صفحة 1
إلى ....
والدي ووالدتي الغاليين
أستاذتي الكبيرة: عجايب سلامة
مربيتي الفاضلة: سخاء المجالي
الداعية العاملة: سميرة حيمور
صديقتي الحميمة: ديمة حامد
أخي الحنون: طه عبدالله
وأختي صاحبة الذوق الرفيع: هدى عبدالله
وإلى كل صاحب فضل علي لا يسع المقام هنا لذكره
أهدي هذا العمل
وأسأله تعالى أن يجعله عملا مبرورا
وخالصا لوجهه الكريم
شكر وتقدير
د. سليمان الدقور ..... لتوجيهاته القرآنية
د. مأمون جرار........لتحفيزه وتبنيه الفكرة
الأخت ريموند الغمري.....لتدقيقها للمادة لغويا
صفحة 2
المقدمة
الحمد لله ولي كل نعمة والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه الأخيار الطيبين وبعد،،،
في الوقت الذي يعيش أبناء هذه الأمة في أصعب أيام دهرهم ما بين سلب للخيرات واحتلال البلدان إلى التخلف التكنولوجي وإلى تسول الحضارات الأخرى للطعام واللباس الذي هو كان يوما مواد خام استوردها الأجنبي ليعيدها لنا فيما بعد بأعلى الأسعار، وبالإضافة إلى ألوان الضياع الذي يعيشه الإنسان العربي بين التغريب والعولمة، إلى التطاول على أشرف رموز هذه الأمة نبي الرحمة للعالمين، ولبس الإسلام بتهم الإرهاب ونعت أهله بالتخلف والسير في ذيل الحضارات، ومن الإجحاف أن ينسب كل هذا لمصدر المعتقد والتدين.
وإن أخطأ الغرب في التشخيص بقصد أو بدون قصد فهذا لا يعفينا نحن المسلمين من مسؤلية هذا التدهور في أوضاع أمتنا، ولأن الإنسان هو الأساس في بناء الحضارات أو حتى هدمها، أتت فكرة الكتاب في بناء مشروع الحضارة الشخصي للأفراد، فالأمة ما هي إلا مجموعة من الأفراد ولن تكون أمة قوية مكونة من مجموعة من الأفراد الضعفاء.
يقول عبد الكريم بكار في كتاب من أجل إنطلاقة حضارية شاملة: "إن تحضير الإنسان شرط أساسي، وسابق على إشادة العمران.ومالم ننجح في ذلك، فإن جهودنا في إعمار الأرض ستكون ضعيفة الثمار محدودة النجاح، بل أن كل انجازات الإنسان على الصعد المادية والعمرانية على مدار التاريخ كان يتم تدميرها بسبب حماقات الإنسان ورعونته وانحرافه على الصراط المستقيم" ص5.
الإنسان محور الكون، خليفة الله في أرضه، استعمره فيها ليعمرها وينهض فيها، ولأن الله بنا رحيم لم يترك الإنسان حائرا بين تجربة الصح والخطأ، بل وضع له منهاجا ومقومات وسننا إن أخذ بها وصل للنتائج المرجوة فيسعد بها ويسعد من حوله، ويحقق بذلك هدف وجوده في الدنيا عمارة الأرض وخلافتها. والقرآن مصدر التشريع والتوجيه، مصدر الإلهام والتقويم، وضع لك المسار بوصلة تهديك سبل السلام، ووضع لك تجارب الزمان للإستفادة من تجارب الآخرين، ووضع لك الأوامر والنواهي كوسائل تعينك على الطريق، ووضع مقياس التقويم لتقيم أداءك وتصحح المسير.
صفحة 3
أخبرنا تعالى أنك خليفة وارشدك إلى مشروع خلافتة في الأرض أمدك بالوسائل وذلل لك سبيل عمارة الأرض.
والقرآن الكريم قدم لنا القواعد والسنن التي لا تحابي أحدا، وبناء الحضارة عبارة عن سلسلة من القواعد والسنن إن اخذنا بها سرنا في ركب الحضارة، وإن تخلفنا فبسبب ضعفنا وتقاعسنا، قال تعالى: (ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ) [الفتح: 23].
أتت هذه الدراسة لتقدم مقدمات ومعالم بناء المشروع الشخصي الذي يسهم في بناء الحضارة الإنسانية.
فهي تقدم أفكاراً وقيماً أزعم أنها تصلح أن تطبق فتؤتي بثمار تسهم في انتاج رجل الحضارة، يسهم في تحقيق الذات وقيام الفرد بدوره الحضاري تاركا خلفه بصمات ولبنات يصلح للأجيال رفع عمدانها وتشييد بنيانها، ويسعد الفرد ويأمن وطنه لما يملكه من مقدرات بشرية قادرة على احداث نهضة الأوطان، هي تأملات في الآيات والنظر في طرق توظيفها لنهضة الأوطان وبناء مشروعه الحضاري، ومن ثم استباط القيم التي تسيج الأعمال والتنظيم والإشراف، لأننا نؤمن ان بناء الحضارة يتطلب اعداد الروح وتهيئة الجسد، وبعد تلك التأملات يليها ملخصا لقطوف إدارية وتوجيهات تنظيمية تصلح لتحسين طرق إدارة النفس والآخرين والمنظمات.
واقتصرت الدراسة على تتبع سورة البقرة لما تتسم به من الدور فاعل في بناء المجتمع المدني في المدينة المنورة، وتقديم المنهج العملي لبناء المجتمعات و قدمت النموذج لبناء الحضارات ونشوء الحضارة، ووجهت الإنسان لغاية خلقه فهو خليفة الله في أرضة ومسئول عن رعايتها.
روى أبو هريرة عن النبي أنه قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فان البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان" وسورة البقرة هي من الزهراوين كما- وروى أبو أمامة عن النبي أنه قال اقرؤوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف. "اقرؤوا البقرة فان أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة " وورد في (الصحيح) أن النبي () قال: (من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة كَفتاه).
صفحة 4
يقول ابن عاشور في تفسير التحرير والتنوير: وإذ قد كان نزول هذه السورة في أول عهدٍ بإقامة الجامعة الإسلامية واستقلال أهل الإسلام بمدينتهم كان من أول أغراض هذه السورة تصفية الجامعة الإسلامية من أن تختلط بعناصر مفسدة لما أقام الله لها من الصلاح سعياً لتكوين المدينة الفاضلة النقية من شوائب الدجل والدخل.
هذه السورة مترامية أطرافها، وأساليبها ذات أفنان، قد جمعت من وشائج أغراض السور ما كان مصداقاً لتلقيبها فُسطاط القرآن، فلا تستطيع إحصاء محتوياتها بحسبان، وعلى الناظر أن يترقب تفاصيلَ منها فيما يأتي لنا من تفسيرها، ومعظم أغراضها ينقسم إلى قسمين: قسم يُثبت سموَّ هذا الدين على ما سبقه وعلو هديه وأصولَ تطهيره النفوسَ، وقسمٌ يبين شرائع هذا الدِّين لأتباعه وإصلاح مجتمعهم. وكان أسلوبها أحسنَ ما يأتي عليه أسلوب جامع لمحاسن الأساليب الخطابية، وأساليب الكتب التشريعية ، وأساليب التذكير والموعظة، يتجدد بمثله نشاط السامعين بتفنن الأفانين" ص 202.
ويتكون الكتاب من ستة فصول التالية:
الفصل الأول: بناء الأهداف والارتباط بالأفكار ويتمثل بالخطوة الأولى: اربطه بفكرة عظمى وهدف نبيل.
الفصل الثاني: موارد رجل الحضارة ومصادر قوته ويتمثل بالخطوة الثانية: حرر إرادته وعرفه مصادر قوته.
الفصل الثالث: بناء القيم ويتمثل بالخطوة الثالثة: سيجه بالقيم والمثل.
الفصل الرابع: العمل واستثمار الطاقات ويتمثل بالخطوة الرابعة: استثر طاقته.
الفصل الخامس: قيادة الأفراد وتقويمهم ويتمثل بالخطوة الخامسة: وجهه وقومه باستمرار.
الفصل السادس: إدارة التحديات ويتمثل بالخطوة السادسة: تحديات وتحذيرات.
ويتناول الفصل الأول: وضع الأهداف والرؤية التي يتمحور حولها المشروع الحضاري، والرؤية هي خارطة الطريق يسير في هداها سالك الطريق: توجهه وتحفزه وتقيمه وتقومه، وبارتباطا الإنسان بالفكرة العظمى يجد مبررة لوجوده يعمل في مقتضاها، تملأ حياته غنى ونشاطا وحيوية، وهي تتطلب بذل الجهد والمثابرة، وهو جهد محمود وتضحية يتلذذ في سبيلها الفرد، ولأنه يؤمن أن وراء تلك التضحية نعيم دائم.
صفحة 5
يبين الكتاب أهمية وضع الأهداف وارتباطها بالفكرة العظمى مع وضع الخطط المستقبلية، وعمل اليوم بعين الغد مما يسهم في تنظيم حياته وضبط سلوكه.
هذه الفكرة العظيمة تمنحه الحصانة النفسية تحرسه وتكفيه وتدفع عنه وتحميه، وتحقق تلك الفكرة من التغيير الذي يبدأ من الداخل، والتغيير يبدأ في تغيير المعتقدات والأفكار التي تترجم إلى تغيير السلوك والعادات، والتغيير يتطلب منهاجا كاملا شاملا صالحا لجميع الأماكن والأزمنة مع مراعاه اختلاف الأعراق والجنسيات، مع ضرورة الأخذ بتلك التعليمات لتتمكن من الاستفادة من مفردات ذاك المنهاج واحداث التغيير المنشود.
ويتناول الفصل الثاني: تعريف الفرد بقيمته ومكانته والقيم التي يتوجب عليه التزامها للالتحاق بركب الحضارة وتزويده بأدوات ومصادر القوة التي تعينه على هذا المشروع ومنها: القرب من الله وتفويض الأمر إليه، والتأمل، والتسلح بسلاح العلم والمعرفة، مع الحذر من أن مصادر تلك القوة قد تزول إن زاغ الفرد عن منهج ومعالم هذا الطريق.
أما الفصل الثالث يتناول: قيما وسمات رجل الحضارة نتعرف عليها للتخلق بها، والطبع مع التطبع، والقيم تحيي بالسلوك العملي، وقيم صاحب المشروع الحضاري تتمثل بالعطاء: والذي يضفى السعادة على حياة المعطى ويشعل في النفس حيويتها، وإيصال النفع للآخرين مع تنوع العطاء، والمرونة في التعامل مع الأحداث والأفراد، والحكمة في معالجة الأمور واختيار خير الخيرين وتجنب شر الشرين، مع جمال المنطق والتميز بالالفاظ ورشاقة الكلمة وعذوبة المعنى ورصانة المحتوى.
الفصل الرابع يتناول: دعامة أساسية لبناء الحضارة والتي تتمثل في العمل وأهميته وابتداء من مقدماته مرورا في أدائه وختاما في تقييمه، مع ضرورة خلق الإرادات وتوجيه الأفراد لمواصلة العمل سرا وجهرا، فلن يكلف فرد فوق طاقته، وتكاتف الجهود وتكامل الأدوار مع بقاء المسؤولية فردية لكل أفراد المشروع، والفرد الذي يعمل ونفسه تواقة للأجر والثواب مع أنه قد تأتي النتائج غرار الجهد المبذول غير أن مواساة الفرد في أنه محاسب على ثمرة الجهد لا ثمرة العمل، وعليه فلنحرص على استجلاب بركة الأعمال وطلب القبول لها.
صفحة 6
الفصل الخامس يتناول: قيادة مشروع الحضارة ومؤشرات القيادة وسمات القائد، فهي لا تورث بالانساب إنما بالافعال، وهو نموذج القدوة وفعله ابلغ من قوله، وهو حساس لماح يقظ ومدرك لما يدور من حوله، والأخذ بمعايير اختيار الأفراد واختبارات الانقاء، مع العدل وعدم المحاباة وطرق التعامل مع أخطائهم وهفواتهم وطرق تعديل السلوك من نفعية وانتهازية، وأخيرا تفعيل نظام العقوبة لحماية الأفراد والمصالح، وهو نظام ينظم معاش الأفراد مع بعضهم البعض، والعقوبة صمام الأمان.
الفصل السادس يتناول: تحذيرات من مزالق في الطريق وطرق مواجهة تلك التحديات والمخاطر التي قد تعتري المشروع، فقد تواجه بتعدد الأقطاب والمناكفين والمنافسين والمثبطين، والمتكبرين والحاسدين والساخرين، وأزمة الهوى والاستدراج.
وفي الختام: أنوه انني لا أقدم تفسيرا للقرآن وأنا لمثلي يتبوء تلك المقاعد، فالتفسير علم وله علماؤه ومتخصصيه، ولا أقدم تأويلا للآيات ولا أحاول لي عنق الآيات لاثبات قاعدة إدارية، ولكن هذا جهد مقل إلهام لمعان وأفكار يحسن الاستفادة منها لتدبير شؤون العباد، فإعجاز القرآن لا تنتهي عجائبه فمع الاعجاز اللغوي والإعجاز العلمي ويسهم الاعجاز في النفس البشرية في فهم أسرار القرآن الكريم، وقد يكون هذا الانتاج دعوة للمهتمين في شؤون الإعجاز القرآني لبذل مزيد من الجهد والبحث لاستنباط نفائس القرآن الكريم في تنظيم شؤون الأفراد وطرق استثماره وتوجيهه.
وبعد لأن من الصفات الملازمة للإنسان الضعف هي دعوة لمن وجد خطأ أو تقصيرا أن يهدينا عيوبنا
فإن أحسنت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان,
كفاية عبد الله
صفحة 7
مدخل
وفي الآونة الأخيرة كثر الحديث عن مشاريع النهضة، والاسهام الحضاري كسبيل لنخليص الشعوب من حالة الوهن وطمعا في اعادة الدور الريادي للبلاد المسلمة.
وبداية لابد لنا من تعريفات ومقدمات:
يقول د. معد ثابت المدلجي في كتابه المرجع الكامل في إدارة المشاريع:
"المشروع (project ) هو مجموعة مؤقتة (محددة) من المهام المرتبطة ببعضها لإيجاد منتج أو خدمة أو نتيجة مميزة أي لكل مشروع الخواص التالية: المشروع محدد الوقت (له بداية ونهاية محددة)، المشروع مميز (لم يتطرق له من قبل)، يتضمن المشروع أنشطة مرتبطة ببعضها، المشروع له هدف (قد يكون منتجا أو خدمة أو نتيجة محددة) " ص 16.
ويتكون أهداف المشروع في مثلث: الأداء، الوقت، التكلفة، بحيث نتمكن من أداء المطلوب في الموقت المطلوب ضمن الميزانية الموضوعة له، وللمشروع خصائص منها: الهدف، الأداء، معرفة طريقة الحل والمعالجة، الموازنة، تضارب المصالح وصراع مع بعض الأطراف، دورة حياة للمشروع،التفاعل مع اطراف أخرى (project management-meredith ).
وقبل الشروع بأي مشروع لا بد من تحديد المجال والأهداف واختيار القائد والأفراد وتحديد طبيعة الهيكل والنظام.
واعداد خطة المشروع تتطلب خطوات: تحديد هيكل النظام، ورسم شبكة العلاقات، مع جدولة لأعمال المشروع وتحليل الوقت والتكلفة واخيرا تقدير المخاطر والتحديات (operations management-krajewski).
أما الحضارة تعرف كما ذكر د. حسين مؤنس في كتاب الحضارة: "هي ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته سواء كانت الثمرة مادية أو معنوية" ص 13.
ويرى بكار التخطيط الحضاري هو "التصور المنتظم لمجموعة العمليات المتناسقة والهادفة إلى تحقيق إنسانية الإنسان وسعادته وفق الامكانات والموارد المتاحة" من أجل إنطلاقة حضارية شاملة ص 62.
صفحة 8
وتحدث د. راغب السر جاني في كتاب ماذا قدم المسلمون للعالم، عن إسهامات المسلمين في الحضارة الإنسانية عن خصائص الإسلامية وذكر منها: العالمية والوحدانية والتوازن والوسطية والصبغة الأخلاقية، كما تحدث السرجاني عن مصادر الأخلاق في الحضارة الإسلامية ومنها: الوحي والشعور برقابة الله، وتحدث السر جاني عن طابع الأخلاق الإسلامية الديمومة، افتراضا أن منهج القرآن الكريم يسهم في بناء الحضارة باختلاف معتقدات الأفراد إذا طبقت الأحكام والقواعد التي قعدها القرآن الكريم، وتحدث السرجاني عن الحقوق التي أسهمت الحضارة الإسلامية في تكفلها ومظاهر الجمال الإنساني الأخلاقي والسلوكي (2009).
والحضارة الإسلامية قائمة على الفرد وتغيير ما النفوس من الداخل، فأما الفرد قد نوه إليه د. عبد الكريم بكار في فهم جديد للواقع: "ومصدر القوة الأساسي لدى تلك الشعوب- يعني الدول المستفيدة من العولمة- لا يكمن في دهاء حكوماتها، ولا في ضخامة ثرواتها، وإنما في نوعية أفرادها، حيث إنك تجد الإنسان هناك أكثر فعالية وأحسن أداء وتنظيما، ويملك من روح المثابرة والدأب ما لا يملكه غيره... إننا لا نستطيع بناء أمة قوية من أشخاص ضعفاء، وإن الذين يحلمون بأمة قوية دون أن يروا مستوى الفرد فيها يتحسن ويترقى سيظلون يحلمون في ظل أوضاع تزداد سوءا" ص11.
وأما تغيير ما في النفس فقد تحدث مالك عن التغيير واشترط أن يبدأ من الداخل فقال: فلكي يتحقق التغير في محيطنا يجب أن يتحقق أولاً في أنفسنا وإلا فإن العربي لن يستطيع إنقاذ نفسه ولا إنقاذ الآخرين، ثم إذا كان منهج الرسالة يقتضي التغيير، والتغيير يقتضي تغيير ما في النفوس أولاً … لقوله تعالى (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ) [سورة الرعد: الآية 11]
ويقول مالك بن نبي في كتاب شروط النهضة: إن مشكلة النهضة تتحلل إلى ثلاث مشكلات أولية: مشكلة الإنسان، ومشكلة التراب، ومشكلة الوقت، فلكي نقيم بناء نهضة لا يكون ذلك بأن نكدس المنتجات، وإنما بأن نحل هذه المشكلات الثلاث من أساسها. إن المشروع الإصلاحي يبدأ بتغيير الإنسان، ثم بتعليمه الانخراط في الجماعة ثم بالتنظيم فالنقد البناء.
وتبدأ عملية التطور من الإنسان لأنه المخلوق الوحيد القادر على قيادة حركة البناء، وتحقيق قفزات نوعية، تمهيداً لظهور الحضارة. أما المادة فمهما يكن من أمرها تكديساً وزيادة، فإنها تبقى تجميعا كميا لا يعطي معنى كيفياً نوعياً، إلا بسلامة استخدام الإنسان له (200:8، 201).
صفحة 9
ويرى مالك أنه يجب على العربي أن يحقق بمفرده شروطاً ثلاثة:
1- أن يعرف نفسه.
2- أن يعرف الآخرين، وأن لا يتعالى عليهم وأن لا يتجاهلهم (58:8 ، 59).
3- ويجب عليه في الشرط الثالث أن يعرف الآخرين بنفسه ولكن بالصورة المحببة.
مشاريع النهضة تقام على مستوى الأمة وعلى المستوى الشخصي، ونحن في دراستنا هذه نوجه الأضواء نحو المشروع الحضاري الشخصي.
ويقول د. بكار في فهم جديد للواقع: "فكرة المشروع الحضارة الشخصي: التزام شخصي بشيئ يكرس له المرء حياته كلها أو بعضها وهو في سبيل نجاح مشروعه يتنازل عن بعض الرغبات وعن بعض المصالح ويذوق طعم العناء من أجلها.
المشروع الحضاري الشخصي رؤية تتكون من الهدف والطاقة والإمكانية والبعد الزمني، ويتجسد ذلك كله في خطة عملية واحدة، ومهما كانت نوعية المشروع الواحد منا فينبغي أن يكون شيئا يستحق التضحية، وأن يكون على صلة بهدفنا الأسمى وهو الفوز برضوان الله تعالى، ويجب إلى جانب هذا وذاك أن نبرمج حياتنا، ونرسم أهدافنا من أفق حاجات المجتمع المسلم، اي نتوقع من مشروعنا الشخصي المساهمة في خدمة أولوية اجتماعية أو سد ثغرة ملحة ومهمة" ص11-13.
ولأن سنن الله عز وجل ثابتة لا تحابي جنسا على جنس وتبدل ولا تغير لتغير الأسماء والهيئات، وضعت لنا نظاما وتصورا لما تفضي إليه النتائج لما قدمنا من أعمال ومقدمات وسورة البقرة كما هو معلوم من أطول سور القرآن الكريم وضعت منهاجا لبناء الحضارة وخلافة الإنسان في أرضه، يكفي دلالة أن النبي كان ينادي: أين أصحاب البقرة – إذا اشتدد المعركة.
والقرآن صالح لكل زمان ومكان ولطائف إعجازه لا تقتصر على روعة البيان أو الإعجاز العلمي، بل للقرآن إعجاز علمي آخر في النفس الإنسانية والبناء الاجتماعي والتنظيمي والسياسي والاقتصادي.
صفحة 10
وأخيرا.....
وتأتي أهمية الدراسة لما تقدمه من بيان الإعجاز القرآني في البناء الاجتماعي والتنظيمي وتقديم النموذج لإدارة المشروع الحضاري الشخصي ومقومات وأدوات بناء الحضارة، وتحاول استنباط طرق وخطوات في بناء الحضارات صالحة للاستعمال في كل مكان وزمان، وإن اختلفت الأعراق والجنسيات والمذاهب والمعتقدات، فهي تقدم برنامجا عمليا لبناء رجل الحضارة بصرف النظر عن معتقد الفرد وإن كانت تبني قواعدها على أسس القرآن الكريم والوحدانية.