة نسائية ··· لا تكتب إلا ما هو تافه ··· وكذب ··· تريدني أن أهدأ وأستكين ··· من أين يأتي الهدوء ··· أتعلم ··· ولدت في المنفى ··· عشت حياتي مسافراً من منفى إلى منفى ··· أبحث عن وطن في ذاكرة الآخرين ··· لأنني لم أره ··· أنسج صورة لتفاصيل أرض عشناها عبر قصص الآباء والأجداد ··· كنت أحلم دوماً بيوم سيأتي ونعود ··· أحلم بوطن يعود في صحوة زمن ··· ولكن ··· هيهات أن يأتي هذا اليوم ···
 
نحن أمة فاقدة ··· أشعر بالمرارة والألم ··· مرارة العلقم في فمي وفي ذاكرتي ··· نقف على حافة الهاوية ··· لم يبق للسقوط سوى شعرة ··· هل ستنقطع ··· ونسقط في الهاوية؟
 
رد هشام : هل تعلم ؟ ··· أنت ما زلت تعيش في وهم ··· عليك أن تدرك أن من نحاربهم يعيشون في مخادعنا منذ زمن بعيد ··· وما وصلنا إلى هذه الحالة إلا لأنهم يعشعشون في مدننا ··· هل تعلم أن الكثير من الخبراء الأمريكيين هم من اليهود المتشددين ··· يعيشون في بلادنا ··· يسيطرون على التعليم والشركات والكثير من المؤسسات ، وتقول لي شعرة ··· هذه الشعرة مقطوعة ونحن نغرق في الهاوية ··· ربما تكون هاوية لا قرار لها ···
 
غرقنا في صمت حزين ··· رشفنا قهوتنا ··· قاسية اللحظات التي أجلس فيها مع هشام ··· نغرق في همومنا وأحلامنا ··· هموم الحاضر وأحلام ماض لم يعد له وجود ··· الأيام التي تذهب تظل هي الأجمل في حياتنا ··· نستبشر كل عام بسنة جديدة ··· ثم نكتشف جمال ما فات في مستنقع اللحظة الحاضرة ··· التغيير في كل شيء ··· حتى هشام ، صديق الماضي تغير ··· أين أحلامنا وآمالنا بوطن نبنيه بعد تحرره ··· أين العروبة والقومية؟···
 
في الماضي كنا نشعر بغربة في المنافي ··· الآن غربة واغتراب ··· ألم ومرارة ··· يطلب مني أن أكون واقعياً ··· ما معنى الواقعية ··· أن أتعايش مع لحظة الحاضر كما هي ··· لقد تغير هشام ··· هل الزواج والعمل يغيران مبادئ الإنسان ··· رغيف الخبز وتأمين المستقبل جعلاه ينسى أحلام الماضي والآمال التي عشنا نؤمن بها ·· لم يبق إلا الذكريات ··· يا للسخرية ··· نحن أمة لا تملك سوى ذكريات وطن وأرض وأحلام وآمال ··· ينتهي الماضي بمستجدات اللحظة الحاضرة ···
 
فجأة سألته : هل أنت راض عن حياتك هنا ؟
صفحة 5
لقد استهجن السؤال ، وفاجأتني إجابته : لماذا لا أكون راضياً؟··· ماذا نفعل ؟ ··· أين نذهب ؟··· أريد أن تعطيني جواباً ··· من مدينة إلى مدينة نرحل ··· ظروف حياتنا تكاد تكون متشابهة ··· أنت ولدت في المنفى ··· وأنا كذلك ··· كلٌ منا له مسقط رأسه ··· هذه رابع مدينة نعيش فيها ثم نرحل ··· سواء كان الرحيل اختيارياً أم قسرياً ··· نحمل ذكرياتنا وهمومنا وأحلامنا وآمالنا وأشياءنا··· في كل مدينة نترك أشياء عزيزة علينا ··· لا نستطيع أن نحملها ··· نغادرها وتغادرنا ··· ثم تسألني إن كنت راضياً ··· يا صديقي ··· ليس المهم ما يرضيني ··· ولكن واقع الحال ··· أحاول بعد أن تزوجت وجنيت على غيري حين أنجبت أطفالاً أن أوفر لهم الاستقرار ··· ولكن هل تعتقد أنني قادر على تحقيق الأمان لهم ··· لا أدري ··· أحاول أن أكون راضياً ··· أتعايش ··· والعمر يمضي ··· الحياة لن تتوقف ··· هل تريد نصيحتي ··· تزوج ··· كي تتعايش وتحقق الاستقرار في حياتك ···
 
لقد أضحكتني نصيحته ··· يريدني أن أتزوج ··· في حالتي، الزواج جريمة قتل أرتكبها بحق نفسي وحق الآخرين ··· الرجل في عالمنا العربي عليه أن يخصي نفسه والمرأة تستأصل رحمها ··· ربما نقتل دودة نتوارثها ··· لعله يأتي زمن يُخرّج جيلا بكراً من رحم الأرض ··· يتطهر من هذه الدودة ···
 
حين أسمع كلمة الزواج ··· تقفز إلى ذاكرتي ··· لم تكن يوماً بعيدة ··· هي الماضي في دمي وجسدي ··· أرى وجهها في كل وجوه النساء ··· لا يمكن لي أن أنسى أو أتعايش مع امرأة جديدة ··· مهما كانت الظروف ··· الفرس ، هكذا كان يطلقون عليها طلاب الجامعة ···
 
أتأملها من بعيد ··· جسدها الطويل الممشوق ··· شعرها الكستنائي الخيلي ··· ذيل فرس ··· خطوتها ··· خطوة الفرس ··· جامحة ··· تجتاح المكان في حضورها ···لا تحدث أحداً ··· تستعلي وتستكبر ··· لم يستطع أحد أن يروّض عنفوانها وجموحها ··· كنت أنظر إليها من بعيد ··· أينما تذهب أسير في خطاها ··· أرقبها ··· أجد نفسي مندفعاً إليها ··· إنها القدر الذي لا مفر منه ··· سمّاها الناس الفرس ··· وسميتها ليلى ·
 
شاءت الصدفة أن أجلس وإياها على طاولة في كافيتريا الجامعة ··· تركت حقيبتها وكتبها وذهبت تأتي بطعامها ، وجئت صدفة وجلست على الطاولة ذاتها ، لم أكن أدرك أني على موعد مع القدر ··· حدقت فيها عن قرب ··· إنها الأجمل ألف مرة من صورة رسمتها عن بعد ··· لم أر في حياتي لوناً يشبه لون عينيها ··· اللون الرمادي الأزرق ··· لون البحر ··· عيناك ألوان الطيف ··· لون البحر ولون الشجر ··· للمرة الأولى أرى العيون تتلون ··· نسيت نفسي أنني أمامها ··· نسيت الناس من حولي ··· لم أملك أمام سطوة عينيها وحضورها إلا الاستسلام والتأمل ···
 
شعرت بنظرتي والوله الذي تملكني ··· رأيتها تحول نظرتها باتجاهي ··· وتصوب إشعاعها نحوي ··· في تلك اللحظة اجتاح الصداع رأسي وجسدي ··· ماذا فعلت بي هذه المرأة ··· من أين جاءت؟ ···
 
انتهت من طعامها وحملت كتبها وحقيبتها وخرجت ··· تركتني ضائعاً ··· تائهاً كأنني بركان قد انفجر في مكانه ··· لم أكن قادراً على الحركة ··· تركتها تنسحب من أمامي ··· وهجها مازال يسيطر علي ··· بحثت عنها ، لم أجدها··· أين ذهبت ··· هل كان حلماً ؟ هل تخيلت حضورها ؟··· ماذا حدث ؟··· لم أتناول طعامي ··· حملت كتبي وخرجت كالمجنون ··· أمشي في شوارع الجامعة ··· أبحث عنها ··· ربما أراها لو من بعيد ··· اختفت فجأة ···
 
في اليوم التالي في المكان ذاته في الكافتيريا ··· رأيتها مرة ثانية ··· حين تدخل المكان ، تجتاحه بكبريائها وعنفوانها ··· تختال بذيل الفرس ··· جلست أمامي··· صوبت وهج عينيها باتجاهي ··· فقدت قدرتي على الحركة والتركيز ··· تبعثرت كورق الشجر حين يتطاير مع هبة الريح ··· بعد لحظـات ، حاولت استجماع نفسي وقدرتي للحديث ··· لكنني فشلت ، وبدأت هي تحدثني ···
 
أنا شهد، طالبة في كلية الاعلام في السنة الثالثة ، أقيم في سكن الطالبات··· ثم سألتني عن اسمي ، وأنا كالأبله ··· لم أستطع قول شيء ···
 
ثم نطقت : أنت الشهد والفرس وليلى ···
 
ضحكت وأعادت سؤالها عن اسمي ··· لقد نسيت اسمي في حضورها··· لم أعد أذكر شيئاً سوى أنها أمامي ··· اللحظة الحاضرة ··· فقدت الذاكرة والماضي ··· لم يعد أمامي سوى امتلاك اللحظة الراهنة ··· أخاف أن تهرب مرة أخرى ·
 
الصمت سيد اللحظة واللقاء ··· وكان لقاء العيون احتراقاً واشتعالاً ··· لم أكن أطيل النظر في عينيها فترة طويلة · خرجنا نمشي في شوارع الجامعة ···
 
قلت لها : إنني في السنة النهائـية في كلـية الآداب ··· قلت لها إنني أسميها الفرس وليلى ··· سألتها عن أهلها·
 
قالت لي : إنها من هناك ··· من الوطن الذي لم أره· هي الشهد والفرس وليلى وجبل النار ··· الآن عرفت سر هذه المرأة ··· من أين تستمد عنفوانها وشموخها ؟··· من مسقط رأسها ، من مدينة التاريخ ··· جبل النار والثوار··· تخطو كالفرس ، لأنها خطت على تلك الأرض ، فورثت الجموح في خطواتها ···
صفحة 6
حين أنتظر طلتها في الكافتيريا ··· أكون على موعد مع وطن أراه في عينيها وكلماتها وحديثها ··· شعرها ذيل الفرس ··· عشت الوطن والأرض في خطوتها وأحلامها ··· حدثتني عن مدينتها ··· جبل النار ··· رائحة القهوة والهيل والبهارات ··· السوق القديم ··· آثارها الممتدة عبر التاريخ ··· منازلها القديمة ··· السفوح وزهور الربيع ··· أجمل المدن في الربيع ···
 
في مرة سألتها ··· لماذا تركتها وأنت مسكونة بها الى هذا الحد؟ ···
 
قالت : إنها رغبة والدها في الخروج والدراسة في الخارج للخبرة والمعرفة ···
 
كنت أتجنب النظر في عينيها ··· أشعر بالخوف يزلزل أحشائي ··· ونشوة تبعث الخدر في أطرافي ··· إنها ليلى ··· كنت أخاف اللحظة التي أفكر فيها إذا فقدتها ··· إنها الحياة والوطن ··· وجدته فيها ··· هل سأفقده للمرة الثانية؟ ···
 
في يوم لمست شعرها الخيلي بيدي ··· قلت لها : لماذا لا تتركين هذا الشلال ينسدل ويجري؟ ···
 
ردت ضاحكة : وإذا انسدل هل تسميني الفرس؟···
 
لازمتها في الجامعة كظلها ··· لازمتني كظلي ··· حلمنا بالوطن ··· وبأطفال نزرع جذورهم في الأرض ···
 
قلت لها : أريد أن يكون لهم تاريخ وجذور وماض وذكريات ··· أنا من جيل يشبه راقصة على السلم· لم نبق تحت ولا وصلنا الى الأعلى ··· وظل السلم أرجوحتنا ··· يطوح فينا يمينـاً وشمالاً···
 
سألتني شهد عن طفولتي والماضي ··· ضحكت وقلت لها : ولدت في المنفى ··· لم أر في طفولتي سوى الشوارع والبنايات ··· لم أر شجراً وزهراً وجبلاً ··· كل ما رأيته كان رملاً وصحراء ··· لم أر شجرة ثمار في طفولتي ··· إنه المنفى ··· تجرعته وشربت غربته حتى الثمالة ··· وأنا في رحم أمي ··· وجاء اليتم ··· عشت حالة فقْد طويلة ··· فقْد من المهد ··· فهل سيظل يلازمني الى اللحد···
 
أيتها الشهد ··· أنت جسري ··· بوابة العبور الى وطني ··· علقيني شعرة في ذيل الفرس··· ضاع الشهد ، وفقدت الجسر والبوابة ··· غابت مدينتي وشجرها وزهرها وسوقها ومبانيها القديمة وقهوتها وسفوحها وسهولها وربيعها ··· بقيت وحيداً في خريف كئيب ··· أتجرع الماضي والذكريات ··· لم يبق من حلمي إلا ذكريات أجترها ··· تحول الشهد إلى علقم ··· أمضغه··· أبتلعه··· حتى انتفخت الذاكرة ···
 
تخرجت من الجامعة ، وكانت شهد تنهي السنة النهائية··· لم يمهلني القدر ولم تمهلني الزنزانة ··· اعتقلت ··· سجنت أربع سنوات ··· ضاعت شهد واختفت ··· تحطم الجسر··· لم يولد أطفالي ···
 
َمنْ غرس أرضك أيتها الشهد الجميلة النائمة في حضن الليل ··· ارخي شعرك على سفح الجبل ··· لم يعد الفرس حاضراً···
 
أناجيك في عتم الليل ··· ضاع الحلم ··· بقيت مكوّماً في زاوية الزنزانة ··· أتامل ظلالها في الفراغ ··· تبعثر الجسر ··· ماتت أمي بعد اعتقالي ··· كنت أملها وحلمها الوحيد بعد أن ضحت بأجمل سنوات العمر من أجلي ومن أجل أختي ··· عاشت من أجلنا وماتت بسببي ··· كنت سبباً في موتها ··· من كان سبباً في موت الأرض··· ضاع الوطن··· والجذور··· والشهد ··· والجسر ··· وبوابة العبور··· وأمي ··· والنفق طويل مظلم لا شمعة تنيره ··· لا عاصفة تسقط أرجوحة السلم ·
 
هـل تعلمين يا شهد أي ذنب ارتكبـته حيـن اعتقـلت··· ذنبي أنني آمنـت بحق العـودة إلى أرضي ··· قلت إنني منبت لا جذور لي ··· عقدي النفسية تراكمت في المنفى ··· لقد حان وقت العودة ··· هذه جريمـة استحق عليـها الإعدام ··· لا حق لي بالقول أو الفعل ··· يجب أن أدجّن في أي مجتمع وجدت فيه ··· شئت أم أبيت ··· عليك أن تخضع ··· تستكين ··· وإلا تصبح مارقاً ··· زنديقاً ··· تعيث في الأرض فساداً ·
 
خرجت من المقهى ··· شوارع يتيه فيها المرء ··· وهج الشمس والحرارة تلسع رأسي··· أمشي مهرولاً ··· هارباً ··· أبحث عن ظل ··· أبراج تطاول في ارتفاعها السماء···
 
غربة في الوجوه ··· أشكال مختلفة لكل شيء ··· وصلت إلى البناية التي أسكن فيها ··· دائماً أشعر بقشعريرة تسري من قمة رأسي الى أخمص قدمي ، وأنا انتقل من حالة الى حالة دون سابق إنذار ··· لا حلول وسطاً في هذه المدينة ··· الحر والبرد في آن ···
 
انتظرت قليلاً ··· جاء المصعد ··· صعدت مع امرأة أراها كثيراً وبصور شتى ··· النساء تتلون ··· تتشكل مع معطيات اللحظة الراهنة··· أراها الآن امرأة ··· عينيها موت وجنون ··· غربة واحتراق ··· امرأة تخترق نظرتها من في محيطها··· في كل مرة نلتقي صدفة··· تخترقني··· أهرب من عينيها·· أخاف ··· ترتعد أحشائي وأطرافي ··· احتمي في زاوية المصعد ···
 
قالوا لي: إن النساء في هذه المدينة شر مرعب··· ابتعد عنه ··· اللحم تجده في الطرقات ····
صفحة 7
وصلت الطابق السادس حيث شقتي ··· أما هي، فقد بقيت تنتظر وصولها حيث الطابق التاسع ··· خرجت مسرعاً··· فتحت الباب ··· لم أنظر خلفي··· دخلت شقتي الصغيرة ··· برغم تواضع أثاثها ، أجد فيها الهدوء والسكينة ··· أهرب إليها من عبث الخارج والداخل ··· رغم شعوري الدائم بالجوع ، أفقد شهيتي ولا أتناول الطعام إلا كي استمر في الحياة··· الطعام مؤجل عندي··· حاجتي الى النوم والاسترخاء دفعتني الى السرير ··· لعل النوم هو أفضل الحالات التي نعيشها بحثاً عن الموت المؤقت ··· ضغطت زر التلفاز ··· جاءت الصورة دون صوت ··· إنه يؤنسني ··· حالة هذيان··· أسمع صوت القرآن ··· الشاشة سوداء ··· المذيع ينعي المدينة ··· الجياد تتسابق ··· الرجال تراهن ··· آخرون يلعبون الورق ··· النار تأكل المرج الأخضر ··· الناس وأنا معهم نفرّ ··· الجبال معلقة بين السماء والأرض ··· العاصفة تسحق ··· أنا مكوّم بين صخرتين ··· أصرخ استجدي ··· صوتي مثل صوت التلفاز غائب ··· يلهث ··· الصورة حاضرة والصوت غائب··· كنت أسبح في بحر من الماء والخدر والهذيان ··· نظرت الى الساعة ··· الساعة ملعونة في هذه المدينة ··· تسرق أيامنا وأعمارنا ··· لا أحد يحاسبها ، ولا نجد أمامنا سوى الذل على عتبات عقاربها··· نجاريها في سرقتها···الصورة حاضرة·· قرأت خبراً عاجلاً على شاشة التلفاز وزارة الدفاع الامريكية ترسل جنودها الى الخليج ··· واسرائيل تستدعي الاحتياط ···
 
أي مفارقة تلك التي نعيشها في هذا المستنقع الآسن من الهزيمة والإحباط ، ونتساءل ··· لماذا يرخص الدم الأمريكي في سبيل مصلحة دولتهم وعلمهم في حين أن دماءهم أغلى الدماء مقابل رخص الدم العربي حين يسفك في الشوارع والزنازين ، ويرتفع ثمن الدم العربي إذا وجب التحرك من أجل مصلحة قومية وأمنية ··· ويتحرك الدم العربي للحفاظ على كرسي العرش والنظام ··· لمن ينتمي العربي ولماذا ينهار ويهزم في ظل أي هزة؟ ··· خمسون عاماً أو مايزيد والأنظمة العربية تبني دولاً كرتونية من ورق ··· وتحول الإنسان العربي الى دمية متحركة ··· يأكل ··· يشرب ··· ينام ·· يستجدي لقمة العيش ··· الرغيف طير له جناحان ··· هو يطير ونحن نطير وراءه ··· نستجدي اللقمة على أبواب الدول··· فقدنا كل شيء ··· نصف قرن كان يكفي لتدمير الذات العربية وقتلها···
 
ساد الصمت ··· هل يولد المسيح من رحم القتل والتدمير··· هل نفلت من عباءة العم سام ، وننسج عباءتنا ··· المرأة تحبل في رحمها بطفل ···
 
والرجل يحبل في ذاكرته بالكلمات ··· يأتي المخاض في اللازمن··· فتولد الكلمات مشوهة ··· عارية ···
 
شعرت بحالة اختناق وغثيان ··· قررت الخروج من هـذا المكـان الذي أحسبه أحياناً جحـراً يخنقني··· يقضم أيامي··· تركت التلفاز مفتوحاً ··· خرجت أجوب الشوارع ··· تائهاً في المنافي ··· من مدينة الى مدينة ··· ومن شارع الى شارع ··· فقدت شهداً وبوابة العبور··· والأرض ··· والجذور ··· وأطفالي ··· والحلم ···
 
لم يبق لي سوى أضغاث أحلام وذكريات ··· هذه النهاية ، سقطتُ في دوامة الماضي واللحظة الحاضرة ··· أتجول ضائعاً ··· أدخل من شارع الى شارع ··· أتأمل في هذه المدينة ···
 
تلك مدن تسرق زمنك ··· تأكل لحمك وترميك عظما ··· تملكتني الدهشة وأنا أرى عمالاً ينامون على أرض مزروعة بالحشيش ··· كل هذا الثراء والإنسان مهان كالحشرة ··· يرمي جثته المنهكة على قارعة الطريق ··· نحن في زمن المفارقات··· لا يمكن فهم الأشياء لأنها لا منطقية ··· لا تخضع للتفسير ···
 
في كل مدينة عربية ··· ترى صور القائد وتماثيله··· لقد تحوّلنا إلى عبدة أوثان ··· ضاعت الأوطان بين عبادة الصورة والتمثال ··· لماذا لا نعلق صور من نحب وننحت لهم التماثيل؟ ··· لو تساءلـت هذه الأصنام ، لأدركت أنهـا أصنـام حقيقية ··· لا تمثل سوى أوهام ··· تحولت أوطاننا الى أملاك خاصة يورثها السلطان لأبنائه ··· وشعوبنا بين المطرقة والسنديان ···
 
قررت الذهاب الى نجوى أختي وأمي ··· أشعر بالحنين إليها دائماً ··· كانت أمي بعد وفاة أمنا ··· وما يمنعني عن زيارتها ، زوجها كمال ··· رجل يرى الأشياء من منظور فوقي واستعلائي ··· لا يحب الناس ··· لا يحب نفسه ··· تخرج من جامعة أمريكية ··· يعتقد أن ما حققه في حياته يدفعه إلى رؤية الناس من حوله رعاعاً ···