المقدمة
منذ انطلاقتها الأولى، تعرضت الدعوة الإسلامية إلى حملات دعائية مضللة، والى حرب نفسية مخرّبة من قبل المشركين في مكة، والمنافقين واليهود في المدينة وما حولها، كما تتعرض الأمة الإسلامية اليوم إلى الحملات الدعائية المضللة، والحرب الهدّامة[(1)]. وتأتي الإشاعات والأكاذيب والأراجيف في مقدمة المخطط.
فما أشبه الليلة بالبارحة !
وما أشبه الأساليب الملتوية التي يقوم بها مغرضو اليوم بأساليب مرجفي الأمس !.
في عصرنا الراهن، ورغم التطور الهائل لتكنولوجيا الأسلحة الفتاكة، والقفزة الكبرى في مجالات الإعلام الدعائي.. فإن الإشاعة تبقى من أهم الأسلحة في أوقات الحروب بصفة خاصة، ولهذا ظلت الإشاعة في موقعها التقليدي تتصدر أجندة الحرب النفسية، بل ما تزال تُعدّ أشدها فتكاًَ وأخطرها تأثيراً.
ولمّا كان القرآن الكريم {تبياناً لكل شيء}[(2)]، فيه (نبأ ما قبلكم وما بعدكم وحكم ما بينكم..)[(3)] ، (لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه، ولا تُكشف الظلمات إلاّ به)[(4)]، كما يقول الإمام علي(رضي الله عنه)، ناهيك عن كونه كتاب المسلمين الأكبر.. فقد تضمن إشارات عديدة إلى الإشاعة - تصريحاً تارة وتلميحاً أخرى - وتطرق إليها في أكثر من موقف تعرض إليه المسلمون، خلال مسار مواجهتهم الضارية مع قوى الشرك والجاهلية والنفاق.
وعليه؛ لا مندوحة لنا سوى العودة إلى القرآن حبل الله المتين، هوية نحملها بفخر واعتزاز، وكهفاً نلوذ به؛ نستنطق آياته، ونهتدي بتعاليمه، ونقتدي بهديه، ونسترشد بأحكامه.. ومن هنا تأتي ضرورة تسليط الضوء على ظاهرة الإشاعة؛ مصطلحاً ومفهوماً، أشكالاً ومراحل، سيكولوجية وأهدافاً.. وصولاً إلى الفكرة المحورية لهذا الكتاب التي تتناول معركة أحد نموذجاً، بكل ما حفلت به من دروس وعبر، وما أفضت إليه نتائجها المحزنة، بسبب إشاعة مغرضة أطلقها خصوم الإسلام، في ما كانت المعركة المحتدمة على وشك أن تضع أوزارها بانتصار مدوٍّ للمسلمين، بيد أن الرياح جرت بما لا يشتهون!
لقد شخّص القرآن الكريم مواطن الخلل ونقاط الضعف والقوة في تلك المعركة، وركّز على خطورة الإشاعة ، وما يقوم به المثبطون والمرجفون من دور تآمري حاقد، فاضحاً أساليبهم الماكرة ونواياهم الشريرة, مستنكراً حركة الارتداد النفسية لدى البعض , حينما هتف الهاتف : (إن محمداً قد قُتل!) , فسرت الشائعة كالنار في الهشيم , لولا ثبات ثلة من المخلصين الذين واجهوا حركة الارتداد على الأعقاب بصلابة ووعي وبصيرة , وبذا فوّتوا على الأعداء فرصة ثمينة للإجهاز على حركة الرسالة , وهي لمَّا تزل في مهدها .
على أن المواجهة النفسية الضارية لم تقف عند حد , بل تنوعت أساليبها, وتلوّنت أحابيلها، ونجد الخطاب القرآني تضمن إشارات إلى نماذج عدة من الشائعات التي كان يطلقها الخصم بين حين وآخر , ولا نزعم أننا قمنا بتغطية كل المواضيع المتعلقة بالإشاعة في القرآن الكريم , فقد أغفلنا العديد منها , واكتفينا بنماذج منتقاة نرى أنها تفي بالغرض المطلوب .
لقد تحدث القرآن عن الحرب النفسية التي يشنها الخصوم على الرسول والرسالة والدعاة إلى الله، ليضع أمامهم حقيقة المعركة بكل أبعادها، وليثبت موقفه وليزوّد الأتباع بالمناعة النفسية. إنه يوضّح ذلك بقوله:(وكلاً نقصّ عليك من أنباء الرسل ما نثبّت بهِ فؤادك).
إنه يتحدث عن كل حالات الحرب النفسية التي استخدمها أعداء الدعوة الإلهية على مرّ العصور، فيقول:(ولتسمعُنَّ من الذين أُوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً).
وتعزيزاً لموقف الجماعة المؤمنة وصيانتها من تأثيرات الحملات المضادةً أوضح القرآن الكريم موقفه من الإشاعات، وكيفية التعامل مع أساليب الحرب الدعائية، وخاصة الإشاعات في ظرف مفصلي، يمثل أحد أهم محطات تاريخ الإسلام وأعظمها، لا نرانا بحاجة إلى التأكيد على ضرورة استحضار هذا المنهج القرآني، ونحن نخوض غمار حرب ضروس تُشن علينا، في أكثر من جبهة، وفي أكثر من خندق.
والله يتولّى الصالحين .
الإشاعة : ظاهرة اجتماعية قديمة
الإشاعة أو (الشائعة) Rumorظاهرة اجتماعية بالغة الأهمية ، ويضاعف من هذه الأهمية شيوعها في كل زمان ومكان ، وأنها مسلك مألوف من مسالك الجماعات. وهي أيضاً أقدم الوسائل الإعلامية في التاريخ.فقبل اعتماد الكتابة ،كانت المشافهة هي قناة التواصل الوحيدة في المجتمعات. وكانت الشائعة وسيلة لنقل الأخبار وبناء السمعة أو تقويضها،وتأجيج الفتن أو الحروب[(1)]. فهي ظاهرة اجتماعية وُجدت منذ أن وُجد الإنسان على الأرض، وشكل من أشكال الاتصال الإنساني المنطوق والمكتوب، ونوع من أنواع الاتصال الشخصي والجماهيري ، وأداة من أدوات الحرب النفسية. لذلك حظيت باهتمام علماء الاجتماع والنفس والسياسة والاقتصاد والإعلام، لما لها من تأثير كبير على حياة المدنيين والعسكريين في السلم والحرب[(2)].
الجدير ذكره أن كلمة (إشاعة) تستحضر بالنسبة إلى العامة ظاهرة غامضة وشبه سحريّة، يعكسها تحليل المفردات الرائجة. فالإشاعة تطير وتزحف وتتعرّج وتعدو، وهذا ما يجعلها على المستوى المادي أشبه بحيوان مباغت وسريع الحركة، يتعذّر أسره، ولا ينتمي إلى أيّة فصيلة معروفة . أما تأثيرها في البشر فأشبه بالتنويم المغناطيسي، وخصوصا ًأنها تبهر وتغوي، وتسحر الألباب، وتلهب الحماسة[(3)].
من هنا تُعد الشائعات وسيلة مؤثرة من وسائل الدعاية السوداء، وأداة رئيسية من أدواتها، لأنها تعمل على بث الذعر والكراهية، وتحطيم الروح المعنوية، وإثارة عواطف الجماهير، وبلبلة أفكارهم، خاصة في أوقات الحروب والأزمات، حيث يستولي على الناس الخوف والرعب[(4)].
وفي ضوء هذا؛ فالإشاعة سلاح من أسلحة الحرب النفسية ،إنْ لم تكن من أفتك أسلحة الحرب النفسية، لما لها من خاصيّة الانتشار السريع[(]1) لاسيّما وأن الإشاعة معلومة مجهولة المصدر عادة، إذ يتم صياغتها وإنتاجها وتسويقها في أوكار سريّة يحيطها الغموض والإبهام.
لهذا لا تتوافر لدينا معلومات كثيرة عن الشائعات..وعلى ما يبدو أن الشائعة التي تُعتبر حدثاً غامضاً وشبه سحري لا تزال تشكّل فضاءًً مبهماً، وربما يصحّ تشبيهها بمجاهل (ماتو غروسو) البرازيلية، على حد تعبير كابفيرير[(]2).
ولمّا كانت الأخبار السيئة تنتشر سريعاً جداً، كما يقول شكسبير[(]3)، فإن الإشاعة - في وقت الأزمات والحروب - تحظى من قطاعات عريضة أو أفراد عديدين بالاهتمام.. ويتداول الناس الإشاعة لا بهدف نقل المعلومات بل بهدف التحريض والإثارة وبلبلة الأفكار[(]4)، ويتمثل سلاح الإشاعة في خبر مدسوس كليّاً أو جزئياً، وينتقل شفهياً أو عبر وسائل الإعلام، دون أن يرافقه أي دليل أو برهان، ويقصد به تحطيم المعنويات[(]5).
إن المربك في الإشاعة هو إمكان إثبات صحّتها.ففي زمن الحرب، يمكن العدو وآذانه الوهمية، أو ما يُعرف بالطابور الخامس، معرفة بعض الحقائق المخفيّة،من خلال الإشاعة. وفي هذا دلالة كافية،على أن الإشاعة تقوم أحيانا ًعلى أساس صحيح.
من جهة أخرى ،اللافت أن الإشاعة كثيراً ما تصلنا عن طريق صديق أو زميل أو قريب ،ليس هو الشاهد المباشر على الحث المنقول، إنمّا هو مجرّد صديق لهذا الشاهد. ومنْ عساه يكون أكثر صدقيّة من الشاهد المباشر؟ وأي دليل منتظر يفوق شهادته صدقيّة؟. الواقع أن هذا الشاهد المباشر أشبه بصحافي عفوي ولا مبال ٍيدفعه إلى سرد الحدث حبّه للآخرين ،ورغبته في أن ينقل إلى أصدقائه ما رآه أو سمعه.
فمنذ أقدم العصور عرف الإنسان الحرب النفسية، وأثرها التخريبـــي في تماسك الشعوب والأمم والجماعات والأفراد، خصوصاً في حالة الحروب والأزمات والتحولات الاجتماعية والأحداث الجديدة، فاستخدمها كسلاح هدّام في صراعه الفكري والعسكري والسياسي والاقتصادي ...الخ[(]1).
وقد وجدت الإشاعة حيث وجدت المجتمعات البشرية، وتطورت مع تطور المجتمع، وتبلورت في ظل كل حضارة وثقافة، فأخذت أشكالاً متنوعة، وقد لعبت الإشاعة دوراً في التاريخ، فأدّت مثلاً إلى موت سقراط بتهمة تحريض الشبان في أثينا على التمرد والعصيان[(]2). يقول ألبورت وبوستمان في كتابهما ( سيكولوجية الإشاعة): إن أباطرة الرومان كانوا يعانون من الإشاعات التي تنتشر بين سكان المدن والقرى ، من أجل ذلك قام كثير من هؤلاء الأباطرة باستخدام حرّاس الإشاعات ، للاختلاط بالناس وتجميع الإشاعات التي يتناقلونها، وإبلاغها للإمبراطور، فضلاً عن إطلاق الإشاعات المضادة[(]3).
وقامت الحروب، في القرون الوسطى، نتيجة للمغالاة في رواية قصص المعجزات والجرائم والأسلاب. وكان لها دور في التعبئة النفسية في أوربا إبّان الحروب الصليبية.
في عصر النهضة الأوربية، وتحديداً في القرن الثامن عشر الذي يطلقون عليه (قرن الأنوار) ، ورغم النزوع إلى تحكيم العقلنة على ما سواها، وتأليه العلم وتفشّي الإلحاد، فإن شبح الإشاعة كان يفتك بالرأي العام كالوباء.فعلى سبيل المثال؛ رزح الشعب الفرنسي، طوال القرن الثامن عشر، تحت وطأة ست دورات طويلة من القحط، ذوت خلالها سنابل القمح، قبل موسم الحصاد،وارتفعت الأسعار. وإذا بالإشاعة تنطلق على نحو منظم موحية بمؤامرة مروّعة لتجويع الشعب، يقف وراءها الملك والمصرفيون والموظفون المحليون وضباط الشرطة وأصحاب المخابز.وقد رأى بعض المؤرخين ، في هاجس المؤامرة هذا نوعاً من الذُهان الجماعي، أو بمعنى أدق ؛ ذهان الهلوسة المزمن الذي يكون دليلاً على حال التخلّف العقلي.
وعلى غرار ما يؤكده (كابلان): من السهل الاقتناع بفرضية المؤامرة ،لأنها (الفرضية الوحيدة على ما يبدو التي تأخذ في نظر الاعتبار طبيعة الأزمات. فعندما ينظر رجال القرن الثامن عشر حولهم ، يكتشفون وقائع(...) تتجمع ،كأنها قطع أحجية).والواقع أن عوامل عدّة تأتي لترسّخ الشكوك في السياق الواقعي،ومنها على سبيل المثال؛ الشركات والمضاربة والاحتكارات وتورط أصحاب النفوذ. وقد حدث أيضاً أن اُلقي ببذور القمح في النهر، تحت ذرائع مختلفة .فالحياة في ظل النظام القديم كانت تفيض بدسائس تُحاك في البلاط الملكي، وأروقة النظام الإقطاعي. وبناءً عليه ، كانت العناصر القابلة للتصديق متوافرة بغزارة.لكن وحدها فرضية المؤامرة كانت تسمح بربط هذه العناصر)[(]1).
ومن الأمثلة التاريخية- ذات الدلالات- الإشاعة التي ساعدت على اندلاع الثورة الهندية ضد بريطانيا عام 1857م. فلقد كان الجنود الهنود العاملون في جيش الهند البريطاني يستخدمون بنادق تملأ من فوهة السبطانة (الماسورة)، وكان عليهم خلال الرمي أن ينزعوا بأسنانهم الورق المشحّم من طرف كل خرطوشة، حتى يسقط البارود في سبطانة البندقية، قبل وضع المقذوف في مكانه، واعتمدت الإشاعة التحريضية على هذا الأمر، إذ انتشرت بين الجنود المسلمين إشاعة تقول بأن الشحم المستخدم هو شحم خنزير، وخيّل للهندوس بأنه شحم بقر، وقد حاول الإنكليز وقتذاك إقناع الجنود بالقيام بأنفسهم بتشحيم ورق الخرطوش بالسمن النباتي[(]2).
تزايد دورها في العصر الحديث
وفي العصر الحديث تطورت أساليب الإشاعة، وكانت فترة الحرب العالمية الثانية مسرحاً مكثفاً لانتشار الشائعات على نطاق واسع، خاصة وأنها استخدمت كسلاح ذي حدّين؛ للإقناع والاستفزاز. وهذا ما يستدعي مزيداً من تكثيف الجهود لتحليل هذه الظاهرة الاجتماعية، التي ما تزال (تحتاج إلى المزيد من الدراسة والاهتمام، لما للإشاعة من أثر كبير في حياتنا كأفراد وجماعات ومجتمعات وشعوب وحاكمين ومحكومين في السلم والحرب. لذلك درسها علماء النفس كظاهرة نفسية، وعلماء الاجتماع كظاهرة اجتماعية، وعلماء الاقتصاد كظاهرة اقتصادية، وعلماء الإعلام كظاهرة إعلامية، لها تأثير على الجماهير، من حيث تغيير معلوماتهم واتجاهاتهم وسلوكهم)[(]1).
ولما كانت الظاهرة أكثر التصاقاً بأجندة الحرب النفسية، لذا نجد أن موضوع الإشاعة من المواضيع التي اهتم بها علم النفس بشكل متميّز منذ الحرب العالمية الثانية. فلقد لاحظ علماء النفس والمهتمون بالحرب النفسية أن الإشاعة وسيلة هامة من وسائل الحرب النفسية يفيد منها العدو الذي يوعز إلى عملائه ببث الإشاعات التي تبلبل نفسيّة الجماهير، وتفقدها ثقتها بحكومتها، وتشككها بجيشها وقواتها المحاربة. ولذلك عكف علماء النفس على درس الإشاعات وعوامل انتشارها، وما يحدث لها منذ أن تُطلق إلى أن تنتشر[(]2).
وقد أولت مدارس الدعاية السياسية الإشاعة اهتمامها الكبير، وهذا غوبلز - مهندس الدعاية الهتلرية - نموذج شاخص في هذا الاتجاه. إذ كان يجمع الشائعات المتجولة بصورة منهجيّة، وينظم دعاية مضادة لتحييدها، سواء من خلال الاتصال الكلامي، أم من خلال الصحافة المطبوعة والراديو والسينما، أو أنه كان يلجأ إلى (شهود) أجانب، وهم عموماً من المحررين المحابين.
وكما هو الأمر بالنسبة للنبوءات والتنبؤات والتنجيم لم يكن غوبلز يتردد في إعطاء تلك الشعوذات تفسيراً رسمياً ملائماً لخطط الرايخ. هناك مثال متميز حول مهارته في هذا المجال: في نهاية صيف 1943م، انتشرت شائعة حول إعدام عدد من كبار شخصيات النظام، وعمد غوبلز إلى المزايدة على هذه الشائعة، فأعطى أمراً لقطاعاته المتخصصة بنشر شائعة مفادها أن هيملر نفسه قد اعتقل وأعدم. وهذا ما أحدث انفعالاً كبيراً وفي اللحظة المناسبة، عاد هيملر إلى الظهور في كل مكان، مما أدّى كضربة مقابلة، إلى تدمير مجمل الشائعات التي انتشرت حول هذا الموضوع. كان الأمر يكمن في تحطيم شائعة كاذبة، من خلال شائعة أخرى تفوقها كذباً، ولكن من الممكن إثبات أنها عارية عن الصحة[(]1).
قبال ذلك، كانت أجهزة الحلفاء تقوم بدعاية سياسية مضادة، ولجأت في معركتها ضد الخصم إلى أسلوب تحليل الوسائل والخدع التي تلجأ إليها الدعاية السياسية المعادية، وفضحها أمام الجمهور، وهذا ما سعى إليه (معهد تحليل الدعاية السياسية) Institute For Propaganda Analysis في الولايات المتحدة الأمريكية، خلال الفترة الممتدة بين عام 1937م، وعام 1939م.
وحاول هذا المعهد أن يحصّن الجمهور ضد كل نوع من أنواع الدعاية السياسية، معلّماً إياه كشف الخدع الرئيسية التي يلجأ إليها الخصم. كذلك أنشأ صحفي أمريكي، خلال الحرب العالمية الثانية، زاوية أطلق عليها اسم (عيادة الشائعة) حيث لم يكن يكتفي بتكذيب الأنباء المزيّفة التي تُسيء إلى معنويات السكان، بل كان يقوم أيضاً بتحليل نفسي لهذه الشائعات بغية كشف العوامل التي ولّدتها وسهّلت تداولها[(]2). وقد يعمد المعنيون بإدارة الحرب النفسية إلى إطلاق إشاعات مضادة ، في سياق الدعاية المضادة التي تستهدف زعزعة معنويات العدو أساساً.
ما هي الإشاعة ؟
الإشاعة، أو الشائعة معناهما واحد ... فقد جاء في المعجم الوسيط أن (الشائعة: الخبر ينتشر ولا تثبّت فيه) و(الإشاعة: الخبر ينتشر غير متثبّت منه)[(]1).
يقول ابن منظور: (شاع الشيب: ظهر وتفرّق. وشاع الخبر في الناس شَيْعاً وشَيَعاناً ...، فهو شائع: انتشر وافترق وذاع وظهر. وأشاع ذِكرَ الشيء: أطارَه وأظهره. وقولهم: هذا خبر شائع وقد شاع في الناس، معناه قد اتصل بكل أحد فاستوى علم الناس به ولم يكن علمه عند بعضهم دون بعض. والشاعةُ: الأخبار المنتشرة، وفي الحديث: أيّما رجل أشاع على رجل عوْرة ليشينه بها، أي أظهر عليه ما يعيبه.
وأشعتُ السرّ وشِعتُ به إذا أذعتُ به ... ورجل مِشْياع أي مذياع لا يكتم سرّاً[(]2)، والى هذا المعنى أشار القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ}[(]3).
والشائعة أيضاً هي: (معلومة لا يتحقق من صحتها، ولا من مصدرها، تنتشر عن طريق النقل الشفوي)، كما ورد في قاموس موريس.
ويعرفها الدكتور مختار حمزة بقوله: (الإشاعات هي الأحاديث والأقوال والأخبار والروايات التي يتناقلها الناس دون تأكد من صحتها، ودون التحقق من صدقها. ويميل كثير من الناس إلى تصديق كل ما يسمعونه دون محاولة للتأكد من صحته، ثم يأخذون يروون بدورهم إلى الغير. وقد يضيفون إليه بعض التفصيلات الجديدة، وقد يتحمسون لما يرونه، ويدافعون عنه بحيث لا يدعون السامع يتشكك في صدق ما يقولونه).
والشائعة - كما يقول الدكتور إبراهيم إمام - : (تقوم على أساس انتزاع بعض الأخبار أو المعلومات ومعالجتها بالمبالغة، والتأكيد أحياناً، وبالحذف والتهوين أحياناً أخرى، ثم إلقاء ضوء باهر على معالم محددة، تجسّم بطريقة انفعالية وتصاغ صياغة معينة، بحيث يتيسر للجماهير فهمها. ويسهل سريانها، واستساغتها، واستيعابها على أساس اتصالها بالأحداث الجارية وتمشيها مع العرف والتقاليد والقيم السائدة)[(]1).
وقد عرّف عالما النفس (ألبورت) و(بوستمان) الإشاعة بأنها(افتراض يرتبط بالأحداث القائمة يُراد أن يصبح موضع تصديق العامة ،بحيث يتم ترويجه من شخص إلى آخر مشافهة في العادة، ومن دون أن تتوافر أية ملموسة تسمح بإثبات صحته)[(]2).
أما (كناب) فيرى في الإشاعة( تصريحاً ًيُطلق لتصدقه العامة ،ويرتبط بأحداث الساعة وينتشر من دون التحقق رسميّاً من صحته). كذلك يبين (بيترسون) و(جيست) أن الإشاعة (قصة أو شرح غير مثبت من شخص إلى آخر، ويتعلّق بموضوع أو حدث أو سؤال يثير اهتمام العامة)[(]3).
الواقع أن التعريفات المتقدمة متقاربة جداً ، وتشير كلها إلى أن الإشاعة هي في المقام الأول؛ معلومة تضيف عناصر جديدة إلى شخص ما، أو حدث ما مرتبط بواقع الحال.وهي تتميز بذلك عن الأسطورة التي تتطرق إلى حدث من الماضي.ثانياً؛ الغرض من الإشاعة هو أن يتم تصديقها . ففي العادة لا تُسرد الإشاعة بغية التسلية أو إطلاق العنان للخيال، وهذا ما يجعلها تتميز عن القصص الطريفة والمغامرات الخيالية، خصوصا ًأن الإشاعة ترمي إلى الإقناع[(]4).
مراحل انتشار الإشاعة
هناك ثلاث مراحل تمرّ بها الإشاعة، حتى تسري وتنتشر وهذه المراحل هي:
1. مرحلة الولادة:
وتتسم بأنها مرحلة إنتاج الإشاعة ومرحلة العرض والطلب. في هذه المرحلة، يقوم العدو أو الطابورالخامس من منافقين ومخبرين وحاقدين وعملاء ومأجورين ومرتزقة ورجال إعلام، سواء كانوا من أبناء البلد أو من الأعداء، بإنتاج الإشاعة عند توفّر الوقت المناسب، والجو الملائم، والتربة الخصبة لزرع بذور الشر والفتنة والكراهية والعداء، وتحطيم المعنويات، وإثارة النزاعات بين الأفراد والجماعات والشعوب. ففي حين يطلب الناس المعلومات التي تساعدهم على تفسير ما يجري حولهم في السلم والحرب ولا يجدونها، يقوم مطلقو ومنتجو ومروّجو الإشاعات بتزويدهم بمعلومات تلبي رغبتهم، ولكن دون أن تفك الغموض والمصير المجهول الذي يؤرّقهم.
2. مرحلة المغامرة أو المجازفة:
وهي مرحلة انتشار الإشاعة وذيوعها بين الناس. إنها الطريق الدائري الذي تستمر فيه الإشاعة. ولقد أثبتت عدة دراسات تجريبية بأن انتشار وترويج الإشاعة يعتمد بشكل رئيسي على قانون معين وعلى العمل الجماعي. فالأفراد والجماعات يطلقون الإشاعات، ويشتركون في ترويجها.
يعتمد مدى انتشار الإشاعة على شرطين أساسيين: أحدهما أهمية الموضوع الذي تدور حوله الإشاعة بالنسبة للمستمع أو القارئ أو المشاهد لوسائل الإعلام؛ فمثلاً إشاعة حول ارتفاع أو انخفاض نسبة الفائدة في البنوك ليست بذات أهمية لشخص ليس لديه نقود في البنوك. في حين أنها في غاية الأهمية لأصحاب رؤوس الأموال الذين يتعاملون مع البنوك.
أمّا الشرط الآخر فهو غموض الموقف لدى الجمهور، وذلك لانعدام الأخبار أو اقتضابها، أو تضاربها أو عدم الثقة فيها، أو عدم صياغتها بشكل واضح، أو عدم المقدرة على فهمها من قبل الناس، أو وجود رقابة عليها. فقانون رواج أو انتشار الإشاعة يعني أن كثافة الإشاعة المنتشرة تختلف بحسب أهمية موضوع الإشاعة للأشخاص، الذين تعنيهم ومدى غموضه. فالأهمية وحدها لا تؤدي إلى ظهور الإشاعة ولا الغموض وحده؛ لأنه إذا كانت الأهمية صفراً والغموض صفراً فلن يكون هناك شيء اسمه إشاعة.
3. مرحلة موت الإشاعة:
وهي المحصلة النهائية لعملية ولادة وانتشار الإشاعة وعمر الإشاعة. فمن الإشاعات ما يحيا لمدة ساعة أو ساعات، أو يوم أو أيام، أو أسبوع أو أسابيع، أو شهر أو سنوات أو قرون، أو يموت ليعاود الظهور في فترات دورية.
وفي تحليل للإشاعة قام به علماء الاجتماع في أمريكا، ونشرت نتائجه سنة 1991م، وجدوا أن الإشاعة هي عبارة عن نوع من الفيروسات النشطة التي تنمو، بسبب قدرتها على توليد مخاوف لدى الجمهور المستهدف، تمكنها من الانتشار.
وتتغيّر هذه الفيروسات لتناسب أوضاعاً جديدة. أما بالنسبة لعمر الإشاعة، فقد قالوا إن بعض الإشاعات قد عاش لعدّة قرون.
ومن الأمثلة على ذلك الإسرائيليات الموجودة في بعض كتب التراث الإسلامي، وإشاعات اليهود عن عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام، وقد دحضها القرآن الكريم، كما نعلم جميعاً[(]1).
أمّا من يقف وراء الإشاعة؟ وكيف يتم تداولها بين الناس؟
فيقوم على نشر الإشاعة أو ترويجها عدّة أشخاص لكل منهم دور، يأخذ بعضهم دور الناقل أو المبلغ أو الرسول( Messenger)، فوظيفته إيصال الرسالة الاتصالية (الإشاعة) إلى الجمهور المستهدف، وهو أهم دور في عملية انتشار الإشاعة. أما البعض الآخر فقد يأخذ دور المفسر( interpreter )، يقوم بتفسير الإشاعة ويتكهّن حول مضمونها محاولاً فهم ما حدث أو ما يجري حوله، وهؤلاء هم العقلانيون. أما المتشككون ( Skeptics )، فيعبرون عن شكّهم فيما سمعوا أو قرأوا ويحذرون الناس منه، وهؤلاء هم الطبقة الواعية.
كذلك هناك من يحاول لمصلحة ما التفسيرات الخاصة بتلك الإشاعة دون غيرها، ويقوم آخرون بدور (متخذ القرار Decision Maker)، فهؤلاء يتصرفون بناءً على الأخبار أو المعلومات الواردة في تفاصيل الإشاعة، فإذا سمعوا بأن هناك سلعة ما ستفقد من السوق، أو سيرتفع سعرها يهرعون إلى السوق لشراء كمّيات ضخمة منها، وتكديسها للمستقبل خوفاً من المجهول، وهؤلاء عامة الناس الذين ينقصهم الوعي الكافي[(]1).
والإشاعات التي تروّج بين الناس قد تكون عن قصد أو عن غير قصد.. وتلعب الإشاعات المقصودة المغرضة دوراً رئيسياً في أوقات الحروب والأزمات، لأنها تثير العواطف، وتترك آثاراً عميقة في النفوس، أما الإشاعات غير المقصودة فتسمى ثرثرة أو دردشة، ويجد كل من ناقلها ومستمعها لذة ومتعة في روايتها، دون أن يعلموا أنهم يساعدون على نشر الإشاعات الكاذبة والروايات المختلقة[(]2).
وليست كل الإشاعات بالضرورة مختلقة من أساسها، فهناك إشاعات تستند إلى حدث حقيقي، يتم تشويهه عند إطلاق الإشاعة، ويعتمد انتشار الإشاعة المختلقة، أو المستندة إلى حدث على أهمية موضوعها، وتوافر عنصري الإثارة والغموض فيها[(]3).
والقانون الأساسي للإشاعة عبارة عن حاصل ضرب الأهميّة في الغموض، وليس حاصل جمعهما. فإذا كانت الأهميّة كبيرة والغموض صفراً فلن تكون هناك إشاعة. كذلك إذا كان الغموض شديداً في موقف لا يهمنا فلن تكون هناك إشاعة.
وبتعبير آخر؛ إذا لم يكن للموضوع أهمية، فإن غموضه لا يكفي وحده لاختلاق إشاعة، كذلك فإن الإشاعة لن تقوم لها قائمة إذا كانت الأمور واضحة
لا غموض فيها[(]1).
ويلاحظ أن الغموض قد ينتج عن انعدام وسائل الاتصال والإعلام، أو فقدان الأخبار الموثوقة، أو أمثال ذلك من الأسباب التي تكثر أثناء الحروب، أو في البلاد التي مزقتها الحروب، أو فيما بين الجماعات المعزولة كبعض الفرق الحربية أو بعض الجماعات النائية. كما قد ينشأ الغموض عن انتشار الأخبار المتضاربة وانعدام الثقة بالسلطات الحاكمة، أو وجود رقابة على الأخبار وسواها[(]2) أو نقص المعلومات الرسمية وتضاربها، وسوء الاتصالات والاستعداد النفسي لتقبّل الإشاعة. وهذا ما يفسر انتشارها بسرعة إبّان الحروب والاضطرابات وفي المجتمعات المحرومة من الاستقرار الداخلي، بسبب تناقضاتها الحادة، سواء كانت هذه التناقضات اجتماعية أم دينية أم عرقيّة[(]3).
ففي مثل هذه الأجواء تنتشر الإشاعات الهدّامة التي تتعلق بحياة الإنسان ومصالحه، لإثارة الخوف والرعب والفرقة والخلاف والضعف، فتثير الإشاعات المخوّفة من الغلاء وندرة السلع، أو قوة العدو العسكرية وتفوقه، أو ضعف قوة الجبهة الداخلية، أو الفرقة الطائفية والعنصرية والمذهبية والإقليمية، أو التشكيك بالشخصيات والقيادات والكيانات، والإيحاء للآخرين بالشبهات والتهم وضعف الصف وتخلخل تماسكه[(]4).
أشكالها.. وسيكولوجيتها
تقسم الإشاعة إلى أشكال متعددة، فهناك الإشاعة التي تنتقل ببطء من شخص إلى آخر، والإشاعة التي تنطلق بضجة فتصل إلى أسماع عدد كبير من الناس خلال فترة زمنية قصيرة، وتكثر في الكوارث وعند الانتصارات أو الهزائم الساحقة، والإشاعة التي يُطلق عليها تسمية الإشاعة الغائصة أي أنها تروج في البداية ثم تختفي لتظهر ثانية عندما تتاح لها فرصة للظهور.
ويمكن التمييز بين الإشاعة التي يطلقها العدو أو عملاؤه، والإشاعة التي تنطلق ذاتياً للتنفيس عن كبت شديد، أو للتظاهر بسعة الاطلاع والمعرفة، أو تفسير الأحداث بشكل خيالي يبرر التطورات والأحاسيس العنيفة.
وتتعرض الإشاعة إلى تحريف ناقليها فيسقطون بعض تفصيلاتها ويركزون على البعض الآخر، ويعطونها طابعاً مشوقاً يزيد من خطورتها وقدرتها على الإقناع[(]1).
وتوجد علاقة طردية بين شدّة الإشاعة ودرجة الصداقة وعلاقات الإلفة والمحبة التي تقوم بين الأفراد، حيث يسهل سريان الإشاعة عبر العلاقات والتفاعلات التي تقوم بين الأصدقاء والأقارب.
ومع أن الإشاعة تنتقل في المجتمع ككل إلاّ أنها تبدأ في إطار هذه العلاقات حيث يكون التفاعل على أشدّه[(]2).
ويمكن تقسيم الإشاعات على أساس دلالتها ودوافعها إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي: إشاعات الأحلام والأماني وإشاعات الكراهية والعداء ، وإشاعات الخوف[(]3).
ويلاحظ أن الإشاعات قد تنتج عن الخوف، خوف المواطنين، فهم يفتحون آذانهم لالتقاط الإشاعات التي قد يطلقها أناس أبرياء، أو جماعة من العملاء والمخربين والخونة.
وهنا نلاحظ علاقة الإشاعة وانتشارها بوجود الأقلّيات العرقية أو الدينية أو القومية أو سواها، وكيف تدور هذه الإشاعات حول هذه الأقلّيات وتتناولها وتهاجمها.
ولقد أُجري إحصاء في أمريكا عام 1942م، حيث دُرست ألف إشاعة فوجد أنها تتوزع كالتالي:
66٪ من الإشاعات كانت إشاعات عداء.
25٪ كانت إشاعات خوف.
2٪ كانت إشاعات تمني.
7٪ كانت إشاعات من أنواع مختلفة.
ولقد لوحظ أن إشاعات الخوف والتمني ما لبثت أن تغيّرت طبيعتها باقتراب النصر. على أن الملحوظ أن غالبية الإشاعات كانت من طبيعة افترائية شريرة وتعبّر عن عداء ضد هذه الجماعة أو تلك[(]1).
وقد توقف علماء النفس أمام (سيكولوجية الإشاعة)، وعزوا الأسباب الرئيسية لانتشارها إلى أنها تقوم بوظيفة مزدوجة؛ فهي تفسّر التوترات الانفعالية التي يستشعرها الأفراد وتنفّس عنها. ومعلوم أن التنفيس المادي والمعنوي يسبب تراخي التوتر، ويقود إلى الشعور بالراحة[(]2).
تبقى الإشارة إلى أن الإشاعة لا تنطلق كلها من حدث يحتاج إلى تفسير ،بل إن بعضها يولّد الحدث نفسه .وليس ثمة سبب في الواقع يمنع تسمية هذه الأخيرة بالإشاعات.ووفق التعريف الذي قيّد الإشاعة بالروايات، التي لا تستند إلى وقائع مثبتة، كشف عن حالة من الانحراف، فبدت الإشاعة أشبه بمرض عقلي يصيب المجتمع .ومن المثير للاهتمام أن مفردات طبية اُعتمدت في تحليل هذا النوع من الإشاعات ،نذكر منها على سبيل المثال؛ الجرثومة ،وعلم الأمراض، والمركز الناقل للعدوى،ومرحلة الاحتضان، ومرحلة الانتقال. فقد شُبهت الإشاعة هنا بمرض أو حتى ( بسرطان عقلي). وفي هذا السياق، صرّح كاتب المقال الافتتاحي في جريدة لوموند ( بيار فيانسون بونتي) بالآتي:( لم يسبق أن أُجِْرِيتْ معاينة أي شكل آخر من أمراض الرأي المعدية، التي تُصيب تحديداً الطبقة السياسية(...)؛مرض يمكن أن نطلق عليه تسمية ( الإشاعة السياسية).
يقول كابفيرير:(إن هذا المزيج بين الإشاعة والمرض، بل الجنون، يبدو منطقياً، لأن اعتبار الإشاعة مجرد معتقد تتناقله العامة، في ظل غياب الأسباب التي تسوّغ وجوده، يجعلها غير منطقية ، ويدرجها في خانة أعراض (الجنون)، أي المرادف الاجتماعي للهذيان.وبناءً عليه ، لا يمكن تفسير الإشاعة إلاّ من خلال الطب النفسي.وإذا كان الناس يصدقون الإشاعة ، فهذا معناه أنهم مجانين.
والجدير ذكره هنا أن التحليل النفسي للإشاعة ينطوي على منفعة عملية مهمة، خصوصاً أنه يسمح باستنزال اللعنة، على أولئك الذين لا يفكرون (مثلنا)، أو لا يؤيدون (الحقيقة الرسمية). ولا يمكن في الواقع لومهم إذا لم يصدقوها ؛ فهم يرزحون تحت وطأة الهذيان[(]1).
من المفيد التذكير،هنا، بفكرتين ذائعتين متصلتين بهذا الموضوع؛ أولاهما أن النساء تحديداً يملن إلى تناقل الإشاعات، وثانيتهما أن طبقة المثقفين تضطلع على الدوام بدور المقاوم[(]2).
أهداف الإشاعة
وعلى الرغم من الطابع الاجتماعي والسايكولوجي الغالب على هدف الإشاعة، إلاّ أن جوهرها ينطوي على أهداف سياسية بالدرجة الأولى، وتتداخل مع بقية الأهداف المتوخاة، إلى الدرجة التي يصعب فيها التفكيك بينها. وبالإمكان رصد أهم تلك الأهداف[(]1):
1. بث الخوف والرعب والحقد والكراهية والعداوة وزرع بذور الفتنة والشك واليأس والأمل في نفوس الجمهور المستهدف.
2. تشويه سمعة وصورة الأفراد والجماعات والمجتمعات والشعوب والدول والقادة.
3. خلخلة وحدة الصف.
4. تهجير المدنيين عن طريق بث الرعب في قلوبهم.
5. تحطيم إرادة القتال لدى العدو.
6. تثبيط معنويات المدنيين والعسكريين.
7. العمل على تكوين الرأي العام أو جسّه أو تعبئته أو تضليله، حول موضوع ما يلامس حياة الناس اليومية.
8 . خداع العدو وتضليله عن طريق تعمية الأمور عليه.
9. العمل على تقوية الروح المعنوية خاصة وقت الأزمات والحروب والكوارث الطبيعية.
وتأسيساً على ذلك اعتبر علماء الحرب النفسية الإشاعة من أهم الأسلحة التي يلجأون إليها في الحرب داخلياً وخارجياً، وتقوم الكيانات السياسية باستخدام الإشاعة كسلاح يغتالون به سمعة أعدائهم خلقياً ومسلكيّاً ووظيفياً ونزاهة. ولكن الإعلام الإسلامي والرأي العام الإسلامي يرفض اللجوء الى هذا النوع من الإشاعات ، سواء أكانت فردية أم جماعية، وطلب من المسلم أن يرقى بنفسه عن هذا الدرك السيئ، من اللجوء الى الإشاعة الكاذبة، لتحطيم وتفسّيخ المجتمع[(]1).
إن المعركة المحتدمة اليوم بين قوى الخير والشر واسعة ضارية خطيرة، وفي مقدمتها الحرب النفسية التي تشنها ضدنا الدول المارقة، بكل أجهزتها الدعائية الضخمة، ومختبراتها السياسية العريقة، وكارتلاتها الاقتصادية العملاقة، وشبكاتها المخابراتية الاخطبوطية، حتى أمسينا إزاء أجندة شديدة الخطورة، وهي تقتحم كل السدود والحصون، لاسيما وأن الإرهاب بالكلمات بات أشد فتكاً من الإرهاب الجسدي، لأنه يستهدف إرادة الأمة وتماسكها وعنفوانها وكرامتها.
من هنا تعتبر الحرب النفسية من أخطر أسلحة العدو التي يستخدمها ضد خصومه، وقد استعملت الجاهلية في مختلف عصورها، الماضية منها والحاضرة، الحرب النفسية بشتى صورها ضد الرسول والرسالة والرساليين.
فاستخدمت الأراجيف والإشاعات، وطعن شخصية الرسول e ،والسخرية والاستهزاء به وبأصحابه، والتقليل من شأنهم وأهميتهم الاجتماعية، وإشاعة الرعب والإرهاب في صفوف الجماعة الإسلامية والدعاة الى الله سبحانه، لإضعاف الروح المعنوية، وهز الشخصية الإسلامية من داخلها، وايجاد الهزيمة النفسية، ليتداعى البناء، ويفقد أتباع الدعوة الإلهية الثقة بأنفسهم ،ويعيشوا في حالة من القلق والتوتر.وعندما تنهزم الإرادة، ويستولي الرعب والخوف على الفرد والجماعة المؤمنة تنهار مقاومتها ويضعف صمودها.
وعلى امتداد مسار التاريخ دأب الظالمون والطغاة، والذين في قلوبهم مرض على التقاطع، مع كل ماهو خيّر وجميل في الحياة، فلا يقبلون أن يعيشوا في مناخ الأمن النفسي، والصدق والحق، بل في مناخ ملبّد بغيوم البلبلة والشائعات،فإذا لم يجدوا شيئاً يساعدهم على ذلك، اختلقوا الأكاذيب، وصنعوا الشائعات، وأحدثوا في المجتمع فتناً هوجاء، وتلك طبيعة خبيثة في بعض الناس، وهؤلاء هم الذين حذّر الله سبحانه وتعالى منهم، ووصفهم بأنهم الشياطين:( شياطين الإنس والجن).
ولقد وصل بأصحاب الشائعات الملفقة والافتراءات المزورة أن كانوا ينالون من الرسول e ، بل وصل بأصحاب القلوب المريضة، ومنْ فقدوا الإيمان وضلوا ضلالاً مبينا أنه لم يسلم من أذاهم وشائعاتهم وإفكهم أحد، فهم أهل البهتان، والمروجون للزور، والمؤلفون لوقائع الكذب ، فنالوا من الله ورسوله والمؤمنين.
وقد عالج القرآن الكريم هذا الموضوع الخطير في غير موضع، وتناوله على أكثر من صعيد.
الإشاعة في القرآن
لم يأتِ في القرآن الكريم ذكر صريح للإشاعة أو مشتقاتها إلاّ مرّة واحدة، وردت في سورة النور، وهو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[(1)].
بيد أنها وردت في مفهومها الشامل وتطبيقاتها ومداليلها العديدة، في الكثير من المواطن والمواقف المشهودة. وككل حركات التغيير الكبرى التي تركت بصماتها على مسيرة التاريخ، لم تمر الدعوة الإسلامية بسلام، ومن دون ردود فعل مضادة وعنيفة وشرسة. فمنذ أن جهر رسول الله e الدعوة إلى الله، وعالن قومه بضلال ورثوه عن آبائهم، قرر المشركون ألاّ يألوا جهداً في محاربة الإسلام وإيذاء الداخلين فيه. وانفجرت مكة بمشاعر الغضب، وظلت عشرة أعوام تعد المسلمين عصاة ثائرين، فزلزلت الأرض من تحت أقدامهم، واستباحت دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وصاحب كل ذلك حرب عاتية من الشائعات المغرضة، والسخرية والتحقير؛ لتخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنوية، وتحطيم نفسياتهم. فرُمي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته بتهم هازلة، وشتائم سفيهة وأُشيعت حولهم الافتراءات والأباطيل للحط من مكانتهم لدى الجماهير.
وفي المدينة حيث كثر عدد المسلمين، فقد اتخذت العداوة للإسلام طريق الدس والنفاق والمخاتلة وترويج الشائعات، فأسلم فريق من المشركين واليهود ظاهراً، وقلوبهم تغلي حقداً وكفراً، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول العوفي[(2)].
وفي غمرة المواجهة الضارية، حرص القرآن الكريم على توعية المسلمين، وتكوين الحسّ السياسي والإعلامي لديهم؛ لصيانة الرأي العام الإسلامي وتحصينه من التأثّر بالإشاعات والأكاذيب والأراجيف التي يبثها المندسون والمنافقون والخصوم، ليكوّن المناعة الفكرية والنفسية، ويفوّت الفرص على أولئك المخرّبين، فثبّت الأسس والموازين اللازمة للإنسان المسلم، ليتمكّن من فحص وتمييز الإشاعة والدعاية الكاذبة وفرزها، والوقوف بوجهها[(]1).
وحينما نستقرئ آيات القرآن التي تحدثت عن الإشاعات التي روّجها أعداء الإسلام، وأسلوب التعامل معها، نجد نماذج عديدة لها مبثوثة في كتاب الله، وتكاد تغطّي كل مساحات المواجهة خلال مرحلة النبوّة، وفيما يلي بعض المحطات الهامة[(]2):
من أساليب الدعاية السوداء
جاء الخطاب القرآني قويّاً مجلجلاً، وكان وقعه كالصاعقة على المشركين، ولما أعيتهم الحيلة في مواجهة الحجة بالحجة، وأنّى لهم ذلك؟ انتهجوا ترويج الإشاعات ضد الرسول الأكرم e باعتباره المثل الأعلى، ذلك في محاولة للتسقيط الشخصي، فأخذوا يشيعون أنه كاهن، وأنه مجنون، وأنه شاعر، وأنه كذّاب، وأنه ساحر ...!!.
{وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ}[(]3).
{قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ}[(]4).
{وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُّبِينٌ}[(]5).
{وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} [(]6).
{وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ}[(]7).
وفي غمرة انهماك أعداء الإسلام ببث أباطيلهم حول الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم نزل الوحي يقرّع هؤلاء:
{فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ)(وَمَا لَا تُبْصِرُونَ)(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)(وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ)(وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ)(تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}[(]1).
ولمّا ثبت بطلان كل تلك الشائعات عنه صلى الله عليه وسلم لم يلقِ المشركون سلاحهم، ولم يتركوا أساليب دعايتهم السوداء، فعمدوا إلى أسلوب آخر، فتواصوا على أن يمنعوا الوافدين إلى مكّة من الاستماع إليه. واجتمع الوليد بن المغيرة مع نفر من قريش، ليتفقوا على شيء واحد يجمعون عليه، قال الوليد: إن الناس يأتونكم أيام الحج فيسألونكم عن محمد eفتختلف فيه أقوالكم، يقول هذا: ساحر، ويقول هذا: كاهن ويقول هذا: شاعر، ويقول هذا: مجنون، وليس يشبه واحداً مما يقولون. ولكن أصلح ما قيل فيه: ساحر يفرّق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته. وقد اقتسم هؤلاء المتآمرون مداخل مكة أيّام موسم الحج، يحذرون الناس منه e وينعتونه بما تواصوا به من سحر مفرق[(]2).
ومرّة أخرى تخيب ظنون المشركين، ويرتد كيدهم إلى نحورهم، وطفق الناس يقبلون على كلمة السماء دون أن يعيروا أدنى اهتمام لما يبثّه دهاقنة الشرك.
وحينما تيقّن الوليد بن المغيرة وأضرابه من عقم محاولاتهم الرامية إلى التشكيك في شخصية الرسول e ، وتشويه صورته وصولاً إلى صرف الناس عن اتّباعه، والانقياد إلى دعوته، انتقلوا إلى خطوة أخرى وأخرى؛ ليمارسوا في إطارها تجارتهم الخاسرة.
وفيما يلي وقفة مع معركة أحد، كنموذج للمحطات الأخرى.
معركة أحد.. نموذجاً-
كان يوم أُحد يوم السبت للنصف من شوّال[(]1) سنة ثلاث من الهجرة.
وكانت واقعة أُحد من أهم الوقائع الإسلامية الحربيّة التي عاش المسلمون فيها حالة النصر، كأفضل ما يكون النصر، ثم حولوها إلى هزيمة بفعل الممارسات الخاطئة ،التي انحرف فيها الكثير من المقاتلين عن الهدف الذي يفرض عليهم الانضباط، فيما تقتضيه خطة الحرب من مواقع ومواقف[(]2)..
وبهذا يمكن القول: إن غزوة أحد لم تكن معركة في الميدان وحده، إنما كانت معركة كذلك في الضمير. كانت معركة ميدانها أوسع الميادين؛ لأن ميدان القتال فيها لم يكن إلاّ جانباً واحداً من ميدانها الهائل الذي دارت فيه، ميدان النفس البشرية، وتصوراتها ومشاعرها، وأطماعها وشهواتها، ودوافعها وكوابحها على العموم، وكان القرآن هناك، يعالج هذه النفس بألطف وأعمق، وبأفضل وأشمل ما يعالج المحاربون أقرانهم في النزال[(]3).
وكانت موقعة أحد فرصة سانحة، لكي يعالج القرآن فيها كثيراً من الجوانب الإنسانية المتحركة في المعركة، ويثير كثيراً من الأجواء بكل ما حفلت به المعركة من نقاط الضعف والقوّة، لتثير في وعي المسلمين الكثير من المفاهيم الإسلامية المتعلّقة بحركة المعركة وموقع القيادة في خط السير، ومدى تأثير وجودها وغيابها في موضوع الالتزام بالمسيرة، والاستمرار على المبدأ، ويتابع المسلمين في المعركة وهم يتأملون ويخالفون ويندفعون ويواجهون الأعداء وينهزمون أمامهم، ولاحظ كيف تتحكم بهم جوانب الضعف البشري، ووقف معهم ليدفعهم إلى مواجهتها بشجاعة المؤمن الذي يعترف بها بصراحة، في محاولة لتحويلها إلى نقاط قوة بالجهد والإيمان والمعاناة، وأعطانا درساً عملياً في التأكيد على الجانب السلبي في الشخصية التاريخية بالقوة نفسها التي تؤكد على الجانب الإيجابي فيها، على أساس الواقعية الإنسانية في الإنسان، وعدم إغفال الضعف في التجربة الحيّة؛ بحجة أن ذلك يسيء إلى قداسة التاريخ وعظمة أبطاله[(]1).
وكانت هذه الحصيلة الضخمة التي استقرت في الجماعة المسلمة، من وراء الأحداث، ومن وراء التوجيهات القرآنية بعد الأحداث أكبر وأخطر، بما لا يقاس في حصيلة النصر والغنيمة، ولا قيمة ولا وزن في نظر الإسلام للانتصار العسكري أو السياسي أو الاقتصادي ما لم يقم هذا كله على أساس المنهج الرباني، في الانتصار على النفس، والغلبة على الهوى، والفوز على الشهوة، وتقرير الحق الذي أراده الله في حياة الناس؛ ليكون كل نصر نصراً لله ولمنهج الله، وليكون كل جهد في سبيل الله ومنهج الله، وإلاّ فهي جاهلية، تنتصر على جاهلية[(]2).
ومن بين جوانب المعركة، تبرز الإشاعة كأحد أخطر الأسلحة التي استخدمها المشركون ضد المسلمين.
ولو قُدّر لتلك الإشاعة أن تحقق كامل أهدافها لمنُي المسلمون بهزيمة مروّعة ، ولهُدّدت دولة الإسلام الفتيّة يومذاك من الأساس.
والمسألة باختصار شديد:
كانت الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار، حيث قُتل من هؤلاء سبعون من صناديدهم، وانهزم أعداء الله وولوا مدبرين، حتى انتهوا إلى نسائهم. وحتى شمّرت النساء ثيابهنّ عن أرجلهن هاربات! فلمّا رأى الرماة هزيمة المشركين وانكشافهم، تركوا مراكزهم التي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يبرحوها، وقالوا: الغنيمة! الغنيمة! فذكرهم أميرهم عهد رسول الله e، فلم يسمعوا، وظنوا أن ليس للمشركين رجعة! فذهبوا في طلب الغنيمة، وأخلوا الثغر في أحد!.
عندئذ أدركها خالد (بن الوليد) فكرّ في خيل المشركين، فوجدوا الثغر خالياً فاحتلوه من خلف ظهور المسلمين. وأقبل المنهزمون من المشركين حين رأوا خالداً والفرسان قد علوا المسلمين، فأحاطوا بهم!.
وانقلبت المعركة، فدارت الدائرة على المسلمين، ووقع الهرج والمرج في الصف، واستولى الاضطراب والذعر، لهول المفاجأة التي لم يتوقعها أحد. وكثر القتل واستشهد من المسلمين مَنْ كتب الله له الشهادة.
وخلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أفرد إلاّ من نفر يعدون على الأصابع، قاتلوا عنه حتى قتلوا ،وقد جرح وجهه صلى الله عليه وسلم ، وكسرت سنه الرباعيّة اليمنى في الفك الأسفل، وهشمت البيضة على رأسه، ورماه المشركون بالحجارة حتى وقع لجنبه، وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق قد حفرها وغطّاها! يكيد بها للمسلمين، وغاصت حلقتان من حلق المغفر في وجنته.
وفي وسط هذا الهول المحيط بالمسلمين صاح صائح: إن محمداً قُتل. فكانت الطامة التي هدّت ما بقي من قواهم، فانقلبوا على أعقابهم مهزومين هزيمة منكرة، لا يحاولون قتالاً، ممّا أصابهم من اليأس والكلال[(]1).
قال ابن عباس، وقتادة، والضحّاك، ومجاهد: إنه لما أرجف بأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم أُحد وأشيع ذلك، قال ناس: لو كان نبياً ما قتل. وقال آخرون: نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به[(]2).
وحدثت البلبلة والارتباك، وانكفأ الناس عن النبي محمدصلى الله عليه وسلموما بقي معه إلاّ قليل، وقال البعض: ليتنا نجد من يأخذ لنا الأمان من أبي سفيان! وقال آخرون: لو كان محمد نبياً لما قتل، الحقوا بدينكم الأول، كما يروي المؤرخون ذلك وغيره، في الخط السلبي للقضية.
أمّا في الخط الإيجابي الذي يمثّل الثبات على الإسلام، حتى في غياب الرسول القائد ، فتمثّله لنا القصّة التي ينقلها الطبري في تفسيره: إن رجلاً من المهاجرين مرّ برجل من الأنصار يتشحّط في دمه، فقال للأنصاري أعلمتَ أن محمداً قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم .
وفي رواية أخرى - يرويها الطبري أيضاً - أن أنس بن النضر مرّ بعمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال أنس: ما يجلسكم؟
قالوا: قتل محمد.
قال: إن كان قد قتل محمد فإن ربّ محمد لم يُقتل، وما تصنعون بالحياة بعده، فقاتلوا على ما قاتل عليه، موتوا على ما مات عليه.
ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك ممّا قال هؤلاء، وأبرأ إليك ممّا جاؤوا به. ثم شدّ بسيفه فقاتل، حتى قتل رضوان الله عليه[(]1).
وكان أصل هذه الشائعة أن مصعب بن عمير كان يقاتل دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين انكشف المسلمون حتى قتُل، وكان الذي قتله ابن قمئة الليثي، وهو يظن أنه رسول الله e فرجع إلى قريش وقال: قتلت محمداً.
ويبدو أن شائعة قتل النبي صلى الله عليه وسلم سرت على أفواه كثيرة، حتى إن أبا سفيان قائد المشركين، حين أراد الانصراف بعد انتهاء المعركة، رأى أن يتحقق من تلك الشائعة، وهي قتل محمد e فأشرف على الجبل، وطلب من عمر بن الخطاب أن يأتيه، ليعرف الحقيقة منه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: (آتيه فانظر ما شأنه).
فجاءه، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمداً؟
قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن.
قال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبرّ، وهو الذي زعم أنه قتل النبي صلى الله عليه وسلم .
ومن الواضح أن تلك الشائعة التي قامت على خبر غير متثبّت من صحته، وسرت بسرعة بين المسلمين والمشركين على السواء، حيث توهم ابن قمئة، حين قتل مصعب بن عمير، أنه قتل رسول الله e، ثم أشاع هذا الوهم لما يعلم من أثر ذلك في تحطيم قوى المسلمين المعنوية، وتثبيطهم وتخذيلهم لو شاع بينهم. وبالفعل تحقق لـــه بعض ما أراد، حيث صدقها المسلمون والمشركون على السواء؛ لأن النفوس كما قلنا، في أوقات الحروب مستعدة لتصديق كل ما يُشاع في أمثال هذه الأوقات.
لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك هذه الشائعة تسري بين المسلمين دون أن يتصدى لها ويقاومها، ويظهر بطلانها وزيفها، ووجد أن أمضى سلاح لذلك هو أن يظهر بشخصه حتى يراه الجميع وتخمد الشائعة، لذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيح بالمؤمنين: (إليّ عباد الله.. إليّ عباد الله).
فاجتمع إليه نحو ثلاثين رجلاً، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو المسلمين إليه، واستطاع بالرجال القلائل الذين معه أن يصعد فوق الجبل، فانحازت إليه الطائفة التي اعتصمت بالصخرة وقت الفرار، وفرح النبي صلى الله عليه وسلم بأن وجد بقيّة من رجاله يمتنع بهم، بعد أن قاوم تلك الشائعة وأخمدها، وعاد هؤلاء المسلمون، إذ وجدوا رسول الله’ حيّاً، وهم يحسبونه قد مات.
وممّا أنزل الله سبحانه وتعالى في (أُحد) من القرآن، في صدد هذه الشائعة - وهي شائعة قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى يعاتب المسلمين الذين سقط في أيديهم، وانكسرت همتهم، وتركوا المعركة يائسين، لما أُشيع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد مات:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ}[(]1).
فهذه الحادثة التي أذهلت المسلمين هذا الذهول يتخذها القرآن مادة للتوجيه، ويجعلها محوراً لإشارات موحية[(]1).
أولاًً: غياب القيادة وحضور الرسالة:
حول هذه النقطة يقرر السيد محمد حسين فضل الله: في هذه الآية تأكيد قرآني على أحد المبادئ الإسلامية الإيمانية، وهو أن غياب القيادة، مهما كانت عظيمة، لا يوقف المسيرة ولا يلغي الرسالة - المبدأ؛ لأن عظمة القائد في حساب الرسالات لا تنتهي بانتهاء حياته، بل تمثّل بدلاً من ذلك خطوة أولى نحو الانطلاقة المستمرة في الدرب الطويل، ومرحلة متقدمة من مراحل العمل، ثم تتبع الخطوة خطوات على الطريق وتنطلق المراحل الجديدة على درب المرحلة القديمة.
فالرسالة هي الأصل والقاعدة.. والقيادات المتتابعة تمثل دور الحَمَلة لها، فقيمتهم بمقدار ما يقدمون لها من خدمات وتضحيات، وعظمتهم بقدر ما يواجهونه من مواقف الصدق والإخلاص.. الأمر الذي يلغي من المسيرة عبادة الشخصية التي توحي بأن الشخص هو الأساس، والرسالة شأن من شؤونه، وميزة من ميزاته، وليس الأمر بالعكس.
وهكذ نجد القاعدة الإسلامية التي تربط الإنسان المؤمن بالرسالة، ولا تربطه بالشخص إلاّ من خلال الرسالة، فلا تموت الرسالة بموته.. ممثلة في بعض النماذج المؤمنة في ذلك الوقت[(]2).
ثانياًً: الارتداد:
بعد تقرير هذه الحقيقة والتأكيد عليها، ينتقل النص إلى استنكار انقلاب البعض على عقبيه: {أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}.
ليعقب هذا الاستنكار تهديد صريح: {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا}.
وفي التعبير تصوير حي للارتداد: {انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ..} {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ}.
فهذه الحركة الحسّية في الانقلاب تجسّم معنى الارتداد عن هذه العقيدة كأنه منظر مشهود. والمقصود أصلاً ليس حركة الارتداد الحسيّة بالهزيمة في المعركة، ولكن حركة الارتداد النفسية التي صاحبتها، حينما هتف الهاتف:( إن محمداً قد قُتل). فأحسّ بعض المسلمين أن لا جدوى إذن من قتال المشركين، وبموت محمد انتهى أمر هذا الدين، وانتهى أمر الجهاد للمشركين!
فهذه الحركة النفسية يجسّمها التعبير هنا، فيصورها حركة ارتداد على الأعقاب، كارتدادهم في المعركة على الأعقاب! وهذا هو الذي حذرهم إيّاه النضر بن أنس، وكأنّما أراد الله سبحانه بهذه الحادثة، وبهذه الآية، أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي بينهم، وأن يصلهم مباشرة بالنبع. النبع الذي لم يفجره محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكن جاء فقط ليومي إليه، ويدعو البشر إلى فيضه المتدفق، كما أومأ إليه الرسل من قبل، ودعوا القافلة إلى الارتواء منه!.
وكأنما كان الله سبحانه يعدّ الجماعة المسلمة لتلقي هذه الصدمة الكبرى حين تقع، وهو سبحانه يعلم أن وقعها عليهم يكاد يتجاوز طاقتهم. فشاء أن يدربهم عليها هذا التدريب، وأن يصلهم به، وبدعوته الباقية قبل أن يستبد بهم الدهشة والذهول[(]1).
ثالثاًًً: شكر السائرين على الخط:
بعد أن أكدت الآية الكريمة مبدأ أن الذي ينقلب على عقبيه، بعد موت الرسول سوف يضرّ نفسه ولن يضر الله شيئاً، لأن رسالات الله لا تتوقف أو تتجمد عند كفر كافر، أو انحراف منحرف مهما كان دوره، ومهما كانت درجته وطبقته.
ثم انعطفت الآية إلى السائرين على خط الحق، فاعتبرت ذلك شكراً لله كما يجب أن يشكر وهو ما يمثّله الشكر العملي الذي يتحوّل إلى موقف للعمل، ولا يظل مجرد كلمة تتحرك في الشفاه، ووعدت هؤلاء بأن الله سيجزيهم على ذلك جزاءً موفوراً[(]1).