eKtab
EN ع
تأملت فتعلمت فحمدت
اقرأ عينة مجانية

تأملت فتعلمت فحمدت

بقلم كمال الصوص

صفحة 1

كلمة حق

كلمة حق تُقال عن واضع هذا الكتاب الفريد بموضوعه. المهندس كمال الصوص، نظراً لأسلوبه البعيد عن التكلّف والمبالغة، وأفكارة المفعمة بالإيمان الكبير للخالق عزّ وجل، وفيه ظاهرة بيّنة للإرادة القوية التي جعلها الله سبحانه وتعالى للإنسان لكي يستغلّها استغلالاً صادقاً وليحقق بها فائدته الفكرية والجسدية.
في هذا الكتاب دروس وعبر، يرى فيها القارئ خطوات مدروسة تتبعها الكاتب، استطاع بها أن يتخطّى مخاوفه من مرض عضال ألمّ به، وأن يُبعدَ عنه أتون الأدوية الفتاكة، التي أدرك المهندس كمال أنها تُعالج مكامن، وتُمرض مكامن أخرى. لذا بإيمانه القويّ بالله سبحانه وتعالى كونه الطبيب الحق الشافي الوحيد، وبفضل درايته بفعل الإيمان هذا، وباعتماده أسلوب التأمل الفكري الذي يؤدّي الى صفاء الذهن وراحة الأعصاب، وبمعرفته العلمية لأنواع الأطعمة المفيدة منها والضارّة، فقد حرص في كتابه هذا أن يُقدّم للقارئ تجربته الخاصة للتخلص من أوهام المرض، فوضع قواعد هامة في التغذية التي لو تتبعها المريض لحقّقَ لنفسه سعادته وشفاءه.
حقيقة، لقد برز السيد كمال الصوص في هذا الكتاب القيّم أنه ليس مهندساً ميكانيكياً للآلات الجامدة فحسب، إنما هو، إلى جانب ذلك، مهندس بارع للآلات الجسدية التي جعلها الله جلّت قدرته فينا، آكانت آلات عقلية أو آلات حسيّة، وما علينا، نحن معشر القرّاء، أن نستغل فوائده وتعاليمه، وعلى الله فليتوكّل المؤمنون الصادقون.
علي بشارة
بيروت 2012/10/24

مقدمة وإهداء

الى الوالدة والملهمة العظيمة...
الى أحبائي الأعزاء...
أحببت في كتابـي هذا أن أهديكم ثمرة من ثمرات الحياة التي عايشتها واختبرتها، وتحسست بلذة طعمها ومذاق حلاوتها ومنفعتها وسر طاقتها التي أمدتني بالصبر والإيمان والإيجابية كي أقوى على التخلص من الورم الخبيث الذي أصابني، دون اللجوء إلى أي علاج كيماوي أو جراحي أو أي نوع آخر من أنواع العلاجات أو الأدوية.
هنا أشكر ربـي سبحانه وتعالى الذي أكرمني وأنعم علي بالوعي والصبر والبصيرة والإلهام، وبارك كل خطواتي، ونوّر طريقي، وهداني إلى سواء السبيل، وساعدني على أن أعالج نفسي بنفسي.
ولا يسعني إلا أن أشكر كل الأهل والأصدقاء والأحباب الذين وقفوا معي في محنتي ودعموا مسيرتي الشاقة.
والشكر موصول كذلك إلى كل الأعزاء الذين ساهموا معي في إنجاز هذا العمل الذي أعتز به وبهم، ولهم جزيل الشكر والعرفان.
أنا لا أطلب منكم أحبائي أن تحصلوا على هذا الكتاب لتضعوه في مكتباتكم أو على الأرفف فحسب، بل لتضعوه في مكتبة أفكاركم وأحاسيسكم، ليكون شُعلة تهتدون بها عند الحاجة، وخطوة أولى في حياتكم الصحية والنفسية السليمة إن شاء الله، ومنبعاً للخير لكم ولمن تحبون.
والله الموفق،،،
،،،، مع شكري
أخوكم
كمال الصوص

صفحة 2

الباب الأول

أنا لبناني الجنسية، ولدت لأب لبناني وأم تركية، توفى والدي وأنا في العاشرة من عمري، ولديّ سبع أخوات وثلاثة إخوة، والأخوات أكبر عمراً من الإخوة، وكان تسلسلي بينهم قبل الأخير. تربيت بين أخواتي اللواتي تزوجت بعضهن حتى قبل أن أرى النور، فعشت بين أبناء أخواتي. عايشت عالماً واسعاً من الأساليب التربوية المختلفة، فلكل بيت خصوصياتة في التربية والوعي. عشت أدوُّن في ذاكرتي أحداثاً كثيرة وذكريات حلوة ومُرة، وانصقلت شخصيتي وتبرعمت خبرات حياتي على هذا النبع من الأحداث. عشت في حي القنطاري في بيروت الذي كان يحتضن خليطاً من الطوائف الرئيسية الثلاث في لبنان (اليهودية، والمسيحية، والإسلامية التي أنا منها)، مما أتاح لي التعرض لمزيج من أساليب التربية الاجتماعية، ومما زرع فيّ الانفتاح على الآخر واحترام رأيه، أناقش الأمور بموضوعية وإحترام دون استهانة أو تقليل، مهما كان لون الآخر أو دينه أو توجهاته، فهو إنسان، وأنا تعلمت أن أحترم الإنسان، الذي هو جوهر الخلق، فنحن لم نخلق عبثاً، وللإنسان رسالة أعظم من الملذات وجمع الذهب والسيطرة على الآخر، إنه إمتحان صعب وسهل، صعب فهمه وسهل إجرائه. من هذا المنطلق، ومنذ نعومة أظافري صرت أبحث عن أشياء وأشياء... وإجابات لكثير من الأسئلة الحائرة... عن الإنسان والطاقات الدفينة التي يختزنها... وكيفية التعامل مع الذات ومع الآخر.
ترعرعت وعشت معظم حياتي في مجتمعاتنا العربية التي تبحث عن الثروات والمناصب والاستقواء فقط للذات وليس للإنسان أو المواطن، وأتاح لي عملي في مجال الهندسة الميكانيكية العمل في الكثير من الدول العربية والإفريقية والأوروبية. سافرت كثيراً بحكم عملي، وتعرفت على مجتمعات وثقافات وعادات كثيرة، واكتسبت الكثير من الخبرات، منها الصالح ومنها الطالح، وواجهت مصاعب كثيرة، وتعرفت على أصدقاء من كل الأطياف والأعمار والتوجهات، فالإنسان كما أراه هو الامتحان الأكبر... وليس مجرد رقم في كشف، قد يسقط عن الهامش فلا يعود له وجود.
قرأت الكثير عن جميع الأديان بالتفصيل، فتيقنت بأن الخالق هو واحد أحد، وليس لكل طائفة إله، ووجدت بأن كل الأديان تركز على الإنسان وتنقيته وتطويره للأحسن، ومعرفة الذات، والتوجه للخير الذي بداخله، ومعرفة الطاقات التي وضعها الله سبحانه وتعالى في عباده الذين أحسن خلقهم.
في خضم ذلك تحولت شخصيتي، مما تسبب لي بصعوبات كثيرة سواء على صعيد الأهل أو المجتمع. كنت أدرك عندما أتبادل الأحاديث مع الناس أنهم بعيدون كل البعد عن المنطق والحق وسر الإنسان، وهم لاهون في قشور الدنيا وملذاتها فقط.
من هنا كان بعضهم يناديني (MR. FRANKLY)، يسخرون مني ويستخفّون بآرائي، مما أوقعني في صعوبات في تعاملاتي مع الناس المقربين والبعيدين، وأحمد الله بأنه زرع فيّ الإيمان والصبر، وحب الاسترخاء الذي لازمني منذ طفولتي، حيث كنت في صغري أحب الجلوس على البحر أو في الجبل إلى أن اهتديت على مركز في بيروت لتعليم التأمل التجاوزي ((Transcendental Meditation TM، حيث بدأت بالممارسة وتقدمت في اكتشاف طبيعة الإنسان الداخلية، وكيف أن استرخاء العقل والأعصاب يتيح للإنسان الاندماج والنشاط الفكري السليم، مما يمكنه من رؤية كل شيء سهل وجميل من حوله.
كبِرت، وكبُرت معي ممارساتي التي أتاحت لي التعامل بشكل إيجابـي مع أي عارض يطرأ في حياتي. وأود أن أشرك القارئ الكريم في أحد هذه العوارض:
في إحدى مراحل شبابـي، عندما كنت في الثلاثين من عمري، بدأت أعاني من أوجاع كثيرة في جسدي، مثل الرقبة والظهر وغيره، وتوقف بعض أعضائي عن العمل مثل الكبد، وأمسيت أنفق كل مدخراتي ودخلي الذي كنت أكتسبه من عملي ليلاً ونهاراً وأسفاري الكثيرة للعمل في الخارج، على زيارة الأطباء والعلاجات الدوائية، إلى أن اقترح علي زوج أختي أن أزور طبيباً قديماً ماهراً. فكان ردي عليه أنني أزور أهم الأطباء في مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت وهذا هو حالي، فأصر علي بأن أزور ذلك الطبيب، ونـزلت عند رأيه وذهبت إلى عيادة الطبيب، فوجدتها فارغة، وليس لديه حتى سكرتيرة. عرضت عليه كل الفحوصات والأشعة والوصفات الطبية التي كنت قد جمعتها من زياراتي السابقة للأطباء الآخرين، وقلت له: هذا أنا في هذا الملف وأرجو النصيحة. إطّلع على الملف بعناية، وتفحص جميع تفاصيله خلال فترة وصلت إلى الساعة ونصف الساعة، خلت أنها أطول من ذلك بكثير، وأنا أحدث نفسي وأتساءل: ماذا عساه فاعلاً؟ وفي النهاية حدّق في وجهي حتى خلته يخترقني وينظر إلى شيء خلفي من خلالي، وقال: هل لك أهل أو أقارب أو أصحاب يسكنون في مكان بعيد عن المدينة، يفتقر لعناصر المدنية، وليس فيه كهرباء أو مطاعم وجبات سريعة؟ فضحكت في سري وتساءلت ماذا عساه يريد! لكنه أردف: عليك أن تذهب وتعيش معهم في تلك البلدة لمدة شهر واحد، تعمل كل ما يعملون، تصحو معهم، تفطر مثلهم، وتتغذى معهم، وتتعشى معهم، تفلح الأرض، وتنام باكراً مثلهم. وستأتيني بعد شهر وقد تخلصت من هذه الأمراض كلها. شكرته قبل أن أغادره مطأطأ الرأس، محدثاً نفسي، ماذا يقول هذا الطبيب! أكيد أنه غير طبيعي، ولعل هذا يفضح سر خلو عيادته من المراجعين.
بعد عدة أيام، صحوت من نومٍ عميق وكأنّ أحداً يناديني، فقمت وجلست أنظر من حولي. ماذا حدث؟ وإذا بكلام كأنه يخرج من داخلي يقول لي: "تأمل فيما قاله ذلك الطبيب، ارجع إلى الطبيعة، فهي خير مأوى وخير علاج". في اليوم التالي ذهبت إلى مكتبة "خياط" في منطقة الجامعة الأمريكية، وسألت عن زاوية الطب الطبيعي، وابتعت 14 كتاباً من أدبيات التداوي بالطرق الطبيعية كالعسل والأعشاب واليوغا وغيرها، وبدأت أسجل لكل مرض عندي ما هو المفيد له وما هو عكسه.
بدأت في ممارسة اليوغا والتأمل التجاوزي، وتناول الأعشاب والغذاء المفيد لأمراضي، فبدأت أشعر بتحسن، وخفّت زياراتي للأطباء وشرائي للأدوية، وبدأت أختبر الأمراض مع الأعشاب والعلاجات الأخرى، صرت أتوقف عن تناول الدواء وأكتفي بالعلاجات الطبيعية، ثم أذهب لإجراء الاختبارات والفحوص لأتأكد من اختفاء المرض وكأن الأمر كالسحر، ولكني كنت أعيش في الحقيقة حياة طبيعية. دعوت لذلك الطبيب الذي سخرت منه في البداية، الذي ليس لديه سكرتيرة أو مرضى، وقارنته بأطباء عياداتهم فاخرة، ومن الصعوبة الحصول على مواعيد لديهم، وتعج عياداتهم بالمراجعين الذين يبحثون عن أدوية فورية دون أن يدركوا أضرارها الجانبية في المستقبل، وها أنذا قد أدركت معنى "العلاج فيكم أفلا تبصرون".

صفحة 3

الباب الثاني

عهد جديد

في هذه الأثناء، بدأ عصر الكمبيوتر. كنت أجلس كل ليلة باحثاً عن سعادة الإنسان الصحية والنفسية والاجتماعية، لعلي أتوصل إلى سر الإنسان وطاقاته للوصول إلى مكنون السعادة الداخلية، التي أرى أنها أهم كثيراً من السعادة الخارجية، وفي مرتبة أعلى منها، لأنها سعادة لامتناهية، بينما السعادة الخارجية هي فقط قشرة من قشور الدنيا الفانية التي تحلق بنا وتبعدنا عن همومنا للحظات وربما لساعات؛ وما نلبث أن نعود لواقعنا وتسقط القشرة عندما نجلس مع أنفسنا، ويبقى الداخل الفارغ القلق التعيس.
من هنا بدأت الصراع مع القشرة لكي أزيلها من على نفسي لأحيا ضمن قناعاتي الذاتية التي أنسجم معها بحب وسعادة. كانت القشرة تدهمني بين الفينة والأخرى، لكني كنت أكافحها بكل صدق وصبر. هذه القشرة للأسف تمثل الناس والمدنية الزائفة البراقة، التي كنت أحاول الهروب منها وهي تلاحقني، فقد أدركت أن تطوير النفس والارتقاء للأحسن ليس بالعمل البسيط، بل هو يحتاج لمجهود جبار ومستمر مدى العمر. هنا تكمن رسالة الإنسان الذي كنت طوال عمري ومنذ طفولتي أبحث عنه، وقد وصلت له بعون الله من خلال خبراتي وتجاربـي الطويلة، والأحداث التي مرت في شريط حياتي، وقراءتي للكتب الدينية وفلسفات الشعوب القديمة، التي أضاءت فيّ نور الهداية والطمأنينة والمعرفة، لكن هيهات هيهات، فأنا أعترف بأنني ما زلت على بداية الطريق.
عشت شبابـي في عاصمة الثقافة بيروت كما يدّعون، وواجهت فيها شتى أنواع العذاب والخوف والمهانة بسبب حفنة من القشور بلباس إنساني حضاري، يلبسون تارة ثياب الدين، وتارة ثياب الحرية والديمقراطية، وتارة ثياب الشمال أو الجنوب، إلى ما هنالك من التسميات والانتماءات، وهم أنفسهم لا يتغيرون، يغيرون أسماءهم ولون قشورهم كل فترة من الزمن ليمضوا في نهجهم اللاإنساني. والمضحك المبكي أنهم في النهار يتبادلون الشتائم وفي الليل يتبادلون الكؤوس والابتسامات. وكم امتصوا من عروق إخوانهم في الإنسانية وشعوبهم التي أنعتها بالخراف التي لا حول لها ولا قوة. ومن لا يرضى بأن يكون خروفاً، فليغادر خارج البلاد سعياً خلف إحساس بالإنسانية والكرامة وموفور العيش.
لقد خلّفت هذه الأمور والأحداث إنساناً مريضاً يعاني من شتى أنواع العلل والقهر والتوتر، وأصبح هذا الإنسان يعيش يومه ولو على حساب الآخر، ولا يأبه بغده. حتى أن الأخ لا يسأل عن أخيه وهما في منـزل واحد، فضاع الإنسان، وحقيقته، وسبب وجوده، وتاه بين التسميات والشعارات، حتى أضحت كل شعوب العالم تقريباً مسيّرة بالقشور، وتاهت بين ألوانها البراقة، وأحلامها المخملية، وكوابيسها المرعبة، فإلى أين المصير!!
عندما تجوع فإنك تأكل، وتقول الحمد لله، فهل في الأمر ما يعيبك؟ نعم ولا في نفس الوقت، لأن منطق القشور المستقوية على رقاب الناس أن يأكلوا من قوت الشعوب ويشربوا من عرقها، وعلى هذه الشعوب أن تأكل الفتات لو بقي منه شيء وألا تعترض.
 
صفحة 4

فما الحل؟

الحل يا أخي هو ألا تفكر في تغيير الناس لا بالحسنى ولا بالقوة ، لأنك لا تستطيع أن تغيرهم. عليك أن تغيّر نفسك أولاً. نعم، إبدأ بنفسك، ولا تبال بما يقوله الناس من حولك. إبدأ بمراجعة تاريخ البشرية من خلال الكتب والشرائع السماوية والتاريخ البشري، وتوقف عندها. إبدأ بصقل نفسك من خلال قراءتك، وانس ما تربيت عليه، خذ منه السمين فقط واترك الغث.
من البديهي أننا نحب ونجل الوالدين والذين ربونا وتعبوا لنصبح كباراً، ولكن هذا لا يعني أنهم لا يخطئون أحياناً في تربيتنا، كل بقدر علمه وقناعاته. ومن الخطأ أحياناً أن نعيش حياتنا بالضبط كما قيل لنا، فماذا يكون دوري كإنسان؟ فقط الأكل والنوم والعمل؟ أعيش القشور وليس الذات الداخلية، لا أعرف حقيقة نفسي، ولا أُفعّل طاقاتي الخلاقة، وأعبر الدنيا كرقم في قائمة لامتناهية من الأرقام. كيف ألاقي خالقي عندما يقدّر لي أن ألقاه، وأنا لم أستخدم عقلي الذي وهبني إياه وميزني به عن باقي المخلوقات، فلم أحفظ الأمانة، وسرت به على ذات النهج الخاطئ الذي سار عليه من قبلي من الضالين، فكيف وأين ومتى الخلاص؟
العقل يا أخي الإنسان هو كنـزك الأبدي لا يضاهيه أي من كنوز الدنيا وقشورها، فلماذا يحاربون كل إنسان يستعمل عقله؟ هل لأنه سيفضح أعمالهم الشنيعة؟ من هنا أقول لك يا عزيزي الإنسان بأن تبدأ بنفسك ولا تبالِ بالوقت، لأن رسالة الإنسان بدأت منذ الأزل، لا تقتصر على حياتك ولا حياة شخص بعينه، فابدأ بنفسك، وافعل ولو القليل، وسيأتي من يكمل الفعل بعدك، ربما يكون ابنك أو حفيدك، أو آخرين لا تعرفهم وليسوا من نُسلك، ليكملوا مسيرة التطور الذاتي للارتقاء بالحياة الإنسانية الخلاقة، المفعمة بالتسامح والمحبة والتفاني، والإخلاص لشرع مبدع هذا العقل والكون سبحانه وتعالى. كيف تريدون منا أن نصدق ما تدّعون ونحن أبعد ما نكون عن الجوهر، نتشبث بالقشور ونهوي إلى أسفل السافلين.
لقد خلقنا الله فأحسن خلقنا، ووضع فينا أفضل وأرقى وأجمل الصفات، وبعث لنا أنبياءه الذين علّمونا المحبة والتسامح والعطاء، فكيف نكتشف كل هذا؟ كيف نصاب بالأمراض؟ كيف نتصرف مع الآخرين؟ ومع أنفسنا؟ أسئلة نجهلها ولا نشعر بها لأننا نعيش في عالم تغلفه القشور المادية، وأغلقنا عقولنا إلا عن قشور الدنيا التي تحيط بنا من كل حدب وصوب، بل ونعيشها أينما كنا.. في البيت.. والمدرسة.. والعمل.. والمجتمع ككل.
لو أدركنا بكل صدق وإيمان كم لدينا من طاقات وضعها الله فينا، لعرفنا كم نحن أغنياء ومميزون عن باقي المخلوقات، ولرحلت عنا الأمراض النفسية والجسدية، ولشعرنا بالسلام الداخلي والسعادة اللامتناهية ودفء المحبة. فكل ما هو مطلوب منك هو أن تتصالح مع نفسك، وتصادقها، وتحاورها، بل وتتعود على حوارها بصدق وصفاء. يمكنك أن تفعل ذلك بالصلاة، والتأمل، والتنفس العميق، لتكتشف النفس البشرية الخلاقة، النـزّاعة للخير، والمعطاءة للمحبة. عليك أن تحس بأنك في عالم آخر، عالم يملؤه النور والصدق والمحبة، وأنك تصلي للواحد الأحد بكل خشوع وقدسية متناهية. اُشعُر بأنك تمتلك الفرح والغبطة، ولتشعُر بعد الصلاة بأنك اغتسلت من الداخل بمياه عذبة شافية، وبأنها سرت في كل عروقك وخلايا جسدك، لتشعر بأنك تحلّقُ في عالم من الفرح والسعادة بعد الانتهاء من صلاتك، لأنك وقفت بين يدي الخالق العظيم بكل محبة وإجلال لتسأله السعادة والهناء، ولتنعم بنور المحبة والضياء.
أحبتي، لو كل واحد منا عمل بالحد الأدنى من أخلاق وتعاليم ووصايا المرجع الديني الذي يتبع له، أو الطائفة التي ينتمي إليها، لأصبحنا كلنا بألف خير، ولساد السلام والمحبة في تعاملنا مع أنفسنا ومع الآخرين. اقرأ الكتاب المقدس الذي هو مرجع طائفتك لتتفحص الكلمات والمعاني التي ترشدك للنظام الكوني، وما هو دورك في الحياة، وما لك وما عليك. سجل كل مقطع أو إرشاد أو تنبيه أو معلومة في كتيب خاص بك، وتصفحه في أوقات أخرى ليرسخ في ذاكرتك، وسيكون لك عوناً في يومياتك، وفي عملك. إن حياتنا بحاجة دائماً إلى مرجع وليس هناك من مرجع يضاهي كلام الله سبحانه وتعالى في الكتب المقدسة. وما من طائفة في الدنيا تدعو إلى غير الحق والسلام والمحبة، وكلها نـزلت من السماء إلينا لتساعدنا وتخفف عنا المتاعب النفسية والجسدية، وتضبط النفس الأمارة بالسوء، ولكي تزرع فينا السلام الداخلي، لأنه هو فقط الذي يحمينا من كل الأمراض ويبعد عنا السلوك السلبـي والعمل الباطل.
إن أشد ما يثقل كاهل الإنسان لهو المرض النفسي والجسدي، فلا المال ولا التكنولوجيا تستطيع أن تمنحك الشفاء الكامل والسليم، وإنما السلام الداخلي هو المحفز الوحيد والضامن الأكيد والحامي الأمثل والحارس الأمين من كل السلبيات التي تحيط بنا مهما كان مصدرها، ومن الإنسان أو الطبيعة أو الغذاء، وهذه العناصر الثلاثة تبدأ بالإنسان.

صفحة 5

التنفس السليم والتأمل

لقد تكلمنا عن مشاكل الإنسان والسلام الداخلي عن طريق الإيمان والإخلاص لتعاليم الكتب السماوية. والآن سنتكلم عن موضوع آخر يشعرنا بالطمأنينة والسلام الداخلي ألا وهو التنفس السليم والتأمل.
يقول الله في كتابه العزيز "وفي أنفسكم أفلا تُبصرون" صدق الله العظيم (الآية 21 من سورة الذاريات). إن الإنسان هو أحسن وأرقى المخلوقات على وجه الأرض، وقد ميّزه الله تعالى بطاقات كثيرة وقدرات هائلة، لو استطاع أن يستعملها لتمكن من تحقيق السعادة بعيداً عن الأمراض والسلبيات. إن أكثر ما يضعف قدرات الإنسان هو حجم الضغوط التي يواجهها في حياته، ولا يخفى علينا أن الحياة العصرية مليئة بالضغوطات التي تثقل كاهل الإنسان وإن كثرت حوله سبل الراحة والترفيه، إذ ليس شرطاً أن تكون الضغوط سلبية، بل حتى الإيجابية منها، حتى المُتع الذاتية هي بمثابة ضغوط تؤثر على الجهاز العصبـي للإنسان، ونستطيع تشبيه العملية بالمثال التالي:
إذا تخيلنا أن دماغ الإنسان هو عبارة عن كأس فوقها صنبور مياه تخرج منه المياه قطرة تلو الأخرى، فلا بد أن يمتلئ هذا الكأس (ونشبه المياه بالضغوط التي تتراكم). فإذا امتلأ الكأس تماماً وبدأ الماء يفيض، فإن هذا الفيضان سوف يسيل إلى كل أرجاء الجهاز العصبـي للإنسان، وبالتالي إلى كل عضو من أعضائه، لذلك فلا بد من تفريغ هذا الكأس بين الحين والآخر حتى نتمكن من استيعاب المزيد من الضغوطات التي من المستحيل إيقافها، بل لا بد من تحملها والتأقلم معها. ولكن كيف يمكن تفريغ الكأس؟ أو بمعنى آخر، كيف يمكن الحد من التأثيرات السلبية للضغوط الحياتية؟

اترك المهدئات والجأ إلى التأمل والاسترخاء

يختزن الإنسان طاقات رهيبة، إلا أنه للأسف ومع تقدم الزمن والمدنية أصبحنا ننظر إلى المظاهر والقشور ونسينا الجوهر والأساس.
يعيش الإنسان في حياة مليئة بالضغوطات والأعباء، ويقال بأن 75% من الأمراض التي تصيب الإنسان سببها الضغوط، وذلك حسبما أثبته العلم والدراسات. وقد يلجأ الإنسان إلى المهدئات للهرب من هذه الضغوطات، وهو إن استسلم لها فلا بد وأنها ستفتك بأجهزته وأعضائه. فيما يلجأ آخرون لما هو أكثر ضرراً كالمخدرات أو المسكرات، رغبة في الهروب بطريقة أو بأخرى.. لكن.. هناك ما هو أفضل من كل ذلك لحماية الإنسان ووقايته، ألا وهو جلسات الاسترخاء والتأمل أو ما يسمى باللغة الإنجليزية ""Meditation. تلك الجلسات هي أقل تكلفة وليس لها أي أعراض جانبية. وما على الإنسان سوى أن يلجأ إليها بمعدل ربع ساعة يومياً حيث يقوم خلالها "بمجهود دون مجهود" "Effortless Effort". تلك الجلسات هي بمثابة الملعقة التي تغرف فيها جزءاً من الماء (الضغوط) الفائضة في الكأس (الدماغ).

ربع ساعة كافية لإراحتك

لا يوجد إنسان لا يعاني من الضغوطات اليومية، وجلسات التأمل والاسترخاء معروفة علمياً، إذ تعطي الدماغ شيئاً من الراحة وبالتالي يصبح قادراً على التفكير والشعور بالواقع من أجل تفهمه بهدوء والوصول بأي مشكلة إلى مسار الحل.
أتمنى أن يتعلم كل إنسان الاسترخاء سواء كانت لديه مشاكل أم لا. لذلك فأنا أنصح كل الناس بممارسة هذه الجلسات لربع ساعة فقط يومياً.

صفحة 6

كيفية الاسترخاء؟

على الإنسان أن يجلس وظهره مستقيمّ، بحيث تكون رجلاه ممددتين أمامه على السرير أو على الأرض، ومعدته خالية حتى لا يعمل الدماغ على إفرازات المعدة، وأن تكون جلسته في غرفة هادئة، ومن ثم يبدأ بترديد كلمة لا معنى لها ويغمض عينيه ويتخيل أي منظر طبيعي أو موج البحر أو أي شيء يشعره بالراحة في ذاكرته.. وقبل هذه الخطوات لا بد من ممارسة تمارين التنفس المنتظم والحركات الرياضية البسيطة، وبعد الانتهاء، عليه أن يستلقي على ظهره لمدة خمس دقائق قبل أن ينهض لمواصلة حياته الطبيعية.
الهدف من كل ذلك هو إراحة الدماغ، خاصة وأنه أثناء النوم ينام الوعي، في حين أن قوة الإنسان تكمن في اللاوعي. ولكن لذة تلك الجلسات التي يشعر بها الإنسان المتأمل التي يعيشها، وليس الإنسان العادي الذي لا يمارس التأمل، هي الحلم واليقظة والنوم. أما جلسات التأمل والاسترخاء "Meditation" فتجعل الإنسان يعيش الحالة الرابعة وهي التي تجمع الحالات الثلاث: النوم والحلم واليقظة، ولإثبات ذلك، فإن الإنسان عند النوم تكون درجة حرارته 36.5 درجة مئوية، أما في اليقظة فتكون درجة حرارته 37.5 درجة مئوية. ولوحظ أنه خلال ممارسة جلسات الاسترخاء تكون درجة حرارة الإنسان 36.5 درجة مئوية، مع العلم بأن خمس دقائق من الاسترخاء والتأمل تساوي ساعة واحدة من النوم العميق الذي من خلاله يمكن إزالة كم من الضغوط.
أنصحك، عزيزي القارئ، بتجربة التنفس العميق والتأمل لمدة أسبوع واحد، وسترى بأنك تغيرت إلى الأحسن، وأن صحتك أصبحت أفضل من ذي قبل، وستحب ممارسة التأمل، وستداوم عليها، لأنك أنت الوحيد المستفيد وستحس بالسلام الداخلي.

الطبيعة الخلاّقة

لو أدركنا فقط بالوعي العادي والبسيط، لماذا خلق الله سبحانه وتعالى كل هذا الكون، لأدركنا الإبداع والجمال والخلق المنظم والدقيق لكل ما يدور حولنا. لماذا نحن؟ وما هو الدور والسبب لكل هذا؟ وما هي الفائدة التي نجنيها؟ وكيف نستفيد منها؟ قد يصعب الإجابة على كل هذه الأسئلة وفهمها بالوعي الذي لدينا. لذا، علينا أن نبسّط الأمور لكي نستطيع أن ندرك ولو قليلاً مكنون كل هذه الأسئلة.
لدى الإنسان حالتان من الوعي: الوعي واللاوعي؛ الوعي هو الذي ندرك ونحس به وبكل ما يدور حولنا، وهو ما نحيا به في اليقظة، ونعايش فيه الأحداث التي تمر بنا وتصرفاتنا التي نحن مسؤولون عنها لسبب أو لآخر، وهو الذي يطبع كل المستجدات اليومية في ذاكرتنا غير المنتظمة، ونتصرف على هذا الأساس، وهو الذي يتعلق بالتربية والمفاهيم التي نتعلمها في حياتنا منذ الصغر، وقد تكون في بعض الأحيان مشوشة أو بسيطة أو متطرفة إلى ما هنالك من الحوادث التي نمر بها في حياتنا.
والوعي لا يختزن كل المعلومات، ولكن فوق الوعي يوجد المنظم الأكبر وهو اللاوعي، الذي يختزن وينظم كل معلومة وحادثة ومشاعر تحدث لنا في حياتنا وفي كل الأوقات، حيث أن الإنسان يعيش اليقظة والنوم والحلم (البعد الثلاثي)، فمثلاً في الليل ينام الإنسان وينام معه الوعي، إنما اللاوعي والحلم لا يعرفان الراحة أو التعب؛ وهذه الأبعاد الثلاثة مسؤولة عن الحركة الدائمة للإنسان منذ نشأته إلى يوم مماته دون كلل.
في بعض الأحيان، ينظم اللاوعي الملفات بطريقة غير دقيقة لأسباب يجهلها الإنسان بوعيه العادي، فتحصل عنده مشاكل نفسية أو صحية، وتسبب له متاعب مع الآخرين، إذ أن اللاوعي هو المسؤول عن تصرفاتنا. وفي بعض الأحيان يأخذنا إلى المجهول ويتصرف بطريقة لا إرادية قد تسبب لنا المتاعب والمشاكل التي قد لا نرغب فيها، ولا ندرك أسباب تصرفنا بطريقة معينة.
إن للكون المنظم والدقيق تأثيراً إيجابياً جداً على اللاوعي، وهنا علينا أن ندرك ونتعلم ونفهم بهدوء وروية كيف نتعامل مع كل هذا، ولماذا نحن، وليس الخالق، مَنْ خلق كل هذا، وما هو دورنا نحن؟
لا يمكن للوعي البشري أن يفهم الأسباب، وهي أكبر من أن يدركه العقل، وهنا يأتي السؤال، كيف يمكن لنا أن نتلمس بعضاً من القدرات التي وضعها فينا رب الكون؟
العقل مثل الطفل، يُخلق بطاقات كبيرة جداً ولكن دون تنظيم، ودورنا أن ننظم ملفات حياتنا لما هو خير وطمأنينة لنا ولسائر الناس الذين يحيطون بنا. فكيف بالأم تربـي طفلها أحسن تربية وهي تعتقد خطأ بأنها ربته أفضل وأحسن تربية، كما تعتقد كل الأمهات، وعندما يصبح شاباً يواجه الكثير من المشاكل الاجتماعية والنفسية والصحية. وهنا يأتي الجواب وهو أن الأم تستعمل في تربيتها الوعي فقط، وما اكتسبته من أهلها ومحيطها دون مراجعته أو دراسته، وتستخدم أسلوب النسخ واللصق (Copy & Paste)، وهذا هو حال السواد الأعظم من الأمهات.
هنا يأتي دور الإنسان، فمن واجبه أن يتمعن بكل شاردة وواردة من حوله، ويستعمل الميزان الذي وضعه له الخالق في عقله، وبالذات داخل اللاوعي، كما أن العقل بموازينه وحاسباته، بالاضافة إلى بقية أجهزتنا فكلها مسّخرة لخدمة الإنسان لو عرف كيف يستعملها، وهذه الأجهزة ليست مثل الأجهزة التي اخترعها البشر، تنطلق عند الإشارة وتتوقف عند تفريغ البطارية، إنها أجهزة أدق وأرقى وأكثر تطوراً لأنها صنعت بجمال وعظمة الكون. فعلينا يا إخوتي الأعزاء أن نشعر بالاعتزاز والفخر لأننا خلقنا بشراً، وننعم بكل هذا الكم من التقنيات المتجددة والدقيقة التي وُضِعت فينا لخير البشرية وسعادتها الدائمة.

صفحة 7

فصورة الكون البديع في تكوينه ونظامه الخلاّق نجدها مسخرة في داخل عقلنا، فكيف يكون عندنا كل هذا النظام العظيم ونحن لا نشعر به، حيث تتكالب علينا السلبيات والأمراض وعدم الرضى، بل إننا لا نشعر حتى بالسلام الداخلي.
أليس هذا عيباً فينا، في ظل تكاثر وتراكم أخطائنا وانتقالها عبر الأجيال، مع الشعور بأننا امتلكنا كل شيء، وأصبح لدينا كل شيء، وباتت لدينا المعرفة التامة بكل ما يحيط بنا، ولكن للأسف، فكل هذا بمثابة أوهام، فقد أبهرت القشور البراقة أنظارنا وأحاسيسنا، ونسينا الجوهر الخلاق. لهذا السبب نـزلت علينا من السماء كل الكتب السماوية والإشارات الكونية لكي نتثبت من حقيقة أنفسنا ونراجع حساباتنا قبل فوات الأوان، ولكننا، وللأسف الشديد، لم نعطها سوى القليل من الرعاية والاهتمام.
عزيزي، لماذا لا نبدأ؟ لا تقل بأننا تأخرنا. إبدأ الآن، فكل يوم هو بداية لحياة جديدة، فأنت لا تدري كم تعيش. وكما ذكرت سابقاً، ليست حياتنا وأيامنا التي نحياها هي كل الدنيا، بل نحن نقطة في بحر من العلوم والذكاء الخلاّق، وثانية ضمن ملايين الساعات بل والسنين.. تذكر بأن نقطة سوداء في ماء صافٍ تعكر صفو هذا الماء الخلاق، فهل ترضى بأن تكون أنت هذه النقطة؟ طبعاً لا، بل علينا جميعاً أن نصحّح المسار الإنساني، ليس بالفوضى والسلبية، بل بالإيجابية والعمل الشخصي؛ فكل إنسان يدرك ما بداخله من مكنون عظيم. لتوقد فينا الشعلة التي تنير الطريق الطويل لصالح أنفسنا ومن سيأتي من بعدنا، وبذلك نكون قد عملنا عملاً صالحاً وشعرنا بالرضى والسلام الداخلي، وأرضينا ربنا وأرضينا من حولنا.
أضرب مثلاً، لنصحُ صباحاً ونشكر الرب على قيامنا بصحة جيدة، وندعُ بأن يكون يومنا مباركاً، ونـزرع في داخلنا فكرة بأن يومنا هذا سيكون جيداً مليئاً بالإيجابية والإنتاجية والرضى والسلام الداخلي والابتسامة والمحبة، ولن نتأثر بأي سلبية من أي جهة أتت، حتى ولو كانت من أقرب الناس لنا، لأننا لا نعرف ظروفهم، فندعو لهم بالهداية، والشعور بالطمأنينة، لأننا كلنا نُكمّل بعضنا، وإذا صادفتنا مصاعب في يومنا هذا، فلنهدأ ونفكر بإيجابية، حتى وإن كانت صعبة علينا أو صدمة غير متوقعة، ولا نترك لأحاسيسنا ومشاعرنا المنفلتة أن تسيطر على أفعالنا، لأنها ستأخذنا إلى المجهول، وإلى نتائج غير المرضية لنا أو لمحيطنا أو حتى لأقرب الناس لنا، فدائماً علينا أن نتخيل سيناريو نتائج تصرفاتنا قبل البدء بالاسترسال فيها دون الرجوع إلى الحكمة والموعظة الحسنة.
أضرب مثلاً آخر، كيف أتصرف عندما أسمع فجأة خبراً غير سار يتعلق بعملي أو صحتي أو أهلي؟ سيقول البعض عني بأنه لا يستطيع السيطرة على أفعاله أو كلامه أو أحاسيسه أو ردود فعله عند سماع أي خبر سلبـي. هنا أقول إننا بشر لنا مشاعرنا وأحاسيسنا، لكننا أيضاً نحن أعظم وأذكى وأرقى مخلوقات الله في هذا الكون، فعلينا أن نتعلم كيف نسيطر على ردود أفعالنا بالتي هي أحسن، لأننا مهما أجرينا من أفعال سلبية تجاه الحدث، فلن نغيّر منه شيئاً، ولن نعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ولن تعوضنا انفعالاتنا عن الخسارة؛ وبذلك نكون قد خسرنا ما خسرناه في المصيبة وخسرنا أنفسنا معه من خلال ردة فعلنا. لكن أقول لا وألف لا، إذا ما تحكّمنا بردة فعلنا، فهنا نكون قد حمينا أنفسنا من السلوك الخطأ، وواجهنا بقوة وثبات الحدث الذي قد يكون مقدّراً، وليست لنا نحن البشر أي علاقة به. فعظمة وقوة البشر لها خالقها، وهو وحدهُ سبحانه المسؤول عن إدارتها ونشأتها وفنائها.
ليس بمقدور البشر أن يدركوا مكنونات إدارة الكون، وليس من واجبهم ذلك، بل لها رب يرعاها بحكمة وميزان خلاق وقدرة تبهر العقول والإبصار. أما البشر، فلهم دور عظيم، ومسؤوليات تدور حول التعامل مع الذات، وقد سخّرها الخالق لنا في هذا الكون لنتعامل معها بحكمة وهدوء وإيجابية.
ولعل من أهم الإشارات التي بُعثت إلينا هي التوازن. لقد خلق الله سبحانه وتعالى كل شيء بتوازن دقيق وعميق الإبداع، ولو أدركنا فعالية التوازن في الكون وفي أنفسنا لعرفنا بعضاً من ركائز هذه الدنيا وأسبابها ونتائجها التي جعلت الإنسان في أحسن صورة، وزرعت فيه أرقى المعاني، ودلته على أسلم الطرق لحياة مليئة بالسعادة والعافية والشعور بالرضى والحمد.
لو حاول الإنسان أن يتعرف على نعم الله عليه لما استطاع أن يحصي سوى النـزر اليسير منها ولن يحصيها كلها. فلماذا لا نستشعرها ونعيش فيها وننعم بالعطاء السخي من خالقنا العظيم دون أي مقابل؛ بل إننا ننسى كل هذه النعم ونلهث خلف القشور البراقة. نسعد بالأسباب ونتجاهل النتائج، فنقع في جريرة أعمالنا، ونتهاوى إلى درك أسفل؛ فهل هذا هو الكبرياء الزائف والعناد، أم ماذا؟
السعادة يا أُخوتي الأعزاء ليست بأن يراني الناس سعيداً، بل بأن أحس وأشعر أنا بالسعادة، فالمرآة لا تكذب، وهي انعكاس لصورتي الحقيقية، والحقيقة هي فقط التي تجعل مني إنساناً سعيداً، فلماذا الهروب من المرآة.
علينا أن نتقبل الحقيقة والواقع كما هي، ونعيش معها بتوازن دقيق، فما كان الهروب يوماً هو الحل، وإنما الحل يكمن في مواجهة الواقع بهدوء وتناغم متوازن بين العقل والنفس، وبين النور والظلام، وبين الخير والشر، إنه مشوار التوازن في الحياة، وفي أنفسنا، لكي نحميها من الانـزلاق.
ثمة حل لكل حادثة نعيشها، والحلول متاحة ومسخّرة لنا دائماً إن نحن أدركنا كيف نصل إليها ونتعامل معها، بل هي موجودة أصلاً قبل أي حادثة، وما علينا إلا أن نرتّب وننظم ملفات حياتنا، كما ذكرتُ سابقاً، بالهدوء والوعي والتبصُّر.

صفحة 8

الطبيعة والتوازن

للطبيعة أثر كبير في حياتنا، حيث نشعر بالنشاط في النهار، لأن الطاقة والنور يحركان خلايانا للقيام بالأعمال التي نريدها، وفي الليل تنخفض الطاقة لترتاح الخلايا ونُشحن مرة ثانية لمواجهة اليوم التالي، وهكذا هي دورة الحياة والتوازن، وعندما لا نحترم هذا التوازن، فإن النتيجة تأتي بعكس الأماني.
كذلك الأمر بالنسبة للتوازن الغذائي، يجب أن يكون غذاؤنا متوازناً ايضاً، حيث أن الطبيعة، وبكل ذكاء خلاّق، سخرت لنا كل المكونات الضرورية لجعل الإنسان في صحة دائمة بعيدة عن الأمراض النفسية والجسدية، فإذا تناسينا هذا التوازن، سنجد الأمراض تفتك بنا، وهو ما نراه بكل أسف في أيامنا هذه، حيث استبدلنا المكونات الطبيعة بمركبات اصطناعية، وأصبح غذاؤنا أكثر ذكاء من حيث الطعم والصنعة، ولكنه أقل قيمة وأكثر سقماً من حيث المردود. والرجوع إلى الطبيعة ليس أمراً هيناً، ولكن إذا قارنا الطعم والمردود، سنرى أن النتيجة هي الصحة والعافية. فليكن شعارنا الرجوع إلى الطبيعة، وصدقني يا أخي بأن الرجوع إلى الطبيعة والتوازن هو عادة قد تجدها في البداية صعبة ولكنك ستشعر بها وبنتائجها سريعاً. حسب خبرتي الشخصية، فكل حركة نقوم بها تصبح عادة، وكثيرّ من العادات توارثناها عن أهلنا ومحيطنا وليس لنا فيها أي خيار. ألا تستحق حياتنا وصحتنا وسعادتنا أن نبدأ بعادات أكثر توازناً، حتى وإن كانت على حساب غضب الآخرين؟
لقد بدأت أنا شخصياً باختبارات كثيرة، واستطعت أن أغيّر من العادات التي اكتسبتها، فيما حافظت على العادات المتوازنة بل وحسنتها، ومازلت أحاول، لأن هذا هو دوري كإنسان، أن أبحث عن الحقيقة وأنشد التوازن، وهو إجراء ليس بالسهل، لأنك ستصطدم بالناس الذين هم حولك أولاً، وبمحيطك ثانياً، لكني فضّلتُ المرآة التي تصور حقيقتي على طبيعتها.