صفحة 1
مقدمة
أحمد فواز في تجربته الأولى...
كثيراً ما يُلفِتُكَ عنوان، فتسعى عيناكَ بشغفٍ إليه، ومن ثم تعود لتبحث في تركيبته وصياغته علّك تصلُ الى مضامينه وخفاياه، وكأنك تحاول الوصول الى النقطة التي تستطيع من خلالها، تلمّس دلالاته ومن ثم قراءة ما في نفس كاتبه وقلبه وعقله...
"سيف الياسمين" عنوان فيه من التّضاد بمثل ما فيه من معاني تضمينيةٍ تحملك على تصوّر ما يريده الكاتب.. فتسأل: كيف يمكن للياسمين بما فيه من نعومةٍ وليونةٍ وانسياب عطر، ان يستلَّ سيفاً، بما في السيف من مضاءِ حدٍّ ولمعِ نصل؟ ثم تعود لتتذكر قول الشاعر:
عيونكِ من مضاءِ السيف أندى وثغرُكِ إن تلظّى الجرحُ بلسمُ
وعندها تتلمّس شيئاً مما يقصده أحمد فواز في مجموعته النثرية، هذه، وتفهم ما وراء القصد.
أحمد فواز لم يمتهن الكتابة أو النظم، ولم يحاول أن يأخذ ويقلّد ويدّعي، إنما هو ناشرٌ مجتهد وقارئ.
مكتسب، وذوّاقة يحسن الاستماع... ولا غرابة مع هذه المزايا، أن يطلق – من حين لآخر- تغريدةً هنا، وتغريدةً هناك يبثُ مشاعره وأحاسيسه، فتمـشي كلماته طوعاً حاملةً ذلك المزيج العفويّ من العاميّ والفصيح، مما تنطق به ألْسنة الكثرة من الناس، حين تعبّر عن ذاتها بالكلمة المكتوبة التي هي رسمٌ للكلمة الملفوظة، وتعبيرٌ واضح عن حالةٍ، أو عادةٍ، أو مشهدٍ، أو مكتسب نطق به العامة وتداولوه وما زلنا نعيش ما عاشوه...
ولكن، ما ميّز أحمد فواز، في همساته، أنه يعيش هاجس الحب والحبيبة واللقاء، كما يعيش هاجس الوطن..،
وبقدر ما يؤلمه الفراق، ويلحُّ في طلب الوصال، بقدر ما تجرحه حالة الموت السريري التي يعاني منها وطنه، وحالة انعدام الوزن التي غرق فيها زعماؤه وسياسيوه، والمتاجرون المنافقون،... فتراه صاخباً، لاعناً، ناقماً، متوجساً، يصبُّ جام غضبه على الذين باعوا ضمائرهم وانسانيتهم ليشتروا الفضة والذهب والمقاعد الوثيرة..
هو انسانٌ، كما يكتب عن سيجارته وفنجان قهوته، وحبيبته المشتهاة، يكتب أيضاً عن معاناته في وطنٍ يدّعي الديمقراطية والتسامح والانفتاح، وهو غارق حتى أذنيه بدكتاتورية الزعماء المذاهبين والطوائفيين، والنفور والتباعد والتقوقع الى حدّ الانغلاق، حيث تُعمى البصائر والقلوبُ والعقول...
وفي لفتة مختلفة، نقرأ في ما كتب أحمد فواز نزعةً صوفيةً تأمليّة، ينطق بها بلسان يمامة بيضاء اختارت غصناً تحطّ عليه وتحتمي به، فإذا به يعاني آناً من الصقيع، وآناً من لهب الصيف ويُعييه الكِبَر عن الحركة، فإذا بها دفئه في البرد، ومروحته في الحرّ وحارسه الأمين عند الخطر، وكذلك نلمحه في الحوار بين الأرض والسماء .
صفحة 2
تجربته الاولى هذه، بفصيحها وعاميّتها، أرضى بها توقه لأن يغني، ويرسم كلمات غنائية على الأوراق... ولا بأس إن اعترضته بعض العثرات فيكفيه أن يُرضي طموحه، ويتنفس، ويحاول...، فلا وصول إلا بعد مشاق، وتعبٍ لذيذ.. يتعبُ في الحب، فيرتاح ويقول:
لا أشعر بحريتي إلا وأنا سجين النبض، لا أريد أن أكـسرَ القيدَ إلّا بقبلة...
ما أجمل وردة خاطري، وقصيدة عينيكِ
أقرأها مع فنجان قهوتي وصداح بلبل الصباح....
وفي ومضة سريعةٍ يقول:
وكأني أسمعهم يقولون، لا ترفعوا أصواتكم فالعاشق نائم..!! ربما لا يدركون أن الوقت الذي أمضيه على سريري، هو وقت جفاء الغفوة...
ويقول أيضاً:
"يشع شهد الرضاب نوراً، تتوهج الشفاه احمراراً.. يا لروعة الاحلام..."
وفي صفحة نقده اللاذع، يتجرأ ويقول:
استضعفونا فعلّقونا
بعد أن أجلسونا على الوتد
وراثة المقاعد دائمة
في وطن تسوده الذئاب
أحزابه.. نوابه... ساسته
حكامه...
أفضلهم ولد
أقلّهم جاهلٌ معتد
أشرفهم من كدّس الأموال في البنوك..
من دون أن يرهقه التعب..
من قتل الناس بغير ذنب
من جَبَل التراب بالدماء
......
هو جريء في نقده ولكن الحقيقة لا تُخجل وإن جرحت...
أما في زجلياته، وإن خالطها شيءٌ من الارتجال والعفوية التي تمنع سلامة التوازن والايقاع، نراه مرتاحاً كمن يكتبُ على هواه، لا يلتفت لقيدٍ ولا يتوقف عند وزن،...وفي ارتياحه تتقبلُ أغانيه وزجلياته لأنها تنطق بلسانه وإنسانيته..
نتمنى لهذه التجربة أن تنمو وتكبر ويتحول معها صاحبها إلى ما يحب ويشتهي.
20/8/2013
يوسف شمس الدين
رئيس اللقاء الادبي في اقليم الخروب
صفحة 3
العلم بلا دين: أعرج..
والدين بلا علم: أعمى..
ومجتمع بلا ثقافة كحبةِ رملٍ على الشاطئ .
تتقاذفه الأنواء والأهواء...
سألني صاحبي:
ما رأيك ..هل أشتري سيارةً جديدة أو أطبع كتاباً جديداً؟
فقلت له: السيارة تسافر بها وحدَكَ.. بينما الكتاب يرافقك به الكثير من الاصدقاء والأحبة
وأنت من عليه الاختيار.. إما الرفقة الحسنة.. أو الوحدة في مشوار الحياة..
الحُب... وحبيبي... وأُحبك...
ليَـس المهــم مــن قالهـا أولاً
ولكـن المهم من تمسَّكَ بهـا حتى النهـايـة وعرف معناها الروحِي والإنسَانِي
صفحة 4
حوارٌ بين الأرض والسماء
انتـشرت أشعة الشمس على مروج العمر خجلةً مستحية من خلف الغيوم..
الطقس ماطرٌ، وجاري الفلاح الذي أنهكه الدهر لم يستطع الذهاب لحقله، وباتت الفراشات في أيقوناتها البيضاء، واحتجب النحل عن الخروج خوفاً من الشتاء
هطولٌ.. هطول.. مطرٌ.. مطر
وإذ بذاك الشتاء الفصلي المنهك الضاحك يهطل كدموع الحرقة عند المغيب، والشمس الى النوم، والقمر يتأهب ويصحو..
سألته: لِـمَ المطر ينهمر كالدموع يا صاحبي؟ فأجابني:
لقد احسّت السماء بورود حبيبتك..
فبطلتها يتجسّد البهاء ...
همساتها تهطل بكل حب، وعيناها لا تشع إلا فرحاً، ولا ترعد إلا بهمس العاشقين..
لا تبرق الأحداق إلا بصورة ملكات الحب..
فاستحى مطر السماء وخجل من نقاء هطول حبك الخالد، وترك لكم المروج لهطول أمطار ٍمن شفاهٍ على بساتين عمركم.. فبذلك فقط تزهر الورود ويفرح النحل وتتراقص الفراشات ويبدأ ربيع العمر بعطر أنفاسكم العاشقة..
تتراقص مروج العمر بأخـضر العشب الندي، وببسمة ثغر تـشرق شمس الحبيب.. ويبدأ سر الليل في عيون عاشقة تعلّم الدنيا كيف تنبت الازاهير، وتلوّن الخدود وتزهر الجرود وتنشر البهاء..
سرحتُ بحبيبي وفرحت..، ورسمتُ لوحة عمرٍ ملونة برموش كمظلة شتوية وتفاح.. ورمان وشفاه قرمزية..
لم أشعر إلا الليل قد انتصف..، تتراصف الأنفاس بأجمل إحساس، والنظر شاردٌ مقبلٌ ووارد... يا لمجد الخالق.. !
لاحظت أن القمر يتوسط السماء هامساً ومتململاً:
- ليت حبيبتك تتنفس بهدوء حتى لا تحرقني أنفاسُ الشوق..،
تتهادى في سماء عمركَ وأنا أغار من ضيائها
يا لسعادتك ونورها يبدد كل ظلام في نفسك
همساتها نجومٌ تحرس بهاء عشقكَ الوضّاء
تتمايل حبيبتك بين ثنايا أيامك.. تنـشر ربيع الحب، بحبٍّ ربيعي منـتشر من روحها النـضرة العطرة..
صفحة 5
يوَشوشُني القمر بصوت خافت:
- أحسدك يا رفيق السهر على جمال قمرك الذي ينير سمائك
قمرُك يا صديقي يجعلني أركض نحو البحر، أطلب النجدة من شمس الصباح لتساعدني على نـشر بعض نورٍ مستمد من وهج عشقِ روحين مستمر ليل نهار..
فكل نجمة حولي يا صديقي تشحذ منها شيئاً من نور، والكواكب تعرف كرم روحها المنبعث من حبٍّ إلـهي وسماوي مصان من رب الخلق..
يتأوّه القمر: .. ليتني معك يا صديقي ليساعدني قمرُك على الاستمرار بالحياة واستكمال العطاء..
قمرك يا رفيق السهر خالد بنوره، وباقٍ ببهائه، وأبديّ بحبه.
قمرك يا رفيق السهر هو الخلود بعينه..
ضحكتُ منه وسخرت.. وقلت في نفـسي.. لقد عرف هذا اللعين سري،
وعرف أنني بلا حبي لا أمل لي بالسعادة
فسر السعادة في بريق عينيها
لا جدوى من استمرار الحياة بلا بسمتها
ولا تستقر دوزنة النبض إلا بحبها
فهي المستقرة بي.. وهي العابثة بالتاريخ.. والساخرة من الجغرافيا..
تنـشر أطلس العشق في خارطة عمري، ترسم الحب بلا خطوط طول ولا خطوط عرض..
تلوّن العمر بفرحة قلب ورعشة جسد وغنج هدبٍ ناعس
هي القابعة المتربعة على العرش
وما روحي إلا حارسٌ لكرسيّ عرشها على مملكة قلبي..
مرت غيمة بيضاء عابرة، فاختبأ قمر السماء خلفها وتوارى عن نظري،
وهمس لي: لا يمكن أن أكون معك وأنت تملك الحقيقة.. !!
فاسمح لي يا صاحبي أن أنام الليلة باكراً، وأعدك أن السماء ستكون خيمتكم طالما انكم تنيرون سماء العشق بنور أرواحكم..
- إسترح يا صاحبي ليستريح قلبي في سماء حبيبتي
وليسترح عمرها في أجندة تاريخ العشق المترسب في نبض شرياني بها
ومنها.. وفيها.. ولها..
صفحة 6
اليمامة والغصن العتيق
- بيضاء تلك اليمامة
كم كانت حائرة على أي غصن تحط رحالَها
فاختارت غصناً منحنياً كأنه يصلي متعبداً خاشعاً لخالق المحبة والإنسانية
رحب بها أيما ترحيب و احتضنها بكل ما يحمل من سلام الأديان ونقاء القلوب وسمو الخلاص...
إنها قيامة النفس...
تسافر يمامتي بين ألوان قوسِ قُزح.. أجنحتها أفكار مشتتة.. تجوب شعاع الشمس..
وتعود لغصنها الندي.. يحملها بحب.. تحضن فراخ قلبها لتكبر وتنشر السلام متعلمة من خبرة غصنها العتيق أهمية الروح وحق المخلوق بالكرامة وانتماء الإخلاص للنفس المؤمنة..
الشمس حارقة كالغربة.. ونهر الزمن لا ينقطع.. والغصن بدأ يشعر بالجفاف، وخاف أن ينخره العمر.. وإذ بيمامته ترفرف مهفهفة تحط عليه.. فيشعر بأهميته، ويعرف ان لا غنى عن دوره في البناء رغم العجز.. ويصمد ويقوى، ويفرخ البرعم الأخـضر ويـشرب نقطة من الأمل ليستوقف العمر، وترتاح على هدوئه اليمامة..
***
... وجدائل الشمس تنسدل على مرج الخواطر.. وسكينة النفس تحاول أخذ استراحة من عناء الوجدان... ينتفض الغصن العتيق ويرتعد بقوة..
أجفلت يمامته المستكينة في حضنه تصلي وتدعو ربَّ السماء.. طالبة الهدوء والهناء.. مالك يا حاضني؟ أرعبتني يا رفيق العمر.. ومن بين ثناياك كدت ان توقعني
حزن الغصن العتيق واعتذر.. وقلبه بالدمع انهمر بخجلٍ عليها اطال النظر...
- آسف يمامتي.. فقد حاول أحد الطيور المارقة أن يحط عندي.. وأنا لا أريد لك شريكاً ..
... انحنت اليمامة ساجدة في محراب السلام شاكرة حامدة رب العباد لكل هذا المجد والسلطان لروح تحتضن توأم روحها..
خافت اليمامة على غصنها الذي عانى من لهيب القدر بعد أن دبت الحياة فيه من جديد وأثمر، مرت الساعات ثقيلة ووطأة نار الجحيم تصاعدت وشعرت بحرارة قلبها تعانق روحه وهو يرتعد.... ما بك يا غصني العزيز، يا من بخبرة الأفكار مثمر.... أريد أن أعانق عمرك وأعطيك بعضاً من دفئي علّك تنتعش وترتوي.... .
- لا تجزعي يمامتي هي غيمة صيف عابرة... هو إحساس بألَم ولّى وها أنا قد عدتُّ إليكِ سالماً، فلن يشاركني أحد بعبيركِ ولا حتى بروحكِ.... تعالي إليّ وإلى نبضاتي وليكن لقاء همساتنا هطولاً شافياً لغليل العذاب، وأوكسير حياة..
***
صفحة 7
ينهمر الشتاء غزيراً.. تقصف الرعود.. ويتوه البـصر من لمع البرق.. تتكـسر الأغصان من زمهرير الحياة.. يصلي الغصن العتيق.. يناجي ربه:
- ربي احمني لأبقى حاملاً يمامتي مدى العمر.. ربي اعطني القوة لأستمر بحماية بسمتها..
ينظر للأعلى.. يبتسم سراً رغم القهر والخوف، لأنه رأى يمامته تنام عليه بكل جسدها.. فارشة ريشها على أنحائه.. تحميه من البرد.. تحضنه بحب.. يشعر بالزهو.. فيشتدّ عضدُه ويضحك سعيداً بانتظار شمس اليوم القادم...
***
أجفلت يمامتي من سكونها.. مرتعدة.. لأول مرة لا تسمع تسبيحةَ كل شروق من غصنها العتيق.. تتلفّتُ يميناً وشمالاً.. يا لهول ما رأت.. يرتعد غصنُها جذعاً من حرارة جحيم الدنيا.. تسمع هذيانه:
أشعر أن صمتاً عميقاً يكبّلني، صرخات تتعالى في أحشائي.. دونما حركة من فمي، أو رفضاً من عقلي لهذا الصـراع الغريب..
أشعر أني خُلِقتُ لزمنٍ غير هذا الزمن المتناقض..
تعرف أن الهذيان قطع شوطاً.. فتطير لغصن قريب وتبدأ تصفّق بأجنحتها دامعة العين والقلب.. علها تبرّد بعضاً من حرارته..
فيزيد ارتعاداً وغضباً وطقطقة..
- ما بكَ يا غصني العتيق.. أريد ان أعطيكَ بعض الهواء، فلا تخـشى الأنواء فأنا أنفضُ جناحي بقوة علّك تنتعش..!!
- لا وألف لا فليكن الموت نصيبي وانتِ جالسة معي حتى لو زاد لهيبي أفضل من شفائي..، وهناك غصن آخر يشاركني عبيركِ ويتنعّم بروحكِ.. تعالي إليّ ولتكن فرحة الروح شفاء لحرارة الجسد..
***
يهتز الغصن العتيق وينتفض من غفلة استراحة الأيام.. فاذا به يصحو على ترنيمة صلاة من قلب آمن برب السماء ونـشر السلام في الأنحاء ورجا ربّه سرعةَ الشفاء
سجد الغصن راكعاً.. خاشعاً في محراب إيمان يمامته.. ففي خشوعه راحة لنفسه وفي روحه توق لكلمات تشفيه..
انهمرت الدموع من مقلتيها، وشعرت أن النيران تتصاعد من قلبها لدى سماعها ما قال.
لاحت علامات التعب على الغصن العتيق
وأعياه المرض وبدأ يتلوى بسكينة خوفاً من أن تشعر يمامته بما أصابه ..
ربتَت كتف غصنها العتيق قائلة
صفحة 8
- بالله عليك لا تقل لي أن الزمن أعياك، وأنك تفضل الموت إذا شاركك أحد بي..فالعلاقة الروحية تقوى بالمنطق السليم ..!!
أريدك أن تكون على يقين بأن ما من غصن أو هواء أو ماء باستطاعته مشاركتك بي.
إن قلبي لا ينبض إلا بكَ.. وروحي لا تنطق إلا باسمك... ولا أهوى إلا همساتك وحنانك،
قم وانفض عنك غبار السوداوية.. فما اشتاقت روحي إلا لبراعمك الندية.. وظلال روحك الغنية..،
قم لنطفئ نار الوجد بسمو المجد، فما أنا إلّا ريشة في ريح عمرك.. فلا تدعني أغرب عنك..
نظرت إلى عينيه..، رأت دمعة تنساب لتستريح على خده
اقتربت منه قليلاً وشعرت بحرارة قلبه، تصاعدت لتطال جبهته
ارتعد عندها من هول ما حصل
شعر وكأنه ورقة في مهب الريح .. أنه ولأول مرة يحسُ بضعفه أمام نفسه..
ولم يشأ أن تعلم حقيقة ما حصل كي لا تجزع أو تبتعد عنه
فقد شعر أنه سوف يهوي على أرض صلبة.. لا حياة فيها
سجدَت أمامه ونظرت في عينيه
قالت له:
- لا تجزع يا غصني الندي
يا بلسماً لي.. لك كل حياتي وروحي
***
... والقمر بدر الدجى والسكون يخيّم في الانحاء، والكل نيام حالمون برغد العيش وسكون النفس.. وإذ بالغصن العتيق يلمح ظل يمامته تتحرك على غير عادتها هامسة
- ما لي أرى في عينيك الأرق، والضياءُ بادٍياً في الشفق، ألَا للراحة من رمَق؟؟
- يا توأم الروح.. وما اختلاجات النفس الا أفكار متناوبة وأنا للقدر شاكرة، لست بعاتبة..
ألا من وسيلة للنوم والراحة.. وللعين بعض الاستراحة..
تطلع اليها بنظرة ودٍّ، سرح ببـصره نحو البعيد.. وقال بصوت يملؤه الحنان:
- سأحكي لك حكاية (ليست مني ،لكنها منقولة من الغير)، لتنوير درب الخلق نحو الخير، حكاية حب وإيمان، وإخلاص قلَّ ما يعرفه إنسان، ولا من عايش هذا الزمان، بطله الروح ومسرحه بستان،
وضعت يمامتي رأسها على أحد البراعم الندية لتنهل من توأم الروح حكايته الغنية.. فقد حفظه عن أسلافه بالإنسانية
صفحة 9
وتسمع الحكاية..، والعبرة في النهاية....
- هاك يا يمامتي الحبيبة في ذلك البستان الذي ينعم بكل الأزاهر والألوان، يجمع بين أفيائه كل اصناف الورود والأزهار التي تبهر الأبصار، وتعطّر الأجواء والأمصار، تحضن النحل بكل حب، فيختلط طنينه بتغريد العصافير السائحة.. وذلك الحسون الزاهي المختال بأرجوانية العينين، وألوان قوس القزح ترسم أجمل جناحين.. ولجمال صوته ولحنه العندليبي الرائع.. فقد أحبته كل الورود الندية... أما هو فقد وقع في عشق زهرة الياسمين البيضاء..
- مختالة بين أقرانها.. مجاهرة، ها قد أحببتموه.. وأحبني، تناظرونه ويغني لي..
يأتي إليها كل صباح يغني لها أجمل الألحان يصول حولها ويجول .. راكعاً في محرابها طالباً الوصال، ويعلق الآمال، ويعلن حباً سماوياً لا محال.. وهي بادية الاختيال والأعذار، لأنها من الأجمل بين الأزهار.. فهذه خصال المتكبر الجبار..
- لا أحبك.. لن أحبك..
وكل يوم على نفس المنوال... حتى تاه منه العقل ومال، وهام بلا أكل ولا ماء.. وكل همّه الوصل والرجاء، طالباً رضاها واللقاء.. والوردة البيضاء تزهو بلونها الفريد تختال عليه وهو هائم يسترضي تكبرها العنيد، ويشدو لها كل قصائد العشق.. حتى ملّت، ومنه كلّت.. وقالت له واثقة من الاستحالة:
- لن أحبك حتى يصبح لوني أحمر كلون خديك..، عندها سأكون لك و طوع يديك..
في الصباح التالي.. نـشرت الشمس أشعتها وبدأت الحياة تدب بين الخليقة.. وجاء كل عصفور يغني لوردته.. وصحَت وردتُنا البيضاء باسمةً حالمة.. فاذا بها تجد أن لونها أصبح أحمراً أرجوانياً.. فانبهرت وقالت:
- يا للقدر ها قد جاء النصيب.. وأنا الآن أقبَلُ بعصفوري الحبيب.. ولكن.. أين هو اليوم ذلك العاشق النجيب؟ ما لي لا أسمع نشيده ولا نبضَ وريده، فأنا الآن شريكاً أريده.. سأسقيه كل ألوان الحب وأزيده، فإن القدر وضعه بطريقي حتى رأيتُ به الحب الحقيقي... أين أنت يا حبيب القلب وتوأم الروح.. ورفيق الصباح والمساء..؟؟
وما هي إلّا لحظات حتى ارتعدت الزهرة و صرخت صرخة أجفلت من حولها الطيور، وانحنت أزرار الورود من هول ما رأت..
ها هو العاشق مسجّى على الأرض لا حركة ولا حراك..
باسماً غير باكِ، فقد اتخذ القرارَ بلا ارتباك، وقرر الانتحار، عند بزوغ النهار، ليكون عبرة لكل مختال.. فمات كعاشق سعيد، وعن محراب حبه غير بعيد..
- مالك يا حبيبي؟؟هل كنت في عراك؟؟
ولكن لا مجيب فالعاشق المخلص كان قد قطع جناحيه على أوراق وردته وهي نائمة فلوّنها بدمه وجعلها حمراء كما طلبت.
يا لهذا الحب، أيعقل أن نجد في الدنيا هكذا انتماء؟ والحياة مليئة بالأحياء، منها المحب الوادع، وفيها مَن ليس له رجاء؟؟
فقط ليبرهن لي عن حبه وانتمائه.. كم أنا حمقاء بلهاء...
ترى ماذا جنيت من تكبري، ورفـضي وتجبّري، فقد خـسرت الحبيب وأبدلت العندليب بالنحيب
وخـسرت الوفاء، والحب والبهاء،
فلمَ التكبّر على النصيب، والقدر والحبيب.. فلا حياة سعيدة بلا نبض، فمهما ارتفع الرأس ستبقى قابعاً على الأرض...
صفحة 10
نامت يمامتي على برعمها وقد أخذت العبرة.. وروح الفكرة وجعلت من غضنها فراشاً وملاذاً وحضناً حنوناً ونبراساً...
***
... تصارع يمامتي أعتى أمواج التفكّر، وتمـشي بسياحة الخاطر.. تسافر خلف الشمس.. تلون النهر بقوس قزح.. تصونُ الرحيقَ طعاماً لجيرانها من النحل.. تتلفّتُ.. تهدّئ من زمهرير المكان.. تلوك عواصف الزمان... تجوب الأرض تمـشي فوق الموج.. تبلّلها قطرات مطر من حر التغرّب... تتحرّق من غربة المحيط.... تشتاق.. تتوجس ولا تخاف..
تقفل عائدة تتربع على عرشها المبني من روح الانتماء.. تتنشق جدائل النور.. تقبّل جبين غصنها العتيق.. ترتاح النفس وتغمض القريرة.. وتتراقص أوراق البراعم النابتة بعودة الروح لمربع الروح...
***
... والطقس حار والشمس تنتصف خيمة السماء، وقد جاء صقر كاسر كان قد طار من مسافة بعيدة.. يمخر الأجواء.. ويجوب في الطبيعة الغناء، وقد شعر بالتعب والإرهاق.. فاختار شجرة وارفة يستظلها ويرتاح في مكان ربيعي جميل...
لكن الغصن العتيق بدأ يرتعد خوفاً من أن يحط ذلك الوحش عليه.. فيكسره ويخسر رؤية يمامته والحياة..
واهتز الغصن وارتعد
وبدأ يرتجف من هول ما رأى: واذ بيمامته تفلش أجنحتها كعُقاب وترفعُ صوتَها صارخة منذرة كل قادم بالعِقاب، وتُظهر أظافرها الناعمة وكأنها مخالب، وهي تعرف أن صاحب الحق غالب.. وتـصرخ بوجه هذا الكاسر ولم تخف من حجمه ومنقاره المفترس..
يا لهذه التضحية الفريدة.. سعياً لحياة مديدة، وكرامة مجيدة..
تصدت بإصرار، غير عابئة بالمسار، وابتهلت الى الله وتـضرعت ولم تهدأ ولم تستكِن، حتى مل ذلك الصقر وذهب لغصن آخر وقف عليه متأملا غير فاهم ما جرى.. تاركاً اليمامة تشكر ربها على حماية غصنها العتيق الذي فرح بانتماء يمامته وشجاعتها وإصرارها في الدفاع عن الحق..
آمنت بربها فاستجاب.. دافعت عن الحق بالحياة السعيدة..
جلست تحضن غصنها بكل الحب:
لا تخف يا رفيق العمر نؤمن أن الله معنا والحق معنا.. فلا نخشى شيئاً..
نم واسترح وأنا سأتلو عليك صلاة المحبة والنجاة
- يمامتي... رفيقة عمري... شكراً
طمأنت الغصن العتيق وربتت كتفه، نظرت اليه نظرة الحنان المعتادة... لا تدمع يا غصني ولا تجزع، أنا على يقين تام أن ما من طير آخر باستطاعته مشاركتي غصني الذي أثمر، ولم أرتعب لأنني أعلم أن مسكني ثناياك... ومسحت الدموع بعينيها وسقته من ماء قلبها ونامت على كتفه وأعادت السكينة الى نفسها ونفسه...
***
... مع بشارة فجر جديد رأت نور قلبها، وخلود انتماء روحها..
غمزت له برمشٍ من ذهب الكلام