eKtab
EN ع
سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه ايران 1941-1947
اقرأ عينة مجانية

سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه ايران 1941-1947

بقلم د. عبد المجيد عبد الحميد علي العاني

صفحة 1

شكر وتقدير

بكل مشاعر التقدير والعرفان يسعدني أن أتقدم بوافر شكري وعظيم إكباري للأستاذ الفاضل الدكتور المرحوم صالح محمد العابد ، رحمه الله بواسع رحمته واسكنه فسيح جناته ، لما غمرني به من فضل سابغ ورعاية موفورة بمراجعته صفحات هذا الكتاب ، ولما قدمه من سديد التوجيهات العلمية ، وما أفاض به من علمه ورأيه مما ترك آثاراً واضحة في غير موضع من فصول الكتاب .

واذكر ببالغ الامتنان ما أسداه إلي وإلى البحث جلة الأساتذة الذين كانوا موضع الرأي والمشورة ، وهم كل من الأستاذ الدكتور كمال مظهر احمد ، الذي كان له فضل التوجيه في اختيار الموضوع ورعاية صاحبه بالكلم الطيب وبالرأي المستنير ، والأستاذ الدكتور إبراهيم العبيدي الذي شملني برعايته الكريمة وأسبغ عليّ فضلاً لا ينسى . والأستاذ الدكتور خليل علي مراد الذي لم يبخل علي بوقته الثمين بما تفضل به من رعاية علمية بارة ذللت الكثير مما اعتور البحث من مصاعب وعقبات . والدكتور عبد الجبار قادر غفور على ما بذله من جهد وما أبداه من عون في مراجعة بعض فصول هذا الكتاب ، ولما أبداه من ملاحظات قيمة أغنت هذه الدراسة ، كما يسرني أن أسجل وافر تقديري وامتناني للأستاذ صالح مهدي حميد ، والأستاذ رافع يحيى حسين اللذان اضطلعا بمهمة ترجمة عدد من المصادر والمراجع الأجنبية التي اعتمد عليها هذا الكتاب . وللأخ المرحوم الدكتور خليل رشيد فالح الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة الموصل شكري الخاص على ما نهض به من مهمة المراجعة اللغوية وتقييم فصولها لغة وأسلوبا ، داعيا العلي القدير أن يرحمه برحمته ويدخله جنات النعيم.

ويسرني أن اذكر باعتزاز كبير ما خصني به الأخ الدكتور طاهر خلف البكاء من رعاية أخوية طيبة بما هيأ لي من مصادر هذا الكتاب من مكتبته الخاصة . وأخيرا يدفعني الإنصاف أن اعبر عن وافر تقديري وعرفاني لكل من أسهم بجهد وأفاد من معرفة ، وقوم من خطأ ، ونبه إلى خلل ، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه والحمد لله أولا وآخراً .

صفحة 2

المختصرات المستعملة في الكتاب

Fo. Foreign Office

FR. Foreign Relation of the United States, Diplomatic Papers .

US.and Iran The United States and Iran Adocumentary History.

د. ك. و دار الكتب والوثائق

صفحة 3

المقدمة

حظيت إيران منذ سنوات الحرب العالمية الثانية باهتمام أمريكي متزايد على نحو مستمر، بلغ إلى حد إقامة علاقات متينة في السبعينات ، وكان احد أسس هذه العلاقة سياسة " تقوية إيران " التي انتهجتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة لتجعلها قادرة على القيام بدور الحليف القوي لها ، لأنها تمثل من وجهة النظر الأمريكية إحدى الدعامات المهمة لإستراتيجيتها في الخليج العربي .

إن هذه الدراسة تهدف إلى تتبع وتحليل السياسة الأمريكية تجاه إيران إبان الحقبة الواقعة بين سنتي 1941 و 1947 وهي الفترة التي شهدت بداية عملية صياغة سياسة أمريكية واضحة المعالم تجاه إيران ، ابتعدت فيها الولايات المتحدة عن " العزلة " في سياستها الخارجية ، وسعت إلى تعزيز نفوذها من خلال التدخل المباشر في شؤون إيران السياسية ، ولا شك في أن فهم السياسة الأمريكية في إيران عامة ، يبقى فهما قاصراًَ من غير دراسة هذه السياسة وإدراك مراميها خلال تلك الفترة ، وهذا المنطلق كان في مقدمة البواعث التي دفعتنا إلى اختيار هذا الموضوع للدراسة .

إن سنة 1941 تمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخ إيران المعاصر كان فاتحتها اجتياح القوات البريطانية والسوفيتية الأراضي الإيرانية ، وسقوط حكم رضا شاه بهلوي . كما شهدت السنة ذاتها ، دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب إلى جانب الحلفاء ، وما ترتب على ذلك من تغيير في سياستها تجاه إيران التي أصبحت طريقاً مهماً لنقل الإمدادات إلى الاتحاد السوفيتي ، وكان من مظاهر هذا التغيير تزايد الاهتمام الأمريكي بإيران وبوضعها الداخلي ، لما لذلك من علاقة وثيقة بعملية نقل تلك الإمدادات .

أما سنة 1947 فقد شهدت رفض إيران ، بتشجيع من الولايات المتحدة ، المصادقة على اتفاقية تأسيس شركة النفط الإيرانية – السوفيتية المشتركة فضلاً عن ما شهدته هذه السنة من توقيع الاتفاقية العسكرية الأمريكية – الإيرانية . كما أن هذه السنة تشكل بداية عصر " الحرب الباردة " بين المعسكرين الشرقي والغربي منطلقة من " مبدأ ترومان " الذي كان صيحتها الأولى وما رافق ذلك من أحداث وقعت في تركيا واليونان.

اقتضت طبيعة الموضوع تقسيمه إلى أربعة فصول : خصص الفصل الأول منها لدراسة واقع العلاقات الأمريكية – الإيرانية إلى 1941، منذ الاتصالات الأولى بينهما المتمثلة بالبعثات التبشيرية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر ، والمعاهدة الأولى التي وقعها البلدان في 13 كانون الأول 1856. وما شهدته سنوات ما بين الحربين من سلوك الولايات المتحدة سياسة أكثر انفتاحاً من السابق تجاه إيران لكنها ظلت في حدود سياسة عدم التدخل . وقد أثرت محاولاتها في الحصول على امتيازات نفطية لها في إيران ، ووصول ميلسبو في بعثته الأولى 1922 - 1927 لإصلاح المالية الإيرانية المنهارة مثل هذا الانفتاح. كما تناول الفصل الظروف التي أعقبت اندلاع الحرب العالمية الثانية ، وما نجم عنها من احتلال القوات البريطانية والسوفيتية للأراضي الإيرانية ، وإرغام رضا شاه على التنازل عن الحكم عام 1941، وموقف الولايات المتحدة من ذلك .

وبحث الفصل الثاني الدوافع التي كانت وراء اهتمام الولايات المتحدة بإيران ابتداءً من تسلم محمد رضا الحكم في إيران عام 1941 وحتى انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وكان من ابرز هذه الدوافع المصالح الإستراتيجية التي تمثلت في المحافظة على سلامة مرور الإمدادات العسكرية الأمريكية عبر الأراضي الإيرانية إلى الاتحاد السوفيتي من اجل حماية مصالحها في منطقة الخليج العربي كلها من خطر التهديد الألماني المحتمل ، ولاسيما بعد أن أصبحت طرفاً مباشراً في الحرب منذ كانون الأول 1941، إلى الحد الذي دفع بالولايات المتحدة إلى إرسال قواتها إلى داخل الأراضي الإيرانية لحماية هذا الطريق وتسلم مسؤولية إدارة خط السكك الحديد الإيرانية بدلاً من بريطانيا لزيادة حجم الإمدادات عبر الممر الإيراني بسبب تطور الوضع العسكري لصالح دول المحور في ربيع 1942. وانطلاقاً من أهمية النفط في مجريات الحرب وقيمته الأساسية في ترسيخ القوة زمن السلم أصبحت المصالح النفطية للولايات المتحدة الدافع الثاني للاهتمام بإيران تماشياً مع التوجه الجديد للسياسة الأمريكية في تشجيع شركات النفط الأمريكية في الحصول على الامتيازات النفطية في مواقع إستراتيجية خارج حدود بلادها. كما شكلت المصالح التجارية للولايات المتحدة بحلول عام 1941 دافعاً آخر للاهتمام بإيران بهدف ملء الفراغ الذي تركه انهيار وتوقف التجارة مع ألمانيا بسبب ما تمخض من نتائج عن اندلاع الحرب العالمية الثانية على إيران ، فجاء التوقيع على الاتفاقية التجارية بين البلدين في نيسان 1943 ليكون الأساس في توسيع العلاقات الاقتصادية بينهما فيما بعد الحرب .

وأشار الفصل الثالث بوضوح إلى تجاوز الولايات المتحدة الأمريكية لسياستها التقليدية في عدم التدخل بشؤون إيران الداخلية وفقاً لما يفرضه مبدأ سياسة العزلة من خلال دراسته لمظاهر الاهتمام الأمريكي بإيران 1942 -1945. وقد كان ابرز هذه المظاهر الاهتمام بمعالجة تردي الوضع الاقتصادي في أيرن عن طريق معالجة ما تعانيه البلاد من نقص في الأغذية الرئيسة أو ما تسمى بأزمة التموين ، جنباً إلى جنب مع معالجة حالتها المالية ، فكان من نتيجة ذلك وصول الخبير المالي الأمريكي ميلسبو في مهمة ثانية له في إيران لمساعدة الحكومة الإيرانية في تحسين الأحوال المالية والاقتصادية للبلاد خلال هذه المدة ، وكذلك كان من مظاهره الاهتمام بالوضع الأمني في البلاد لضمان سلام مرور الإمدادات العسكرية الأمريكية إلى الاتحاد السوفيتي ، ورفع درجة التمثيل الدبلوماسي الأمريكي من مفوضية إلى سفارة ، والمساندة التي لقيتها المسألة الإيرانية من الولايات المتحدة في مؤتمرات الحلفاء بهدف دفع كل من حليفاتها بريطانيا والاتحاد السوفيتي إلى سحب قواتهما من الأراضي الإيرانية بعد انتفاء الحاجة إلى وجودهما خدمة للمصالح الأمريكية وأهدافها السياسية .

وتابع الفصل الرابع مواقف الولايات المتحدة من الأحداث الإيرانية في أعقاب الحرب العالمية الثانية 1945 - 1947 التي شهدت تغيراً واضحاً في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية بما يتناسب وظهورها قوة مؤثرة في السياسة الدولية تتصدر العالم الرأسمالي نتيجة لما أفرزته الحرب من ظهور الاتحاد السوفيتي قوة مقابلة لها وزنها على المسرح الدولي وتراجع كل من بريطانيا وفرنسا عن مكانتهما قبل الحرب لما سببته لهما من آثار اقتصادية وعسكرية مما أدى إلى ظهور المواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وتضارب مواقفهما السياسية تجاه تطورات الأحداث في أذربيجان وكردستان الإيرانية ، التي نجم عنها انحياز إيران الكامل إلى جانب الولايات المتحدة عام 1947.

صفحة 4

اعتمد البحث على مصادر ومراجع عدة متنوعة . تأتي الوثائق غير المنشورة والمنشورة في مقدمتهما ، وشكلت الأولى منها وثائق البلاط الملكي العراقي المحفوظة في دار الكتب والوثائق ببغداد ، وقد تضمنت مراسلات وزارة الخارجية العراقية مع سفارتها ومفوضياتها في إيران . والمطلع على هذه الوثائق يعرف أهميتها الكبيرة مصدراً أصيلا لكل باحث في دراساتنا التاريخية الحديثة لما احتوته كتبها وتقاريرها من معلومات واسعة في وصف الإحداث ومتابعتها بقدر كبير من الحيادية .

وشكلت الوثائق البريطانية غير المنشورة المحفوظة في دائرة السجلات البريطانية العامة بلندن Public Record 0ffice مادة أصيلة أخرى اعتمدت عليها هذه الدارسة في متابعتها العديد من الوقائع المهمة كان لها دورها في تسليط الضوء على طبيعة ودوافع السياسة الأمريكية تجاه إيران ، إذ احتوت هذه الوثائق على مراسلات وزارة الخارجية البريطانية مع سفاراتها في طهران وواشنطن ومفوضياتها في عدد من المدن الإيرانية الأخرى .

أما الوثائق المنشورة فقد اعتمد هذا البحث على ما نشرته وزارة الخارجية الأمريكية سنوياً من وثائق بعنوان

Foreign Relations of the United States, Diplomatic papers

أكثر من أي مصدر آخر نظراً إلى ما تضمنته مجلدات هذه الوثائق لمئات من التقارير المتعلقة بإيران . وهي المراسلات السرية لوزارة الخارجية الأمريكية مع سفاراتها في طهران وموسكو ولندن ومع الوزارات الأمريكية ذات العلاقة . وغطت هذه الوثائق سنوات البحث تقريباً، أما السنوات التي لم يتيسر لنا الحصول على وثائقها فقد تم تعويضها بالاعتماد على ما جمعه ونشره كل من يوناه الكسندر Yonah Alexander وألن نانيس Allan Nanes من هذه الوثائق عام 1980 بعنوان.

The United States and Iran, Documentary History.

وتدخل أيضاً ضمن هذه المجموعة ما نشرته مؤسسة السلام العالمي في بوسطن World peace Foundation لسلسلة من الوثائق بعنوان.

Documents on American Forign Relations.

والوثائق الألمانية المنشورة بعنوان:

Documents on German Foreign Policy 1918-1945.

وكذلك ما جمعه هيروتز Hurewitz من اتفاقيات ومعاهدات في كتابيه

Diplomacy in the Near And Middle East, A Documentary Record 1914-1956 ;

The Middle East and North Africa in World Politics A Documentary Record 1914-1945.

وتأتي المذكرات الشخصية في المرتبة الثالثة بعد الوثائق المنشورة من حيث الأهمية ، وكان أبرزها مذكرات وزير الخارجية الأمريكي كورديل هل The Memoirs of Cordell Hull وأهميتها تكمن في أن كاتبها كان قد شغل منصب وزير للخارجية الأمريكية خلال سنوات 1941-1944 وكان له دور كبير في توجيه سياسة بلاده تجاه إيران .

واعتمد البحث مجموعة من الكتب الأجنبية والعربية أفادته في رفد الدراسة بالمفيد من المعلومات وما احتوته من مادة أسهمت في دعم الآراء والاستنتاجات الواردة بين طيات هذا البحث ، اذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب R.K. Ramazain, Iran's Foreign policy 1941-1973. الذي يحتوي على معلومات وثائقية قيمة عن سياسة إيران الخارجية مركزاً على علاقتها مع كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي ، ويعد الكتاب مادة مهمة لكل باحث في تاريخ إيران الحديث والمعاصر وقد آثرنا ، بسبب أهميته ، الاعتماد على الأصل الانكليزي على الرغم من مراجعتنا للترجمة العربية تجنباً للأخطاء التي تقع أحياناً في مثل هذه التراجم .

أما الكتب العربية فقد كان كتاب الدكتور خليل علي مراد الموسوم " تطور السياسة الأمريكية في منطقة الخليج العربي 1941 -1947 " من الكتب البارزة التي اعتمدت عليها هذه الدراسة نظراً إلى ما تحويه دفتا الكتاب من مادة علمية رصينة مستقاة من الوثائق والمنشورات الرسمية الأخرى أنارت الدرب لهذه الدراسة . ومن البحوث التي عنيت بتاريخ إيران المعاصر رسالة زميلي طاهر خلف البكاء للدكتوراه " التطورات الداخلية في إيران 1941-1951 " فقد بحث بعمق أحداث إيران الداخلية التي كانت ، في كثير من جوانبها ، انعكاساً لسياسة القوى الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة . فوفر عليّ جانباً كبيرا كان لزاما أن أتعمق فيه بهدف تفسير الظواهر المختلفة للعلاقات الأمريكية – الإيرانية ، فهل يمكنني أن أقرر مطمئناً أن أي مهتم بتاريخ إيران في العقد الخامس من القرن العشرين لا يمكن أن يكون بمنأى عن هاتين الرسالتين ؟

وإلى جانب كل ما ذكر اعتمد البحث على عدد كبير من الكتب الأجنبية والعربية والمترجمة يمكن الاطلاع عليها في قائمة المصادر المرفقة في نهاية البحث.

وحسبي أنني استطعت في هذا البحث أن أسلط الأضواء على حقبة من تاريخ إيران ذات أهمية لاتحد متابعةً لتأثيرها ونتائجها في مستقبل ذلك البلد بما لا يمكن تحديده من المراحل الزمنية .

وفي الختام أرجو أن أكون قد وفيّت البحث حقه ، وأسهمت من خلال هذه الدراسة في رفد دراساتنا التاريخية الحديثة بجهد علمي متواضع آمل أن يكون عند حسن ظن الباحثين والمعنيين ، ولا ادعى أنها جاءت كاملة في جوانبها جميعاً فالكمال لله وحده.

ومن الله التوفيق

صفحة 5

الفصل الأول : العلاقات الأمريكية – الإيرانية حتى عام 1941

تمثلت الاتصالات الأمريكية الأولى مع إيران في البعثات التبشيرية التي وفدت إلى البلاد خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر ، وكانت طليعتها البعثة التي وصلت عام 1830 للتبشير بين المسيحيين النساطرة في الشمال الغربي من البلاد .([1]) وأعقب ذلك وصول إرساليات جديدة تزايد عددها تدريجياً حتى بلغ عام 1884 أربعا وعشرين إرسالية ، تقوم بإدارة مراكز افتتحت لهذا الغرض في كل من أرومية (الرضائية) وطهران وهمدان وتبريز ، ويتبعها عدد من الكنائس والمستشفيات والمدارس في بعض المدن الإيرانية .([2]) وقد أدت هذه الإرساليات وتوابعها دوراً في تمهيد الطريق للتغلغل الأمريكي في إيران .([3])

وفضلاً عن ذلك شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر اتصالات سرية بين الجانبين الأمريكي والإيراني جاءت نتيجة لسعي الحكومة الإيرانية إلى إيجاد حليف لها من بين القوى الغربية أملاً منها في تحقيق سياسة " القوة الثالثة " (Third power Policy) التي تستطيع من خلالها إيجاد نوع من التوازن بين مصالحها من ناحية ، ومصالح كل من روسيا وبريطانيا من ناحية أخرى ، وقد وجدت في الولايات المتحدة الأمريكية خير من يقوم بمثل هذا الدور لاسيما أن الأمريكان لم تكن لديهم اهتمامات ظاهرة في الشرق .([4]) بسبب البعد الجغرافي الذي يفصل بين البلدين ، مما جعل إيران تطمئن إلى الجانب الأمريكي أكثر من غيره .([5])

ومن الدوافع التي أدت إلى هذه الاتصالات ما كانت تبذله الحكومة الإيرانية من جهود للحصول على سفن حربية لتحقيق رغبتها في بناء أسطول بواسطة شراء السفن أو ببناء هذه السفن بمساعدة الدول الأوروبية . وقد تجددت هذه الجهود في عهد ناصر الدين شاه (1848-1896) ، ولكنها توجهت هذه المرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن يئست من مساعدة بريطانيا وروسيا في هذا المجال .([6])

ومهما يكن من أمر ففي ربيع عام 1850 جرت اتصالات سرية بين القائم بالأعمال الإيراني والسفير الأمريكي المقيم في اسطنبول جورج مارش George p.Marsh ، تم على أثرها التوقيع في تشرين الأول 1851 على معاهدة صداقة وتجارة وملاحة ، إلا أن هذه المعاهدة لم تدخل حيز التنفيذ ولم يقرها (الكونغرس) الأمريكي ، لأنها لم تنص على مادة تضمن للرعايا الأمريكان الحقوق والامتيازات الممنوحة لرعايا الدول الأوروبية الأخرى الأكثر تفضيلاً في إيران .([7]) وكذلك بسب المعارضة البريطانية والروسية لها .([8])

لكن عدم تنفيذ هذه المعاهدة لم يحل دون استمرار الاتصالات بين الجانبين، فخلال الحقبة 1851-1856 عبرت الحكومة الإيرانية من خلال ممثليها في اسطنبول وفينا عن رغبتها في استئناف المفاوضات بينهما للتوصل إلى صيغة نهائية لمعاهدة تجارية وعسكرية تستطيع من خلالها الحصول على مبتغاها في شراء سفن حربية أمريكية لبناء أسطولها ، وتمنحها الحق في استخدام بحارة أمريكان لتوفير الحماية للموانئ الإيرانية الواقعة على الخليج العربي .([9])

إلا أن (الكونغرس) الأمريكي ظل على موقفه الرافض لمشروع المعاهدة، ويعود السبب في تقديرنا إلى عدم رغبة الولايات المتحدة الدخول في علاقات سياسية مع إيران على النحو الذي عرضه مشروع المعاهدة الذي يلزمها بتقديم المساعدات البحرية لها . لان ذلك بطبيعة الحال سوف يدخل الجانب الأمريكي في مشكلات مع بريطانيا ، لا سيما وأنها قد تمكنت خلال تلك المرحلة ، بعد جهد كبير ، أن تجعل من الخليج العربي بحيرة تكاد تكون مغلقة لنفوذها , لذا فإنها ستعارض بشدة أي تدخل من أية قوة أجنبية في مياهه ، ولعل ذلك يفسر سبب خلو المعاهدة التي توصل الطرفان إلى عقدها أخيراً في اسطنبول بتاريخ 13 كانون الأول 1856، وقعها عن الجانبين سفيرا البلدين لدى الباب العالي ، كارول سبنس Carroll Spence عن والولايات المتحدة ، وفروغي خان أمين الملك عن الجانب الإيراني ، من أية مادة تحقق لإيران أملها في الحصول على حق شراء سفن حربية أمريكية ، بل إنها منحت الرعايا الأمريكان الحقوق والامتيازات الممنوحة لرعايا الدول الأخرى ، منهية بذلك اعتراض (الكونغرس) الأمريكي . كما تم خلالها الاتفاق على كثير من الأمور التي تنضم الشؤون الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية بني البلدين .([10]) وظلت هذه المعاهدة تحكم العلاقات الدبلوماسية بينهما حتى إلغائها في 3 مارس 1928 حينما اصدر رضا شاه قراراً بإلغاء الامتيازات الأجنبية في إيران .([11])

وعلى الرغم من أن هذه المعاهدة قد وضعت حجر الأساس لقيام علاقة دبلوماسية بين الجانبين الأمريكي والإيراني ، فان الولايات المتحدة لم تحاول إقامة مثل هذه العلاقة ، ولعل السبب في ذلك يعود إلى ظروف الحرب الأهلية 1861-1865 وما رافقتها من تطورات ، وانشغال الحكومة الأمريكية في معالجة آثارها، أولاً، وتمسكها بمبدأ العزلة في سياستها الخارجية ، ثانيا .([12])

صفحة 6

ولكن تعرض بعض البعثات التبشيرية في شمال غرب إيران إلى مشكلات مع السكان المحليين خلال عام 1880 حمل (الكونغرس) الأمريكي على التفكير في اتخاذ خطوات يكون من شانها حماية المبشرين الأمريكان في إيران . ولما كان من المتعذر على الأمريكان مناشدة الحكومة الفارسية توفير الحماية اللازمة لمبشريهم بسبب عدم وجود تمثيل دبلوماسي أمريكي هناك كان عليهم ، والحالة هذه ، أن يفكروا في إقامة علاقات دبلوماسية مع الإيرانيين . وبعد مداولات طويلة استمرت من 20 تشرين الثاني 1880، وافق الكونغرس الأمريكي على إقامة تلك العلاقات مع إيران في 15 تموز 1882، وصادق عليها الرئيس الأمريكي في 7 آب من السنة نفسها . وبناءً على ذلك أرسلت وزارة الخارجية الأمريكية أول بعثة دبلوماسية لها إلى إيران في 14 شباط 1883 برئاسة صموئيل بنجامين (Samuel G.W Benjamin) وزيراً مفوضاً وقنصلاً عاماً للولايات المتحدة في طهران (1883-1885) .([13])

وخلال العقد الأول من القرن العشرين حافظت الولايات المتحدة على تمسكها بخطوط سياسة عدم التدخل تجاه إيران ، ويمكن تلمس ذلك من خلال رفض الحكومة الأمريكية لعرض تقدم به مظفر الدين شاه 1896-1907 يقضى منح الولايات المتحدة بعض المكاسب التجارية مقابل الحصول على دعم سياسي أمريكي يعين بلاده على تعزيز موقعها بوجه الأطماع البريطانية – الروسية . وكذلك من خلال تحذيرها لدبلوماسييها في إيران من مغبة التدخل في الأحداث الداخلية للبلاد ، منها على سبيل المثال الثورة الدستورية (1905-1911) لان ذلك يعد انتهاكاً لمبدأ عدم التدخل .([14]) ، كما يمكن تلمس سياسة عدم التدخل هذه على نحو – أكثر وضوحاً- في موضوع إرسال بعثة شوستر Shuster Mission (1910-1911) ، إذ عارضت الحكومة الأمريكية فكرة إرسال موظفين حكوميين إلى إيران حينما طلبت الحكومة الإيرانية ذلك في 28 كانون الأول 1910، ممثلة في شخص وزيرها المفوض لدى واشنطن ، وعارضت أيضاً تزويدها بمستشارين اقتصاديين لإصلاح الأوضاع الاقتصادية في البلاد .([15]) بل إنها أكدت هذه السياسة حينما طلبت منها وزارة الخارجية الإيرانية مساندة بعثة شوستر اثر تعرضها لمحاولات الروس لعرقلة جهودها .([16])

ومع أن وزارة الخارجية الأمريكية كانت قد تصرفت بإزاء هذا الطلب بما تمليه عليها سياسة عدم التدخل ، إلا أن دبلوماسييها كانوا يبذلون جهودهم لزيادة حجم العلاقات لبلادهم مع إيران، وذلك بقيامهم بتشجيع رجال الأعمال الأمريكان للعمل هناك ، وسعوا إلى حصول المؤسسات الأمريكية على حق إقامة بعض المشاريع، وهذا يفسر سبب ارتفاع نسبة حجم التبادل التجاري بين البلدين، إذ وصلت خلال العقد الأول من القرن العشرين إلى ثمانية إضعاف ما كانت عليه في أواخر القرن التاسع عشر .([17]) لكن على الرغم من ذلك ظل حجم العلاقات التجارية بين البلدين دون المستوى المطلوب بسبب هيمنة روسيا على شمال إيران، وهيمنة بريطانيا على جنوبها ، مما جعل من الصعوبة بمكان اختراق إيران من الناحية الاقتصادية على نطاق واسع .([18])

وعند نشوب الحرب العالمية الأولى أعلنت الحكومة الإيرانية حيادها في الأول من تشرين الثاني 1914، في فرمان أصدره احمد شاه (1909-1925) .([19]) إلا أن ذلك لم يحل دون تحول الأراضي الإيرانية إلى ساحة قتال للأطراف المتصارعة في هذه الحرب .([20]) ، مما اظهر من جديد حاجة الحكومة الإيرانية إلى اتباع سياسة القوة الثالثة ، فكانت الولايات المتحدة الأمريكية مرة أخرى هي المرشح الوحيد للقيام بهذا الدور بعد أن أعلنت حيادها في هذه الحرب . ولهذا ناشدت الحكومة الأمريكية بوساطة وزيرها المفوض لدى واشنطن ميرزا على قلي خان لاستخدام مساعيها الحميدة من اجل احترام حياد إيران المعلن . وقد وعد مساعد وزير الخارجية الأمريكي روبرت لاسنك Robert Lasing في إجابته على الطلب الإيراني باستعداد حكومته لتقديم أية مساعدة تكون مناسبة للتخفيف من عبء الظروف الناتجة عن الحالة القائمة في أوربا. لكن الموقف الأمريكي لم يغير من الأمر شيئا .([21]) ، كما تسلمت الحكومة الأمريكية طلبا آخر غير رسمي بهذا المعنى ، فقد تسلم سفيرها في اسطنبول مذكرة احتجاج على العدوان البريطاني والروسي على الأراضي الإيرانية، موقعة من الإيرانيين المقيمين هناك . وفي عام 1916 خشي الشاه أن يعمد الحلفاء بعد احتلالهم لطهران ، إلى إجباره على التنازل عن العرش ، لذلك طلب اللجوء إلى المفوضية الأمريكية , إلا أن طلبه هذا لم يلق القبول . ورفضت المفوضية أيضاً طلبا آخر تضمن توفير الحماية للشاه وذلك برفع العلم الأمريكي فوق القصر الملكي .([22])

كما جاءت بنود إعلان الرئيس الأمريكي ودرو ولسن (1913-1921) الأربعة عشر .([23]) , ولا سيما فيما يتعلق بتقرير المصير , ليعطي الإيرانيين مسوغا جديدا للاعتماد على الولايات المتحدة لتؤدي دور " القوة الثالثة " القادرة على خلق الموازنة المطلوبة مع الدول الأوروبية الأخرى لصالح إيران .([24])

ويمكن تلمس مثل هذا التوجه من خلال لجوء الحكومة الإيرانية إلى حكومة الولايات المتحدة لضمان تمثيل إيران في مؤتمر الصلح المزمع عقدة في نهاية الحرب العالمية الأولى .([25])

حيث قدم مهدي خان , وزير إيران المفوض في واشنطن, مذكرة إلى وزير الخارجية الأمريكي في 17 كانون الأول 1917 ضمنها مطاليب حكومته في مؤتمر الصلح , وتتلخص في ضمان مشاركة بلاده في هذا المؤتمر , وتأكيد استقلال إيران وسيادتها , وجلاء القوات الأجنبية عن الأراضي الإيرانية , وتعويض البلاد عما لحق بها من خسائر جراء الحرب , وتعديل معاهدة تركمان جاي لعام 1828, التي جاءت على اثر الهزيمة التي لحقت بإيران في حربها مع روسيا .([26]) وإبطال كل الاتفاقيات و التسويات الأخرى التي كانت قد فرضت على إيران بالقوة .([27])

وقد استجابت الحكومة الأمريكية لبعض المطالب الإيرانية تلك.([28]) وافتتحت بذلك عهدا جديدا في العلاقات الأمريكية الإيرانية في مرحلة ما بين الحربين متبعة سياسة أكثر انفتاحا مع إيران . ومما يعزز هذا الرأي قيام الحكومة الأمريكية في 21 كانون الثاني 1918 بإشعار حليفتها بريطانيا بأنها تساند مطالب الحكومة الإيرانية في الاستقلال والسيادة , وجلاء القوات الأجنبية من أراضيها , وعبرت عن قلقها من أن ينحاز الإيرانيون إلى "لمعسكر الألماني ـ العثماني" في حالة عدم الاستجابة لمطالبهم .([29])

واستمرت سياسة الانفتاح هذه بعد الحرب ، فقد ساندت الولايات المتحدة الموقف الإيراني المعارض للاتفاقية البريطانية – الإيرانية التي وقعها الطرفان عام 1919 بضغط من بريطانيا .([30]) ، وقامت بدور المدافع عن المصالح الإيرانية وأعربت عن شجبها للاتفاقية بسبب تعارضها مع المبدأ الأمريكي المعروف بالباب المفتوح أولاً ، وإلى عدم تضمين الاتفاقية أية إشارة إلى حق الرعايا الأمريكيين بالعمل في إيران ، مثلما فعلت ذلك مع الرعايا الأجانب الآخرين ثانياً، وإلى أن هذه الاتفاقية ستجعل من الصعب على الشركات الأمريكية الحصول على امتيازات نفطية لها في إيران إذا ما تمت مصادقة المجلس الإيراني عليها ثالثا([31]). وقد نهضت المعارضة الأمريكية بدورها في عدم دخول الاتفاقية حيز التنفيذ([32])، فضلاً عن المعارضة الإيرانية لها .([33])

مهما يكن من أمر فان السبب الذي حدا بالولايات المتحدة إلى مثل هذا التجاوب ، وإلى أن تؤدي دورا نشطا أكثر من السابق في إيران يعود إلى ظروف الحرب العالمية الأولى نفسها ، فقد شاع الاعتقاد إبان هذه الحرب ، ولا سيما بعد تخلي الحكومة الأمريكية عن حيادها ودخولها الحرب إلى جانب الحلفاء في نيسان 1917، إن احتياطي النفط داخل الولايات المتحدة في طريقه إلى النضوب ، مما دعا الإدارة الأمريكية إلى مساندة وتأييد شركات النفط الأمريكية في دخولها ميدان التنافس من أجل الحصول على امتيازات نفطية مهمة في منطقة الشرق الأوسط ، ومن ضمنها إيران بعد انتهاء الحرب .([34])

وقد رحبت الحكومة الإيرانية بتوجهات الشركات الأجنبية في الحصول على امتيازات نفطية في المقاطعات الشمالية من البلاد ، مدفوعة بأمل تحقيق رغبتها في جعل حكومة الولايات المتحدة تقوم بدور "القوة الثالثة" في إيران .([35]) فأقدمت في أيلول 1920 على إلغاء امتياز خوستريا .([36]) ، غير مبالية بالاحتجاجات البريطانية ، بل إنها ذهبت إلى ابعد من ذلك بعد الانقلاب الذي قام به رضا خان في شباط 1921.([37]) حينما منحت شركة نفط ستاندرد نيوجرسي Standard Oil Company of New Jersey في 22 تشرين الثاني 1921 امتياز التنقيب عن النفط في المقاطعات الشمالية لمدة خمسين عاما بعد حصولها على موافقة المجلس على ذلك . وأثار هذا الإجراء احتجاج ومعارضة بريطانيا في نقل النفط عن طريق موانئ الخليج العربي ، إذ كان كل من جنوب إيران والعراق الذي يحدها من الغرب تحت السيطرة البريطانية في حين كان الاتحاد السوفيتي الذي يحد إيران من الشمال لا يسمح بمرور النفط عبر أراضيه ، في حين كانت المواصلات صعبة باتجاه تركيا. مما أدى في النهاية إلى إيقاف تنفيذ المشروع في 28 أيلول 1922، أي بعد أقل من عام من بدايته ، على الرغم من أن الحكومة الأمريكية استندت في ردها على مبدأ " الباب المفتوح " الذي يتيح لشركاتها العمل في إيران على نحو أكثر شرعية .([38])

لكن ذلك لم يمنع الطرفين من مواصلة الموضوع من جديد ففي العام التالي منحت الحكومة الإيرانية شركة سنكلير الأمريكية Sinclair Consolidated Oil Company امتيازاً للبحث عن النفط في المنطقة نفسها ، في 20 كانون الأول 1923، ولكنها سرعان ما فشلت أيضاً وتخلت عن الامتياز في عام 1925 لتعرضها لنفس عوامل فشل الشركة الأمريكية الاولى .([39])

صفحة 7

وفضلاً عن ذلك شهدت مرحلة ما بعد الحربين تجاوب الحكومة الأمريكية مع التوجهات الإيرانية لمجيء مستشارين أمريكان للعمل في إيران بدلاً من الخبراء البريطانيين الذين انسحبوا من البلاد بعد فشل اتفاقية عام 1919 البريطانية – الإيرانية .([40]) فقد وافقت حكومة الولايات المتحدة على طلب إيران في الحصول على مستشار مالي يتولى إدارة مالية الدولة ، واختارت للقيام بهذه المهمة الدكتور آرثر سي. ميلسبو Dr. A.C. Millspaugh على راس بعثة اقتصادية استمرت خمس سنوات من 1922 إلى 1927 .([41])

أدت هذه البعثة دورها في توسيع العلاقات الاقتصادية بين الجانبين الأمريكي والإيراني يمكن تلمسه من خلال وصول الولايات المتحدة إلى المرتبة السادسة في حجم الواردات ، والمرتبة الخامسة في حجم الصادرات بالنسبة إلى تسلسل الدول المصدرة والمستوردة من إيران خلال سنة 1927-1928، بعد أن كانت لا تشغل خلال 1913-1914 سوى المرتبة الثالثة عشرة بالنسبة إلى الواردات ، والسادسة بالنسبة إلى الصادرات .([42])

وانعكس هذا التطور على العلاقات الدبلوماسية والثقافية والاقتصادية بين البلدين ، ففي 14 مارس 1928 وقع الطرفان الأمريكي والإيراني على اتفاقية جديدة مؤقتة لتنظيم العلاقات التجارية بينهما بعد أربعة أيام فقط من تاريخ إلغاء الاتفاقية الأولى لعام 1856 إثر صدور قرار إلغاء الامتيازات الأجنبية في إيران .([43]) كما تم السماح للبعثات التبشيرية الأمريكية بممارسة نشاطها التربوي وأعمالها الخيرية بحرية تامة ، شريطة أن لا يتعارض ذلك مع القوانين والأنظمة العامة في البلاد .([44]) ، بعد أن كانت وزارة المعارف الإيرانية قد أصدرت في العاشر من مارس 1927 أنظمة جديدة ألزمت بموجبها المبشرين الأمريكان بالعمل وفق أهداف الوزارة .([45]) وكذلك جاء نتيجة لذلك استخدام المستر وليم بولاند الأمريكي ومعه عشرة مساعدين حينما قررت الحكومة الإيرانية إنشاء خط للسكك الحديد يربط بحر قزوين بالخليج العربي ، وعهدت إليه بدائرة استحدثتها لهذا الغرض سميت بدائرة السكك الحديد .([46])

تعرضت هذه العلاقة المتطورة نسبياً إلى البرود في ثلاثينات هذا القرن ، وكان من أسباب ذلك تزايد النفوذ الألماني في إيران ، بسبب تطور العلاقات الألمانية – الإيرانية خلال هذه المرحلة التي شهدت وصول الحزب النازي إلى السلطة في ألمانيا عام 1933 الذي كان يتطلع أن تؤدي بلاده دوراً اكبر من السابق في الشرق الأوسط عامة ، وفي إيران خاصة ، على الصعيدين الاقتصادي والسياسي . وقد وجد مثل هذا التوجه ترحيباً من لدن رضا شاه الذي أفصح عن إعجابه الشخصي بألمانيا وبنظامها العسكري وبشخص رئيسها الجديد هتلر مع تطلعه إلى أن تضطلع ألمانيا ، في ظل نظامها الجديد المعادي لكل من الاتحاد السوفيتي وبريطانيا صاحبتي النفوذ الأكبر في إيران ، بدور القوة الموازنة " القوة الثالثة " بدلاً من الولايات المتحدة التي فشلت بالقيام بمثل هذا الدور كما كانت تريده إيران .([47])

وكانت ألمانيا قد تمكنت ، بعد سنوات قلائل من انتهاء الحرب العالمية الأولى من استعادة مكانتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية في إيران . وازداد تنامي هذه المكانة خلال حكم رضا شاه بشكل ملموس، ولا سيما في المجال الاقتصادي، حيث تعدت الحكومة الألمانية لإيران بان تضع تحت تصرفها خبراتها المالية والاقتصادية، وعلى اثر ذلك وصل الخبير المالي الألماني الدكتور ليندنبلات عام 1927 ليخلف الدكتور آرثر ميلسبو، كما وصل أيضاً للدكتور بوتسكي الخبير الاقتصادي الألماني لدراسة الأوضاع المالية في إيران. ثم جاءت الاتفاقية التجارية لعام 1929 بين الطرفين الألماني والإيراني لتعطي مزيداً من التطور لعلاقات بين البلدين مرحلة جديدة من التطور، ولا سيما في المجال التجاري([48]). ويمكن تلمس ذلك من خلال وصول ألمانيا إلى المرتبة الثانية في قائمة تجارة إيران الخارجية خلال 1936- 1937 . ([49])

وكذلك يمكن أن يعزى برود العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية آنذاك إلى قيام الحكومة الإيرانية باتخاذ سلسلة من الإجراءات وضعت في النهاية حداً لنشاط البعثات التبشيرية الأمريكية في إيران .([50]) ، وصلت في آب 1939 إلى حد إغلاق المدارس الأجنبية في البلاد كافة ، ومن ضمنها مدارس هذه البعثات ، ووضعت تحت سيطرة الحكومة .([51]) مما كان له آثاره السيئة لدى الولايات المتحدة ، وأسهمت، على نحو أو آخر، في زيادة فتور العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ، مما كان له دوره في تضخيم بعض الأحداث اليسيرة على النحو الذي لا يتناسب مع ما نتج عنه في زيادة توتر العلاقات . ومن ابرز الأمثلة على ذلك قيام الشرطة المحلية في ولاية ماري لاند (Mary Land) الأمريكية في 27 تشرين الثاني 1935 بتوقيف وزير إيران المفوض لدى واشنطن "جعفر جلال" لمخالفته قانون المرور بسبب السرعة مما أثار احتجاج الحكومة الإيرانية التي عدت ذلك أمراً يتنافى مع تقاليد الحصانة الدبلوماسية وخرقا لها .([52])

ثم أضافت الصحافة الأمريكية سبباً آخر في مضاعفة تأزم العلاقات هذا من خلال ما كانت تنشره من مقالات تتعرض فيها بالنقد لشخصية رضا شاه نفسه .([53]) وقد أثارت هذه المقالات احتجاج الحكومة الإيرانية الشديد ، بل إنها كادت تؤدي إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ، إذ عمدت الحكومة الإيرانية ، تعبيراً عن الأثر السيئ الذي تركته مثل هذه المقالات ، إلى سحب ممثليها الدبلوماسيين من واشنطن .([54]) وظلت هذه العلاقة على حالها من التوتر حتى عام 1938 حينما وصل والاس موري (Wallace Murray) ، رئيس قسم شؤون الشرق الأدنى ، في وزارة الخارجية الأمريكية إلى طهران في مهمة خاصة في تشرين الأول 1938 ، ممثلاً لجزء من الجهود التي كانت تبذلها الحكومة الأمريكية لتحسين علاقاتها مع الحكومة الإيرانية مدفوعة بأمل توفير الفرص أمام شركاتها النفطية للتوجه في الحصول على بعض الامتيازات النفطية في شمال إيران . وأعقب ذلك تعيين كل من علي دفتري وزيراً مفوضاً لإيران لدى واشنطن في 28 كانون الأول من العام نفسه ، ولويس درايفوس Louies G.Dryfus وزيراً مفوضاً للولايات المتحدة في طهران في 23 حزيران 1939. ([55])

ويبدو أن الحكومة الإيرانية وعلى الرغم من الفتور الذي شهدته علاقاتها مع الولايات المتحدة ، لم تمتنع عن منح شركات النفط الأمريكية لامتيازات نفطية في أراضيها ، ومما يفسر ذلك حصول شركة اميرينيان الأمريكية Amiranian Oil Company في 9 آذار 1937 على الامتياز الذي حصلت عليه الشركات الأمريكية التي سبقتها للتنقيب عن النفط في المقاطعات الشمالية من البلاد . إلا أنها سرعان ما فشلت أيضاً ، وتركت المشروع في العام التالي 1938.([56]) للأسباب نفسها المشار إليها سابقاً.([57]) وحصول شركة أمريكية أخرى ، متصلة بشركة اميرينيان ، وهي شركة الأنابيب الإيرانيةIranian Pipe – Line Company على امتياز إنشاء الأنابيب في إيران أملاً في معالجة مشكلة نقل النفط الذي تعترض المشروع ، لكن الشركة سرعان ما تنازلت هي أيضاً عن الامتياز ، مما حدا بالشركات الأمريكية إزاء هذا الفشل المتكرر إلى التخلي عن سعيها في الحصول على امتياز البحث في مناطق إيران الشمالية وتركيز توجهها نحو العربية السعودية .([58])

وحينما نشبت الحرب العالمية الثانية أعلنت الحكومة الإيرانية حيادها في 4 أيلول 1939.([59]) وحرصت على تطوير علاقاتها مع الدول كافة ، ولاسيما الولايات المتحدة ، مدفوعة بأمل الحصول على الدعم الأمريكي في معالجة الوضع الحرج الذي خلفته ظروف الحرب تعلى اقتصادها.([60]) إذ أدى اندلاع الحرب إلى تزايد مشاكل نقل البضائع الألمانية إلى إيران في الطريق البري التقليدي عبر الأراضي السوفيتية . مما سبب في ارتفاع أجور النقل البحري على نحو حال دون نقل مثل هذه البضائع .([61]) ودفع ذلك الحكومة الإيرانية إلى محاولة الحصول على قرض أمريكي بقيمة خمسة عشر مليون دولار . لكن الولايات المتحدة لم تستجب لهذا الطلب ، كما فشلت محاولة أخرى مماثلة في كانون الأول 1939 للحصول على قرض بقيمة 40 ـ 50 مليون دولار، وذلك بسبب طبيعة الأوضاع السياسية التي كانت سائدة آنذاك مما يجعل من أي مشروع يعقد مع إيران مجازفة كبرى.([62])

لم يثن هذا الفشل الحكومة الإيرانية عن مواصلة سعيها لتطوير علاقاتها مع الولايات المتحدة . فقد أعلن محمد شايستة وزير إيران المفوض لدى واشنطن في شباط 1940 "رغبة بلاده في تطوير علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة على أساس برنامج تفصيلي لا يتحدد بالحرب بل يمتد إلى ما بعدها أيضاً" .([63]) وقد لقيت هذه التوجهات اهتمام الحكومة الأمريكية . إذ قام النفط مرة أخرى بدوره في زيادة اهتمام الأمريكان بإيران ، ذلك بسبب تزايد مخاوفهم من احتمال تهديد دول المحور لمناطق إنتاج النفط في منقطة الخليج العربي ، التي كانت لهم فيها امتيازات نفطية مهمة ، على اثر التوقيع على ميثاق عدم الاعتداء بين كل من الاتحاد السوفيتي وألمانيا النازية في 23 آب 1939 التي تمكنت ألمانيا من خلاله تحييد الاتحاد السوفيتي ، مما جعل بريطانيا تقف وحدها في مواجهة الألمان الذين قد يتمكنون من توجيه ضربة حاسمة لها في مياه البحر المتوسط .([64]) كما جاء هذا الاتفاق ليزيد من مخاوف الحكومة الأمريكية من احتمال وجود نوع من التواطؤ بين الدولتين ، ومما عزز هذه المخاوف التقارير التي كانت تتسلمها وزارة الخارجية الأمريكية من القائم بأعمالها في طهران انكرت Engert التي أشارت إلى أن السوفيت طلبوا من الحكومة الإيرانية إعطاءهم الحق في السيطرة على السكك الحديد واستخدام القواعد الجوية الإيرانية كافة .([65])

صفحة 8

كذلك زادت التطورات التي رافقت سير العمليات العسكرية في المرحلة الأولى من الحرب من اهتمام الولايات المتحدة بإيران جزءاً من اهتمامها بمنطقة الخليج العربي كلاً . فقد تمكن الألمان خلال هذه المرحلة من مد نفوذهم إلى مناطق قريبة من الخليج العربي لوقوع سوريا ولبنان تحت سيطرة حكومة فيشي الموالية للألمان بعد اكتساح الجيوش الألمانية للأراضي الفرنسية في مارس 1940، وإجبارها على إعلان استسلامها في حزيران من العام نفسه . كما ساهم دخول ايطاليا الحرب إلى جانب ألمانيا في 10 حزيران 1940 في تعريض المنشآت النفطية بمنطقة الخليج العربي إلى خطر الغارات الجوية الايطالية بسبب قرب هذه المنطقة من المستعمرات الايطالية في الحبشة وشرق إفريقيا .([66]) فكان من نتيجة ذلك كله أن شهدت العلاقات الأمريكية – الإيرانية نوعاً من التطور يمكن تلمسه من خلال وصول الولايات المتحدة إلى المرتبة الثالثة في لائحة تجارة إيران الخارجية بعد أن كانت تحتل المرتبة الخامسة .([67])

لكن ذلك لم يستمر طويلاً إذ سرعان ما شهدت العلاقات الألمانية – الإيرانية تطورات مهمة بمستويات متصاعدة خلال تلك المرحلة مما جعل إيران تزيد من ميلها إلى جانب ألمانيا أكثر من غيرها من الدول الأوروبية الأخرى، وهذا ما دفع بالحكومة الأمريكية إلى أن تطلب من المسؤولين الإيرانيين أن لا يسمحوا " لدولة ثالثة سيئة النيات " من عرقلة الجهود المبذولة آنذاك لتطبيع العلاقات الأمريكية – الإيرانية .([68]) فقد كانت للانتصارات التي حققتها القوات الألمانية المقرونة بالهزائم البريطانية على صعيد القارة الأوروبية الدور الكبير في زيادة قناعة رضا شاه ومن ورائه الإيرانيون بقوة ألمانيا وبقدرتها على تحقيق النصر النهائي في هذه الحرب ، وبضرورة ربط إيران بعجلة ألمانيا مادام المستقبل هو في صالحها . أملاً منه في أن يتمكن من استغلال الوضع الدولي الجديد في دعم نظامه على النحو الذي يستطيع من خلاله الحد من النفوذ البريطاني والسوفيتي في إيران . منطلقاً في ذلك من اعتبار ألمانيا هي العدوة الدائمة لكل من الاتحاد السوفيتي وبريطانيا .([69])

ولم يكن دور الحكومة الألمانية في زيادة توثيق علاقاتها مع إيران منحسراً إذ أنها كانت تدرك أن محاولاتها في تحقيق أهدافها التوسعية سوف تثير حفيظة الاتحاد السوفيتي وعداءه ، ومن ثم يؤدي ذلك إلى انضمامه إلى جانب الحلفاء في الحرب الدائرة فعليها إذاً أن تمد جسور صداقتها إلى إيران لتهيئتها لخدمة مجهودها الحربي ما دامت تشترك مع الاتحاد السوفيتي بحدود طويلة ، فضلاً عن الموقع الإستراتيجي لإيران الذي يمكن من خلاله الوصول إلى الخليج العربي والهند بعد الانتهاء من احتلال مناطق القفقاس وآسيا الوسطى .([70]) لذلك نراها تولي إيران اهتماماً خاصاً في مخططاتها وتقوم بتعيين أرون ايتل Ettle وزيراً مفوضاً جديداً في طهران لكونه أكثر "حنكةً ونازيةً" من سلفه ليزيد من ارتباط إيران بحكومته ، الأمر الذي انعكس انعكاساً واضحاً على علاقاتهما الاقتصادية ، وهو ما كان يهم ألمانيا بالدرجة الأولى بسبب الحصار الذي فرضه الأسطول البريطاني على تجارتها. فتم في 8 تشرين الأول 1939 التوقيع على بروتوكول تجاري سري بينهما تحولت إيران بموجب بنوده إلى الدولة الوحيدة التي تزود ألمانيا بالعديد من المنتوجات المهمة مثل القطن والصوف والقمح والشعير.. الخ ، وبعض المواد المهمة التي مكنت الألمان من تجاوز الصعوبات التي اعترضت تجارتهم بسبب الحصار.([71]) وهذا يفسر مساندة ألمانيا بقوة لسياسة الحياد التي انتهجتها الحكومة الإيرانية ([72]), وتشجيعها على استمرار الالتزام بها ، وذلك لان مثل هذه السياسة تسمح لألمانيا بمواصلة علاقتها التجارية مع إيران . إذ إن إعلان حكومة طهران انحيازها إلى ألمانيا أو التحالف معها سيخلق لكل الجانبين متاعب هما في غنى عنها ، لان ذلك من شأنه أن يكسب إيران عداء بريطانيا قد تتحول معه أراضيها إلى مسرح للعمليات العسكرية مما سيفقد ألمانيا مصدراً مهماً للاستيراد .([73])

بسبب ذلك حرصت الحكومة الألمانية على توسيع علاقاتها التجارية مع إيران فوصلت ألمانيا خلال 1940-1941 أول مرة في تاريخها إلى مكان الصدارة في لائحة تجارة إيران الخارجية ، إذ بلغت صادراتها إلى ألمانيا 42.09% .([74])

لم يقتصر تطور العلاقات الألمانية – الإيرانية على الناحية التجارية فحسب بل شمل أيضاً كثيراً من النواحي الأخرى ، الصناعية والثقافية والاقتصادية وغيرها على نحو لم تصل إليه إيران مع أية دولة أخرى .([75]) كان من نتائجه على سبيل المثال تزايد عدد الألمان الوافدين إلى إيران ، فقد بلغ عددهم أكثر من ألفي شخص ، بسبب التنمية الصناعية التي كانت تسير تحت الرعاية الألمانية .([76]) وأيضاً بسبب الأعداد المتزايدة من المدرسين الألمان الذي أصبحوا يسيطرون على اغلب مؤسسات التعليم الصناعي في إيران ، مع عدد كبير من مدارسها ومعاهدها حيث لم يؤثر القرار الذي أصدره رضا شاه في آب 1939 بصدد غلق المدارس الأجنبية في البلاد على المصالح الألمانية وأصبح هؤلاء الألمان يسيطرون في عام 1941 على مراكز قيادية في حوالي(50) مؤسسة حكومية مما جعل لهم تأثيراً واضحاً في سياستي إيران الداخلية والخارجية .([77])

كان لوصول ألمانيا النازية إلى مثل هذه المكانة المتميزة في إيران أثره في تأجيج مخاوف دول الحلفاء فضلاً عن الولايات المتحدة أيضاً ، إذ أصبحت ألمانيا من خلال هذه المكانة أكثر قدرة على تهديد مصالح الولايات المتحدة وامتيازاتها النفطية في منطقة الخليج العربي ، مما حتم على الحكومة الأمريكية أن تتحرك لاتخاذ بعض الإجراءات المناسبة لحماية هذه المصالح والعمل على جعلها في منأى عن تهديدات ألمانيا المحتملة ، فكان ذلك من الدوافع التي دفعت الرئيس الأمريكي روزفلت Franklin D. Roosvelt إلى الإعلان في عام 1941 عن " إن الدفاع عن منطقة الشرق الأوسط عامةً هو أمر ضروري للدفاع عن الولايات المتحدة "([78])، واقتراحه لقانون الإعارة للدفاع والتأجير (Lend – Lease) ، الذي كان بمثابة البداية لنهاية الحياد الأمريكي في الحرب العالمية الثانية . وبعد مناقشات طويلة وضغوط من الإدارة الأمريكية وافق (الكونغرس) الأمريكي في 11 آذار 1941 على هذا القانون .([79]) الذي يقضي بمنح الرئيس الأمريكي الحق في تقديم كل ما هو ضروري من أسلحة وتجهيزات ومواد ومعلومات دفاعية إلى أية دولة يرى أن دفاعها ضروري لدفاع الولايات المتحدة على سبيل الإعارة والتأجير .([80])

ولما كانت بريطانيا هي إحدى دول الحلفاء التي تحرض الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا النازية وحليفاتها ، وتلتقي مع الولايات المتحدة في أهدافها ، بجعل منطقة الشرق الأوسط بمأمن عن التهديدات الألمانية لأنها صاحبة المصالح الأكثر أهمية في هذه المنطقة عامةً . والقوة الكبرى في منطقة الخليج العربي ، والمسيطرة على النفط في جنوب غربي إيران ذات الأهمية الكبرى ، في الأقل لبريطانيا في هذه الحرب .([81]) عمدت الحكومة الأمريكية إلى شمول بريطانيا بقانون الإعارة والتأجير من اجل تقديم الدعم الكامل لبريطانيا ، من خلال هذا القانون في صراعها ضد دول المحور في الحرب الدائرة ، أملاً منها في تحقيق أهدافها تلك ، وعلى نحو غير مباشر دون الحاجة إلى إراقة الدم الأمريكي في حرب خارجية ، والاستمرار في تبني سياسة الحياد المعلنة ، ظاهرياً في الأقل، ([82]) فقد أعلن الرئيس الأمريكي روزفلت ، في اليوم الذي وافق فيه الكونغرس الأمريكي على قانون الإعارة والتأجير " إن دفاع بريطانيا ضروري لدفاع الولايات المتحدة الأمريكية " مما أدى إلى وصول الإمدادات الأمريكية إلى بريطانيا ومنذ ذلك الوقت .([83])

صفحة 9

وحينما زاد احتمال تعرض المصالح البريطانية والأمريكية للتهديدات الألمانية ، إثر الغزو الألماني لأراضي الاتحاد السوفيتي ، في 22 حزيران 1941 ([84])، وتمكن القوات الألمانية من إلحاق الهزيمة بالسوفيت والتوغل في عمق أراضيهم بصورة مفاجئة ([85])، انبرت بريطانيا للوقوف في وجه التهديدات الألمانية مدعومة بمساعدات الإعارة والتأجير الأمريكية . كما أدى هذا الغزو المفاجئ إلى تغيير في الموقف الدولي وإيجاد نوع من التحالف بين بريطانيا والاتحاد السوفيتي الذي كان يرتبط مع ألمانيا بمعاهدة عدم الاعتداء ففي 23 حزيران 1941، أي بعد يوم واحد فقط من الهجوم النازي على الأراضي السوفيتية . فقد سارعت بريطانيا إلى إعلان وقوفها إلى جانب الاتحاد السوفيتي ، واستعدادها لمده بالمساعدات العسكرية اللازمة لمواجهة العدوان الألماني .([86]) ثم أعقبها توقيع البلدان على اتفاقية للتعاون المشترك في 12 تموز 1941 .([87]) فقد كانت بريطانيا قلقة من تطور الحرب ضد الاتحاد السوفيتي ، وتوقعت هزيمته في هذه الحرب ، وكانت تعتقد أن أية هزيمة مبكرة للسوفيت سوف تجعل الألمان يسيطرون على البحر الأسود ، مما يمكنهم من استغلال ذلك في التقدم خلال تركيا أو القوفاز وتهديد إيران والعراق والهند .([88]) فكان على بريطانيا أن تسارع على إمداد السوفيت ليتمكنوا من الصمود أطول مدة ممكنة أمام الزحف الألماني ، بهدف تخفيف الضغط على القوات البريطانية في الجناح الغربي، وتفويت الفرصة على الألمان من تحقيق أهدافهم، في تهديد منطقة الشرق الأوسط إذا ما نجح السوفيت في صد الألمان .([89])

ووجدت بريطانيا أن أضمن الطرق وأقربها لإيصال امداداتها إلى الاتحاد السوفيتي يمر عبر إيران فضلاً عن وجود خط السكة الحديد الذي يصل الخليج العربي ببحر قزوين .([90]) فهناك أربعة طرق للإمداد ، وهي طريق مورمانسك ، وطريق فلاديفوستك ، وطريق المضايق التركية ، الدردنيل والبسفور ، وطريق إيران ، ولم يكن بوسع بريطانيا إرسال مساعداتها إلى الاتحاد السوفيتي عبر طريق مورمانسك ، بسبب تعرضه لخطر هجمات الألمان ، ولا سيما بعد تمكنهم من السيطرة على ساحل النرويج ، في حين كان ميناء فلاديفوستك بعيداً جداً ، فضلاً عن الصعوبات التي نشأت من جراء تغطية الثلوج له ، أما المضائق التركية فقد قامت الحكومة التركية بإغلاقها نظراً لإعلانها الحياد ، وكذلك خوف بريطانيا من احتمال تعرض امداداتها إلى هجمات القوات الألمانية الموجودة في البلقان.([91])

وعلى هذا كان لابد من أن تثير العلاقات الألمانية ـ الإيرانية المتطورة ، ووجود عدد كبير من الألمان على الأراضي الإيرانية قلق كل من بريطانيا والاتحاد السوفيتي على حد سواء ، فعلى الرغم من أن إيران كانت قد سارعت وأعلنت حيادها ، مرة أخرى ، في 26 حزيران 1941 .([92]) فان بريطانيا كانت تخشى أن تتعرض مصالحها النفطية في إيران ، إلى تهديد الألمان من خلال المكانة المتميزة التي وصلوا إليها هناك ، كما أبدت تخوفها من احتمال قيام الألمان بعمليات تخريبية ضد منشآت النفط الانكلوـ إيرانية في جنوب إيران مما يؤدي إلى قطع امدادات قواتها البحرية في المحيط الهندي والبحر المتوسط ، وقواتها البرية في الشرق من الوقود المعتمد أساساً على النفط الإيراني . ومما عزز هذه المخاوف ما لمسه البريطانيون من خطر ألماني اكبر اثر انتفاضة مارس 1941 في العراق ، فعلى الرغم من سحق هذه الانتفاضة بالقوة العسكرية إلا انه ليس هناك ما يضمن أن لا تحدث مثل هذه التطورات في إيران مع خطر اكبر على المصالح البريطانية وهذا ما دفع الجنرال ويفل ( wefel ) ، القائد البريطاني العام في الهند من تحذير حكومته بضرورة زيادة تعاونها مع الاتحاد السوفيتي في إيران لمواجهة الخطر الألماني .([93]) أما الاتحاد السوفيتي فقد كان يخشى من جانبه أن تسعى ألمانيا إلى فتح جبهة ثانية في إيران لتحقيق أهدافها في احتلال القفقاس وآسيا الوسطى .([94]) وكذلك من احتمال تعرض منشآته النفطية في باكو إلى التخريب .([95]) كما كان البريطانيون والسوفيت يخشون قيام الألمان الموجودين في إيران ، وبإيعاز من حكومتهم ، بتخريب الطرق وإفشال عمليات نقل الإمدادات عبر إيران .([96]) ولا سيما بعد أن زاد هؤلاء الألمان من نشاطهم في إيران بعد الغزو الألماني للاتحاد السوفيتي ، وقيام حكومة برلين بتجنيد بعض رجال مخابراتها الماهرين أمثال رومان كاموتا R. Gamotta ، وفرانز ماير F. Mayer ، والميجر جوليوس برتولد شولتز J.B.Shulze ، للعمل في إيران من اجل تكوين " رتل خامس " من أعوانهم وتأسيس منظمات نازية سرية في مختلف المدن الإيرانية .([97])

ونتيجة لذلك كان من الطبيعي أن تبذل الدولتان جهودهما للتخلص من التهديدات الألمانية ، ففي 26 حزيران 1941 أي بعد أربعة أيام من عبور القوات الألمانية للحدود السوفيتية أقدمت حكومة موسكو على تنبيه الحكومة الإيرانية إلى خطر وجود الوكلاء الألمان في إيران ، وما يقومون به من أعمال تجسسية ونشاطات تخريبية هناك ، ثم قامت في الوقت نفسه بإشعار الشاه أن لديها معلومات وثيقة تؤكد امتلاك الألمان نية القيام بانقلاب في إيران .([98])

كما أن طبيعة التطورات السريعة على جبهة القتال ، والانتصارات التي حققتها القوات الألمانية في المراحل الأولى من هجومها على الاتحاد السوفيتي أوجبت على كلا الطرفين البريطاني والسوفيتي الإسراع في العمل على جعل الموقف في إيران لصالح الحلفاء ، وذلك عن طريق ممارسة الضغط على الحكومة الإيرانية لإجبارها على طرد الألمان من البلاد . فقد عبر وزير الخارجية البريطاني انطوني ايدن Anthony Eden للوزير الإيراني المفوض في لندن عن رأيه بأن الوقت قد حان لان تعمل الحكومة الإيرانية على تقليص عدد الألمان العاملين في البلاد ، وعبر أيضاً عن أمله في أن يحل الخبراء البريطانيون محل الألمان العاملين في إيران .([99]) كما قدم كل من السفير السوفيتي والوزير البريطاني المفوض لدى طهران في 19 تموز 1941، أي بعد أسبوع واحد على توقيع بلديهما على اتفاقية التعاون المشترك ، مذكرتين متزامنتين أعربا فيها عن أمل حكومتيهما في استجابة الحكومة الإيرانية لطلبهما في ترحيل الألمان الذين لا يمتلكون أسباباً مقنعة لبقائهم في إيران، ولفتا في مذكرتيهما أيضاً نظر حكومة طهران إلى المخاطر التي يمكن أن يشكلها وجود أعداد كبيرة من الألمان في البلاد، على إيران نفسها ، وعلى مصالحهما هناك .([100])

وبعد عشرة أيام ، في 29 تموز 1941، أجابت الحكومة الإيرانية بعدم موافقتها على تلبية الطلبات الانكلو ـ سوفيتية وذلك لان طرد أي ألماني من إيران يعد من وجهة نظرها خرقاً لحيادها المعلن ، فضلاً عن أن ذلك سيكون له تأثيره السلبي في علاقاتها مع ألمانيا .([101])

وبإزاء هذا الرفض أعادت الحكومتان البريطانية والسوفيتية الكَرّة من جديد وقدمتا في 16 آب مذكرتين بالمعنى نفسه إلى الحكومة الإيرانية ، حثتاها فيهما على ضرورة اتخاذ قرار من شأنه الحد من نشاطات الوكلاء الألمان في إيران .([102]) كما قام ممثلاً كل من البلدين بإخبار الحكومة الإيرانية شفوياً بطلب حكومتيهما بترحيل أربعة أخماس الألمان الموجودين في إيران قبل نهاية آب 1941، وان لا يتعدى ذلك منتصف شهر أيلول من العام نفسه على أية حال من الأحوال .([103])

وعلى اثر ذلك سارعت الحكومة الإيرانية إلى الاتصال بحكومة الولايات المتحدة ، واجتمع وزير إيران المفوض لدى واشنطن ، محمد شايسته ، مع وزير الخارجية الأمريكي كورديل هل Cordell Hull في 22 آب 1941 لينقل رغبة حكومته في معرفة الإجراءات التي يمكن أن تتخذها الحكومة الأمريكية لمنع حدوث الهجوم البريطاني ، وقد أكد (هل) في معرض إجابته على استفسارات شايسته طبيعة الصراع العالمي مع المحور واعتقاده بأنه يتوجب على إيران أن تتخذ كل الإجراءات الممكنة لمساعدة الحلفاء وتجنب تقديم المساعدة لدول المحور .([104]) وما من شك في أن منحى الحكومة الأمريكية هذا جاء منسجماً مع سياستها القاضية بتقديم الدعم الكامل لبريطانيا في الحرب الدائرة وعدم التدخل المباشر.

لكن الحكومة الإيرانية ، مع ذلك ، رفضت من جديد الاستجابة للطلبات البريطانية والسوفيتية التي تضمنتها مذكرتا 16 آب التي قدمتهما كلا الدولتين ، إذ أوضح وزير خارجية إيران بالوكالة جواد اميري لوزير بريطانيا المفوض في طهران السير ريدر بولارد R. Bullard في معرض إجابته على المذكرة البريطانية أن عدد الألمان المقيمين في إيران ليس كبيرا ً، وان الحكومة الإيرانية متأكدة بأنه ليس بإمكان هؤلاء ، وهم بهذا العدد ، القيام بأي نشاط معاد ٍ، وان حكومته عازلة على تقليص عدد الخبراء الأجانب في البلاد على نحو عام ، كما أنها تعتقد أيضاً أن ترحيل الألمان المقيمين في إيران بدون سبب مقبول لا ينسجم مع سياستها القائمة على الحياد .([105])

صفحة 10

وفي تقديرنا أن امتناع الحكومة الإيرانية عن الاستجابة لمطاليب كل من بريطانيا والاتحاد السوفيتي التي تضمنتها مذكرتهما جاء نتيجة لما حققته القوات الألمانية من مكاسب جديدة في جنوب الاتحاد السوفيتي ، إذ نجحت هذه القوات في تهديد كل من اوديسا Odessa وكيف Kiev تهديداً جدياً ، وكذلك يعزي هذا الامتناع إلى ما كان يشيعه الألمان في طهران ، وغيرها من المدن الإيرانية بأن قواتهم سرعان ما سوف تعبر نهر الدنيبر Dnipeper في أوائل شهر أيلول ، وسيتزامن معه ظهور أسطولهم الموجود في البحر الأسود في باطوم Batum من اجل قطع خطوط امدادات السوفيت إذا ما حاولوا غزو شمال إيران ، وأنه إذا ما صمد الإيرانيون لأسابيع قليلة فقط فان القوات الألمانية سوف تكون في طهران لمساعدتهم .([106])

دفع الرفض الإيراني كل من الدولتين البريطانية والسوفيتية إلى القيام بعمل عسكري ضد إيران من اجل حسم الموقف لمصالحهما هناك ، وقبل القيام بهذا العمل وجه ممثلا الدولتين مذكرتين جديدتين إلى الحكومة الإيرانية في الرابعة صباحاً من فجر يوم 25 آب 1941 ، عبرّتا فيهما عن أسفهما لموقف حكومة طهران الرافض لطلباتهما في طرد الألمان من البلاد ، وبعد أن أعادتا تأكيداتهما السابقة بخصوص احترامهما لاستقلال إيران وسيادتها ، أعلنتا عن عزمهما على إرسال قواتهما لاحتلال إيران ، بهدف تأمين إيصال الإمدادات إلى الاتحاد السوفيتي عبر الأراضي الإيرانية ، كما عبرّتا عن أملهما أن لا تلقى قواتهما مقاومة الإيرانيين وهي تنفذ هذا العمل .([107])

وفي الوقت نفسه قامت القوات البريطانية والسوفيتية بعبور الحدود الإيرانية ، فدخلت القوات البريطانية من الجنوب عبر الأراضي العراقية ، ودخلت القوات السوفيتية من الشمال . وبعد أن استمرت العمليات العسكرية مدة ستة أيام انتهت في 31 آب بالتقاء القوات السوفيتية والبريطانية في قزوين .([108]) أما القوات الإيرانية فإنها لم تبد إلا مقاومة يسيرة ليست ذات قيمة ، إذ تعرضت القوات البريطانية في الجنوب إلى بعض الخسائر حينما تمكن الإيرانيون بقيادة الجنرال شاه بختي (Shah bakhti) من إيقاع ما يقارب (55) إصابة بالقوات البريطانية هناك، في حين لم يجابه الجيش السوفيتي أية مقاومة في الشمال .([109])

وفي اليوم الذي دخلت فيه القوات السوفيتية والبريطانية الأراضي الإيرانية كثفت الحكومة الإيرانية من جهودها للحصول على الدعم الأمريكي ، لتتمكن من خلاله مواجهة الضغوط العسكرية أو السياسية للدولتين المحتلتين التي يمكن أن يتمخض عنها هذا الاحتلال أو في الأقل الحد منها ، ففي يوم الاحتلال 25 آب بعث رضا شاه برسالة عاجلة إلى الرئيس الأمريكي روزفلت يسأله فيها التدخل لوضع حد لأعمال العدوان هذه .([110]) كما قام في الوقت نفسه المدير العام لوزارة الخارجية الإيرانية بالاتصال بالوزير الأمريكي المفوض لدى طهران ، لويس درايفوس L. Dryfus لينقل إلى حكومته طلب الحكومة الإيرانية الرسمي المتضمن حثها على التدخل من اجل وضع حد للعمليات العسكرية للقوات المحتلة في إيران .([111]) لكن كل ذلك لم يجد الحكومة الإيرانية نفعاً ، إذ لم تغير هذه الجهود شيئاً من سياسة الحكومة الأمريكية في عدم التدخل المباشر في شؤون منطقة الشرق الأوسط ، بل وتأييد السياسة البريطانية في هذه المنطقة وتقديم الدعم الكامل لها . وهذا يعني أن الولايات المتحدة كانت تؤيد الاحتلال البريطاني ـ السوفيتي ، وان لم تعلن عن ذلك . ومما يؤكد ذلك ما كانت تمارسه الولايات المتحدة من حث متواصل لحكومة إيران لاتخاذ كل الإجراءات التي تجدها مناسبة للحد من النشاط النازي ، وعدم تقديم أية مساعدات إلى الألمان ، سواء كان ذلك بوساطة وزيرها المفوض لدى طهران دريفوس ، أم من خلال لقاءات وزير خارجيتها (هل) مع وزير إيران المفوض لدى واشنطن . وكذلك يمكن أن نتلمس ذلك التأييد من خلال جواب الرئيس الأمريكي روزفلت على رسالة رضا شاه المخيب لآمال الإيرانيين .([112]) الذي لا يخرج في فحواه عن نتائج محادثات الوزير الإيراني المفوض مع وزير الخارجية الأمريكي ، ويتلخص في اعتبار مسألة احتلال إيران احد العناصر الصغيرة ذات التأثير الواسع لإيقاف طموح هتلر في احتلال العالم ، كما أوضح الرئيس روزفلت للشاه أن حكومته على علم بما أكدته حكومتا بريطانيا والاتحاد السوفيتي للجانب الإيراني بأنهما ليست لديهما أية نيات تمس استقلال إيران وسيادتها على أراضيها ، ولا سيما أن حكومته سبق لها أن حصلت على معلومات مؤكدة من حكومتي كل من بريطانيا والاتحاد السوفيتي فيما يتعلق بخططهم وغاياتهم البعيدة المدى في إيران ، وأضاف بأنه اقترح على الدولتين توجيه مذكرة مفتوحة إلى شعوب العالم الحر تعيدان فيها تأكيداتها السابقة بشأن استقلال إيران.([113]) بل إن ما يؤيد ذلك على نحو قاطع هو " ما نقلته وكالة اليونايتد بريس لنبأ مفاده أن الرئيس الأمريكي روزفلت وافق على كل إجراء تراه الحكومتان البريطانية والسوفيتية ضروري لتطهير إيران من النفوذ النازي".([114]) حتى قبل أن يتم الاحتلال. وعلى أية حال فان كل ما قامت به حكومة الولايات المتحدة إزاء الجهود الإيرانية المكثفة هو دعوتها لكل من بريطانيا والاتحاد السوفيتي إلى إعادة تأكيداتهما للحكومة الإيرانية بعدم وجود لديهما نيات بالاستمرار في احتلال إيران وان وجود قواتهما على الأراضي الإيرانية مرهون بسبب الحرب مع هتلر ، مع عدم المساس باستقلال إيران ووحدة أراضيها . واجتمع لهذا الغرض وزير الخارجية الأمريكي (هل) في 27 آب مع ممثلي البلدين البريطاني والسوفيتي لدى واشنطن .([115])

لكن بعد الاحتلال البريطاني ـ السوفيتي لإيران ، والتطورات التي رافقته دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران مرحلة جديدة شهدت تطوراً واتساعاً أكثر من ذي قبل .