إهـــداء
إلى والديَّ اللذيْن منحاني الحياة والحب
إلى زوجتي ميشال التي منحتني الحب والحياة
شـكر وعرفـان
نال هذا الكتاب مني بحثاً وتحريراً عدة سنوات، ضمن نشاطات أخرى، لم تتوان فيها نفوس طيبة عن مساعدتي وتشجيعي. أدين بكل جوارحي لزوجتي ميشال وولديّ أرمان وروشن على نظرتهم الثاقبة وتفهّمهم وصبرهم ومساعدتهم، كما أقدّر مجهودات كريستين زيربينيس وبروس فلسون وليندا أونيل في العمل الكتابي وتقديم الاقتراحات القيّمة. وقد ساعدت كثيراً تلك الاقتراحات التي قدمها د. بيتر مورغان وسوزان ليونز في إعادة تنظيم الكتاب وتقديمه مما يتوجّب عليّ شكرهما على توصياتهما الهامة، كما ساعدت سوزان ليونز في تحضير مخطوط الكتاب. لهم مني جميعاً جزيل الشكر على الدوام.
عزيزنا القارئ ...
ما أجمل أن تقرأ كتاباً أو تنظر مشهداً يثير فيك الشجون والأفكار ويضعك في مَسرّة غامرة ويسرح بك في التفكير والتأمل فتشعر بالراحة لأنه يروي عطشك في تساؤلات كثيرة. وتزداد شعوراً بنشوة الفرح وأنت تشارك الآخرين بمصدر هذه السعادة. هذا ما مررنا به ونحن نعدّ هذا العمل المتواضع لنضعه بين يدي قرائنا الأعزاء.
لدى مطالعتنا كتاب الأستاذ الدكتور حسين دانش "سيكولوجية الروحانية" باللغة الإنكليزية شدّتنا مواضيعه التي تهم كل فرد في حياته وسلوكه ومفاهيمه. لمسنا عُمق أفكاره وتحليلاته التي لم تنطلق من النظريات والأفكار والمدارس الفلسفية فحسب، بل من نتاج تجاربه العملية كطبيب معالج وأستاذ باحث ومفكّر عميق في معالجاته النفسية وبراعته في ربط الأسباب بجهل الإنسان بحقيقته الروحانية التي تشكل جوهر وجوده. وما يزيد الكتاب قيمة استغراق الكاتب بإيمانه الراسخ بعظمة الخالق وما خَلَق وعلى رأسه الإنسان الذي أودع فيه خصاله تعالى في رتبة الإنسانية، ومنحه القدرة على إظهارها لعالم الوجود، مطلقاً العنان لروحه في الترقي إلى أعلى درجات الكمال بفضل فيض تعالميه التي لا تنقطع المنزّلة على رسله وأنبيائه. لقد أفلح الكاتب في اصطحاب قارئه في رحلة داخل النفس البشرية ليتعرف الإنسان على ذاته ومكنوناتها وقيمة نفسه وقدراتها وقواه الروحانية وعظمتها والتي بها معاً بمقدوره أن يواجه تحديات الحياة ليعيش في راحة نسبية بنفس متكاملة الجوانب.
من سياق الكتاب يُفهم أن البشرية بشكل عام تمرّ في مراحل دورات حياتها كما يمرّ الإنسان في مراحل حياته من رضاعة وطفولة ومراهقة وبلوغ ونضج، وأنها الآن تودّع مرحلة مراهقتها التي اتّسمت بالطيش والعنفوان والتعنُّت والصراعات المدمّرة والحروب الدموية في غياب الفضائل التي غارت في مستنقع المادية البغيض، ويبدو أن ما نمرّ به الآن إنْ هو إلا تلك الظلمة الحالكة التي تسبق طلوع فجر الوعي الإنساني نحو الوفاق والوحدة والإتحاد وحلّ المعضلات العالمية بالحوار والمنطق المجبول بخشية الله والرجوع إلى فضائله مستفيدة من تجارب الماضي التي كانت مزيجاً من الآلام المريرة تارة والآمال المُبهِجة تارة أخرى لتنهض من جديد بكل ثقة فتخطط لمستقبل زاهر تتأسس فيه حضارة إنسانية تتوازن فيها المدنية المادية والترقّي الروحاني في ظل تعاليم الحق وقِِيَمه في عالم واحد تتحد فيه الرُّؤى والأهداف حتى ينعُم بالسلام والطمأنينة والمحبة والوئام.
سعينا جاهدين إلى فهم مادة الكتاب والغوص عميقاً في ما ترمي إليه حتى ننقلها إلى العربية بصدق وأمانة، الأمر الذي لم يكن سهلاً. فإلى جانب الإصطلاحات الطبية والعلمية باللغة الإنكليزية كنا نجد عدة معانٍ ومدلولات لكلمة واحدة. كان مرجعنا المعجم العلمي والطبي الرسمي لمنظمة الصحة العالمية، ومع ذلك اضطررنا أحياناً إلى استعمال الكلمة بلفظها الإنكليزي باعتبار أنه مألوف ومعروف. ومن الكلمات التي دلت على عدة معانٍ (consciousness) وعرّفناها أحياناً بـ "الوعي" أو "الإدراك"، ثم كلمتا (self)، (soul) حيث أشرنا إليهما بـ "الذات"، "النفس"، "الروح". وفي كل هذا توخّينا الدقة في الترجمة قدر المستطاع. ونأمل في سماحة القارئ فيما يمكن أن يجده من تقصير سوف نتلافاه في الطبعة القادمة بإذن الله بملاحظاته القيمة.
وكما كان الكتاب مصدر سعادة لنا أثناء ترجمته نأمل أن يُسَرّ به القارئ ويفيد منه مهما كانت خلفيته وعقيدته، لأن في قلب كل إنسان جوهرة أودعها الله لتضئ له درب بحثه عن الحقيقة إذا صانها من غبار الأوهام وأزاح عنها باستمرار سُحُب المفاهيم الخاطئة المتوارثة. فالإنسان فُطر على فطرة الله، وهو كتاب التكوين وفيه سرّ الوجود. هو وحده الذي يجمع العلوم المعرفية والمعرفة الإلهية وفضائل الروح الخلاقة المبدعة. وفيه تتجلى وَحْدَة الكون ووَحْدَة الوجود وبه تتحقق وَحْدَةُ العالم الإنساني ليتحقق حلم البشرية، على مرّ الدهور والعصور، في عصر تسوده المحبة والسلام.
د. نبيل مصطفى
مصطفى صبري
مقدمــة
إلى مَنْ تدور في أذهانهم هذه الأسئلة الصعبة، أكتب هذا الكتاب :
· ما طبيعة الحقيقة الإنسانية؟
· ما الهدف من حياة الإنسان؟
· ما هي المحبة؟
· ما هي الحقيقة؟
· هل لدينا إرادة حرّة؟
· ما سرّ السعادة؟
· هل التسامي عن الوجود المادي حقيقة؟
· هل يمكن أن يكون تقرّبنا للفضيلة مجرّد محاولة منا لطمس طبيعتنا الشّرّيرة؟
· ألا يمكن أن يكون انجذابنا للربوبية بكل بساطة نابعاً من جذور مخاوفنا الطفولية وحاجبتنا إلى مظهر سلطوي؟
هذه أسئلة وأخرى مماثلة هامة عادةً ما تُطرح، ولا تزال الإجابة عنها موضع اهتمام المحققين بفكرهم والباحثين بقلوبهم في كل مكان.
إن مبادئ سيكولوجية الروحانية التي يقدّمها الكِتاب تزوّدنا بإطار لهيكل متناسق متكامل في سبيل تفهّم أنفسنا وسلوكنا أفراداً وجماعات. ولهذا الغرض أخذتُ بالاعتبار تلك الأبعاد البيولوجية والسيكولوجية والروحانية للحقيقة البشرية، كما حدّدتُ وبيّنتُ علاقاتها الأساسية النابعة من تلك الحقيقة الواحدة التي لا تتجزّأ.
وبالتطرّق إلى بعض الحالات بتحليلات عميقة والإتيان بأمثلة عملية، يكشف كتاب "سيكولوجية الروحانية" عن أساليب جديدة لرؤية أنفسنا، وعلاقاتنا، ومشاكلنا وعالمنا. فنتبيّن منها أن الحياة يمكن أن تكون طيبة وسعيدة ومثمرة إذا ما فهمناها، وأننا معشر البشر مخلوقات نبيلة حقاً.
ح . ب . د
قضايـا أساسـية
في اليوم الأول لدراستي الطب، قبل أربعين عاماً، عُيّنت في قسم الطوارئ. كان برنامجي في كلية الطب التي التحقتُ فيها يتطلب ست سنوات من الدراسة التي تجمع بين العلوم الطبية الإعدادية والتدريب المهني الطبي. والطلاب الملتحقون بالدراسة كانوا ممن أنهوا الدراسة الثانوية حديثاً، وكثيرٌ منا كانوا شباباً، وكان عمري آنذاك ستة عشر عاماً.
ما كِدتُ أصل غرفة الطوارئ حتى جاءت سيارة إسعاف ومعها خمسة أفراد من أسرة واحدة تتراوح أعمارهم بين الرابعة عشر وواحد وثمانين عاماً. كانوا يعانون من تسمم بغاز أول أكسيد الكربون. في تلك الغرفة التي لا تعرف الإبطاء، كان لكل واحد مسؤوليته المحددة، ومهمتي أن أساعد المرضى على التنفس بغاز الأكسجين أو بالتنفس الاصطناعي من الفم وأي إجراء آخر أراه ضرورياً متّتبعاً خطوات زميلي الطبيب الذي تولّى حالة مصاب آخر. مرّت ثلاث ساعات ونحن في هذه التجربة القاسية وكأنها العمر كله، ثم ... توقّفنا. كان نصيب المصابين الخمسة أن فارقوا الحياة. وقفتُ مشدوهاً وخِلتُ نفسي أَنّي فاقد الحس وغير راغب في التفكير بتجربتي الأولى هذه. ومع ذلك، لم يُقَدَّر لحالتي من الوجوم أن تستمر طويلاً إذ أحضروا مرضى آخرين وعيّنوا لي مهمة تنظيف لُطَخ الدم المتجلّطة، تحت إشراف الممرضة، من على وجه مصاب بحادث دراجة وتجهيزه لفحص الطبيب. وبينما كنت أزيل تجلطات الدم ومتعلقاتها عن وجه الشاب بكل حذر وعناية ذهلتُ عندما تبيّن لي أنه أحد أصدقائي المقرَّبين. تملّكني الخوف والألم ولكن عليّ أن أستمرّ في عملي وإنجاز مهمتي. وكم أراحني عندما سمعته ينطق ببعض الكلمات واتضح لي بعد ذلك أنه سيشفى.
بعد ظهر ذلك اليوم اجتمع عدد منا لتبادل تجاربنا في يومنا الأول بوصفنا طلبة طب. كانت معظم التجارب مثيرة للمشاعر أو هكذا بدت، أما أحدنا فكانت له تجربة خاصة غير عادية. لقد كُلّف بمراقبة المؤشرات الحيوية (النبض والتنفس والحرارة لعدد من المرضى). صادف أن كان بينهم مريض من القبائل الرُّحّل ولم يسبق له أن دخل أي مستشفى. وضع زميلنا جهاز التيرموميتر في فمه لقياس حرارته ثم تركه ليتكلم مع مريض آخر مجاور، ولما رجع وجد أن التيرموميتر قد اختفى، وبمنتهى البساطة ابتلعه المريض. هرع الأطباء والممرضات لنجدته وبدأوا في معالجة الحالة خوفاً من التسمم بفعل الزئبق، وطلبوا من زميلنا الطالب أن يبدأ بفصل بياض البيض لإعطائه للمريض كجزء من العلاج.
عندما فكرتُ مليّاً بتلك الأحداث أدركتُ أنها أكثر من كونها طبية بحتة. فأولئك الذين ماتوا نتيجة التسمم بغاز أول أكسيد الكربون كانوا أيضاً فريسة الفقر والجهل، فجسَّدَتْ وفاتُهم أمامي حقائق الحياة والموت. أدركتُ مدى سهولة حدوث الوفاة وإمكانية تفاديها أيضاً. إن ما يحمله الأمر برمّته من ظلم وإجحاف، وإيماني بأن حالات الموت تلك يمكن تفاديها أحياناً، كل ذلك أثار غضبي، كما أن حادث الدراجة قد أثار فيّ شعوراً آخر؛ الخوف من فقدان أعزائي. بدأتُ التفكير في مَن أُحبهم، ومَن منهم يمكن أن يُصاب بحادث أو مرض أو موت، وانتهيتُ بحادثة المريض القَبَلي. شعرتُ حينها بضيق نفسِيٍّ من ذلك البَوْن الشاسع الذي أراه بين الناس. إنه فجوة يخلقها في البداية تبايُنٌ في التعليم والثقافة وتجارب الحياة التي جعلت من زميلي عديم الخبرة إنساناً غير مدرك لأهمية التخاطب مع الآخرين لأنه بكل بساطة افترض أن كل واحد غيره يعرف كل ما هو واضح لديه ومدرك له، وكان من المتوقع لي أن أتصرف بالأسلوب نفسه في ظروف مماثلة. ومع أنني كنت على يقين دائماً بأننا كلنا في الحقيقة واحد، إلا أنه عملياً رأيت أننا متباعدون تماماً.
في السنوات اللاحقة تعرّضتُ لكثير من تلك الأحداث أثناء عملي كطبيب باطني وأخصائي في الأمراض النفسية وتعاملتُ مع بعض تلك الحالات الهامة التي تهمّنا جميعاً. إن الأهم من بينها هو ما يتعلق بالحياة والموت وما يلازمه من اعتبارات أخرى من قبيل البحث عن السعادة والحب والرضا، وكذلك الخوف والألم والمرض والفقدان والرفض، ثم اهتمامات أخرى مثل الهدف من الحياة وطبيعة العلاقات وسرّ البلاء والمعاناة، والقائمة تطول وتطول إلى أن وصلتُ إلى استنتاج بأن اهتمامات الإنسان بالغة التعدد وربما لا حدّ لها.
ومع ذلك يمكن تصنيف هذه الاهتمامات بمجموعتين: اهتمامات خاصة بالبقاء في الحياة وأخرى خاصة بالهدف من الوجود. الأولى تحفزنا إلى تأمين الغذاء والحماية والمأوى لأنفسنا، والثانية تتحدّانا لنجد الهدف والمعنى لكل ما نقوم به. فالأولى تربطنا بعالم الحيوان وتذكّرنا بموروثنا البيولوجي، والأخرى تشير إلى طبيعتنا الروحية ودورها الهام البارز في حياتنا. فالحياة في حقيقة الأمر تكون مؤلمة وغير مرغوب فيها وعبئاً ثقيلاً لا يُحتمل إذا خَلَتْ من معناها وهدفها. فمنذ القِدَم عرف القائمون على العلاج أن العديد من حالات الإنتحار، وحتى جرائم القتل، إنما تحدث في ظل حياة لا معنى لها ولا هدف.
* * *
في صبيحة أحد الأيام قبل عدة سنوات دُعيت إلى قسم جراحة الأعصاب لتقديم استشارة في الطب النفسي. وجدت هناك رجلاً جالساً في السرير حائراً قرأت في وجهه إمارات الذهول وكان في منتصف عمره تقريباً. في تبادل الحديث معه أخبرني بأنه أمضى حياته منعزلاً ولم يتزوج لأنه لم يجد مَن ترضى به. لم يفلح كثيراً في المدرسة، ولم يُكْمل دراسته بعد الثانوية. حصل على وظيفة بسيطة وعاش حياة مملّة حسب وصفه لا هدف فيها ولا حَدَثاً يُذكر. قرر، وهو في الخامسة والخمسين، أن لا سبب يدعوه إلى الاستمرار في الحياة، وخَلُصَ إلى أن حياته أصبحت بائسة وعبئاً ثقيلاً لا قيمة لها فقرر الإنتحار.
خلق قراره هذا درجة من التهيُّج في نفسه وحالة من الترقُّب. كان ينظر إلى نفسسه دوماً على أنه إنسان فاشل، إلا أنه في هذه المرة لن يقبل الفشل فوضع لنجاحه خطة مُحكمة، إذ رسم لانتحاره طريقة سهلة ومضمونة توصّل إليها بأن يضع فوّهة المسدس في فمه ويضغط على الزناد. اشترى المسدس ونفّذ قراره. ولشدّ ما كانت دهشته عندما اكتشف أنه لم يفشل في قتل نفسه فحسب، بل حتى لم ينجح في أن يصيب مخّه بأي أذى أيضاً، إذ استقرّت الرصاصة بين فلقتي المخ دون أن تصيبه بضرر واضح دائم أو ذي أهمية تُذكر. ابتسم وهو يسرد لي قصته وختم كلامه بقوله: "الخاسر مرة هو الخاسر دائماً".
خلال تعاملي مع هذا الشخص لمستُ فيه منتهى الطِّيبة، وكان في الواقع يَعتبر هذه الصفة أعظم ما يتحلى به من فضائل. في مواجهته الموت لم يخجل من الإقرار بانه شخص طيب محب يراعي مشاعر الآخرين مع أنه يعتبرها صفات ثانوية أمام مواهب الكفاح وروح المغامرة والحافز القويّ والنجاح وهو ما يفتقر إليه في اعتقاده. كان في فكره يقلّب النظر في النظام السائد في مجتمعنت ويفكر في قيمته، وما يعتبره المجتمع إمارات هامة للإجلال والهيبة والنفوذ والنجاح. لذلك، بعد خمسة وخمسين عاماً من مجرد بذل المجهود للبقاء حياً، ثم المحاولة الفاشلة لانتحاره، قرر القيام بعمل تطوّعي في المستشفى، وبذلك منح حياته هدفاً أو غاية واكتشف البُعد الروحاني لذاته وكينونته.
كلنا حائزون على ذلك البُعد الروحاني. فالطبيعة البشرية تميزها عن الطبيعة الحيوانية فضيلة صفاتها الروحانية الخاصة. فبينما يتساوى الإنسان والحيوان في النواحي الجسمانية، إلا أننا نصبح بشراً حقيقيين حين تصبح طاقاتنا البيولوجية والغرائزية وسائل نعيش بموجبها حياة زاخرة بالمعرفة والمحبة والتفكّر والبحث ولها هدفها وغايتها، فنكتشف إنسانيتنا عندما نبدأ في البحث عن إجابات لأسئلة عدة تتحدى تفكيرنا:
- لماذا نحن في هذا العالم؟
- كيف أتينا؟
- إلى أين ذاهبون بعد هذا العالم؟
- ما طبيعة عقولنا وأحاسيسنا وأفكارنا؟
- ما طبيعة المحبة الإنسانية وما شأنها بعلاقاتنا؟
- هل من خالق للكون، وحياة بعد الموت، وهل هناك من هدف لما يحدث في حياتنا؟
إنها أسئلة جعلتني أُركّز اهتمامي على مريضتي كارول.
في البحث عن المغزى : حالة كارول
حالة للدراسة
تبلغ كارول من العمر خمسة وثلاثين عاماً، متزوجة وأم لطفل عمره أربع سنوات. طلبت المساعدة في معالجتها مما تشعر به من توتُّر نفسي نتيجة مرضها الخطير. فمنذ أربع سنوات تقريباً، وكانت لا تزال ترضع طفلها، اتصل بها طبيبها هاتفياً ليخبرها بأنها مصابة بسرطان الثدي بعد تشخيص حالتها.
كانت صدمةُ الخبر وأسلوب الطبيب في الإخبار قوية بحيث تركتها في حالة من الغضب والخوف والاكتئاب. لم يكن غضبها لإصابتها بالمرض الخبيث فحسب، بل من الطريقة التي خلت من الإنسانية التي سلكها الطبيب في نقل الخبر إليها. شعرت بأن الله قد تخلّى عنها، لا بل وأبناء جنسها أيضاً، وأنها الآن وحيدة بلا معين. ساورها اعتقاد بأن وجودها أصبح في خطر ولا تملك إلا القليل لتفعله تجاه حالتها. خفّ رَوْعُها إلى حدٍّ ما عندما أكّد لها الأطباء والجراحون المشرفون عليها بأنه من الممكن شفاؤها تماماً بعد إجراء عملية جراحية لاستئصال الثدي وبعلاجات مضادة للسرطان بعد ذلك، وأن بمقدورها الاستمرار في حياتها بشكل "شبه طبيعي". ولما كانت كارول على درجة عالية من الثقافة وتعير أهمية كبرى "للعلم" فقد شعرت بالاطمئنان على مستقبلها. خضعت للجراحة ثم العلاج الكيماوي الذي تسبب في تساقط شعرها ثم القئ والتعب والهزال مما أشعرها بالتعاسة. وأمام اعتقادها بأنها ستتخلص من السرطان في النهاية اعتبرت أن ما مرّت به يستحق المعاناة.
خلال تلك الفترة ساورت كارول أفكار عابرة حول: الله، الموت، الحياة بعد الموت. لم تأخذ منها الكثير من التفكير؛ فالموت عندها عبارة عن نهاية وجودها في هذا العالم لا أكثر ولا أقل، أما عن موضوع وجود الله فليس هو بأكثر من اهتمامها بحياتها ثم موتها، ولذلك أخذت تركّز تفكيرها على علاجها مبتعدة عن التفكير بالموت وما يتعلق به.
وبعد سنتين من العلاج عاودها السرطان من جديد وبذلك غاب عنها أي أمل في الشفاء، بل إن المرض أخذ في الانتشار وهذا ما وضع كارول في موضع لا تحسد عليه. شعرت بالخديعة؛ فالعلم قد خذلها، ومالت إلى الاعتقاد أن الطب كذب عليها، الأمر الذي وضعها في عزلة تامة لتعيش مع مرضها وحيدة. ومع ذلك راجعت الطبيب أملاً في وسائل أخرى ممكنة للمساعدة. أخبرها الطبيب أن علاجها سيكون كما في السابق ولكن بجرعات أقوى وعقاقير تسبب مزيداً من الضعف لجسمها، وسيكتب لها المسكّنات إذا ما بدأ يداهمها الألم ثم بالمهدئات عند الحاجة وسيوفّر لها استشارة نفسية عند الضرورة.
بعد حصولها على هذه المعلومات انهمكت كارول في إجراء بحث مضنٍ حول كل ما يتعلق بالسرطان؛ أسبابه وعلاجه. قرأت وتثقّفت بكل ما له علاقة به، ودرست علاقته بالإنفعالات والأحاسيس وبالغذاء والفيتامينات خاصة فيتامين C. اطّلعت على طرق العلاج البديلة غير المتوفرة في المؤسسات الطبية المعروفة، واستشارت أطباء ووكالات أخرى في حالتها. أخذت تتناول كميات كبيرة من فيتامينC ، وفيتامينات أخرى مختلفة وغيّرت من غذائها وأوقفت العلاج الكيماوي وجلسات الأشعة، وقررت أن تستشير طبيباً للأمراض النفسية حول النواحي العاطفية المتعلقة بمرضها.
في ذلك الوقت أخذت كارول موعداً لزيارتي في العيادة. رأيتها في غاية التعاسة والتوتر واليأس والغضب. وجدتُ من المهم أولاً أن أواجه حُنقها على مهنة الطب، فأخبرتُها أن الأطباء مثلها تماماً عاجزون عن مواجهة الموت ولكنهم يحاولون تفاديه، ولذلك يركّز معظمهم على معالجة المرض في الدرجة الأولى وإذا فشلوا يركّزون على وسائل الراحة البدنية لمرضاهم، وغالباً ما يتفادون مع الأسف الخوض في ما قد يصاحب المرض المستعصي من أمور تأخذ بتفكير المريض من قبيل: الهدف من الحياة، دواعي الألم والمعاناة أو ماهية الموت، وكثير من العاملين في حقل الطب يعتقدون أن الأطباء غير ملزَمين بالاهتمام بالأبعاد النفسية والروحية التي تصاحب المرض.
وهكذا غدا الطب المعاصر في معظم فروعه أداءً آلياً يخلو من المشاعر الإنسانية مركّزاً في أغلب الأحيان على الجسم وعِلَلِهِ مع قليل من الانتباه إلى تَبِعات المرض النفسية وأقل منه على الأبعاد الروحية. فالمرضى الذين يطلبون العون في أي من هذين المجالين يُحَوَّلون إلى أطباء الأمراض العقلية والأطباء النفسانيين ليجدوا عندهم العلاج النفسي والعاطفي، ثم إلى رجال الدين لمعالجتهم روحياً. هذا الانفصام في أسلوب العناية بالمريض غير مُرْضٍ إلى حدّ كبير خاصة لمن ينتظرون موتهم أو موت من يحبون.
كانت كارول وأسرتها في أزمة حادة للغاية عندما بدأت جلساتي معها، وكانت تريد أن تعرف ماذا يمكن للعلوم الطبية أن توفره لها، وماذا عليها أن تفعل حتى تسيطر على المرض، وكيف يمكنها أن تجهّز نفسها للأيام المقبلة، وما إذا كان في ماضيها ما جعلها عرضة لإصابتها بالسرطان، وهل هناك أنواع من المعالجة لم يقرّها العلم وتفيد التقارير عنها بأنها فعّالة؟ وإذا فشلت مساعي الأطباء إلى جانب مجهوداتها الشخصية في التغلب على المرض والشفاء منه، فإنها تريد أن تعرف كيف تجهّز نفسها لمواجهة الموت، وفوق ذلك كله عليها أن تعرف كيف تهيئ ابنها وزوجها ووالديها لتلك الساعة.
قد يعترض أحدنا قائلاً بأن معظم هذه الأسئلة لا تدخل ضمن الدائرة "المعهودة" للطب الباطني والنفسي، ولا أحد يعمل في حقل الطب يمكن أن يكون مؤهلاً للإجابة عن مثل هذه الأسئلة التي تتعدى ميدان الطب إلى العلوم النفسية والاجتماعية والدينية. إنه اعتراض له ما يبرره في مجال واحد، ولكن قبل ان نعفي أنفسنا من الإجابة عن تساؤلات هذه المريضة وأمثالها بحجة أنها تساؤلات ليست في محلها ولا علاقة لها بالموضوع، من الأجدى أن نعيد النظر في حالتها بصورة أكثر تكاملاً واتِّساقاً.
وهكذا تقدَّمْنا نحو حالة كارول عبر هذه الخطوط وبدأنا ننظر في جميع جوانبها معاً. اتضح لنا في الجلسات اللاحقة أنها نشأت في أسرة محافظة ومن طبقة متوسطة. والدها لديه تحفُّظاته في الحياة ووالدتها شديدة الحرص على حماية أسرتها وكثيرة الانتقاد، وبالرغم من هذه البيئة العاطفية عاشت كارول أولى سنوات عمرها حياة عادية بلا أحداث تُذكر. كانت مفعمة بالصحة والجاذبية واجتماعية محبوبة تتمتع بذكاء فائق وإنسانة ناجحة، وكل ما قامت به أحسنت صنعه. اعتادت أن تذهب إلى الكنيسة ولكنها لم تكتسب من الدين إلا قليلاً، ولم يستطع منطق تفكيرها أن يتفق وتحليلات التعاليم الدينية ولذلك فقدت بالتدريج اهتمامها بالأفكار الدينية، ولكنها حافظت على عشقها واهتمامها بالموسيقى الدينية وفن المعمار الديني والمناسك الدينية. لم تكن سنوات مراهقتها مضطربة، وكان أمامها أثناء تلك السنوات أن تختار بالتدريج توجّهها الخاص وأن تستقلّ عن والديها خاصة في أسلوب حياتها. نما في شخصيتها ضمير حي نحو هموم المجتمع، فأبدت اهتماماً بالغاً بأشكال الظلم التي تصيب الفرد والمجتمع، وشغلت وظائف عدة في ميدان الخدمات الاجتماعية في المستشفيات والدوائر الحكومية.
في حياتها الزوجية استطاعت كارول مع زوجها أن ينجحا في مواجهة تحديات الحياة إلى أن داهمها تشخيص السرطان الذي حطّم حياتها خاصة عندما بدأ يتفشى بعد سنتين. فنظرتهما لنفسيهما وللعالم لم تعد قادرة أن تفسّر لهما مأساتهما ولا كيفية التعامل معها.
كانت المأساة بالنسبة لكارول نفسها أكثر إيلاماً وتدميراً. أدركت فجأة أن الأمر لا يقتصر على الخطر الذي يهدّد حياتها فحسب، بل وفي فقدان كل واحد؛ زوجها وابنها ووالديها وأقربائها وأصدقائها. وما أفزعها أن تجد نفسها عاجزة عن إيجاد تفسير منطقي لكل هذه الأحداث. ففي مواجهتها الموتَ وجدت أن كل ما تعلمته وخَبِرتْه عن تحديات الحياة وتهديداتها وأساليب التغلب عليها أضحى بلا جدوى. اتجهت إلى قراءة المزيد من الكتب عن السرطان وعلاجه وما يتحدث من هذه الكتب عن الموت وعن حالة الوفاة وألم الفقدان. كان يدور في ذهنها الكثير من الأسئلة، وحاولت جهدها أن تضع مفهوماً لإطار جديد لحياتها ومرضها وحتى لوفاتها يعطي لكل ذلك معنى يمكن استيعابه، فاصطدمت محاولاتها بعوائق جمة إذ بكل بساطة لم تجد الإجابات عن تساؤلاتها تلك، وما وجدتْه منها غير وافٍ. لقد تفهّمت تماماً جوانب مرضها الجسماني ومعالجته الطبية، وبدأت في البحث عن أطباء يمكن أن يصِفوا لها علاجاً تشعر أنه أكثر نجاعة لحالتها. لم تتردد في اللجوء إلى استشارة أطبائها وطلب الشرح والتوضيح ووصف أي علاج جديد.
إلى جانب هذا كله كانت أفضل صنعاً في مجال العاطفة، إذ استطاعت أن تتفهّم مشاعر الغضب والخوف والحزن وتتعامل معها، وأدركت تماماً تلك الدوافع النفسية للإنفعالات العاطفية التي ترافقها، واستطاعت أن تحدد العوامل المؤثرة في حالتها. ولكن، برغم هذه الرؤى ظلّت غير راضية، ذلك لأن التفاسير الطبية والنفسية - مهما كانت مفصّلة ومعقّدة الجوانب وبدت ذات مصداقية - فإنها عجزت عن تفسير سرّ الحياة والموت تفسيراً مُرْضياً لديها، ولم تقدّم لها إجابات عن تساؤلاتها حول الهدف من الحياة، مغزى المعاناة البشرية ومعناها، وحكمة الموت المبكر وغيرها من هذا القبيل.
كانت بالطبع أسئلة ذات صبغة روحانية، وكان عليها أن تجيب عنها بنفسها، ومهمة كهذه تعتبر غاية في الصعوبة لأن الفرد الذي يعاني من أزمة مماثلة يحتاج إلى المساعدة والتشجيع لمواجهتها والتعامل معها، ويمكن إعطاء ذلك في إطار المقابلات العلاجية المتكررة المنتظمة في ظل رغبة الطبيب المعالج في مناقشة هذه المسائل والإقرار بصحتها وإدراك أهميتها للمريض وأن يشاركه معلومات وخبرات توضح له هذه الأمور.
انخرطت كارول بجوارحها بكل حماس في هذه المسيرة. فبدأت تُحرّر نفسها من التوتر العصبي وشرعت في المهمة الهامة في مواجهة الأسوأ - موتها. فاستطاعت بالتدريج أن تتفهم أحاسيسها عن موتها والتعبير عنها. لم تتوانَ عن التأمل في حقيقة ذاتها وحالة تلك الحقيقة بعد الموت.
من الطبيعي أنها كانت تأمل في حياة أطول، فبدأت مساومتها من أجل مزيد من السنوات ثم الأشهر ورضيت بالأسابيع في آخر الأمر. حدث تغيير مفاجئ. بدأت تتحدث عن موتها كحدث غير مفزع، وانتقلت إلى حالة من الشعور بأن لحياتها هدفاً ويجب أن تضعه نصب أعينها طالما بقيت حية. أصبحت أكثر ارتياحاً بوضعها العام ما عدا إصرارها على معرفة المزيد وخاصة حالة الإنسان وحقيقته بعد الموت، مما دفعها إلى مواجهة هذه الحالة بالطريقة المعهودة نفسها - الالتجاء للكتب، فطالعت العديد منها عن هذا الموضوع. وذات يوم، عندما شعرت بإرهاق وضيق في التنفس، ذكرت بأنها أحست حينها بأن جسدها أصبح ذا عبء ثقيل عليها وبدا لها أن كيانها الحقيقي أصبح متحرراً من هذا الجسد المنهك المضطرب الذي ينهشه المرض. انتابتها الدهشة لتلك المشاعر لأنها لم يخطر ببالها يوماً أنها ستؤْمن أن للحياة بُعداً روحانياً كما لبُعدها الجسماني.
وكلما انتشر السرطان في جسمها وساءت حالتها كلما ازدادت عمقاً في فهمها لحياتها. وذات يوم أخبرتني أنها أصبحت على يقين بأن لها روحاً مختلفة ومنفصلة عن جسدها تماماً، ولكنها كانت تخشى أن تذكر ذلك لأي شخص لأن مصدر تخوّفها الأكبر كان من أقاربها وأصدقائها المقرّبين من أن يقللوا من أهمية إدراكها وفهمها لحقيقتها الروحانية، فخشيت أن يحللوا كل شئ من منظور السيكولوجيات ويتجاهلوا رؤاها الثاقبة معتبرين إياها فكراً واهماً غير واقعي وأنه نتيجة مرضها وشعورها بقرب وفاتها. ورغم هذا الاحتمال الكبير قررت إشراك أقربائها وأصدقائها بأفكارها وآرائها لدرجة جعلتها جزءاً من خطتها لمراسيم دفنها. وكم كان ارتياحها كبيراً عندما لاقت ردود فعل إيجابية للغاية غمرتها بتأكيدات مشجعة.
إن حالة كارول تضع كثيراً من التحديات أمام مفهومنا العام للطبيعة البشرية ومواقفنا من الهدف من الحياة، فتثير أسئلة حول حب الذات، والعلاقات الشخصية بين الأفراد، والمشاعر الإنسانية المتعلقة بالخوف والغضب إلى أن تنتهي إلى مشاعرنا نحو الحياة والموت. فهي تتحدى مفاهيمنا عن القلق والاكتئاب ولا تسمح لنا بالوقوف على جانب حياتنا الغني بتفاسير بيولوجية وسيكولوجية فقط، بل تدعو إلى البحث عن إجابات لأسئلة حول المعرفة والمحبة والحرية والعدالة والسعادة والوجود والعدم أيضاً.
إنها أمور كلها تخص ميدان الروحانيات وهذا ما سنعرض إليه في الجزء التالي.
نحو السيكولوجية في إطار الروحانية
في سياق استعراضنا للحالة التي مرّ ذكرها تبرز أمامنا تساؤلات عدة:
ما حقيقة طبيعة الإنسان؟
كيف يتفاعل الجسم والعقل؟
هل للروح وجود، وإذا كان الأمر كذلك فما هي خصائصها وصفاتها؟
هل هناك حياة بعد الموت، وإذا كان الأمر كذلك فما نوع تلك الحياة؟
وأخيراً هل للروحانية وجود واقعي، فإذا كان الأمر كذلك فما هو كنه هذا الوجود؟
تلك أسئلة وغيرها لازمتنا منذ القِدَم عبر تاريخ الإنسانية. فمنذ مائة ألف عام تقريباً كان لأجدادنا طقوسهم الخاصة في دفن الموتى إذ وضعوا لهم الحُجُبَ وأبدوا اهتماماً كبيراً بالموت وبالأرواح الشريرة والقوى التي تفوق إدراك الإنسان. كان هذا قبل ابتكار لغة يتم فيها التخاطب بين الناس بستين ألف عام. لم يكن في الأزمنة القديمة لدى الناس أي تمييز بين الأحاسيس الجسدية والمشاعر النفسية والروحية، فما يصيب الجسد والنفس والروح من مشاكل ومعاناة كانت تُعزَى إلى عمل الشيطان أو من فعل الآلهة أو كانوا ينسبونها إلى السحر أو طرد الأرواح أو أنها للتطهير أو نوع من مؤثرات دينية غامضة (شامانية) أو للعقاب أو في سبيل الفداء.
منذ فجر الحضارة الإنسانية، وفي ثنايا مختلف الثقافات القديمة كان الإعتقاد بالأرواح ومدى تأثيرها على القلوب والعقول شائعاً بين الناس. ففي الكتاب المقدس نطالع إشارات تدل على حالات من الجنون يمكن اعتبارها عقوبة نتيجة لعصيان أوامر إلهية. ولنأخذ مثلاً شاؤول الذي عانى طفولة غير طبيعية، ثم أصيب بالإضطراب والخَبَل فيما بعد وأخيراً أنهى حياته منتحراً. كما نجد في الثقافة اليونانية والرومانية والفارسية والمصرية والصينية اعتقاداً شائعاً بأن هناك أسباباً خارقة للطبيعة وراء الإضطرابات العقلية.
إن مفهوم الفصل بين الروح والصفات الجسدية قد تطرَّق إليه، من الناحية الفلسفية لأول مرة، الفيلسوف هيرقراط (Heraclitus) الذي عاش بين 540 – 475 قبل الميلاد، وسرعان ما تبِعه بعد ذلك أبوقراط (Hippcrates) – 460 – 355 ق.م، حيث بيّن أن الحزن ومسبباته ثم التبصّر والمعرفة ومختلف الإحساسات إنما مصدرها العقل، وزاد على ذلك بأن قال: إذا كان العقل غير سليم صحياً سنجد أنفسنا فريسة "الأحزان والمعاناة والكآبة ومشاعر الأسى والتفجّع" وحالات أخرى غير طبيعية (1). ثم جاء بعده أفلاطون (Plato) ليقرر بأن للروح أجزاءً ثلاثة: الشهوة، العقل، الإنفعال. وهو ما يشبه إلى حدٍّ كبير ما صنّفه فرويْد (Freud) ب: هذا (Id)- أي الشخصية، الأنا (Ego)- أي الغريزة الجسدية، ثم الأنا العليا (Superego) - أي المشاعر غير الجسدية.
استمر عبر التاريخ اعتقاد بوجود علاقة بين الحالات النفسية والعقلية من جهة والمفاهيم الروحانية من جهة أخرى مما كان له أثره على حياة الأفراد والمجتمعات من جميع الثقافات. ومنذ القدم ظهرت أفكار متنوّرة عن طبيعة النفس البشرية مع أنها كانت محدودة. وفي الوقت نفسه برزت نظريات مخيفة ومدمِّرة وممارسات أخذت بها عامة الشعوب بمثل ما أخذت بها السلطات الدينية والسياسية. ففي القرن الخامس عشر اجتاحت أوروبا موجة من الشعوذة وتسببت في موت الأبرياء الذين تجاوز عددهم المائتي ألف من النساء والأطفال (وبعض الرجال) في ألمانيا وفرنسا، بالإضافة إلى قتل عدد أقل من ضحايا تلك الموجة الهوجاء في إنكلترا وإسبانيا وأقطار أخرى في أوروبا.(2)
كان الشغل الشاغل للسلطات الدينية في التعامل مع ظاهرة الشعوذة هو الاعتقاد بوجود علاقة جنسية بين المرأة والشيطان. ففي عام 1484 م أصدر البابا إنوسنت الثامن
(Innocent VIII) فتوى تبيح تعذيب من يُتّهَم بالشعوذة دون أي تردد. وفي أواخر القرن الخامس عشر صدر كتاب مشؤوم بعنوان " مطرقة الساحر " زاخر بالتفاصيل الجنسية والتُّرّهات الدينية عن الأمراض العقلية والدعوة إلى الخوف من المرأة والحض على كراهيتها.
وفي النصف الأول من القرن السادس عشر برز عدد من الشخصيات المرموقة وأخذوا في دحض مزاعم المروِّجين لموضوع السحر والشعوذة وتصدّوا للدفاع عن حقوق النساء. من بينهم جوان لويس فيف (Juan Luis Vives) – 1492 – 1540 م – الذي كتب رسالة بحثية في تثقيف النساء عام 1524. لقد تميّز فيف بلقب " أبو السيكولوجية المحضة "(3) ، كما دافع عن حقوق النساء أيضاً كورنيليوس أغريبا (Cornelius Agrippa)- 1486 – 1535 م، وكان كتابه بعنوان "النُّبْل والمكانة المرموقة للأنثى" قد حاز على اهتمام بالغ بموضوع الصراع ضد اضطهاد النساء. وشخصية أخرى بارزة نسجت على هذا المنوال تدعى جوهان ويَر (Johann Weyer) – 1515 – 1588. كان هذا طبيباً ذا بصيرة خارقة في طب الأمراض العقلية والنفسية، فأثبت من خلال عمله الطبي بطلان عقيدة السحر والشعوذة وبيّن لأول مرة بعض أساسيات العلاقة بين المريض والطبيب في العلاج النفسي. وبذلك اعتبره البعض أول طبيب في تخصص الأمراض العقلية والنفسية.(4)
استطاعت تلك الدراسات بالتدريج أن تفصل بين الخلط الموهوم من العقائد الدينية وما توصّل إليه الطب من نتائج، وأخذ يتشكّل بكل بطء توجُّهٌ نحو تفهُّم حالة الإنسان النفسية والإنفعالية، وأصبح سلوك الإنسان بشكل متزايد ميداناً للتجارب الطبية وعلماء السلوك الإنساني، وغدت أساليب العلاج أكثر ميلاً للإنسانية. هذا وقد ابتكر الفيلسوف الألماني غوكل (Gockel) – 1547 – 1628 – كلمة (سيكولوجي) مؤكِّداً على أهمية العلاقة التفاعلية المستمرة بين الجسد والعقل.
في عام 1793 عُيّن فيليب بينال (Philippe Pinel) – 1745 – 1826، وهو أبو السيكولوجية الحديثة، مشرفاً في مستشفى بيساتر (Bicetre) وبعد ذلك في مستشفى سلباتريار (Salpetriere)، وهما مؤسستان للعناية بذوي الأمراض العقلية، للرجال في الأولى وللنساء في الثانية. فكان بينال بحق هو الذي حرّر المرض العقلي من قيوده .
وكيفما كان الأمر، فإن التقدم الأهم في ميدان علم النفس الحديث قد أخذ طريقه في أوائل هذا القرن (العشرين) عندما نشر فرويد كتابه "تفسير الأحلام" عام 1900، وكتباً أخرى بعد ذلك. تحدّث فرويد عن جهوده وصراعه من أجل الوصول إلى إدراك ذاتي أعظم. وطبقاً لما ذكره برونو بتلهايم (Bruno Bettelheim)، أستاذ علم النفس وطب الأمراض النفسية والعقلية في جامعة شيكاغو (الولايات المتحدة): "إن ترجمة كتابات فرويد إلى اللغة الإنكليزية قد شوّهت الكثير من جوهر الفلسفة الإنسانية التي زخِرت بها النصوص الأصلية لهذه الكتابات". خاصة وأن تلك التشوهات كان لها التأثير الهام في الطريقة التي قُدّمت فيها النظريات الأصلية للتحليل النفسي التي تُعتَبَر "مناشدات شخصية عميقة لإنسانيتنا العامة" وقد قُدّمت تلك التشوهات بلغة "علمية" مجرّدة عن الشخصية والإنسانية.
أشار بتلهايم إلى أن النصوص الأصلية باللغة الألمانية أكدت على القسم الأول من كلمة (Psychoanalysis) وهو (Psyche) ويعني النفس ويُعتبر تعبيراً زاخراً بأثمن المعاني، بينما في الترجمة الإنكليزية كان التأكيد على القسم الثاني من الكلمة (analysis)، أي الجزء الخاص بالتحليل، متجاهلاً بشكل عام حقيقة أننا نتعامل مع النفس البشرية. وبيّن بتلهايم أن "فرويد كثيراً ما تحدّث عن النفس، طبيعتها وتركيبتها وتطورها وصفاتها وكيف أنها تكشف عن نفسها في كل ما نفعله ونحلم به."(5)
كان الهدف الأصلي من التحليل النفسي تشجيع الناس وحفزهم على التأمل في دوافعهم ومشاعرهم من منطلق حياة الجسد وحياة النفس والروح، بيد أن المجتمع الغربي، خاصة في أمريكا الشمالية حيث أصبح أكثر توجُّهاً نحو المادية، قد عمل على تبديل ميزة التحليل النفسي وأهدافه الأولية وأنشأ بذلك مدارس حديثة لطب الأمراض النفسية والعقلية " قائمة على التوجّه نحو قوى الإدراك والسلوكيات أو القيام بالوظائف الحيوية (Physiologically) متمشياً مع، ومركّزاً تركيزاً شبه تام على ما يمكن وضعه من مقاييس يمكن الإستدلال بها أو بما يمكن ملاحظته في الظاهر ..." (6)
أخذ علم النفس في هذا القرن في البروز حتى أصبح ميداناً هاماً معترفاً به يستحق الدراسة، وتضاعفت أساليب العلاج النفسي، ودخلت الخدمات النفسية جميع القطاعات في حياتنا من تعليم وثقافة وصناعة ثم المؤسسات والجماعات والأفراد، كما أن المصطلح السيكولوجي الحديث قد تغلغل بين الأحاديث العامة والأمثال الشعبية في المجتمعات الغربية. وهكذا نجد أن كثيراً من السلوك البشري، خاصة ما يتعلق منه بالجنس وبالسلوك العدائي، يتم بحثه تحت مصطلح "النفسي" الذي يحدد لنا كيفية التفكير في مثل هذه المواضيع. إلا أنه لازَمَ ذلك التصاعد نحو المفاهيم النفسية تراجُعٌ واضح في أهمية التعاليم الدينية السائدة وتأثيرها في المجتمع. ونتيجة لتنامي الإهتمام بالسيكولوجية وهبوط التوجه نحو الدين تناقصَ الإهتمام بالنواحي الروحانية للحياة أو كاد ينمحي بالكلية.
فإلى جانب مدارس التحليل النفسي كانت هناك مساهمة عظيمة من قبل مدارس رئيسة أخرى تتوجه نحو دراسة السلوكيات وقوى الإدراك، وما يختص بالوجود، والحركة الإنمائية والإنسانية. وبذلك ازداد تفهّمنا للقوى الغرائزية والجسمانية والنفسية الإجتماعية وكيفية تأثيرها في تكوين شخصياتنا وأنماط حياتنا. إننا الآن أكثر إدراكاً لأهمية ما نمرّ به أثناء طفولتنا في تشكيل شخصياتنا، ونعرف الجذور الجنينية لبعض الإضطرابات الرئيسة التي تصيب العقل، ونحن الآن في بداية تفهمنا للتشكيلات الكيميائية الحيوية للإضطرابات العاطفية وانفصام الشخصية وبعض الأمراض العقلية الرئيسة الأخرى، كما طوّرنا وسائل جديدة وفعّالة للعلاج النفسي ومعالجة المشاكل الزوجية والأُسرية والعلاج الجماعي (Group Therapy)، كما بدأنا، بشئ من النجاح، في تطبيق رؤانا النفسية على جوانب الحياة الإنسانية، الإقتصادية منها والسياسية.
على أنه رغم هذه الإنجازات الكبيرة فقد اتخذ علم النفس الحديث بشكل متزايد منحىً آلياً لا حياة فيه في توجّهاته وتكيّفه مع ظروف الحياة المادية، وأكثر من ذلك ازدياد التأكيد على العقاقير الكيميائية والاعتماد عليها عموماً في تهدئة حالات التوتر والإضطراب ومعالجة ما يصيبنا من إحباط وكآبة والتقليل من شعورنا بالقلق والإرتباك. ومن ناحية أخرى نجد أنفسنا بشكل متنامٍ أمام وسائل وخطوات جديدة من شأنها أن تساعدنا في التغلب على إدماننا على الأدوية، والإفراط في الطعام، والعمل المُجهِد، وفيما يخص علاقاتنا أيضاً مع الله سبحانه وتعالى ومع كل شئ حولنا. يقال لنا بلا تردد بأننا ضحايا، وعليه يترتب علينا أن ننتقم ونسلّط جام غضبنا على من أساء إلينا أكانوا أبوينا أم أفراد أسرتنا، أصدقاءنا أو الغرباء. شرع علماء النفس وأطباء الأمراض العقلية في تحليل وتفسير الأسباب الجذرية للإضطرابات السلوكية مثل العنف والقسوة والظلم والتعصب والجشع والأنانية والتنازع وغيرها، فخَلُصوا إلى تفسيرات تتعلق بالنواحي الغرائزية والوراثية والوظائف الجسدية الحيوية والإيثولوجية (دراسة علمية لسلوك الحيوان).
لقد خاب الناس في أملهم وارتابوا من مدارس الفكر السيكولوجي الرئيسة، ولذلك نراهم وقد لجأوا إلى حركات الأفكار المتطرفة بمزاعمها الخيالية وتوجّهاتها المتعصبة، حتى أن تلك الحركات أخذت في كثير من الأحيان تبدّل المعقول بغير المعقول، وبذلك تغيَّرَ أسلوب العلاج من جوٍّ مفعم بالمحبة والمشاعر الطيبة إلى أفكار تُرضِي غرور أصحاب تلك الأفكار وتُشبع رغباتهم.
أخذت هذه الظروف مكانها في ظل غياب اعتبار البُعد الأساسي للطبيعة البشرية، وهو البُعد الروحاني، أو بسبب إساءة فهمه. فغياب هذا البُعد عن أساليب العلاج السائدة قد سبب حالة من الإفلاس الخلقي والأدبي، فتحولت بذلك قداسة العلاج إلى ميدان للنزال والعراك. ذلك لأن في العلاج لا بد من توفُّر متطلبات من المحبة والثقة التامة الخالصة، وبدونها يصبح جو العلاج مشحوناً بالغضب والريبة. فكلا المعالِج والمريض يكونان في قلق على السواء؛ فالأول يخشى الإتهام والثاني يخاف الضرر، وكل منهما يدخل باب العلاقة بينهما بشئ من الشك وعدم الإرتياح، وإذا كانت هناك من نتائج إيجابية في العلاج فتكون في أقل درجاتها. والآن وقد حرر علم النفس الحديث نفسه من القيود التي كبّلته، وفتح الأبواب التي كانت موصدة أمامه ومحظور الإقتراب منها، وتبدلت الشعوذة بالرؤية العلمية الناتجة عن الدراسة والتحليل، وصُقِلت عملية اكتشاف العلاج الفجّة في السابق بفهم للكيمياء التي تعمل داخل المخ، أصبح هذا العلم جاهزاً الآن للتركيز على البُعد الروحاني للحقيقة البشرية.
إن الهدف الرئيسى لسيكولوجية الروحانية هو دمج النواحي الجسدية والنفسية والروحانية في وحدة واحدة للخروج بمفهوم أشمل وأكثر توازناً للطبيعة البشرية واحتياجاتها. استطعنا الآن أن نُرسي قاعدة صلبة لفهم الإنسان في حالتي المرض والصحة. إننا على يقين الآن بأن الفصل بين الجسمانية والنفسية، الجسد والعقل، ما هو إلا فصل اعتباطي لا يخضع للتحليل السليم. فكل حالة إنسانية إنما هي مزيج من الجسماني والنفسي. فالجسد والنفس يؤثر كل منهما على الآخر. فبينما تكون الحالة في الظاهر جسمانيةً في بعض الأحيان أو نفسية في أحيان أخرى فإنها في واقع الأمر تكون مزيجاً من الحالتين، ومع ذلك لا نعني بقولنا أن هذا الوضع ينطبق على جميع الحالات.
إننا في عصر نشاهد فيه أحد اتجاهات ثلاثة: اتجاه متطرف مقتنع أصحابه بأن الحالات التي يمرّ بها الإنسان من صحة ومرض إنما هي جسمانية مادية في طبيعتها، وبالتالي تلزم معالجتها مادياً، أكان ذلك بالعقاقير الطبية أو الجراحة أو في نمط من الغذاء أو بالتمارين الرياضية أو أي وسيلة أخرى يمكن بواسطتها تغيير أداء الجسم وحالاته. أما الإتجاه المتطرّف الثاني فيصرّ معتنقوه على أن جميع حالات الإنسان في الصحة والسقم إنما هي نفسية في طبيعتها، وعليه يجب معالجتها بالأساليب النفسية مثل المداخلات النفسية وبالمواد المؤثرة على العقل والتمارين الخاصة به، بالإضافة إلى بعض الطقوس الدينية والسحر. فمروّجو هذين الإتجاهين متمسكون بآرائهم ويُبدون في بعض الحالات استعدادهم للذهاب إلى أقصى الحدود حتى لو تسبب ذلك بمزيد من الضرر والأذى للشخص أو اِلأشخاص المعنيين. وجماعة كبرى تقف بين هذيْن الإتجاهيْن المتطرفيْن وتبدي استعدادها للعمل بما فيهما من جوانب مفيدة – العلم والمعرفة إلى جانب التبصّر في الحالة وإدراك جذورها.
إن أعلى ما تم التوصل إليه في جوانب هذه الإتجاهات الثلاثة تلك الطريقة التي يتعاملون فيها بالموضوع بموجب النظرية الثنائية أو الإزدواجية (Dualism)، وهي نظرية تعتبر الكيان البشري مكوّناً من عنصرين متضادّين وغير قابليْن للتغيير، أي المادة والعقل، الجسد والروح، أو المادي والروحاني، وهي نظرية مشكلة بحد ذاتها لأنها تجزّئ الحقيقة الإنسانية بينما هي في جوهرها واحدة غير قابلة للتجزُّؤ. وفي سبيل التغلب على هذا الموضوع الشائك مالَ معظم العلماء في هذا العصر، وبكل بساطة، إلى اعتبار أن المخ مجرد تركيب كيميائي معقد إلى جانب شبكة كهربية فاعلة تعمل في داخله. إذن فهو مادي في جوهره، وبالمنطق نفسه وجدوا حلاًّ لمشكلة الجسم والنفس والمادي والروحاني وانفصامهما متنكرين لحقيقة النفس وصحة ما هو روحاني. وبالمثل فإن أولئك الذين اعتبروا أن حقيقة الإنسان إنما هي شؤون نفسية قد حاولوا تعليل كل الحقائق الملموسة والمدرَكة في إطار سيكولوجي، وهو خطأ مماثل لما وقع فيه علماء الطبيعة المادية. أما المجموعة الثالثة فقد فقدت الأمل تماماً في حلّ هذه المعضلة.
وكما سنلاحظه في تطرّقنا لموضوع سيكولوجية الروحانية، فليس هناك أية ثنائية في حياة الإنسان الحيّ. فالإنسان وِحْدة واحدة ينسجم فيها وجهان مميزان لحقيقته؛ المادي والروحاني. وعليه، فإن سيكولوجية الروحانية تنظر إلى الطبيعة البشرية على أنها كيان موحّد متناسق تعمل فيه قوى ثلاث تمدّه ب : المعرفة، المحبة، الإرادة.
إن جميع حالات الإنسان في الصحة والمرض وفيما يتعلق بالحياة والموت إنما نختبرها ونتفهمها بواسطة قدراتنا في: المعرفة، المحبة والإرادة. فطريقة حياتنا وتجاربنا فيها وتفهّمنا للفرص المتاحة والتحديات الماثلة والتعامل معها يعتمد كل ذلك على تلك القوى الثلاث. فسيكولوجية الروحانية تشرح لنا الحقيقة البشرية وتبين تجارب الحياة ضمن هذا الإطار. وبناء عليه، سوف نركّز بحثنا الآن على المعرفة والمحبة والإرادة، وهي خصائص النفس لدى كل منا. وسنبدأ أولاً بمراجعة للطبيعة البشرية والمفاهيم الخاصة بالنفس والروح.