eKtab
EN ع
سيليكون وقصص أخرى
اقرأ عينة مجانية

سيليكون وقصص أخرى

بقلم أنجاد قصيباتي

صفحة 1

إهداء

بالإذن من كل أتباع المذهب السيليكوني..

إلى أبي..

قدوتي ومعلمي وصديقي..

علني لم أخيب أملك..

صفحة 2

الجوع إلى الحنان

أحسَّ بضيق شديد..

شعر بجدران غرفته تكاد تطبق على صدره..

إنه شاب في أواخر العشرينيات.. هرب من ملجأ للقطاء وهو لم يزل طفلاً قاصراً.. ذاق صنوف الشقاء والعذاب.. تعرض للإذلال النفسي والجسدي.. وانتهى به الأمر إلى العمل كأجير في مخبز.. يعود في المساء ببضع ليرات في جيبه ليأوي وحيداً إلى غرفته اليتيمة المستأجرة فوق سطح أحد الأبنية..

ارتدى ملابسه ونزل كي يتمشى..

هناك على قارعة الطريق وجدها واقفة بكل زينتها تنتظر الزبائن..

الطيبة تبدو على وجهها..

تقارب السابعة عشرة.. ويبدو أنها لم تزل جديدة على هذه المهنة..

اقترب منها.. تبادلا بضع كلمات.. وافقت.. سحبها من يدها وأخذها إلى مسكنه..

جلست على السرير.. قطعة الأثاث الوحيدة في الغرفة..

صفحة 3

أسند رأسه إلى حجرها.. أمسك كفّها ووضعها على شعره، وطلب منها أن تمسده وتداعب خصلاته بأناملها..

تجاذبا أطراف الحديث لساعات.. تشاركا مشاعر الفقر واليتم والوحدة.. دخَّنا معاً.. ضحكا كثيراً معاً.. وذرفا الدموع معاً..

ولأول مرة منذ زمن طويل تسللت الراحة إلى نفسه.. أحس بها تتغلغل في مسامات روحه..

انتبه فجأة إلى الوقت.. الصبح على الأبواب ويجب عليه أن يذهب إلى المخبز لتحضير العجين.. هبّ واقفاً.. وضع يده في جيبه ثم أخرجها.. ناولها الليرات التي اتفقا عليها مسبقاً.. نظرت إليه والاستغراب يملأ عينيها.. ألا تريد أن نفعل أي شيء سألته؟!

ابتسم لها وهز رأسه نفياً..

كل ما كان يريده هو حضن أنثى حنون تصغي إليه وهو يبثها مكنونات قلبه..

حتى لو كانت عاهرة..

28/3/2009

"الرجل درع المرأة الواقي ضد كل ما هو خارجي ومؤذٍ، والمرأة درعه الداخلي من انقلابات روحه على جسده، كلاهما يحميان بعضهما، وإذا كانت المرأة قادرة على الاستغناء عن الرجل وحماية نفسها استناداً إلى المجتمع والقانون، فقد لايجد الرجل ما يغنيه عنها، فليس في قوانين الدنيا ما يحمي أرواحنا من الانهيار والتفتت لشح الحنان".

محمد حسن علوان

صفحة 4

جاذبية لا تقاوم

لفتت انتباهه من بعيد..

تعلقت نظراته بها بإعجاب واضح..

تأمّل شعرها الناعم الطويل..

قوامها الممشوق..

قدّها الرشيق..

ملابسها الجميلة الضيقة..

اتجه نحوها..

ولمّا وصل..

نظر إليها ببلاهة..

مصعوقاً عاد أدراجه..

اكتشف بأنها رجل !!!...

23/3/2009

صفحة 5

الحل السحري

استيقظ صباحاً وهو يشعر بالإرهاق الشديد..

كانت ليلة مضنية قضاها بين أحضان الكوابيس والأحلام المزعجة..

أخذ يكوي قميصه بعصبية بعد أن أهملت زوجته طلبه بأن تقوم بذلك..

كانت كثيراً ما تتقاعس عن تأدية رغباته، وبالطبع إذا حدث العكس تكون قيامته..

عندما سألها عن سر تقاعسها ألقت عليه محاضرة ملتهبة عن تقصيره وعجزه عن تأمين دخل كاف لتلبية متطلبات البيت..

خرج وهو يصفق الباب خلفه بعنف..

في طريقه إلى موقف الباص هوى، على بعد سنتيمترات قليلة من رأسه، كيس أسود كبير..

تبعثرت القمامة منه على الأرض في كل مكان، وأصاب بعض منها بنطاله..

رفع رأسه.. إنها تلك الجارة مجدداً.. صرخ في وجهها ناعتاً إياها بالقذارة وقلة الذوق..

تفادى بأعجوبة كيساً آخر كان مصوباً بدقة إلى وجهه..

تصايح وتدافع مع العشرات ليركب الحافلة حتى تهلهلت ملابسه..

بعد سلسلة من المحاولات الفاشلة نجح أخيراً في انتزاع مقعد له، ولكنه كان قد تأخر عن عمله..

حدثت مشادة كلامية بينه وبين السائق بسبب الأغاني الهابطة التي كان يعذّب بها الركاب منذ الصباح الباكر..

رموه من الحافلة، فاضطر أن يكمل ما تبقى من الطريق ماشياً..

استقبله المدير بوجه متمعّر ونظرات نارية غاضبة..

صفحة 6

حدث بينهما نقاش حاد انتهى بحسم جزء من مرتّبه، واعتبار اليوم يوم إجازة يعمل فيه بالمجان..

حين عاد في المساء، وجد صاحب المنزل يقف عند الباب بانتظاره..

اتهمه بالمماطلة والكذب.. وهدده بطلب مساعدة الشرطة إن هو لم يدفع الإيجار المستحق عليه غداً..

جلس في غرفته وحيداً.. أحس بتعب خرافي وبذبحة قلبية تلوح في الأفق.. فكر قليلاً.. ثم قرر أخيراً أن يجرب الحل السحري الذي نصحه به أصدقاؤه؛ فهو لن يخسر شيئاً في كل الأحوال..

...

استيقظ صباحاً بكامل نشاطه وحيويته.. لم يحظَ بمثل هذا النوم العميق الخالي من الكوابيس والأحلام منذ سنين..

ارتدى ملابسه كيفما اتفق دون أن يلقي بالاً لنظافتها أو ترتيبها..

عانق زوجته المذهولة بحرارة وقبّلها بشغف، وأخذ منها قائمة طلباتها وهو يشكرها على جهودها الطيبة في إعداد القائمة..

أحس بمتعة وهو يتفادى بمهارة لاعب سيرك أكياس القمامة الهابطة من السماء.. ألقى تحية الصباح على جارته وسألها عن حالها وحال زوجها وأولادها والابتسامة تعلو وجهه..

عند الموقف، سمح لكل الناس بالركوب قبله، وانتظر ساعة حتى خلا الموقف تماماً فركب من دون أن يتدافع مع أحد..

طلب من السائق أن يرفع صوت المسجلة.. أخذ يغني معها وهو يفرقع أصابعه.. بل كاد أن يقوم بوصلة راقصة..

تملق مديره وجامله وقبّل قفاه فحصل على مكافأة..

دعا صاحب المنزل إلى العشاء ثم سهرا معاً وانقلبا على ظهريهما من كثرة الضحك على كم النكات التي تبادلاها.. في نهاية السهرة أعطاه مكافأته ومعظم ما تبقى معه من الراتب وهو يشعر بالسرور والغبطة..

في المساء.. دخل غرفته.. أغلق الباب.. فتح درج مكتبه.. اطمأن إلى أن عقله لم يزل هناك ولم يمسّه أحد بسوء منذ أن خلعه مساء البارحة.. أغلق الدرج.. أقفله ورمى المفتاح من النافذة.. شعر بالامتنان لأصدقائه.. تمدد على فراشه.. ابتسم وهو يتذكر أحداث النهار المضحكة.. ثم غط في نوم عميق..

7/4/2009

"اترك السياسة لأهلها، والثقافة لأهلها، والحرية لأهلها، واكتف بالعيش، ولاتنم إلا بعد عشاء ثقيل، ولا تنس أن تخلع الوعي قبل النوم وقبل أن تستيقظ أيضاً خشية أن تداهمك أحلام الحرية، فتصبح في خبر كان، منصوباً على ما كان ينصب عليه الأحرار في زمن خلفاء الدولة المريضة، الذين تركوا أحفادهم لك بالمرصاد".

د.محمد جمال الطحان

صفحة 7

شهادة جامعية

عاد إلى المنزل في المساء بعد يوم بحث شاق..

استقبلته عيون زوجته المترقبة.. هز رأسه نفياً..

تجمهر حوله أطفاله الجياع..نهرهم بقسوة..

جلس في غرفته وحيداً واضعاً رأسه بين كفيه..

إنه عاطل عن العمل للشهر الخامس على التوالي.. الديون تثقل كاهله وتطبق على صدره من كثرتها..

بينما هو مستغرق في التفكير.. فاجأه مغص شديد.. وفي الوقت نفسه التمعت في ذهنه فكرة رائعة..

قفز من مقعده.. انتزع شهادته الجامعية المعلقة على الحائط.. دخل الحمام..

هناك سمعته أسرته يبكي بصوت عالٍ.. ويضحك بهستيريا مجنونة.. ثم سمعوا خرير الماء..

كان الماء يحمل معه فتافيت الشهادة وأشياء أخرى...

22/3/2009

" اعمل عبيط وانس أنك من حملة البكالوريوس أو الليسانس، واشتغل أية شغلانة شريفة".

نصيحة جمال الشاعر

صفحة 8

الحب في زمن النفط

تعرف عليها مصادفة..

كانت شديدة الجمال والرقة..

كان رجلاً بحق..

أحبها بجنون..

طرده والدها من المنزل بحجج كثيرة..

السن.. والمال.. والوضع الاجتماعي..

تزوجت أحد أمراء النفط..

لفظها كنواة بعد عدة أشهر..

عادت إلى منزل والديها مع طفلها الرضيع وحفنة من الدولارات..

ذبل جمالها وتساقطت أوراقها مثل أشجار الخريف..

أما هو.. فعاش سعيداً إلى الأبد...

22/3/2009

صفحة 9

العبرة بالأفعال

استيقظ صباحاً..

شغل المذياع.. سمع أشعاراً وطنية..

أشعل التلفاز.. شاهد أغنية وطنية..

تصفح جريدة الصباح.. قرأ مقالات وطنية..

سب وشتم ولعن.. قال في نفسه ما هذا الوطن الورقي الخرافي المصنوع فقط من الكلمات..

لبس ملابسه.. ركب سيارته.. وصل إلى مقر عمله..

هناك جعجع صراخه..

تفل على كل الموظفين وبال عليهم بعد أن ألقى في وجوههم خطاباً نارياً عن كيفية الانضباط والالتزام في العمل..

ولج إلى حجرته بعصبية.. صفق الباب خلفه بقوة وأقفله بالمفتاح.. أسدل الستائر..

جلس على كرسيه.. مد رجليه فوق المكتب.. شعر براحة عجيبة.. تراقصت ابتسامة الرضا عن النفس على شفتيه.. تثاءب.. فتح فمه عن آخره كمغارة جعيتا.. ثم ارتفع شخيره بعد أن غط في نوم عميق...

22/3/2009

صفحة 10

إرث

أحس بدنو أجله..

جمع أولاده حوله..

طلب منهم أن يتقاسموا التركة أمامه كي يموت مطمئناً بأنهم لن يختلفوا بعده..

غضبوا.. ثاروا.. اعترضوا..

إذ هل من المعقول أن يختلفوا في ما بينهم من أجل المال؟!!

كما أن صحة أبيهم تأتي في مقدمة أولوياتهم الآن وكل ما عدا ذلك تافه..

قال لنفسه باعتزاز ودموع الفرحة تتراقص في عينيه:

"والله واعرفت اتربي يا رجال..".

مات وابتسامة الرضا على شفتيه..

إلى الآن، وبعد مضي عشر سنوات على وفاته..

لايزال أبناؤه يتذابحون في المحاكم على حصص الإرث..

23/3/2009