eKtab
EN ع
سيرة ظل
اقرأ عينة مجانية

سيرة ظل

بقلم نضال القاضي

صفحة 1
عام الدعسوقة 
 
1
 
عين ماء وضربة ريشة خاطفة، لطخة سوداء تمتدّ فوق رؤوسنا يسمّونها الليل، العين محددة بباب خشبيّ ومجدولة حافاتها بأسلاك وطحالب ولاأدري من منهما بالضبط يسحل الآخر هي أم القمر؟ في الحقيقة رأسي مشغول بأشياء كثيرة ولم يكن ليعنيني ذلك · على مقربة غيضة انتصبت فيها عيدان من القصب يحفّها مسطح مائيّ صغير طفتْ فوقه مستعمرات من نبات السرخس، وقد بدأ طريق ترابيّ يظهر تتواصل فيه أعمال حفْر وتجريف، حيث بدت الكتل الترابية الجافة والهائلة المقتلعة من مكانها وكأنها تخلع عن طبقاتها المتراصّة سنوات ٍقريبة ًوبعيدة تُرِكتْ بِكْراً مكشوفة في العراء، وسواء اختار تاريخ الأشياء أم لم يختر نهايته الحجرية الصمّاء هذه فإنّ طيفا من تلك السنوات يحوّم في المكان، معه وبصوت خافت تقرع نواقيس التكهّن والتذكر والنسيان، سمِعتْ أم لم تُسمع فإنها تجبر على التأمّل في غيابات وظلالها· 
 
ثم أخذ الطريق الترابي يزداد وعورة فيتعكّر مزاج السائق ويضيق ذرعا وهو يبطىء في السير متذمّرا مغتاظا من سكوتي وأنا أراقب التعرّجات تلطم إطارات السيارة؛ فيتناثر الحصى الناعم والرمل من حولها ويتطاير قسم منه باتجاه زجاج النوافذ، فأحسست بالحرج فعلا حتى إذا ما شارفنا على الوصول طلبت منه التوقف على الفور وإخراج أمتعتي من الحقيبة الخلفية لأحملها وأسير بمفردي، غير أنّ بضع الخطوات التي ظننت لم تكن بضع خطوات فقد استغرقت وقتا أطول مما كنت أتوقع كي أبلغ عتبة المنزل· 
 
وإذا ً !هذا هو منزل السيد سطيفان عهدي سعيد الذي لم يكن سعيدا طوال العهود البتة· حقائبي الآن في البهو والحارس يجرّب المفاتيح، كنت أريد أن أقول له اترك كلّ شيء على ما هو عليه واذهب، فالمكان أخّاذ وأفضّل ان أتجوّل فيه بمفردي، إنه تحفة فنيّة ولعلّ المكتبة أكثر ما لفت نظري؛ إذ تمتدّ بمحاذاة الجدران وتتفرّع معها، تنقطع عند ممرّطويل ينتهي بسلالم ومرآة لتظهر ثانية وهي تبطّن غرفة تنفتح على الحديقة بشرفة واسعة تؤلف سياجها مشربيات بيضاوات تتكىء إلى أعمدة رخام تستدير مع مثيلات لها في رواق طويل· في الجهة الأخرى غرفة استقبال واسعة تتوسّط الجدار المقابل منها لوحة زيتية لعبد القادر الرسام سوف أعثر عليها لاحقا في إحدى دور العرض، واللوحةعن قوارب تجذف في دجلة، وخلف أريكة من طقم فخم مذهّب، في الزاوية القريبة منه أثر استدارة على الأرض لفازة كبيرة غادرت موقعها، فيما وعلى بعد بضعة مربعات تقف ساعة 
صفحة 2
 كبيرة لها دقة بك بن، وناقوس ذهبيّ يتدلّى داخل هيكل خشبي جميل يقوم على أربع قوائم بزوائد مخلبية منحوتة بمهارة، كان والد سطيفان قد اشتراها من مزاد، لكن حين أيقظت في اليوم التالي الحيّ بأكمله أسكت ناقوسها الذهبيّ الجميل إلى الأبد، ومذ ذاك وهي خرساء· هناك أيضا حاجز خشبيّ مضلّع من ستة ألواح بتيجان وزخارف يفصل غرفة الاستقبال عن غرفة الطعام، التي تتوسّطها مائدة من الأبنوس بيضوية بساق واحدة متينة ثبتت عند المركز، يبرز من فوقها عند المنتصف جدع شمعدان من البرونز بخمس، فيما تطلّ على الحديقة ثلاثة شبابيك انسدلت عليها ستائر ساتان خضر مشعّة، ترعش دفقة الهواء قبالتها أعناق زهرات كاردينيا بيضاء تفوح رائحتها النفاذة التي لا أحتملها، فغادرتُ الغرفة وأنا أنقل بصري ببطء إلى الأعلى لأتأمّل أسلوب بناء القبّة وكان صادما بالفعل! فأن يرى المرء آثار أقدام بشر على الأرض أمر جدُّ طبيعي، لكن أن يجدها على السقف والحيطان هذا ما لم أجد له تفسيرا في حينه، ربما أراد صاحبها أن يضيف نفسه إلى الموجودات النفيسة، يضيفها هي إليه ربما يريد أن يبقى وحسب !· وجدت أيضا أكداسا من الكتب على المناضد، كتابان أو ثلاثة على الأريكة تنوّعت بين تاريخ وفلسفة وعلوم طبيعية، فأحسست أنّ ثمّة أمرا ما يدور في خلد ما، ولنفترض ذلك، ما علاقة هذا كله بالمشي على السقوف والحيطان؟!
 
حملت حقائبي ودخلت الممرّ الطويل وعلى أحد جانبيه غرفة جلوس صيفية اكتست بالغبار وأوراق الأشجار، وعلى الجانب الآخر غرف نوم متشابهة خلا بعضها من الأثاث فاخترتُ أقربها إلى غرفة المكتبة، وضعت الحقائب على الأرض وجلست على حافة السرير· عليّ أن أصفّي ذهني الآن، قلت في نفسي، سآخذ حمّاما ساخنا وفنجانا من القهوة وأرى فيما بعد من أين أبدأ· 
 
القلم والأوراق على المكتب وأنا أذرع الغرفة كما هي عادتي جيئة وذهابا· في الفنجان أبصر عيني تترقرق والباب الخشبيّ يحرّكهُ الهواء فينفتح ببطء على عمود نور وحصاة هائلة، نمتْ في تقعّر علويّ لها نبتة مستدقة الأوراق مبسوطة كالكفّ يقال لها مخالب القطّ، ويدفع الباب في حركته ضوء القمر، فالمسطح المائيّ فالكتل الطينيّة الجافة إلى الخلف، أمّا في الممرّ فتبدو المرآة غير معنية بالمكان، فالأجسام التي تقف أمامها تتلاشى صورها، تظهر تدريجيا بعد حين وكأنها مصممة بحسابات زمنية دقيقة · ثمّة أيضا أصوات تصدر من غرفة في جهة ما ملحقة بالمنزل تقطنها عائلة الحارس وصوت حشرة تزحف، 
صفحة 3
 دعسوقة تتسلق السلّم تنقبض وتنبسط لتدفع من مؤخرتها كيس بيوض بثناياه المرصوصة المحززة، رحت أتأمّلهُ وهو يتدحرج إلى الوراء آخذا ًمعه حقبة كاملة على درجات ذلك السلّم / قرن تلك الثنايا المرصوصة المحززة تنبعث منه في غارة ٍأصواتٌ اختلطت ببعضها وجعلت تخفت مبتعدة ثمّ انقطعت حين غرس بوّابته مثل فكّ عظيم في الرمل وغرق· تذكّرت الصينيّين ودأبهم على تسمية أعوامهم بأسماء الحيوانات فثمة عام النمر، عام التنين، عام الثور عام الدعسوقة مثلا! والحقبة تلك غرفة في التسعينيّات، في ركن منها انطرحتْ سيّدة مسنة على فراش تقرنصت حافاتهُ وقد مُدّ على الأرض، في إحدى المرّات تركت تلاّ من الأوراق يتهاوى متناثرا كي ألحق بها وأحملها حملا إلى الحمّام، آخر مرّة أعدتها فيها إلى فراشها وغطيتها بشرشف أزرق باهت واراها التراب إلى الأبد· ثم انتقلت إلى غرفة أخرى يسمّونها بيت الزوجية لم تكن أوسع من(ميّة) بيت كما غنّت فيروز، خرجت منها بطفلين جميلين، إلى ثالثة نمتْ وترعرعتْ فيها نباتات ظلّيّة·
 
وفي الطريق إلى مقرّ عملي تقابلني كل يوم غرفة من الصفيح كتب صاحبها على جدارها (هنا بيتي) وخط ّ على بابها عبارة (وهذا باب رزقي)، سيقتلعها بعد أعوام صاروخ في حرب أقلّ ما يقال عنها إنها غير متكافئة· هكذا انتشرت غرف فوق وغرف تحت حيث عاش عراقيون أعوامهم وأعوام النمر والثور والتنين والدعسوقة· في أوقات كثيرة لايعنون ما يقولون أو يفعلون، فالقرار السليم في نظرهم هو الوجود بحدّ ذاته، أما بقية الأمور فتترك لتُحلّ على مهل أو لاتُحلّ وعلى مهل أيضا· وتلك في حقيقة الأمر واحدة من ردود أفعال طبيعية بالنسبة لذات تعرّضت إلى السطو تاريخيّا وعلى مرّ العصور· فثمة وفي أزلهم الذي ظهر عند انحناءة ما قد تلامس إلهان، ومن شقّ صغير بينهما خرج الاختلاف يعدو في البريّة· لم تكن التفاحة بذرة الصراع على أرضهم بل الذي ملكها!! تلك الحقيقة بولغ في وصفها وتحليلها، وتلاقفها مفكرون وهراطقة، أنبياء وسحرة، وابتدأت أوّل ما ابتدأت امرأة بين فحلين ضجّا بالرجولة فكانت الحرب بينهما قناعا أوّل· كان لابدّ من أقنعة كي يغتصب المغتصبون ويحارب المحاربون ويتلصّص الحرّاس وقطاع الطرق، فلا يتنافر الوهم مع الفضيلة ولا الحقيقة مع الدنس، الشجاعة مع العزلة والقناعة مع البؤس، إلاّ أنّ ما لا يقبل الخطأ أنّ الإفصاح ما كان ليخصّ الذات تلك لوحدها، ففرضيّة الأقنعة البديلة سارية المفعول كما أنّ المسافة بين الزمن داخل القناع وخارجه ليست بالقصيرة، بل والأدهى من ذلك كلّه كم قناعا تحتاج أن تخلع حتى تتمكن من الوصول إلى نفسها في نهاية الممرّ؟ تبقى المرآة قناعا أخيرا قيد التكوين دائما للذي سيأتي سيعود ربّما ويموت· 
صفحة 4
ما زلت أطلّ على الممرّ من فرجة الباب وأنا أستدير ببطء، تبهرني المكتبة وتصاميم رفوفها المتجاورة المتعاكسة بما يشبه السلالم وياللأسف! قلت في نفسي حتما سينتهي العمر قبل أن أنهي قراءة كلّ هذه الكتب، ولفتتْ نظري لفافة ورق، مخطوطة ملفوفة تشبه كيس البيض، بل إنّها هي كيس البيوض الذي سقط من الحشرة قبل قليل!، تناولت الكيس برفق ورحت أفتحه بحذر وببطء، تتكسّر حافاتهُ الرقيقة بين أصابعي لتأخذ مصيرها إلى جانب ما وجدتهُ من ممحيّات ومقطعات، ثمّة أيضا رسوم وكتابة مقلوبة كما لو كانت قد نسخت عن مرآة، وخطرت في بالي الفكرة ذاتها فأسرعت بها إلى نهاية الممرّ قبالة المرآة تماما، وطفقت أعرض الصفحات على الوجه تارة وتارة على القفا حتى تمكنت من قراءة بعض الكلمات، ثمّ فقرات وفصولا بعد ذلك، لم أشعر بالوقت لكنّ صداعا انتابني فانزلقت الورقة من يدي وأنا أسحل نفسي إلى السرير لأستغرق في النوم، بتّ أتأمّلها في ذهني وأنا أغادر الفراش فيما بعد بكسل وحفيف الورقة يرتفع، لكنّ إحساسي بالجوع قادني إلى المطبخ، شغّلتُ جهاز التلفاز في طريقي لأستمع إلى نشرة الأخبار أو السيرة الذاتية للعالم، والتي لم يتبدّل منها شيء منذ فجر الخليقة سوى الموضة ونوع السلاح وطريقة القتل، فثمّة هوس في كل شيء في الحروب والمجاعات والأوبئة، فشل على الطاولات الخاصّة والعامة، كشف عن مقابر جماعية وحملات إبادة ما زال بعض منفّذيها حيّا طليقا ثمّ وجه جميل لفتاة فجأة تتدحرج قحفيّة هي كلّ ما تبقىّ منها أسفل شجرة تشعّثت جذورها اليابسة في الهواء، صورة أطفال وأمّهم ظلّوا نائمين تحت الأنقاض، وأبٌ يقفز كالمجنون على كومة الرمل والحجارة، عبثا حاول أن يقنع أوربا وأميركا أنّ أيّا ًمن أبنائه لم يشترك في أحداث الحادي عشر من أيلول!، ثمّ خبر سريع عن حاويات مغلقة تنقل مبعدين يموتون اختناقا في منتصف الطريق، تهديد بضرب العراق ومقطع من برنامج محو التاريخ بدلا من محو الأميّة والجوع والمرض اسمهُ العولمة، التي لا تكتفي بتغريب المال والنشاط الإنساني وحسب، وإنّما تتعداهما إلى مفهوم الاغتراب نفسه، ثم حكاية موت طويلة في كلّ مكان اسمهُا فلسطين، يظهر فيها الشارع والشارع العربي تحديدا فقيرا معدما محتجّا : لماذا وزارات الدفاع إذا ً؟ وعلام موازناتها الماليّة الضخمة والخيالية على مدى أربعين أو خمسين عاما من عمر القضيّة؟ صدّقونا نحن أذكياء· فقد عرفنا الأجابة دون مساعدة من أحد· عرفناها وحدنا منذ أكثر من نصف قرن وأكثر من نكبة· 
 
الرغيف الذي يفترض أن يتحمّص في الفرن احترق ففصلتُ الوصلة الكهربائية وحملتُ ركوة القهوة، ووجدتني أمشي بآليّة باتجاه الممرّ والحفيف يشتدّ يستدعيني حتى ألفيتني فوق المخطوطة تماما، أطلّ عليها من كامل ما فيّ من ألم وشعور بلا عدالة العالم· تذكرتُ صديقا شاعرا قال لي مرّة معلّقا: تعبّرين عن الألم بطريقة مباشرة! واندهشت ترى هل المطلوب أن نتألّم عن طريق وسطاء؟!!
صفحة 5
ثم جعلت أقلّب لفافة الورق، وأفكاري وخواطري في بادىء الأمر تجول في مكان آخر راحت تتداعى مع تلك الفصول التي تصلني بعائلة سطيفان، وبسلالات عاشت في أقاليم مختلفة تمتدّ على شكل كفّ نصف مضمومة تنفرج في موقع آخر مستدقة النهايات، تشبه المخالب يتجه ما يمثل السبابّة فيها إلى تجاويف متصلبة متعضلة كأنّها أذرع متقابلة تخوض اشتباكات، ينفضّ الاشتباك ويظهر العالم أكثرمن نصفه أحياء وأزقة شعبيّة أطفالها رثو الثياب يعلكون أصابعهم، نصفه الآخر وجه تملؤه ندوب، سحجات آثار طعن بالسكاكين وصفّ من ملاقط سود لاعقة تهبط تدفعها الريح فيما شريط أسود يتقدّم قرية ، يظهر الشريط من الجهة الأخرى يلفّها كعلب الهدايا ولا تظهر القرية، فإن لم تكن هي من تمدّد قبالة النهر فمن تراه ذهب ليموت هناك في حرب الثمانية أعوام؟ ذات نهار حين امتلأ بالظلام مثل تلك النهارات التي قادتني في عمائها عيون فرضت عليّ رؤية ما تريد، ما تريده هي وحسب لذا أغمضتُ عينيّ طويلا وفتحتهما على اتساعهما في داخلي وسافرت· سافرت أكثر من نصف عمري في أعماقي، غالبا ماكنت أتوقف عند مقطع في الماضي البعيد وأظلّ أجوس في أروقته هربا من حاضر كريه أو بحثا عن نقطة اختبار لبداية، دائما، تصلني بزقاق ضيّق طويل حيث يقع بيت جدّي وتتهدّل من الجهتين شناشيل، في ركن منه أتعرّف على بيت(عذاب) ولماذا (عذاب) لماذا هذا الاسم؟ لقد دأب الناس هناك على اختيار أسماء لأبنائهم مثل (زبالة)، (بزونة)، (طابوق)، ظنّا ًمنهم أنّهم بذلك يطردون عين الحاسد عنهم فتلتصق تلك الأسماء بهم لتُعْرَفَ بيوتهم فيما بعد بها وتنتسى ألقابهم الحقيقية· في عمق جانبي من ذلك الركن شكّل زاوية بالقرب من باب خشب ثقيل كان يُفتح ويُغلق بمشقة؛ لذا أهمل أصحابه أمر إغلاقه فتركوه مفتوحا إلى النصف تقريبا، هناك وفي تلك الزاوية كنت أختبىء في لعبة الغمّيضة أياّم طفولتي، قبالة الباب وفرجته الضيّقة تكشف عن امرأة تغسل كومة ملابس في صحن الدار· وفي النهار ذاته الذي كتلك النهارات التي قادتني في عمائها تلك العيون، تسلّقت تلّة طينية أحدثتها تراكمات عديدة بفعل السنين ابتلعت الزاوية وغطت الباب، حتى إنيّ حين تسلّقتُ التلّة لمستُ براحتي حافته العليا لأطلّ منها على مطموسة أثريّة، ولم أجد الزاوية ولا المرأة التي تغسل كومة الملابس في صحن الدار · في الزقاق نفسه يقع بيت الحاج هادي قيل إنّه فتح باب بيته مرّة لامرأة قصيرة بدينة كانت تتسوّل، فمدّ الرجل يده إلى جيبه ليخرج بضعة نقود معدنيّة وانشغل يقلّبها على راحته، فلمّا رفع بصره ليناولها ما قسمه الله لها وجدها وقد صارت طويلة ونحيلة فشهق الرجل وسكت· وعلى مبعدة كان بيت الإنكليزية هكذا كان الناس يتغامزون فيما بينهم ويتهامسون؛ فقد سافر رجل من ذلك الحيّ مرّة إلى إنكلترا سفرا مفاجئا وغريبا عاد منها بتلك الإنكليزية ضرّة لزوجته· لم تكن الضرّة جميلة ولا صغيرة في السنّ، قال إنّها أمسكت به من ذراعه وقالت له:أتمنى أن ألبس ثوب الزفاف· فتأسّى الرجل لها وقال: البسي العباءة أوّلا ثمّ تعالي معي إلى العراق· وفعلا كان له ذلك، لكنّ المسكينة وبعد أربعة أعوام قضتها غسّالة عجّانة خباّزة تخدم هذا وذاك عادت إلى بلادها وانقطعت أخبارها· وقيل فيما قيل أن عبرت مرّة عنزة سوداء جميلة نادت زوج الإنكليزية باسمه الصريح، بينما كان مارّاً ًبالقرب من(الطمّة) وهي أرض خربة مسيّجة بسياج طينيّ عال بمحاذاة الزقاق، فالتبس الأمر على الرجل ولبث في دارهِ أيّاما لا يبرحها· 
صفحة 6
في هذا المكان عاشت أيضا قيسة ونهاية وكرامة· بالنسبة لي هنّ اختبارات وجود من حيث لم أكن قد ولدتُ بعد فالمخطوطة قذفت بي في خضمّ سيرة تجاوزت ماضيا أدركهُ ومقطعه المحاذي لذلك الزقاق الذي أعادني إلى طفولتي وحميميّة السلف هناك· والأمر يختلف قليلا فنقطة الإختبار هذه المرّة تتعدّى احتمالات انتشار بقعة الحبر على الورقة لأجدني أتحرّى في ذكرى حياة لم أعشها· أمّا موضوعة لا علاقة الأماكن بي قبل مجيئي إلى هذا العالم فبالإمكان الإلتفاف عليها، فشجرة العائلة كما هو معلوم مؤسّسة ذكوريّة والذكْر من الذكر إلاّ قدر تعلق الأمر بالميراث، وحتّى هذه القضيّة مقدور عليها، فالمدينة التي قسمها النهر إلى قسمين الصوب الكبير والصوب الصغير، كلّ عالمها كان سوقا سقف بقماش سميك دعّم بجذوع النخيل· وحين تطوّر رفعوا عنه القماش ومدّوا فوقه الصفيح· في ركن منه تقع ثلاثة أو أربعة دكاكين تنازع عليها الورثة، مرّة بالعناق والقبلات ومرّة بالهراوات، ثمّ قضى من قضى منهم نحبه وتفرّق آخرون، وآلتْ الملكيّة من بعدهم على غير وجه حقّ إلى غرباء · أحدهم كان يدعى محفوظ صاحب الحقيبة، حمل هذا حقيبته، وضعها في الدكان وتربّع بالقرب منها وذلك يوم وهذا يوم· في الصباح كان يتجوّل بحقيبته لختن الصغار، وفي المساء يبيّض وجوه الكبار في ليالي الزفاف العامرة· 
 
وفي عام الدعسوقة ورد في السجلاّت الرسميّة اسم زينادين · تقول الحكاية إنّ الملاقط السود التي هبطت من السماء رفعتها مع من رفعتهم من أهل تلك القرية· قريتها· وأبقتْ على حزمة من الشمس ذهبيّة مشعّة حول قحفيّة أسفل شجرة· صاحب الحقيبة ادّعى أنّها حملت سفاحا واختبأت إلى أن وافاها الأجل· أكّد ذلك وهو يرسم الدوائرحول الابن ويخطط أن يضع كلّ شيء في الحقيبة، الدكان والمنزل وابن زينادين· في بيت العائلة أنكروا أمّ الولد، قالوا إنّها لم تدخل بيتهم قط ّولا كان لها بسليلهم البِكْر صلة، ووسوست في صدورهم ذكرى شهدة أو شهدان أصغر أخوات الرحيمي الثلاث عشرة وقد حجرهنّ أخوهن في قصر منيف، رافضا كلّ من تقدّم لطلب الزواج بواحدة منهن، هكذا أشيع عنه والحقيقة ان ثمّة همهمة كانت تدور حول نسبهن! ففي ظهيرة شديدة البياض ساخنة ومشوّشة وقف الخزندار وعلى جانبيه السلحدار والمهردار وأيّ مصدر فعل يدرّ منفعة يخطر على البال، كان واقفا ومعه أيضا حارساهُ وناظر أملاكه عصمت أفندي، وكانت النسوة آنذاك يحبلن بمجرّد القول لذا كنّ محجّبات بطبقتين وثلاث وأربع من الحجب، وكنّ أكثرهن لايبرحن بيوتهن، غير أنّ الخزندار وحين وقف في تلك الظهيرة الشديدة البياض الساخنة والمشوّشة ليخطب خطبته الرنّانة، والتي بلغت مسامعهن وهنّ غافلات، ولم يكنّ بحسب أقوالهن يتنصّتن من وراء الحجرات فحبلن!، وفجأة احتشدت الأزقة بالأطفال حتىّ إنّ الرحيمي الفارسيّ الأصل، وكان صغيرا آنذاك، وجد أمّه وقد أنجبتْ تباعا الثلاث عشرة بنتا المخدّرات المحصّنات فيما بعد في القصر المنيف، لايسمعن لغوا ً لذكَر ولا تقع أبصارهنّ عليه· 
صفحة 7
وفي تلك الصباحات البسيطة الصافية بساطة وصفاء الناس آنذاك، الذين لم يلوّث أفكارهم ومعتقداتهم ما تناهى عن شيء اسمهُ ثورة صناعية ولا دخان حروبها فيما بعد، وحين كان الرحيمي التقيّ السخيّ يمرّ في السوق متفقدا تجارته يسلّم على هذا ويقوم له ذاك، ويلتفّ من حوله المستأجرون يعدونه خيرا ًأوّل الشهر ويشكرون له تعاطفه معهم، كان الأخوان اليهوديّان شلومو وحنون يملكان عند أوّل عتبة في تفرّع ضيّق طويل تتداعى نهايته في مفترق يؤدّي إلى أزقة تتشعّب إلى اُخَر، دكانا صغيرا إذا دخل أحدهما خرج الآخر، وكانا يبيعان الصابون المعبّأ بصناديق خشب، فإذا نفد منها الصابون باعا الخشب والمسامير كلاّ على حدة، دون أن يسمع لهما صوت حتىّ بكى حنون ذات مرّة بصوت عالٍ فتنبّهَ الجيران إلى بكائه، وذلك حين فقد شلومو إحدى عينيه وشلومو يهدّىء من روع أخيه: اهدأ ياحنون أخشى أن يؤذي البكاء عينيك أنت الآخر من سيرعى الأبناء عندئذ؟!
 
فيكفّ هذا عن البكاء ويوجّه بصرهُ صوب زوجته خيريّة التي لم تنجب له طوال عشرة أعوام طفلا واحدا، فتلملم المرأة أطراف ثوبها وتصعد إلى السطح لتكمل خبز الرقاق وهي تغمغم:
 
- لولا ضعف الحال وقلّة الرجال ما رضيت بك ياحنون· 
 
فيستدير شلومو صوب زوجته سارة:
 
- أسكتي أختك ياساغة· 
 
- ليكفّ أخوك عن مناكدتها ياشلومو أنت تعلم أنّ العيب منهُ· 
 
- العيب منها· 
 
- العيب منهُ· 
 
- منها
 
- منهُ· 
صفحة 8
وكانت عروق رقبته تنتفخ ويتسارع نبضهُ كلما زعق وقد انكمش جفنهُ، واستحالتْ عينهُ إلى شقّ أحمر صغير وغائر· 
 
وحدث في تلك الأعوام أن توفيت والدة الرحيمي فدوّى صوت المقرىء في المسجد الذي توسّط السوق بآي الذكر الحكيم وتجمّع الناس يقدّمون التعازي، ووصل الخزندار وقد رسم على وجهه إمارات التأثر ولم ينس كعادته كلما صادف الرحيمي سؤاله الأبويّ:
 
- كيف حال بناتنا؟
 
فيردّ هذا وهو يبلع ريقه لعلمه تماما بأنّ الرجل لا يقول غير الصدق، فالبنات بناته قولا وفعلا والباطن لأوّل مرّة في حياته يطابق الظاهر!
 
-يبُسْنَ أيادي جنابكم· 
 
والمرّة الوحيدة التي لم يسأله فيها عن أحوال البنات كانت عندما باع حلقة السمك التي يملكها إلى اليهوديين شلومو و حنون، اللذين سرّبا الخبر بدورهما إلى الخزندار كي يخفف من أتاوة ذلك العام عليهما، وفهم الرحيمي من لهجة التحية أنّه ارتكب خطأ ًفادحا، ًوأنّ أمرا ما ينتظرهُ وما حدث مثير للريبة حقا، فالرحيمي التقيّ السخيّ كانت له واحة على طريق مكة و مضيف ينزل فيه الحجاج كل سنة، قيل قتله الوهابيون بعد بضعة أيام على يد عباس جاوة، الذي كان يعمل لدى إحدى العوائل العريقة وهو ابن القرغيزية وصيفة البنات· وفي صبيحة اليوم التالي انتشر خبر مقتله وبلغ مسامع الخزندار فشوهد هذا في مكتبه متأرجحا على كرسيّه يردّد: مسكين رحيمي مسكين· 
 
والحق يقال فالرجل لم يكن له ضلع في مقتله، لكنه لم يكن ليتورّع عن القيام بعمل مماثل لولا أن اشترى غيره عباس جاوة وسبقه إليه· وهكذا ابتليت القرغيزية بمقتل سيّدها وباثنتي عشر بنتا وواحدة لم يعرف لها طريق · ربما فرّت قبل ذلك بكثير ولم يفتضح أمر فرارها· ربما لم تكن موجودة في الأصل، لكن في القصر ثلاث عشرة حجرة أعدّتْ لهن، وحول مائدة طعامهن ثلاثة عشر كرسيّاً وعليها ثلاثة عشر صحنا فضيّا وثلاث عشرة ملعقة، كما أنّ الخياّطات كنّ يجلبن كلّ سنة ثلاث عشرة كسوة صيفية ومثلها شتوية!· 
 
وحين سألوا الشمردل دليل شمّر عن تلك التي رأوه معها في المقبرة لم يجب، بل إنّه أمضى أربعة عشر عاما في السجن وهو ساكت، وبعد إطلاق سراحه بمدّة قصيرة مات· انفجر بطنه وهو يمشي· ظلّ ينتفخ بالأسرار ينتفخ ينتفخ حتىّ انفجر ودوّى في الأرجاء، فتجمّعت أصناف الطيور بين بقبقة ونواح ونعيب ونعق وزعق على الخثارات المتبقية من الدم واللحم والأسرار، وجعلت تلتقطها وهي تردّد وتزيد في الترديد ربما إلى الآن دون أن يفهم أحد ما يمكن أن تكون قد قالته أو تقوله تلك الطيور· 
صفحة 9
2
 
 وبين عامين اقتربا من بعضهما، ليسا ككل الأعوام، أحدهما عائد للقلّوخ كما ورد في كتاب الأتراك، والآخر للسلك الكهربائي الذي انتفض بين أفخاذ النسوة، كما ظهر في برج العذراء التي لم تفصح عيناها، والعقرب وقد ظلّ متربا طوال العام كما هي عادة برجه في سبْر الأماكن متخفيّا بحثا عن أماكن للتخفيّ لها اسم ورسم بعلانيّة شجرة أو حجارة أوغلتْ في فكرة دارتْ، ربّما، أو أُهمِلتْ في جمجمة ووريتْ بالرمال وبليتْ· هي فسحة بين ميتتيْن حين يُخترَق الهمّ ويحكم الاختراق من طوقهِ عليه، وتقع الأماكن في الخوف وفي إدمان حالة من الاستعداد للتعايش مع ما هو مقبول وغير مقبول، في الظلّ لما هو بادٍ للعيان وما يرادفه كالزمن مثلا إذ ْ تحتفظ خزانته بالحقائق ويبقى عنصر الإيهام قائما في الحيّز المحيط المليء بالوقائع، وفي فصل دقيق بين المظهر وآخر مُتخيّل بعنف وببطء حتىّ أقصى نقطة في الجسد، ربّما، لم تعد تنتمي إليه وقد انسحبت إلى خارج تجريبي كالتاريخ مثلا، وفي موضع مقصيّ منه قبل اختراع الكتابة ودوران العجلة، عندما فاضت عين الشمس مرّة لتُغرِقَ العالم متعرّجة على سطحه وهي تكشف في فخاخ الخوف والألم أماكن للقوّة· والأماكن نسيانات تتراكم، ومع الأيام تكوّنتْ (طمّة)· و(الطمّة)، تلك الأرض الخربة، لم تكن بحيطانها العالية وانتفاخها الطيني لترتبط بـ (أين) محدّدة بعينها أو بـ(هنا) معلومة، إنّها لايحصى ولا يعدّ من هذه وتلك· فـ(أين) التي عرفناها لا تخصّها بل تخصّنا هي باختصار مطموراتنا نحن· كنا صغارا وفجأة ظهرت مثل طود قبالتنا ونحن نحبو، بدونا كإضافة زائدة إلى كونها الذي وقفنا نتأمّله ذات مرّة في ركن من ذلك الزقاق وأصوات المارّة تقطعها، ملايين الأصوات التي لا نجد لها حدّا مهما فتّشنا، وكأنّ حبالا صوتيّة قد انفلتت تعزف فوقها ريح لانهائيّة· كم كان كونها شاسعا وكم بدونا وحيدين، ورغم ذلك لم تهزمنا المخاوف من عالمها بل على العكس أحببنا تلك المخاوف والتصقنا بحيطانها، من حيث سلك قديما درويش أخرس تناقلت الجدّات حكايته، كان حاذقا في صرف الجنّ وصنع الرقى وعمل وصفات للمحبّة وأخرى للبغضاء، تطليق الزوجة وتزويج الغريمة، تتدلّى من عنقهِ قلائد خرز وكيس من القماش أسمر يحفظ فيه كتابا عتيقا· وغالبا ما كان يُمْضي قيلولتهُ على تخت في إحدى المقاهي، فإذا انقلب إلى اليمين أو إلى الشمال انحرفت عن رأسه (جراويته)· هي ليست (جراوية) لأنه لم يكن بغداديا ولا هي كوفية، لأنّ الكوفيّة عربية وملامحه لا تدلّ على ذلك· المهمّ أنّها غطاء رأس وحسب، والأهمّ من ذلك ماذا تحت الغطاء؟ جحافل من القمل جرّتهُ مرّة إلى حمّام السوق فطرده (الحمّمجي) عندما رآى تلك العصابات تسفّ في رأسه، ولولا أن تدخّل أهل المحلّة بقليل وكثير من(العيني والأغاتي والخطيّة والمروّة) ماكان ليدوس عتبة الحمّام في حياته· بقيت قصّة من أين جاء وكيف ومتى شغْل من لا شغل له من جلاّس المقاهي الذين راحت مخيّلتهم تضيف وتتفنّن في الإضافات، وهي تستدعي أوّل ظهور له في المحلّة مذ شوهدت قدمان تتدليّان من على سياج الطمّة ظلّتا تتدلّيان وتتدّليان حتّى بدأ باقي الجسم بالظهور عن رجل ضئيل التكوين بدا ضائعا بسرواله العريض وقميصه الطويل، كان رأسه كبيرا بالنسبة إلى جسمه وبعينين غائرتين وشفتين رفيعتين وقد تدلّتْ من عنقه قلائد الخرز وكيس القماش الأسمر، ومن جيب جانبيّ في سرواله برزت حافة(مداس) نسائي، إلاّ أنّهُ وعلى الرغم من مرور أعوام طويلة على نزوله من الطمّة؛ فقد ظلّتْ الطمّة محتفظة بانتفاخها الطينيّ النافر كحبلى تمدّدتْ للتوّ بانتظار أن تضع آخرَ· 
صفحة 10
لكرامة كلام آخر فما روتهُ عن ذات ظهيرة يعود إلى عام الكبش حين دخل بغداد محمّلا بالطاعون فاتكا بالآلاف من سكانها، ذبحهم كالأكباش بادئا بمحلّة اليهود وشارع النهر آتيا ًعلى موظفي الدولة حتىّ لم يبق منهم من يسجّل للوفيّات· وبحسب رواية المبشر البريطاني (غريفز) كانت مئات الجثث في الشوارع وأكثر المناظر إيلاما هم حملة الأكفان والسقائين، صرر ملابس الموتى عند الأبواب يتعثّر بها المئات من الأطفال وهم يتصارخون في الطرقات بعد أن ماتت أمّهاتهم وقد اختلط صراخهم بزمجرة الكلاب التي انبرتْ تنهش الجثث· ماحدا بالوالي داوود باشا إلى إصدار مرسوم يمنع فيه دفن الجنائز القادمة من الحدود قبل مرور عام على الأقلّ على الوفاة· وفي تلك الظهيرة وقع مهرّب جنازات كان قد قدم مع ابن له من إيران بأيدي رجال الدرك وهو ينازع بين الموت والحياة فقد ظهرت عليه تأثيرات خلطة النورة والزرنيخ التي اعتاد أن يمسح بها الجثث، بعد أن يكون قد قشط اللحم عنها بالحجر والسكين ثمّ ليتركها بعد ذاك مكشوفة للشمس والهواء فترة من الزمن حتىّ تتأكسد تماما فيرشّ عندئذ فوقها حفنة من تراب رطب قليلا، فتبدو وكأنّ دهرا مضى عليها فنال منها البلى ما نال وليسهل عند ذاك استحصال رخصة لدفنها في وادي السلام بجوار الضريح الشريف· ومات مهرّب الجنازات وفرّ الابن، راح يجوب الأماكن وقد نفد ما معه من مال وطعام وأشفقت عليه امرأة من(عفك) وآوتهُ، ضمّتهُ إلى صبيان العشيرة وكان صبيّا آنذاك، يقال إنّهُ كان يختبىء تحت عباءتها حين تمرّ فتدفعهُ بعيدا وهي تضحك، أحيانا كان يُمضي وقتا طويلا مختبئا ً تحت العباءة فيما هي تتلوّى متأوّهة هذا ما وشوشت به غريمتها آذان حشد من النسوة اندفعن في إحدى المرّات إلى حوش دارها أملا في ضبطهما، لكنهنّ وجدنه منكبّا يحضّر وصفة فرُحْنَ يتحلّقن من حوله، فيما هو يمرّ بظاهر كفّه خلسة على حلمة إحداهن متصنّعا البله َ وحسن النيّة، متتبّعا بنظره مواضع الإثارة في جسد أخرى وهو يناولها وصفة مجّانا، وقد فعل مثل ذلك مع أخريات مغدقا عليهنّ بوصفاته فطرن من الفرح ونسين ما جئن من أجله، بل صرْنَ يقصدنه ويجزلن له العطاء كلما حاصر الخراب أرواحهن فلا مناصّ عندئذ من مقايضته بالوهم مقابل ليرات ذهبية أو مداعبات بريئة!! ولا أشقّ على النفس من مواجهتها ولا أيسر من الوهم إلاّ اقتناؤه وقد علمت صاحبة الدار بأمر الصبيّ الذي كبر ونبتت لحيتهُ وصار درويشا تعارف الناس على تسميته بالأخرس، تتدلّى من عنقه قلائد الخرز وكيس القماش الأسمر، حيث حفظ أثرهُ وأثر أبيه الذي ظلّ الاستفهام محيطا به· فطلبت سيّدتهُ منه أن يصنع لها وصفة تقرّب زوجها منها وتبعد غريمتها بل تخفيها عن أنظاره، وهنا هل كان فعله فعل السحر حقّا أم إنّ الصدف شاءت أن يلبّي الزوج دعوة آل المنتفك له فيذهب إلى الناصرية فيستقرّ هناك، فيتزوّج من حضريّة ولتبقى المرأة وغريمتها واحدتهما قبالة الأخرى· فجنّ جنونها وطردتهُ شرّ طردة· يقال إنّها ركلته في صدره وهي تدفع به دفعا إلى الباب، فمدّ يديه متعلّقا بساقها فيما انزلقت كفّاهُ لتمسك بمداسها وليظلّ حتىّ أواخر أيامه محتفظا به، وقد أصبحت تلك المرأة بعيدة جدّا قبل أكثرمن مائة وصفة كان قد ابتكرها وأتقن صنعها·