eKtab
EN ع
تأملات في السياسة والمجتمع السوداني - (مقالات في الأزمات السياسيـة والقضايا الاجتماعية)
اقرأ عينة مجانية

تأملات في السياسة والمجتمع السوداني - (مقالات في الأزمات السياسيـة والقضايا الاجتماعية)

بقلم د. عبده مختار موسى

صفحة 1

(1) قراءة أخرى في أحداث دارفور

الأوضاع في دارفور تحتاج إلى منهـج جديد

هذا المقال كتبه الكاتب في صحيفة الرأي العام السياسية اليومية التي تصدر في الخرطوم وذلك بتاريخ 23 أغسطس 2002. وهو تعليقا على إرسال الحكومة السودانية لضابط برتبة فريق (محمد أحمد مصطفى الدابي) لـ "حسم مشكلة دارفور". فرأى الكاتب أن هذه العقلية الأمنية وهذا المنهج العسكري سوف يفجر مشكلة دارفور لأنه من المفترض إرسال العلماء والخبراء والباحثين وليس عسكري للتعامل مع المشكلة. وبالفعل تحققت نبوءة الكاتب في هذا المقال. فبعد بضعة أشهر من نشر هذا المقال انفجرت المشكلة في شكل حرب تحولت إلى كارثة إنسانية وأزمة وتم تدويلها وتعقدت، ولم تستطع الحكومة "حسمها" حتى تاريخ نشر هذا الكتاب (2013) – فإلى المقال:……...

لعل القارئ يذكر الضابط مصطفى الدابي الذي كان قد أرسلته الحكومة المركزية لدارفور لمعالجة مشكلة "النهب المسلح". وقد ذهب الضابط إلى هناك بصلاحيات رئيس جمهورية لحسم النهب المسلح. بعد فترة عاد الدابي بعد أن أدى مهمته (بنجاح) حسب تقدير الحكومة لأنها قامت بتكريمه.. لكن الواقع يقول أن الدابي – وبالتالي الحكومة المركزية – لم تنجح في "حسم" النهب المسلح. والدليل على ذلك أن الظاهرة تصاعدت بصورة أعنف من ما سبق..

لقد فشلت الحكومة في حسم النهب المسلح لأنها تعاملت مع النتائج وتجاهلت الأسباب – وهذا يعني خطأً منهجياً.. وفشلت الحكومة لأنها أرسلت قوة عسكرية وأرسلت ضابطاً دون أن ترسل معه العلماء والباحثين والتكنوقراط!! وسوف تستمر المشكلة في الاستفحال ويستعصي الحل إذا استمرت الحكومة في التعامل مع هذه المشكلة بالعقلية الأمنية.

إن دارفور هي صورة مصغرة لمشكلات الدول المتخلفة. وواضح من الواقع أن (الثورة) لم تصل لأطراف البلاد بعـد.. وأن الريف أصبح يعاني المزيد من مشكلات التخلف ودليلنا على ذلك هذه الهجرة الكثيفة من الولايات إلى الخرطوم.. وإذا استمر حال الولايات على ما هو عليه فسوف تواجه الحكومة ضغطاً سكانيا رهيبا في العاصمة خلال العامين القادمين.. ليس هناك احصاءات دقيقة متوافرة حول حجم ومعدل هذه الهجرة لكنها أصبحت منظورة وواقعاً ملموساً. وإذا استمر الواقع في ولايات دارفور على ما هو عليه فإن طريق الإنقاذ الغربي عندما يكتمل سيكون قد زاد من معدل هذه الهجرة لأن الطريق إلى الخرطوم سوف يكون أسهل ما لم يحدث تغيير جذري (ثورة تنموية حقيقية) في دارفور..

أنا لستُ متشائماً ولا ناقداً للحكومة، ولكنني أنبه إلى خطورة الأوضاع في الولايات. ولعل حالة دارفور سوف تتمدد إلى ولايات أخرى. وأضرب لكم مثلاً بمدينة الأبيض (عاصمة الصمغ العربي!) التي تسير فيها الأوضاع إلى الوراء كل عام.هذه المدينة التي تشتمل عى نحو ثمانين حياً سكنياً ويسكنها قرابة النصف مليون نسمة نزح معظم أهلها (الأصليين) إلى العاصمة وسكنها سكان جدد جاءوا من الريف. فعندما تفتحت أعيننا على الحياة في هذه المدينة في ستينات وسبعينات القرن العشرين كان بمدينة الأبيض أكبر جالية أجنبية بعض العاصمة لدرجة أن بها قنصلية مصرية وبها سوريون وأغاريق وغيرهم. في الثمانينات هجرها الأجانب، وفي التسعينات بدأ أهلها يجرونها (مكرهين)!

فأوضاع دارفور سوف تنتقل لكردفان وربما إلى الجزيرة بعد أن أهملت الحكومة مشروع الجزيرة وبدأت تفكر في بيعه على الرغم من أنه شريان الحياة للاقتصاد السوداني.

ومشروع الجزيرة هذا بدلاً من أن يكون نموذجاً تنقله الحكومة إلى كل ولايات السودان ليعم الرخاء والاستقرار أصبح الآن قصة مؤلمة حتى صار عُـرضة للخصخصة. والغريب في الأمر نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية وهي قمة النظام الصناعي لا تتواني في دعم القطاع الزراعي الذي تؤمِّـن الحياة لأمريكا ولشعوب أخرى ولهذا دعمت الحكومة الأمريكية النهضة الزراعية قد بمبلغ بلغ رقماً فلكياً حيث وصل إلى 180 مليار دولار. وعلى الرغم من أنها دولة صناعية اهتمت بالزراعة لأنها تدرك الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع الاقتصادي الحي.. مع ملاحظة أن الحكومة السودانية عندما دعمت مشروع الجزيرة (جزئياً) في الثلاث سنوات الأخيرة {2000 – 2002) بدأ المشروع في الانتعاش نسبياً. هذا يعني أن المشروع يحتاج للحكومة لتأهيل البنية التحتية فيه. وما قيل عن مشروع الجزيرة ينطبق على مشروعات النيل الأبيض ومشروعات أخرى كثيرة في غرب السودان السودان – مثل القطن في جبال النوبة ومشاريع هبيلة والأسمنت في السميح، ومشروع أبو حبل، والفواكه والسياحة في جبل مرة، والثروة الحيوانية وغيرها تحتاج لاستثمارات لاستغلال هذه الثروات حتى يستقر المواطن في منطقته (وينتهي الصراع حول الموارد) وحتى لا ينزح إلى المدن الأخرى ويهيم على وجهه في شوارعها لا يعرف حرفة أو مهنة ولا يمكل غير امكانيات هوامش العمل التي تعرضه لسلطات النظام العام فيكون عُـرضة للمطاردة (الكشة) وتضيع كرامته وتضيع معه أسرة يعولها!!

لقد تدهورت الأوضاع في الولايات بصورة مخيفة فهناك مدارس في الغرب تم إغلاقها تماماً لانعدام المعلم والكتاب ومعنيات الدراسة وبالتالي زاد الفاقد التربوي. لذلك جاء الانحراف والجريمة والنهب المسلح وتهديد النسيج الاجتماع. وأصبحت العاصمة هي الملاذ!!

ينبغي أن تشكل أحداث دارفور وقفة للحكومة لتبدأ اهتماما جديداً بالريف فكل المصانع والمشروعات وفرص العمل والخدمات هي في العاصمة. وإذا استمر الحال كما هو عليه الآن (عام 2002) فسوف ينتقل معظم السودان إلى الخرطوم قريبــاً..

صفحة 2

(2) مـاذا لو تنــازل هـارون للحلــو؟

تم نشر هذا المقال قبل بضعة أيام من انتخابات والي ولاية جنوب كردفان حيث توقع المقال فوز هارون وعندها سوف يتمرد الحلو. لذلك دعا إلى تنازل هارون للحلو لكسب النوبة وتجنب الحرب. وبالفعل جرت الانتخابات وفاز هارون واندلعت الحرب في جنوب كردفان حتى وصلت (الجبهة الثورية) إلى مناطق في شمال كردفان (مدينة أمروابة).تم نشر هذا المقال في صحيفة "السوداني" السياسية اليومية الصادرة في الخرطوم في يوم 22/4/2011:

قد يكون هذا الاقتراح جاء متأخراً بعض الشئ لكن يمكن النظر فيه حتى بعد إعلان النتيجة. فمن الأرجح أن يفوز مولانا أحمد محمد هارون في انتخابات التنافس على منصب والي ولاية جنوب كردفان، خاصة بعد دخول تلفون كوكو في السباق حيث يشكل دخوله خصما على أصوات عبد العزيز الحلو المنافس الوحيد لهارون.

لكن إذا فاز هارون فإن النظرة البعيدة للحصيلة السياسية النهائية لمثل هكذا نتيجة ربما تؤدي إلى خسارة سياسية للمؤتمر الوطني في جنوب كردفان من واقع خصوصية هذه الولاية التي تمثل (شمال-جنوب) من زاوية الهويات. هذا الوضع الاستثنائي لهذه الولاية وما يعتري الواقع السياسي والأمني هناك من ارهاصات غير مأمونة العواقب دفعني للتفكير في أن أقترح للمؤتمر الوطني تصرفاً استثنائياً حيال هذه الولاية.

أقترح أن يتنازل مولانا هارون للسيد عبد العزيز الحلو حتى ولو جاءت النتيجة لصالح الأول؛ على أن يتم تعيين مولانا هارون والياً على غرب كردفان. وهذا يستلزم قراراً رئاسيا سريعاً بعودة ولاية غرب كردفان.

تخيلوا كيف سيكون السيناريو (المشهد السياسي). قبل أن أشرح السيناريو أشير إلى نقطة جانبية لكن التأمُّل فيها مهم وهي: إذا فاز الحلو فليس هناك مشكلة لأن أحمد هارون هو عضو في الحزب الحاكم وبالتالي سوف تجد له الحكومة موقعاً آخراً. أما إذا فاز مولانا أحمد م هارون فأين سيذهب الحلو؟ هل سيذهب للجنوب الذي أصبح دولة أخرى؟ أم لبقايا الحركة الشعبية في النيل الأزرق؟

السيناريو الذي يعزز – أو يشرح – اقتراحي يقوم على عدة نقاط منها، مثلاً:

سوف تضرب الحكومة عدة عصافير بحجر واحد بمثل هذا التصرف. منها مثلاً أن خسارة الحلو ربما تعني عدم تمثيل إثنية (جماعة عرقية) معينة في مركز سياسي/تنفيذي مهم له دلالته ورمزيته لهذه الجهة – وهي قبائل النوبة. لأن فشل الحلو أو عدم حصوله على هذا الموقع ربما تنظر إليه تلك المجموعات القبلية بأنه استضعاف لوجودها على الساحة السياسية وأن صوتها سوف يخبو وربما ترتفع نغمة (التهميش) في المنطقة.

نعم، لهارون شعبيته وأثبت نجاحه في منصبه في فترة وجيزة وله رؤية لتقديم الكثير إذا ما حصل على تفويض بالانتخابات. لكن المكسب سوف يكون أكبر إذا تنازل هارون للحلو. وهذا يقودنا إلى النقطة الثانية من السيناريو وهي عودة ولاية غرب كردفان. وبعيداً عن الترتيبات القانونية اللازمة يهمنا البعد السياسي في الأمر.

إن إذابة ولاية غرب كردفان في ولاية جنوب كردفان بسبب اتفاقية نيفاشا أثار غضب قبائل البقارة (خاصة المسيرية). وقد ربط البعض بين هذا الإجراء والقسمة الضيزى لهم في النفط وعدم استيعاب أبنائهم في شركات التنقيب والانتاج. فكان الحديث عن التهميش وتظاهر شباب الفولة احتجاجا على ذلك الظلم، والتحق بعضهم بالحركة الشعبية وذهب البعض الآخر لبعض حركات دارفور المتمردة وظهرت حركات احتجاجية في كردفان مثل تحالف كردفان للتنمية (كاد KAD) وشمم وشهامة.

عودة الولاية سوف يمتص غضب أبناء المنطقة الذين يشعرون بأنهم قد ضحوا كثيرا في المعارك ضد حركة التمرد الجنوبية (قبل السلام) ولم يجدوا تقديرا أو تعويضاً لتضحياتهم، وحتى أبيي أصبحت موضع نزاع ومازال الكثير منهم يموت بسبب الصراع حول أبيي.

تخيلوا لو أصبح الحلو حاكما على ولاية جنوب كردفان وهارون على ولاية غرب كردفان، أقترح (أو أتوقع) السيناريو التالي:

بدأ هارون مشاريع بنية تحتية في ولاية جنوب كردفان يمكن للحلو أن يستفيد منها وينطلق منها لتنمية الولاية التي عانت الكثير من الإهمال والتخلف والنزاعات والحروب. وبالمقابل تحتاج ولاية غرب كردفان لشخص مثل هارون ليبدأ بها من الصفر. فهذه الولاية (أو المنطقة) هي ولاية التناقضات فهي الأغنى من حيث الموارد (حيوانية ونفطية) والأشد فقراً في الواقع! ولم تستفد المنطقة من الفترة التي كانت فيها ولاية. وتكفي الإشارة إلى أن عاصمتها مدينة (الفولة) ليس فيها متر واحداً من الأسفلت ناهيكم عن مشكلات في مياه الشرب والتعليم والصحة. فهي تحتاج إلى أن تعود ولاية يقودها الشاب الطموح هارون.

جانب آخر من هذا السيناريو الثاني هو أني أتوقع (أو أقترح) أن تنشأ بين الولايتين توأمة وشراكة ومشاريع مشتركة. وأن يشارك والي كل ولاية (و حكومته) في اجتماع حكومة الولاية الأخرى ولو مرة في الشهر للتنسيق وتبادل الآراء ومتابعة تنفيذ الشراكة. كما أن هذا التنسيق مهم جدا للتداخل القبلي بين الولايتين ولتعزيز التعايش السلمي. كما يمكن أن يكون لذلك أثر إيجابي على مشكلة أبيي من خلال علاقة الحلو بالحركة الشعبية (حكومة الجنوب).

كذلك عندما يضمن النوبة أن رئاسة الولاية قد دانت لأحد أبنائها فإن ذلك قد يضع مسألة المشورة الشعبية في مسار إيجابي (ابداء الرأي الشعبي حول إدارة الولاية ومستوى التنمية والخدمات فيها) بدلاً من الانحراف بها نحو مزالق الحكم الذاتي أو ربما أبعد من ذلك. كما يمكن الاستفادة من هذه التجربة في التعامل مع ولاية النيل الأزرق.

ولاية غرب كردفان – إذا عادت – سوف تأخذ من ولاية شمال كردفان منطقتي النهود وغبيش فتقلل الضغط على حكومة ولاية شمال كردفان ويتنفس واليها الصعداء.

صفحة 3

(3) وصف الكتاب الأسود بالفتنة

والعنصرية يزيد المشكلة تعقيداً

نخبة الغرب مسؤولة عن بعض تخلف مناطقها

تم نشر هذا المقال في صحيفة الرأي العام بتاريخ 21/5/2000 وذلك عقب انتشار "الكتاب الأسود" في نهاية التسعينات من القرن العشرين. دعا المقال إلى الاهتمام بما جاء في الكتاب الأسود وليس الاكتفاء بإدانة من كتبوه (ليس به اسماء مؤلفين)، أو وصفه بالعنصرية. رأى هذا المقال أن بالكتاب الأسود حقائق مسنودة بالأرقام تؤكد التهميش والتظلم يجب أن التعامل معه بموضوعية. وهدف المقال من ذلك إلى تجنب تفاقم الأزمات وبالفعل تصاعدت التظلمات إلى أن وصلت إلى مستوى الأزمة والحرب – كما هو الحال في دارفور. وفي ما يلي اقتباس لأجزاء من ذلك المقال:

إذا كان لرجل عشر قطع من الحلوى، ولديه خمسة أطفال، فأعطى واحداً منهم ست قطع، وأعطى بقية أبنائه الأربعة قطعة واحدة لكل واحد منهم؛ فإذا احتج الأبناء الأربعة على هذه القسمة غير العادلة هل يحق للأب أن يصف الأبناء المحتجين بالعقوق والعصيان (أو العنصرية)؟!

في الأيام القليلة الماضية تفجرت بعض الصحف بهجوم شديد على الكتاب الأسود. ولفت نظري أن معظم الذين كتبوا عنه جاءت كتاباتهم انطباعية وانفعالية وغير موضوعي. بل على الأرجح أن بعضهم لم يقرأ الكتاب وانما حكم عليه من عنوانه أو غلافه أو سمع عن موضوعه فقط!

والأسئلة التي ينبغي طرحها هنا: لماذا جاء هذا الكتاب الأسود؟ وما هي الظروف والدوافع التي حركته؟ وهل يمكن القول بأنه رد فعل للشعور بالظلم وأنه جاء تعبيراً عن قمة الوعي بالظلم؟ وهل يحق وصف هذا التظلم بأنه عمل عنصري؟

أغلب الظن أن من كتبوا هذا الكتاب هم من أبناء دارفور وأنهم جمعوا كردفان معهم لتكبير (كوم الظلم).. وبهذا لا أعني أن كردفان التي أنتمي إليها هي غير مظلومة بل الاختلاف هو في المقدار فقط خاصة وأن أبناء شمال كردفان هم الأعلى صوتاً. وكان من أميز المشروعات التي حصلوا عليها هي طريق كوستي-الأبيض وقد خدمتهم الظروف السياسية في ذلك حيث كان وزير المالية في عهد الحزبية الثالثة هو الدكتور بشير عمر (حزب أمة) وهو من أبناء الأبيض.

غير أني أختلف مع الدكتور الفاتح النور (مؤسس صحيفة كردفان) في بعض ما ذهب إليه في مقاله عن الكتاب الأسود (الصحافي الدولي: 9/5/2000) حيث قال أن مدينة الأبيض هي أجمل من كل مدن الشمال. فالأبيض في تقديري خدمتها ظروف تاريخية. فقد كانت هي مدينة كبيرة وعريقة وعاصمة منذ أكثر من خمسمائة سنة عندما كانت عاصمة دولة المسبعات. كما أن كردفان والغرب عامة لا نقيس أوضاعه بالأبيض وبارا ونيالا وإنما بأغلبية المدن والريف وحال الشعب هناك وحظه من التنمية والخدمات. .....

ولكني أتفق مع الفاتح النور بأن أبناء الغرب قد أسهموا في تخلف أقاليمهم. هذا القول صحيح لأننا نلاحظ أن أبناء الشمالية مرتبطون بأرضهم وأهلهم سواء هاجروا لخارج السودان أو اتتشروا في أمصار السودان. كما أنهم بنوا نسيجا محكما من العلاقات عززوها بالتزاوج والمصاهرة خاصة على مستوى دوائر السلطة والثروة والقرار ويخدمون بعضهم بعضا. أما عيب أبناء الغرب – على الرغم من كفاءتهم كأفراد – فإنهم لا يخدمون بعضهم ويديرون ظهورهم لمناطقهم ولا يملكون المبادرة في اقتراح مشروعات لولاياتهم وأنهم أسهموا – كما قال الفاتح النور – في ظلم الغرب "بصمتهم وسكوتهم" لكن هذا القول الأخير مردود لأن أبناء الغرب عندما تحدثوا الآن عن الظلم نعتهم ابناء الشمال بالعنصرية!!

لقد كان لحكومة الإنقاذ فرصة في أن تبدأ كسب ثقة أهل الغرب من بوابة طريق الانقاذ الغربي لكنها أعطت الطريق لغير ابناء الغرب وحدث ما حدث (وحرمنا القضاء من الحديث عن ما حدث).

أعلم أن الحكام في الخرطوم يتضايقون من الكتاب الأسود ومن الكتابة عنه، لكني أربأ بحكومة تحكم باسم الإسلام أن تتضايق من سماع صوت المظلومين. ومن العدل أن يتسع صدرها للكتاب الأسـود فهو لا يخلو من حقائق.

حكومة الانقاذ هي نسبيا الأكثر انفتاحاً على تمثيل القبائل في الحكومة حيث أن الإنقاذ مُثِّلت فيها 40 قبيلة مقابل 39 للحزبية الثالثة و 34 قبيلة في مايو. لكن داخل هذا التنوع القبلي يطمح الناس للعدالة. فينبغي ألا تغضب الحكومة عندما يقول ابناء الغرب إن اقليما واحدا ً صغيراً في سكانه يُمثَّل بأكثر من ثلث الحكومة المركزية بينما مجموعة ولايات يشكل سكانها أكثر من ثلث السودان تُمثَّل بأقل من 10%. كما أن الملاحظ أنه منذ استقلال السودان توالت على التكوينات الوزارية للحكومة المركزية 74 قبيلة لكن منها ثلاث قبائل فقط تمثلت في كل الحقب وهي (الدناقلة والجعليين والشوايقة) وكلها في الإقليم الشمالي! في حكومة الانقاذ الحالية كان نصيب كردفان 12% مقابل 6% لدارفور بينما بلغ تمثيل الشمالي 35%!!

إذن على الذين يهاجمون الكتاب الأسود أن يتذكروا هذه الحقائق وأن يدعموا مقالهم بالأرقام الصحيحة بدلاً عن التناول السطحي والحديث الانفعالي الذي لا يزيد القلوب إلا غلاً.

إن النهج الصحيح الذي ينبغي على الحكومة اتباعه هو أن تتيح لابناء الغرب الحديث بصوت عال عن مظالمهم ففي ذلك خطوة أولى نحو العدل وفي ذلك بداية لعلاج مع علق بالنفوس..

( ليت الحكومة كانت تقرأ )!!

صفحة 4

(4) سياسة السودان الخارجية والخروج من النفق

هذا المقال تم نشره في صحيفة الرأي العام بتاريخ 8/11/1999 (العدد 797) نبه فيه إلى أن للولايات المتحدة استراتيجية لفصل جنوب السودان ليكون ركيزة لاستراتيجية أمريكية في القرن الأفريقي والبحر الأحمـر والشرق الأوسط.

ما فتئت الولايات المتحدة الأمريكية تستحكم حلقات التطويق حول السودان. وهي في هذه الأيام تبدو وكأنها في سباق مع الزمن للتعجيل بالإطاحة بالحكومة الإسلامية في الخرطوم حتى لا تستقوي بعائدات البترول ويطيل أمد بقائها في السلطة.. ويبدو أن الحكومة السودانية في نظر الولايات المتحدة قد عاشت أكثر مما يجب، وأن في استمرارها جرح لكبرياء أمريكا وتحدٍ لهيمنتها على العالم، وتحـدٍ لزعامتها للنظام العالمي الجديد وتمرُّد على العولمة.

في تاريخ الولايات المتحدة الكثير من الأنظمة التي إنهارت في فترة وجيزة بمجرد أن وضعتها الولايات المتحدة في بؤرة الاستهداف الاستراتيجي إلا أن الحكومة السودانية أصبحت عنيدة أكثر من اللازم واستعصت على كل آليات الاستعداء الأمريكي وصمدت أمام كل الضربات من مختلف الجبهات.. فقد انهار الاتحاد السوفيتي بعد أن نخرت الولايات المتحدة في عظامه من خلال استراتيجيتها في الحرب الباردة بمظاهرها المختلفة (الاستقطاب، التطويق والاحتواء، والأحلاف والتكتلات العسكرية وسباق التسلح). وتدخلت الولايات المتحدة في مناطق كثيرة في العالم وغيّرت أنظمة الحكم واغتالت عدداً من زعماء العالم عبر ذراعها القوية (المخابرات المركزيةCIA ) ومن أمثلة ذلك رافائيل ترجيلو في جمهورية الدومينكان 1961، وباتريس لوممبا في الكونغو 1961، ومحاولة إغتيال الزعيم الكوبي فيديل كاسترو (1960 – 1965) وزعيم فيتنام الجنوبية 1963، وشيلي 1973. وتدخلت في جزيرة سيشيل وغزت جرينادا 1983، ونيكاراجوا 1984 وليبيا 1986 (ضربت منزل الرئيس الليبي معمر القذافي وقتلت ابنته بالتبني). وقامت بغزو بنما في 1989.. وفي التسعينات تدخلت في العراق والصومال والسودان (ضربت مصنع الشفاء للأدوية 1998) وأفغانستان (ضرب مواقع بن لادن وطالبان).

دولة عظمى بكل هذا الإرث الكبير من البطش الدولي والتدخلات لم تتمكن من الإطاحة بحكومة دولة فقيرة محاصرة تعرضت لمقاطعة عربية وغربية وحرب في الجنوب واضطرابات في دارفور والشرق ومشكلات مع مصر (حلايب) ونزاع قبلي ونهب مسلح ومعارضة شمالية متحالفة مع التمرد المدعوم من دول الجوار ومنظمة التضامن المسيحي ومجلس الكنائس العالمي وبعض المنظمات الدولية وإسرائيل في التدريب والتسليح، وتقف معها أمريكا بكل قوتها وإعلامها الدولي – لم تسقط حكومة الخرطوم!! بل تنقب وتستخرج البترول والذهب وتستقطب الاستثمارات الأجنبية وتكسر طوق العزلة مع العرب ودول الجوار وأوربا!

كل ذلك استفز أمريكا ودفع بموضوع السودان إلى قمة الأجندة الأمريكية على مستوى الإدارة الأمريكية والكونجرس، وكذلك على مستوى الإعلام الدولي.

إضافة إلى ذلك أن السودان رفع تحديا آيديولوجياً لأمريكا وهو إعلان تطبيق الشريعة الإسلامية. وليس الجديد لأمريكا هو تطبيق الشريعة الإسلامية وإنما الإسلام الحركي أو ما يُسمى بـ "الإسلام السياسي" الناشط حيث أصبح السودان في نظر أمريكا مركزاً لانبعاث الأصولية. والأصولية بالنسبة للغرب هي صنو للعنف والإرهاب..

لذلك أصبح السودان أحد الأهداف الاستراتيجية في النظام الدولي الجديد الذي هندسته أمريكا عقب إنهيار المعسكر الاشتراكي لإحكام سيطرتها على العالم.. وقد تمكنت الولايات المتحدة من ترويض الكثير من القوى المناهضة لها إلا السودان أصبح مصدر (عكننة) للغطرسة الأمريكية، ولذلك سعت أمريكا بعدة طرق لتأديبه..

إن سلوك الولايات المتحدة تجاه السودان في الآونة الأخيرة ما هو إلا ردة فعل لهذه (العكننة) السودانية حيث تولت وزيرة الخارجية الأمريكية ملف السودان بنفسها ولم تكتف بإرسال المبعوث الخاص حيث أصبح السودان بالنسبة لأمريكا "حالة خاصة". ووضعت الإدارة الأمريكية خطة استراتيجية للإطاحة بحكومة الخرطوم وفصل الجنوب(2).. ، بتوحيد المعارضة ودعمها، وكذلك بالاستعانة بدول الجوارالأفريقي وإحياء الحلف الأمريكي القديم في المنطقة.

وكذلك تشرف إسرائيل على تنفيذ هذا المخطط حيث قامت بتدريب ضباط من الجيش الشعبي لتحرير السودان (SPLA) في إسرائيل.. والآن تسعى أمريكا لضرب السودان في أهم إنجازاته وهي النفط ليس بدعم المعارضة للضربة العسكرية المباشرة بل أيضاً بالضغط على الشركات الأجنبية لكي تقطع استثماراتها في السودان. فقد نشرت صحيفة قلوب ميل الكندية Globe Mail في افتتاحيتها يوم 29/10/1999 تعليقاً جاء فيه "أن وزيرة الخارجية الأمريكية، مادلين ألبرايت، ضغطت على وزير الخارجية الكندية (لويد اكسورثي Lloyd Axworthy) لكي يضغط على شركة تاليسمان Talisman الكندية لسحب استثماراتها في النفط السوداني.. كذلك بدأت الولايات المتحدة تضغط على الصين لكي توقف استثماراتها في السودان حيث تقول آخر التقارير إن الشركة الصينية التي تملك 40% من عمليات انتاج البترول الحالي هي شركة (CNPC) أصبحت واقعة تحت ضغط المساهمين الأمريكيين بسحب استثماراتها من السودان كشرط لإعادة هيكلة الشركة وفق آخر صفقة مع مساهمين أميركيين بأسهم في بورصة نيويورك حيث يكون رأس المال للوضع الجديد للشركة ما بين خمسة إلى ثمانية بلايين دولار، وأكبر المساهمين هي الشركة الأمريكية جولدمان ساشس Goldman Sachs. غير أن بعض المراقبين يتوقع ألا تنجح هذه الضغوط الأمريكية التي تهدد بإدخال أية شركة تتعامل مع السودان في مظلة العقوبات الدولية. في هذه الأثناء تسعى الولايات المتحدة لإفشال مساعي المصالحة والوفاق الوطني وذلك من خلال تصعيد الخلافات والفتن بين شمال السودان وجنوبه. كما تستعد الولايات المتحدة لتنفيذ مخطط آخر جديد إذا لم تستجب الحكومة السودانية لشروط المتمردين في الجنوب.. وفي ذات السياق تبنت الإدارة الأمريكية اتجاهات مجلس الشيوخ الأمريكي لإجبار الحكومة السودانية بخطة سلام مع متمردي الجنوب وهي خطة أشرف على إعدادها مستشارو الأمن القومي الأمريكي، وتهدف الخطة إلى تحقيق إنفصال الجنوب. ولذات الهدف تتحرك الولايات المتحدة الآن تقطع الطريق من أمام المبادرة الليبية/المصرية لأنها سوف تسحب البساط من مبادرة الإيقاد بما لا يضمن تحقيق مصالح أمريكا في المنطقة.

وتأتي هذه الخطوات من الإدارة الأمريكية كاستجابة لمذكرة قدمها الكنونجرس الأمريكي في منتصف هذا العام ركزت على الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للجنوب السوداني في إطار تنفيذ التوجه الاستراتيجي الأمريكي في أفريقيا والشرق الأوسط معاً.. واعتبرات المذكرة الجنوب السوداني محوراً رئيسياً لتحريك العديد من الأحداث المهمة في مناطق القرن الأفريقي والبحر الأحمر والشرق الأوسط.. وهذه بعض من ملامح الاستراتيجية الأمريكية ضد السودان والتي تشهد الآن سيناريو ساخناً لتنفيذ بنودها بقيادة (المايسترو) مادلين ألبرايت ومساعدة سوزان رايس وبعض أعضاء الكونجرس الأمريكي ومن خلفهم اللوبي الصهيوني. المهم في هذا الصدد هو مدى إدراكنا لأبعاد هذا المخطط وتفاعلاته الدولية وانعكاساته الآنية والمستقبلية على السودان. وفي هذا الإطار ينبغي أن ندرك وأن تضع سياستنا الخارجية في الاعتبار البيئة الدولية الجديدة ومتغيراتها الراهنة.

ومما لا شكل فيه نحن نعيش عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة وغطرسة القوة، وأن عصر الشرعية الدولية قد ولّى، وأن سلوك الولايات المتحدة في العالم الذي يرتكز على فلسفة الذرائع والبراجماتية يستلزم وضع تدابير مضادة لهذا المخطط ووضع استراتيجية تناسب المناخ الدولي الجديد..

الرأي العام، الخرطوم: 8 نوفمبر 1999م (صفحة 7).

صفحة 5

(5) مؤامرة جديدة ضـد السودان يقودها الإعلام

الولايات المتحدة الأمريكية تهيئ العالم لضرب السودان

نُشر هذا المقال في صحيفة الأنباء (توقفت لاحقاً) بتاريخ 29/11/1997. وقد تنبأ المقال بأن الولايات المتحدة الأمريكية تخطط لضرب السودان وبدأت تهيئ الراي العام العالمي لتلك الضربة – التي حدثت بالفعل في 20/8/1998 حيث ضربت مصنع الشفاء للأدوية نتيجة معلومة خطأ وجدتها أمريكا من بعض عناصر المعارضة السودانية. في ما يلي نقتطف فقرات من ذلك المقال:

بعد أن فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في اقناع مجلس الأمن بضرورة فرض حظر على السودان وتصدت للأمر من خلال عقوبات اقتصادية وقّعها رئيسها كلنتون في 3/11/1997 تلجأ أمريكا اليوم وعبر إعلامها لتوليد قناعة بأن السودان فعلاً دولة إرهابية وأن حكومته تنتهك حقوق الإنسان، وأنها تمارس تجارة الرقيق أخذت تردد بأن السودان دولة غير متعاونة مع الأسرة الدولية، وأنها تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة، ولذلك وضعت السودان في قائمة الدول التي ترعى الإرهاب منذ العام 1993. وسعت لاستعداء الرأي العام العاملي ضده وتأليب الجيران ودعمت بعض الجيران للإطاحة بنظام الخرطوم. وفي ذلك اعترفت صراحة وحاولت تقديم المبررات وبدأت الولايات المحدة الأمريكية تتحدث عن محور بغداد-الخرطوم حيث أن السودان (أيّـد غزو صدام للكويت) على حد تعبير إحدى الصحف الأمريكية.

وفي 16 نوفمبر 1997 نشرت صحيفة سنداي تايمز Sunday Times البريطانية تقريراً يقول أن العراق يقوم بتصنيع غاز سام في موقع سري في السودان في سعي لتجنب الحظر على السلاح الذي فرضه مجلس الأمن على العراق منذ سبع سنوات. وقالت الصحيفة "إن صدام حسين وحكومة عمر البشير الإسلامية في الخرطوم يقومان بتجميع وانتاج غاز الموستار لمنفعتهما".

وادعت السنداي تايمز بأنها حصلت على معلومات أكيدة من استخبارات عسكرية ومصادر دبلوماسية في في كمبالا أن الغاز يتم تصنيعه الآن في مدينة واو بجنوب السودان. وزعمت بأن الحكومة السودانية قد استخدمت هذا الغاز من قبل مرتين ضد المتمردين.

ويقول التقرير إن انتاج الغاز بدأ في السودان في خريف عام 1990 بصفقة سرية بين بغداد والخرطوم لإفشال الحظر المفروض على العراق من الأمم المتحدة. وهنا يخطر سؤال: إذا كانت الحكومة السودانية تملك إمكانية انتاج الغاز أو وفرت لها العراق هذه القدرات هل يُعقل أن تختار الجنوب موقعا لانتاج الغاز لأن ذلك خطأ استراتيجي كبير ولكي تحاول أمريكا إثبات وجود هذه الصفقة السرية بين الخرطوم وبغداد قدمت حجة مضحكة وساذجة وهي القول بأن اهتمام بغداد بالسودان يفوق اهتمامها بأي دولة أخرى في العامل، والدليل على ذلك – كما تقول أمريكا – أن للعراق عشرين دبلوماسيا مقيما في الخرطوم مقابل 19 في نيويورك و26 في عمان عاصمة الأردن التي تمثل منفذ بغداد الوحيد للعالم!

إذن هذا هو المدخل الجديد لضرب السودان. ولكن من المؤسف أن تساهم بعض الصحف العربية في الترويج لهذه المزاعم بنقلها عن المصادر الغربية وعرضها على الرأي العام العربي في غياب الفرصة الكافية أو العادلة للحكومة السودانية لتوضيح الحقائق. ومثل هذه الأخبار الخاطئة بُنيت عليها مواقف خاطئة ...

صفحة 6

(1) الفسـاد والثورة التصحيحيـة المطلوبة

نكتة سياسية سمعتها قبل ست سنوات تقريباً تقول: أن أحد المسؤولين زار صديقه الذي يعمل في الحكومة مثله لكن في فترة قصيرة بنى له منزلاً من طوابق. فسأله صديقه الزائر مندهشاً: (دي عملتَها كيف؟). فقال له: (شُفْتَ الكبري داك؟) فقال له: (أيوة شايفو). فقال له: (طوبة هناك.. وطوبة هنا..). أخذ صديقه المندهش الفكرة ولكنه (أبدع) فيها حيث بنى له قصراً في فترة وجيزة. فسأله صاحبه (بتاع طوبة هناك وأخرى هنا): "دي عملتها كيف؟". فقال له صاحب القصر: (شُفتَ الكبري داك؟). قال له متساءلاً: (ياتو كبري، وينو، ما شايف أي كبري هناك!). فقال له وهو يشير لقصره: (الكبري كلو هنا!).

هذه النكتة توضح كيف يتحايل و يتفنن الفاسدون في طريقة نهب المال العام دون الوقوع في شراك القانون. والنكتة السياسية تظهر عادة في حالة الكبت كنوع من التنفيس عندما تمنع الحكومة النقد وتهدد كل من ينقدها أو يتحدث عن فساد سدنتها. وهذا من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها الحكومة في هذا المجال، لأنها بمنعها الحديث عن الفساد شكلت حماية كاملة للمفسدين فاستشرى الفساد إلى الدرجة التي لم تستطع الحكومة إنكاره بل أعلنت القيادة السياسية الحرب على الفساد.

لكن يا ترى كم مليار من أموال الشعب أخذها المفسدون؟ وما درجة تأثيرها على معاناة الجماهير؟ بل ما هو حجم التأثير الأخلاقي والأدبي على حكومة تقول أنها إسلامية؟

إن الأمر يحتاج لثورة تصحيحية. وهذه الثورة التصحيحية لا تتم إلا بالسماح للأجهزة الرقابية (برلمان ومراجع عام) بالقيام بدورها كاملاً، والسماح للصحافة في أن تساعد في كشف مواقع الفساد. وأن لا يتم التستر عليه وعلى مرتكبيه وتقديمهم للمحاكمة بعد سحب الحصانات وإقالتهم من مناصبهم واسترداد المال العام.

أخطأت الحكومة عندما كانت تتجاهل تقارير المراجع العام. وكانت تسمي الفساد (الاعتداء على المال العام). ثم لم تتخذ إجراءات أو قرارات لإجبار العشرات من الوحدات والمؤسسات الحكومية على إخضاع حساباتها للمراجعة. ولقد كانت الحكومة تمنع الصحف من الحديث عن فساد وتهدد بأن لا يكتب أي شخص عن فساد ما لم يثبته بالدليل! لكن عندما يكون هناك موظفا عاما محدود الدخل، يسكن بالإيجار ويستغل المواصلات العامة وفجأة يقتني عربة فارهة ويبني بيتاً فخماً ضخماً، أليس هذه (قرائن الأحوال) التي تضخ شبهات كافية لدى الرأي العام؟

أي أن الخطأ هنا مزدوج: إنكار الحكومة للفساد، ومنعها للصحف من الحديث عنه. وها هو الإعتراف سيد الأدلة، لكن بعد أن نخـر الفساد في جسم الخدمة العامة وأوْهَن الاقتصاد، ودفع المواطن الثمن – فقراً ومعاناةً.

لكن ناهيكم عن الصحف، فقد تحدثت أصوات عاقلة من داخل الحركة الإسلامية منذ وقت مبكر وطالبت بضرورة تصحيح المسار. فهناك علماء قدموا نصحاً ونقداً موضوعياً هادفاً ونقدا ذاتياً مُصْـلِحاً لكن صوتهم لم يكن مسموعاً. وكما أشرتُ من قبل في مقال سابق بهذه الصحيفة (هل يقرأ القادة السياسيون ما يكتبه المختصون؟) أشرتُ إلى أن الحكومة لا تستمع إلا إلى الأصوات الأعلى صياحاً وهي (البراميل الفارغة).

فلقد تحدث من قبل الدكتور التجاني عبد القادر حامد – الأكاديمي المتميز وعضو مجلس شورى المؤتمر الوطني- تحدث وكتب سلسلة مقالات جمعها في كتاب عن المراجعات الكبرى. وتحدث عن ثالوث القبيلة والسوق والأمن الذي يحكم السودان. وعندما لم يجد أذن صاغية قال: "شعرنا بأننا غير مرغوب فينا"؛ وغادر إلى ماليزيا في منتصف تسعينات القرن العشرين وبعدها إلى الولايات المتحدة باحثا وأستاذا جامعياً، ثم استقر أخيرا في الخليج.

بعد ما وصل الحال إلى ما وصلنا إليه الآن نحتاج إلى ثورة تصحيحية. هذه الثورة يجب أن تبدأ من داخل الحزب السياسي الحاكم. فالمؤتمر الوطني تجاوزته الأحداث حيث كان وليد ظرف تاريخي معين وأملته أوضاع محددة، وهي فترة ما قبل الديمقراطية حيث كان هو الحزب الواحد الشمولي. وكان الهدف منه أن يكون "وعاءً جامعاً" فضم في داخله الجنوبيين والمسيحيين والمايويين وحتى بعض العناصر التي كانت محسوبة على اليسار.

وقد استغل بعض المنافقين ذاك الظرف (فركبوا الموجة) ودخلوا الحزب وادعوا نفاقاً أنهم حركة إسلامية. فدخلوا بدافع المصلحة الشخصية حتى انتشرت بعض المفردات مثل وصف غير المنتمين للصف الإسلامي وهم يطلقون لحية صغيرة (داير أعيش).

هذا لا يعني أن الفساد كان حكراً على تلك الفئة المندسة فقط. لكن يجب أن يعود الاسم الحقيقي للحزب (حزب الحركة الإسلامية) لكي يعرف الجميع بوضوح أن هذا الحزب هو حركة إسلامية خالصة. وأن على كل عضو الالتزام الأخلاقي والانضباط السلوكي. وأن تتم المحاسبة على هذا الأساس. وأي عضو يرتكب فساداً أو جريمة أخلاقية يجب فصله من الحزب مهما كان مقامه أو مركزه فالمقولة السائدة الآن في الرأي العام هي: "أن هؤلاء يتاجرون باسم الدين".

يحتاج الوضع الآن إلى ثورة تصحيحية في الحزب وفي الحكومة، على أن تبدأ بالشفافية والمكاشفة والمحاسبة بعيداً عن أية مجاملة أو أية مداراة طالما أن الذي يقود الحكومة هو حزب يحمل راية الإسلام ويحمل مشروع حضاري، فالمنهج الصحيح لنشر هذا المشروع هو أن يتحول إلى سلوك عند القيادات فتكون هي النموذج والقدوة للآخرين. فالإسلام يقوم على العدل وليس فيه (فقه السترة) التي لا تجوز في المال العام أو الفساد الذي يتضرر منه المجتمع لا الفرد. فالمرجعية الإسلامية واضحة لا لبس فيها: "... والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها"..

السوداني/ 2/5/2011

صفحة 7

(2) الإسلام العلماني ومشكلة الخطاب

كنتُ خارج السودان عندما تناولت الصحف خبر منع إمام جامع لفنان شاب من الصلاة في الصف الأمامي، ولم أتابع – في النيت - تفاصيل التعليقات. ولكن دارت هذه الحادثة في مخيلتي بينما كانت تقف أمامنا، في نيروبي، أستاذة بريطانية شابة من جامعة سوكس وهي تقدم محاضرة حول المناهج العملية ضمن برنامج الشراكة الأفريقية لبحوث الحكم والسياسات العامة وتخفيف الفقر (3- 10 مارس 2012).

العلاقة بين هذا الخبر وهذه البريطانية (الدكتورة شندانا) هي أنني عندما تعرفتُ عليها سلفاً في فترة القهوة (كوفي بريك) علمتُ أنها بريطانية من أصل باكستاني ومتزوجة من برتغالي. لكن المعلومة المهمة هي أنها مسلمة، لكن زوجها غير مسلم. ومن مظهرها يمكن أن نطلق عليها مفردات الإعلام الغربي في تصنيفه للإسلام بأن إسلامها (علماني). فهي في مظهرها مثل أي إمرأة غربية (سافرة) تماما! وقد لا تحمل من الإسلام إلا الشهادة والإجهار بهوية الانتماء عند الضرورة – أي أنها لا تصلي ولا تصوم.. ولا علاقة لأبنائها بالإسلام، بحسب ما قالت لي.

هذه الصورة أهديها لهذا الإمام ولمثله من الأئمة الآخرين وأقول لهم: هل الأجدى توجيه الدعوة الإسلامية لمثل هؤلاء حتى يفهموا الدين ويمارسوا تعاليمه بصورة صحيحة أم نعمل على (تنفير) مَـن هو مسلم عن الصلاة؟ ألا يكفي أن هذا الشاب أنه ملتزم بالدين لدرجة الحرص على الصلاة ليس في المسجد فقط بل وفي الصف الأول؟ أليس في ذلك نعمة كبيرة أن يكون ذلك الشخص الحريص على الصلاة في الصف الأول هو (شاب وفنان)؟

لو كنتُ مكان ذلك الإمام وعرفتُ أن هذا الشاب هو فنان لوقفتُ بعد الصلاة مشيدا به وبحرصه على الصلاة في الصف الأول في المسجد تحفيزاً لبقية الشباب بأن يحذو حذوه. ثم بعد ذلك إذا كان عندي رأي في فنه فيمكنني أن أختلي به وأناقشه في ذلك. هذه الحادثة تقودني إلى مشكلة الدعوة والخطاب الإسلامي المعاصر. لكن قبل أن أشير إلى مشكلة الخطاب الإسلامي المعاصر أشير إلى حقيقة تاريخية مهمة وهي أن الإسلام انتشر سلمياً وبالقدوة والسلوك والقيم أكثر من ما انتشر بالسيف في عصر الفتوحات الإسلامية.

فقد تعرضت الدولة الإسلامية لهزة سياسية عنيفة بعد أن هاجمها المغول في القرن الثالث عشر ودمروا بغداد عاصمة الدولة العباسية. وتوقع البعض أن يسبب ذلك انتكاسة للحضارة الإسلامية التي تحولت لحضارة عالمية. لكن في الواقع حدث العكس: على الرغم من الانحطاط التشظي السياسي، لم تحافظ هذه الحضارة على تماسكها الداخلي فحسب، بل حققت أيضاً أعلى درجات الازدهار الثقافي وانتشرت على نطاق عالمي أكثر من ما حققته الفتوحات العربية التي تمت في القرنين السابع والثامن الميلادي . لذلك ركزت غالبية الدراسات الأخيرة على المؤسسات والشخصيات الذين وفروا للمجتمعات المسلمة تماسكها الداخلي وتوجهها الروحي عندما فقدت الحضارة الإسلامية التحامها على الصعيد السياسي. من أبرز هؤلاء كانوا العلماء والأولياء والمتصوفين الذين طوروا بدءً من القرن الثامن الميلادي مجموعة كاملة من الشعائر والتعاليم والنظم القانونية والأعراف الاجتماعية، والتقاليد الروحية، وأشكال الطباعة وأساليب الدراسة ومدارس الفلسفة التي ركزت وبيّنت لُب وجوهر الحضارة الإسلامية.

لاحظ الباحثون إن التحول الجماهيري الكبير في الإسلام لم يحدث في عهد الخلافة المركزية القوية ولم تحققه ثقافة البلاط والأشكال الأدبية والإسلامية الأولى لهذه الثقافة؛ بل حصل هذا التحول مع تفكك الإمبراطورية العباسية عن طريق المدارس والمذاهب الفقهية والطرق الصوفية. ففي الفترة من القرن العاشر وحتى الثالث عشر أمسك رجال الدين بزمام القيادة في المجتمعات المحلية وبثوا الإسلام فيها وأعادوا صياغة هذه المجتمعات، وذلك بسبب انهيار النخب القديمة من ملاك الأراضي الذين حلّ العسكر العبيد أو البدو مكانهم. لقد خرج العلماء عن عزوفهم السياسي وحلّوا مكان النخب القديمة. لم يشكل العلماء طبقة بل جماعات كانت فوق الانقسامات المحلية وتمتعت بحس عميق بالأمة عن طريق المذهب أو الطريقة الصوفية. وكانت رحلات العلماء طلباً للعلم وكذلك الصوفية والتجار تساهم في تمتين وحدة المجتمع وتربط بين مختلف الجماعات المحلية.

إذن كان للخطاب وللدعوة الإسلامية الدور الأكبر في اندياح الإسلام في العالم. فقد وصل الإسلام لكل أصقاع الدنيا. وقد شعرتُ بالفخر عندما ذهبت إلى عدة دول ووجدتُ للإسلام حضورا كبيرا ويُرفع الآذان وتُقام الصلوات في المساجد، وحضرت صلوات العيد في بعض هذه الدول غير العربية وتٌقدم الخطب باللغات المختلفة والصلاة والتلاوة باللغة العربية. شاهدتُ ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية وجنوب أفريقيا وماليزيا وكينيا وغيرها.

وفي كينيا القريبة بلغ عدد المسلمين نصف السكان في دولة علمانية (قدمتْ لي هذه المعلومة بروفيسر كينية مسيحية/كاثوليكية) لكن يحتاجون للتوعية، يحتاجون للدعاة ليتعلموا التطبيق السليم لتعاليم دينهم. هؤلاء يحتاجون للكثير من الوعظ والتوجيه لكي ينتشر الإسلام بالصورة الصحيحة طالما أنعمنا الله بنعمة انتشاره. إلى هؤلاء يجب توجيه الدعوة والجهود بالخطاب الإسلامي المعتدل وليس بالتصرف المتعسف.

أذكر ذات مرة استمعتُ لشريط (كاسيت) في مكان ما في السودان، يتحدث في الشريط أحد الوعاظ بصوت جهير وعال جدا وبقوة، فقلتُ لمن كان يجالسني "هذا الداعية طلّلعنا كلنا كفار" وأدخلنا النار"! وكل حديثه مسنود بآيات العقاب والوعد والوعيد، وكأن الإسلام ليس فيه باب للتوبة وليس فيه رحمة.!

تكمن مشكلة الخطاب الإسلامي في أن كثيرا من دعاتنا متشددين بينما ديننا هو دين الوسطية والاعتدال: ((وجادلهم بالتي هي أحسن))... و ((لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك..)).. و((وجعلناكم أمة وسطا...)). كما تكمن مشكلة الدعوة عندنا في تخلف أسلوب الدعوة وجمود الخطاب. هنالك نماذج جيدة غير أنها محدودة: فهناك عمرو خالد الذي استطاع أن يخاطب الشباب باسلوب العصر، فانجذب له الشباب ذاته الذي كان مهووسا بالقنوات الفضائية الغنائية. وهناك نموذج الشيخ محمد أحمد حسن والدكتور عصام أحمد البشير، نماذج ينبغي أن تنتشر وتسود خطابنا وأسلوب دعوتنا لأن معظم الدعاة عندنا ما زالوا أسيرين لخطاب الماضي ويعملون على (تحنيط) الدين..

السوداني: 19/3/2012

صفحة 8

(3) القبيـلـة ... وأمــراض وبيـــــلـة

قبل عدة سنوات ذهبتُ لتقديم محاضرة عن العولمة لطلبة في معسكر تدريب في شرق النيل. وقبل أن أدخل القاعة قام بعض الشباب بواجب الضيافة في مكتب ملحق بالقاعة. فوجدت نفسي في ذلك المكتب وجها لوجه مع رجل يرتدي جلباب وعمامة. وبعد تبادل السلام، وكالعادة، بدأت عملية التعارف، فقـدم نفسه لي بأنه عضو في المجلس الوطني. وسألني عن هويتي فقلتُ له أنا فلان وأعمل كذا..فقال لي: (إنت من وين؟). فذكرتُ له الولاية التي أنتمي إليها. فكرر السؤال مرة أخرى قاصدا من أي قبيلة. فذكرتُ له قبيلتي. لكني شعرتُ بإحباط شديد أن تكون طبقة المتعلمين أسيرة لهذه الانتماءات الضيقة في زمن العولمة. وهذا يعني ضيق الأفق عند النخب!

لقد شعرتُ بإحباط – أنا الإقليمي – الذي وُلِد في أمروابة وتربيتُ في مدينة الأبيض؛ ويحق لي أن أصف مجتمعها بالراقي والواعي جدا، لأننا لم نعرف مثل هذه العنصريات. صحيح في الأبيض – مع تعدد القبائل – توجد قبيلتان ريئسيتان – مثل الهلال والمريخ – هما البديرية والشويحات كانا في الماضي يتبادلان العمودية. لكن هذا الوضع القبلي لم يكن له أية إسقاطات سلبية على مستوى العلاقات الاجتماعية أو التعامل الرسمي.

وإليكم هذه القصة: لي صديق، الآن أستاذ جامعي في الزراعة بكردفان، امتدت علاقتنا منذ أكثر من ثلاثين عاما، منذ الصف السادس الابتدائي. وما زال التواصل قائم بيننا. قبل فترة قصيرة سألتني إحدى أخواتي عن قبيلة صديقي هذا. فقلتُ لها: والله لا أعلم. لكن أظنه من البزعة. اتصلتُ عليه ووجهت له السؤال ذاته. فاستغرب، فقلتُ له لأنني لا أكترث لهذه التصنيفات. وقد وافقني بشدة وقال لي أنني مثلك لم أعرف قبيلتك إلا بالصدفة. وعلى مختلف مراحل حياتي لي أصدقاء من قبائل مختلفة: فكان لي صديق شايقي (الآن أستاذ بجامعة البحر الأحمر)، وآخر رباطابي، الآن مغترب بالخليج، وثالث من الحوازمة، الآن بجدة، وهكذا..

في عام 2006 شاركتُ في مؤتمر بالجامعة الإسلامية العالمية بمدينة كوالالمبرو بماليزيا. ومنذ اليوم الأول تعرفتُ على دكتور سوداني يعمل في تدريس اللغة العربية بماليزيا. وهو من أبناء الشرق وعند التعارف قال لي أنه من مدينة كسلا. وحسب قوله أنه أوّل شخص يحصل على درجة الدكتوراة من أبناء الهدندوة. وظل معي طيلة أيام المؤتمر (يعني كان فردتي). وفي اليوم الثالث بينما كنا نقف في بهـو الفندق جاء شاب سوداني كثيف اللحية يحضِّر لدرجة الدكتوراة. فقال لي الدكتور أن اسمه فلان وهو من الولاية الشمالية. فقدمني له الدكتور بأنني من جامعة كذا ومدينة كذا.. فبادرني الشاب بسؤال مباشر: من ياتو قبيلة؟

قبل أن أرد عليه بادره الدكتور بصورة غاضبة جدا، أضحكتني، قائلا له:

(يا أخي أنا والدكتور دا طالعين نازلين لينا ثلاثة أيام ما في واحد فينا سأل الثاني السؤال السخيف دا. تجي إنت من أول لحظة ناطو في حلقو...). وأضاف قائلاً له: (دا الخرَب السودان وحيضيّع البلد..). حاول الشاب الدفاع عن نفسه وتبرير السؤال. لكن إزداد الدكتور في الانفعال: إنتو السبب في كل البلاوي دي...

نعم. التعصُّب للقبيلة أو العنصرية هي إحدى مصائب هذا البلد. والكارثة أن هذا التعصب موجود حتى وسط المتعلمين. لكن القبيلة في حد ذاتها ليست مشكلة أو التعبير عن الانتماء لها عيباً. فالقبيلة مؤسسة اجتماعية تقليدية لها دور إيجابي في المجتمع، فهي حاضنة للقيم وحامية للتراث وحافظة للتماسك الاجتماعي. لكن المشكلة عندما تتحول إلى نزعة أي "قبلية" (ترايباليزم) وتتدخل في السياسة أو يتم تسييسها، وتؤثر في السلوك السياسي للفرد وللجماعة وللقادة. وقد أصبح مطلوب من المواطن كتابة قبيلته في الأوراق الرسمية أو في استمارة التقديم لعمل. وحتى استمارة السجل المدني (الرقم الوطني) الآن به مساحة للقبيلة!! لمـاذا؟ هذا يعني أن القبيلة أخذت طابع رسمي واتجاه مؤسسي (institutionalized) على مستوى الدولة.

وعلى ذلك أستطيع أن أعتقد جازماً بأن السودان لن ينعم بالاستقرار طالما هذه هي الثقافة السياسية السائدة عندنا. وما زال الأفق عندنا مسدود بهذه العنصريات والعصبيات. وطالما العقلية الحاكمة والنخب المثقفة ما زالت تتعامل مع المواطن من منظور القبيلة؛ فتغيب المعايير الموضوعية وتنتفي العدالة ويزداد الغبن والشعور بالظلم والاقصاء والتهميش..

لقد تفجرت هذه الأزمات لأننا تعاملنا معها بمنهج خطأ. أستطيع أن أتحدى أيا من النخب الحاكمة أن يثبت لي أن الحركات التي قامت واسميناها تمرد هي خرجت من الأصل بدافع الحصول على السلطة وأنها حملت السلاح من الوهلة الأولى. كل الحركات بدأت حركات احتجاجية سلمية ونظمت نفسها بأسلوب مدني لتعبر عن تظلماتها. بعضها أقليات تولت نخبها التعبير عن مطالبها ومظالمها. فكان هناك مؤتمرالبجا وجبهة تنمية دارفور واتحاد جبال النوبة.. وغيرها. فهي لم ترفع السلاح منذ البداية. وقدمت مطالبها بصورة سلمية. وبدلاً من أن تستمع الحكومات لصوتها (منذ الاستقلال وحتى الآن) أخذت ترفض مجرد الجهر بالقول بأنها جماعة أو منطقة مظلومة بل أخذت تنعتها بأنها حركة عنصرية وخارجة عن القانون وأنها سوف (تحسمها). فيكون من الطبيعي أن تستقوى تلك الجماعة بقوى أخرى وعلى رأسها القوى الأجنبية. فتتعقـد المشكلة التي صنعناها بأنفسنا، وتتطور إلى أزمة ويتم تدويلها ونتهم الغرب واسرائيل بأنه هو الذي (صنع) المشكلة! وهكذا كانت مشكلة الجنوب حتى انفصل، وأزمة دارفور حتى استعصت وأدخلتنا في نفـق لم نستطع الخروج منه حتى الآن. هذا كله لأن النخب الحاكمة في المركز تنظر لأية مطالب ليست على اعتبارها تظلم حقيقي وانما مؤامرة وتهديد لسلطتها ووجودها.

سيادة هذه الذهنية الإثنية هي مصدر كل الأزمات في بلادنا: فكانت مسألة الجنوب ومشكلة الشرق ومشكلة جبال النوبة والنيل الأزرق، وأزمة دارفور. بل كانت السبب في ظهور حركات أخرى حتى في كردفان مثل شهامة (2004) وشمم (2006) وتحالف كردفان للتنمية (كاد).

إن (جزءً كبيراً) من مهددات الأمن القومي والاستقرار السياسي والوحدة الوطنية في السودان ليست الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل بل مصادر التهديد والخطر هي مثل هذه العلل المتأصلة في عقولنا والمسيطرة على ثقافتنا والمتحكمة في مواقفنا والموجِّهـة لسلوكنا السياسي/الاجتماعي هي التي سوف تعصف بما تبقى من السودان إذا لم نعالجها ونجتثّـها من الجذور – من عقلنا الجمعي وعلاقاتنا الاجتماعية وتعاملنا الرسمي وسلوكنا السياسي.

ليتنا نبدأ الإصلاح بالتوعية ومحاربة هذا الداء العضال على كل المستويات.

السوداني 17/10/2011

صفحة 9

(4) ثـورة التعليم الكمي والتدهور النوعي

كتبت إحدى طالبات تمهيدي ماجستير في كراسة الامتحان جملة تقول: "يسعى الغرب إلى طمث الهوية الإسلامية"! طبعاً تقصد (طمس). هذا هو جيل اليوم من الطلبة، جيل السُّـلَّم التعليمي الجديد وجيل المنهج الجديد وصل إلى مرحلة الجامعة.

وكانت النتيجة هي أنه جيل لا يميز بين القاف والغين، وبين السين والثاء، وبين الذال والزين (ذ# ز). ولا يعرف أين يضع الهمزات ومتى لا يضعها، ولا يميز بين الهاء المربوطة والتاء المربوطة، ويخلط بين الياء المعرّجة (ي) والألف المقصورة (ى)، فيكتب أو يطبع على الحاسوب (الي) بدلاً عن (إلى)، و (علي) بدلاً عن (على).. وهكذا. وكثيراً ما أجد في الكراس عبارة (هذا ملقي يا أستاز)! لاحظوا الخطأ في الكلمتين. أما عن النحو فحدِّث ولا حرج..

جاءت "ثورة التعليم العالي" بالتأصيل مما يعني التركيز على الدين الإسلامي أو "الأسلمة" – وهذا لا اعتراض عليه – وتعريب المناهج في الجامعات، فكانت النتيجة أننا فقدنا اللغتين، العربية والإنكليزية، حيث تدهورت اللغة العربية وتدمرت الإنجليزية بينما هي لغة العصر والعلم والعولمة والتكنولوجيا!! الغريب في الأمر أن دول الخليج كانت تستعين بالسودانيين في الترجمة وفي التدريس. الآن مستوى اللغة الإنجليزية عندهم تطور جداً لأنهم أدركوا أهمية اللغة الإنجليزية ولم يتعاملوا مع الأمر بحساسية، بل تعاملوا بواقعية.

أما نحن فقد تعاملنا مع الإنجليزية وكأنها ضد التأصيل أو تعوق الأسلمة. على العكس إذا أردت أن تنشر رسالتك وتنشر الدعوة في العالم اليوم تجد أن اللغة الإنجليزية هي الأداة الفاعلة لذلك. وأن خطابك لا يصل للرأي العام العالمي بصورة مؤثرة إلا من خلال إنجليزية جيدة حتى لا يُساء فهمك ويساء تفسير رسالتك أو يتم الخلط في المفاهيم والمصطلحات (مثل أصولية وتأصيل، وجهاد وإرهاب...).

في مؤتمر في دولة غربية كبيرة حضر سفيرنا وشارك في النقاش وقدم مداخلات بإنجليزية ضعيفة، وانتهى بنا الأمر الآن أن استأجرت الحكومة (أو على وشك أن تستأجر) خبيراً أمريكيا للدفاع عن موقف السودان في عملية رفع العقوبات عنه وذلك بمبلغ (20) ألف دولار في الشهر! طبعا هذا المستشار سوف يكون ذكيا – ومن خلال عمليات تسويف ومماطلة - يعمل على استمرار العقوبات حتى لا تنضب هذه (القطّارة الشهرية)! هذا فشل في الدبلوماسية وفشل في الخطاب وفي اللغة..

لا أزعم أن ثورة التعليم فشلت بصورة مطلقة لكنها كانت ثورة في اتجاه الكم فقط، فأثّـرت سلبا على النوع. كما أن (تسييس) التعليم أضر بمستواه حتى الدراسات العليا، وقد كتب كاتب عن "بروفيسرات الإنقاذ" (وفي ذلك لي مقال آخر إن شاء الله).

نعم، إنها إنجاز مقدر وطفرة كبيرة أن يتصاعد عدد المدارس ويتضاعف عدد الجامعات إلى عشرة أضعاف. لكن تأثر مستوى التعليم الجامعي وكأنها ثورة (تدمير نوعي) حيث كان التركيز على الكم، كما أثر في المستوى إلغاء نظام الإعاشة للطلبة وتشتيت الداخليات، وعدم توافر المراجع باللغة العربية وانتشار نظام (المذكرات) الذي جعل الطالب لا يستعين بالمراجع فأصبح (سطحياً).

وتأثر التعليم العام بنظام السلم الجديد (إلغاء عام) وتحويل الابتدائية إلى ثمان سنوات بدمج الثانوية العامة مع الابتدائي في ما يُعرف بـ (الأساس). وتأثر بضعف المنهج الجديد وعدم توافر المعلم المؤهل/المدرب، وتدهورت البيئة المدرسية وأصبح التعليم الجيد هو للقادرين فقط.

أستطيع أن أدعي بأنني خبير في التعليم، فقد عملتُ بعد تخرجي معلماً للّغة الإنجليزية في المرحلة الثانوية لمدة عامين ثم صحافيا ثم أستاذا جامعيا. وفي خلال تدريسي (عام 1984) قدمتُ تقريراً لوزارة التربية والتعليم فيه قييم (ناقد) لمقرر اللغة الإنجليزية آنذاك (النايل كورس) وقد تم تغييره لاحقا بإدخال (اسباين). وقد أشاد كبير الموجهين التربويين بالتقرير (كان بريطاني الجنسية) كما شاركتُ في تصحيح الشهادة السودانية (مجموعة الإنشاء composition). وبين هذا وذاك ظللتُ أتابع الدروس مع أبنائي من الروضة حتى الثانوي.

فتوصلتُ إلى ملاحظة ضعف المقرر وسوء المنهج وضعف المعلم وتدهور المستوى، وأن ثورة التعليم (الكمي) تحتاج إلى تصحيح المسار، إلى ثورة كيفية أو نوعية. وقد سمعتُ أن هناك مؤتمرا للتعليم سوف يُعقـد في هذا الشهر، مع ملاحظة أن بعض الولايات نظمت مؤتمراتها قبل أيام. أتمنى أن يكون ضمن ما يقوم به هذا المؤتمر هو: أولاً، إعادة السنة المفقودة؛ ثانياً: تخفيض هذا الكم الهائل من المواد الجديدة التي في أغلبها (حشو وبمسميات غريبة) يشكل ضغطا على التلميذ ويفقده التركيز؛ ثالثاً: إعادة النظر في نظام الثمان سنوات للأساس وقد كتب الكثيرون عن سلبيات هذا النظام؛ رابعاً: إعادة النظر في المنهج نفسه وفي معايير اختيار المعلم وتدريبه؛ خامساً: أن يطالب المؤتمر بزيادة الميزانية المخصصة للتعليم حتى تعود البيئة المدرسية لسابق عهدها من معامل ومكتبات ومناشط وتوافر معينات العملية التدريسية.

وعلى مستوى الجامعة نأمل في عدم تسييس الوظائف المهمة بأن يتم اختيار رئيس القسم وعميد الكلية عن طريق الانتخاب (أظن جامعة النيلين طبقت هذا التقليد). وطبعاً سوف أكون خيالياً لو طالبتُ بانتخاب مدير الجامعة الذي يتم تعيينه بقرار جمهوري ويتم ذلك بناء على توصية لا تخلو تسييس طبعا.

استناداً إلى مستوى جامعة الخرطوم (في الماضي) أقترح لإعادة مكانتها أن يتم إستثائها من مسألة التعريب وتقليص عدد الطلبة المقبولين وإرجاع داخلياتها لها بحيث تتحول إلى جامعة قومية وجامعة (أم) ونموذج وتكون مرجعية لكل الجامعات في البحث العلمي والتدريب وتأهيل الأساتذة والاستشارات... أي أن يكون فيها التركيز على الكيف أو النوعية – وليس الكم. وأن يكون التوسع فيها رأسياً (الدراسات العليا) وأن يخضع طلبة السنة الأولى لكورس في اللغة الإنجليزية بعد أن تدهورت هذه اللغة في المستويات الدنيا. هذا سوف يمكنها من أن تعود لمكانتها ويعود ارتباطها بالجامعات العالمية وتبادل الأساتذة والاستفادة من التطورات المختلفة في كل ضروب العلم والمعرفة وتعريبه لبقية الجامعات.

لقد آن الأوان أن تقوم الحكومة بإعادة النظر في مستوى التعليم بإعادة تقييم النظام التعليمي على مستوى التعليم العام والجامعي. أقترح تشكيل لجنة علمية لعمل دراسة تقترح الحلول المناسبة لإنقاذ التعليم.

أما مستوى التعليم فوق الجامعي، حتى الدكتوراة، ومستوى البحث العلمي فلي فيه وقفة في المقال القادم إن شاء الله.

السوداني: 12/12/2011

صفحة 10

(5) دكتــوراة للبيـــــــــــــــــع

على هامش اجتماع ما بمجلس الوزراء جمعتني جلسة قهوة مع الوزير السابق والخبير الإعلامي المعروف البروفيسر علي محمد شُـمّـو والذي في معرض إشادته بمقالاتي التي نشرتها مجلات فصلية علمية مُحكَّمة (دوريات) خارج السودان أضاف معلقاً في حسرة على تدهور مستوى الكتابات العلمية وبحوث الدراسات العليا في السودان. فقلتُ له أن هذا الأمر ظل يؤرقني منذ فترة، وهذه ملاحظة في محلها.

لم أجد عنواناً أفضل من المكتوب أعلاه للتعبير عن حالة التدني الذي نعانيه في مستوى البحث الأكاديمي والدرجات العلمية حيث صار ينتابني احساس بأن الظروف المالية الضاغطة على الجامعات دفعتها لتقديم تنازلات، أو مرونة، في قبول الطلبات الخاصة بالتحضير لدرجة الدكتوراة خاصة في مجال العلوم النظرية المعروفة بالعلوم الاجتماعية (السلوكية أو الإنسانية).

صحيح أن هنالك بعض المعايير مطبّقة مثل الرجوع إلى شهادة البكالوريوس والتقدير الذي حصل/ت عليه الطالب (الطالبة) ونوع الجامعة (هل معترف بها...). لكن هذا لا يكفي خاصة للدكتوراة حيث هناك مرونة أكثر مما يجب في كثير من الجامعات – أستثني من ذلك جامعة الخرطوم التي ما زالت متمسكة بالتقاليد العلمية السليمة.

وهنا أطرح سؤالاً مهماً: هل كل مَـن تقـدّم إلى درجة الدكتوراة يستحق ذلك أو ترقى خطته وموضوع بحثه إلى أطروحة الدكتوراة؟؟

لقد لاحظتُ أنه (في معظم الجامعات) يندر جداً أن يتم رفض خطة دكتوراة نتيجة تقييم علمي لها أو رفض موضوع البحث؛ ويبدو أن الشرط الأساسي هو أن لا يكون هذا الموضوع مسجلاً في جامعة أخرى ويتم الاستوثاق من ذلك عن طريق ما يُعرف بــ (البراءة) – وهي استمارة يذهب بها الطالب لكل مسجلي الدراسات العليا في الجامعات التي بها تخصص (أو قسم) شبيه بالمجال ليؤكد على ذلك بالختم والتوقيع.

أعتقد أن الهدف من رسالة الماجستير (master thesis) أن يتحكّم الطالب في دراسة الظاهرة (أو المشكلة) بالتطبيق السليم لمنهج البحث العلمي. أما بحث الدكتوراة فأعتقد أنه يُسمَّى "أطروحة" (dissertation) لأنها تنطوي على ما (يطرحه) الطالب/الباحث من أفكار أو (رؤية) جديدة في المجال أو الموضوع. لذلك نجد أن كثيراً من الجامعات الملتزمة بالمعايير العلمية تشترط أن يقدم طالب الدراسات العليا سمنار (حلقة دراسية) يقدم فيه خطته وتتم مناقشته قبل إجازة الخطة في القسم المعني وفي مجلس أبحاث الكلية. وهذا جزء من التقييم حيث يساعد السمنار الطالب بالحصول على إضاءات أو أفكار جديدة لخطته لتصبح خطة قوية متماسكة (solid) كما يساعد الحضور من الأساتذة على تقييم إن كان فعلاً يستحق التسجيل لدرجة الدكتوراة.

إن التنازلات (أو المرونة) التي تقدمها جامعاتنا للقبول لدرجة الدكتوراة بسبب الضائقة المالية كان نتيجتها أن أصبح عندنا كثيراً من حَمَلَة لقب (الدكتور) ومستواه الحقيقي دون ذلك، ليس بمعيار الفهم العام أو الثقافة العامة بل بمعيار مجال تخصصه. وإليكم بعض الأمثلة:

- كتب دكتور ورقة قدمها في مؤتمر عُقِـد في قاعة الصداقة قبل بضعة أعوام فقدم في ورقته حوالي (14) أربعة عشرة فرضية!! في حين أن الدكتوراة بحالها لا تحتمل نصف هذا العدد من الفرضيات! ويبدو أنه لا يعرف معنى (فرضية)! والمصيبة أنه يعمل في التدريس ويشرف على بحوث دراسات عليا!!

- كتب دكتور آخر ورقة في مؤتمر عن قضية سياسية في السودان فهاجمه أحد الكُتَّاب بمقال في صحيفة يومية (أفحمه) فيه وتساءل كيف أن هذا يحمل درجة دكتوراة وأستاذ جامعي في المجال ذاته – مجال موضوع الورقة؟!

- وهناك بروفيسر اتضح لي من خلال نقاش في مناسبتين أنه يخلط بين المفاهيم (في مجاله) ولا يميز بينها؛ بمعنى أنه يعاني من مشكلة مفهومية (أو مفاهيمية) في حين أن درجة الأستاذية (برفيسر) تعني أنه عالِم في مجال تخصصه بل هو الذي يقوم بعملية التقييم (التحكيم) لبحوث حَمَلَة الدكتوراة لترقيتهم: من درجة الأستاذ المساعد(assistant professor) إلى الأستاذ المشارك (associate professor) ومن درجة الأستاذ المشارك إلى الأستاذ (professor)، فكيف يستقيم الظل والعود أعوج؟!

إذن مستقبل العِلم والبحث العلمي في السودان في خطر طالما وصل التدهور إلى مستوى (المرجعيات) الأكاديمية. يحتاج الأمر إلى ثورة تصحيحية تبدأ من التعليم الأساسي كما أشرتُ في مقالي السابق (12/12/2011).

الغريب في الأمر أن هناك لائحة تحكم الترقيات فتم رفضها من كثير من الجامعات باعتبار أنها متشددة، وذلك لأنها تشترط – ضمن شروط الترقية – أن يكون للأستاذ المتقدم للترقية بحوثا منشورة في دورية علمية دولية، وأن يكون أحد المحكمين من خارج السودان. فتم تعديلها لتعود (المرونة) مرة أخرى، ويعود المستوى كما هو!

وحتى عند مناقشة رسالة ماجستير أو دكتوراة تجد أن (طيبتنا السودانية) تفرض نفسها. حيث تحدث (مجاملات) للزميل المشرف على البحث وبالتالي تؤثر (هذه العاطفة) على (التقييم الحقيقي) للبحث حتى لا يقع (الحرج)! أما الذين لا يجاملون فقد أصبحوا غير مرغوبا فيهم ونادرا ما يتم دعوتهم كمناقش داخلي أو ممتحن خارجي.

الملاحظة الأخرى هي أن الماجستير عندنا في السودان مدته عامان ويمكن للطالب أن يناقش في عام واحد كحد أدنى. والدكتوراة ثلاث سنوات ويمكن أن تتم مناقشة الطالب في عامين فقط! لم أجد مثل هذه المرونة في كل الدول التي زرتها وزرتُ جامعاتها من خلال المؤتمرات. فحتى في الدول الأفريقية مثل كينيا ونيجيريا وجنوب أفريقيا اندهشوا عندما أخبرتهم عن معاييرنا في السودان. ففي الولايات المتحدة – مثلاً – قالوا لي أن مدة الدكتوراة (6) ست سنوات: عامان عبارة عن دراسة (كورسات) يدرس فيها الطالب النظريات والمفاهيم ومنهجية البحث العلمي وغيرها، ثم (4) أربع سنوات عبارة عن بحث – بحث يأتي فيه الطالب بالجديد في المجال. لذلك نجد أن هناك شباب من الباحثين من أوروبا وأمريكا يجوبون أدغال وأرياف أفريقيا (وليس العواصم) للبحث العلمي الميداني ودراسة الحالة والدراسات الامبيريقية والمقارنة... بحيث يكون لبحث الدكتوراة قيمة علمية وفيه إضافة جديدة للمعرفة البشرية.

أما نحنُ في السودان فنجلس في المكتبات (وننقل) ونحصل على درجة الدكتوراة في عامين!! إن الأمر يحتاج إلى وقفة ودراسة ثم معالجة حاسمة، ووزارة التعليم العالي و(البحث العلمي) تعرف كيف تكون المعالجة ولا تحتاج مني لتفصيل. وكفانا ملطشة وفضائح فقد أعلنت دول الخليج عدم اعترافها بالدكتوراة الصادرة من الجامعات السودانية باستثناء جامعة الخرطوم.

السوداني 19/12/2011