صفحة 1
الفصل الأول
مدخل
في الوقت الذي ضعفت فيه الخلافة العباسية الكلاسيكية في بغداد في منتصف القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي وتنازع فلولها الترك ومن بعدها المغول، ظهر في الجزء الشمالي من آسيا الصغرى دولة تركية هي دولة آل عثمان تلك الدولة التي قدر لها أن تقود العالم الإسلامي نحو، خمسة قرون من الزمان.حيث كان الصراع بين الأتراك والبيزنطيين مستمراً، والحرب بينهما سجالاً، حتى كانت موقعة ملازكرد عام 464/1071 التي سقط فيها الإمبراطور البيزنطي رومانوس ديوجين أسيراً في يد الأتراك السلاجقة، ثم أطلق سراحه وعقدت معاهدة بين الطرفين.
ولما كانت الثغور مستقلة عن الدولة البيزنطية وبالتالي فهي ليست في حمايتها، فسهل ذلك من شن الغارات التركية على تلك الثغور، والاستيلاء على الجزء الشمالي الغربي من آسيا الصغرى من البيزنطيين، وأتخذ الأتراك نيقية مقراً لهم في عام 474/1081.
وصارت بيزنطية نفسها معرضة لخطر الهجوم التركي عليها، لأنها قريبة من قونيه التي استولى عليها الأتراك وفي عام 477/1084 استولى الأتراك على إمارة إنطاكية.
وفي عام 479/1086 قام سليمان السلجوقي مواصلاً فتوحاته فهاجم حلب ولكنه في ميدان المعركة.
ثم خلفه أبنه قلج ارسلان الذي حاول أن يقيم قاعدة جديدة في الجنوب الشرقي من آسيا الصغرى ، تنفيذاً لخطة كان رسمها أبوه ولكنه اصطدم بزعيم تركي آخر يدعى وانشمند في عام 500/1106م.
شرع فلج في فتوحاته في الشرق ولكنه قتل في معركة نشبت على ضفاف الخابور وهو في الطريق إلى الموصل عام 501/1107.
بعد موت فلج ارسلان أهتم خلفاؤه بمنطقة آسيا الصغرى، وصرفوا النظر عن الاتجاه شرقاً، ومن ثم فقد استولى ابنه مسعود على قونيه وجعل لنفسه قاعدة بقيام دولة إسلامية.
أهتم السلاجقة بالبناء فبنوا المساجد والمدارس، وأعطوا لواجهة المباني اهتماماً، وزينوا الواجهة بالزخارف وبالآيات القرآنية، وكذا صورا من النبات والحيوان.
وهكذا صار للفن التركي خطأ مستقلاً عن الفن الإسلامي، الذي يتصف وبالتجرد ويبعد عن الصور. ثم تحول السلاجقة إلى حياة الترف حتى أظهر الشعب سخطه على الأمراء الذين أنصرف اهتمامهم إلى حياة اللهو وأسباب الدعة وبعدت عنهم روح الجهاد التي اتصفوا بها من قبل.
ثم ظهرت فكرة الجهاد من جديد، وأندفع عدد من رجال الطرق الصوفية، واتجهوا إلى بلاد الأناضول . وبدأوا في الدعوة إلى الجهاد ضد البيزنطيين. ثم ظهرت الإمارات المستقلة في غربي آسيا الصغرى مرة أخرى.
صفحة 2
آل عثمان
عندما اجتاح المغول آسيا الصغرى واجهت إحدى قبائل الغز التركية الصعاب والخوف من خطر المغول واتجهت منسحبة من أرض خرسان وألتمسوا الحماية من خوارزم شاه جلال الدين منكبرتي فوجهها جلال الدين إلى المراعي القائمة في شمال غربي أرمنية.ثم عزم سليمان على العودة إلى نجا آسيا الوسطى بعد مقتل جلال الدين، ولكن سليمان قتل قرب الفرات قرب حلب فارتد أحد أبنائه وهو أرطغرل بالقسم الأصغر من القبيلة، وهم نحو مائة أسرة إلى آسيا الصغرى. ليقوم بالعمل مع علاء الدين السلجوقي سلطان قونية. فرحب بهم علاء الدين وأقطعهم أرضاً عند الحدود البيزنطية ، وشجعه على التوسع في الأرض البيزنظية.
أستقر أرطغرل بعشيرته المكونة من نحو مائة أسرة في أراضي المستنقعات قرب الحدود البيزنطية بالفرات الغربي في وادي (قرة صوة) وجيليى طومانيج وأرمني طاغ، وترك له حرية توسيع ممتلكاته، في أرض بيزنطة جيرانه في الشمال.
وفي عام 656/1258 ولد لأرطغرل ولدا أسماه عثمان، وعثمان هذا نشأ بين الحروب والغزوات.
ولما شب سار على قدم أبيه في محاربة البيزنطيين حتى نال شهرة عظيمة ولقب بقره عثمان، وتزوج بابنة شيخ يسمى (إده بالى) وفي عام 680/1281 توفى أطغرل في سن التسعين.
السلطان عثمان الغزى (699-722/1299-1325)
في عام 699/1299 أعلن عثمان استقلاله وخطب باسمه في (قرة حصار) التي فتحها وأطلق عليها هذا الاسم وجعلها مقراً لحكمه.ألفت المجاهدون الذين وندوا من أنحاء آسيا الصغرى حول عثمان لمؤازرته في فتوحاته ضد البيزنطيين، وكذا جماعات الصناع والتجار، وعمل جميع هؤلاء في خدمة آل عثمان ومناصرتها.
قاد عثمان جيشه الذي غذى بعناصر سلامية من الشباب المتحمس الذي أوفدته القبائل التركية فتزيد من قوة العثمانيين. بينما القوى الأخرى من المغول والسلاجقة منهمكين في حروبهم، ولذلك فلم يعكروا على العثمانيين صفو حياتهم.
وفي عام 700/1300 منح السلطان العثماني، (قرة حصار) بأبناه أورخان، هذا بينما كان عثمان في دور الاحتضار في سكود المقر السابق للدولة العثمانية.
السلطان أورخان (726/764/1325-1362)
في عام 726/1325 قام أورخان باحتلال بروسه وتقع على سفح الأولمبوس. ولما توفى السلطان عثمان عام 726/1325 قام أورخان بدفنه في كنسية القصر.ثم حولها إلى مسجد ، وتولى الحكم في البلاد وجعل من بروسه المدينة المقدسة لآل عثمان . ثم شرع العثمانيون في إقامة المنشآت الضخمة في المدينة.
ثم استولى أورخان على مدينة أزمير. ثم أنشأ أول جامعة عثمانية وعهد إداراتها وإلى داود القيصرى أحد العلماء الذين تلقوا العلم في مصر.
ولما حاول البيزنطيون استرداد قونية وبعثوا بجيشهم لاستعادتها فشلوا في خطتهم وهزمهم الجيش العثماني في عام 731/1330 .
ثم قام السلطان أورخان بجعل (بروسه) بعد احتلالها عاصمة لسنجق جديد أقطعه لولى عهده مراد الأول، وأطلق عليها أسم (خداوند) أرض الحاكم.
عظمت دولة عثمان بعد الفتوحات التي تمت في عهد أورخان وبفضل أخيه ووزيره علاء الدين ثم تنظيم الجيش، وضربت السكة الجديدة للعثمانيين، غير سكة السلاجقة وضربت باسم أورخان الغازي من الذهب والفضة والنحاس.
كما وضعت القوانين التي تخدم الدولة، فعلاء الدين هو أول وزير في الدولة العثمانية عمل على معالجة السكة واللباس والجيش.
صفحة 3
السلطان مراد الأول (764-792/1362-1389)
توفى السلطان أورخان وخلفه على عرش السلطنة أبنه مراد الأول، الذي جعل وجهته شبه جزيرة البلقان.فبعد أن قضى على محاولة بعض الثائرين في أنقره للتخلص من الحكم العثماني، قاد حملة عسكرية إلى البلقان. وأتخذ من ديمتوقة قاعدة حربية وشن حملة شعواء على أمراء البلقان وهزمهم حتى خضعوا لسلطان العثمانيين.
وفي عام 762/1362 سقطت أدرنة في يد العثمانيين وجعلوها عاصمة لهم في عام 768/1366.
وقاد البابا أوربانوس حملة صليبية لاسترداد أدرنة من العثمانيين ولكنه فشل في تحقيق هدفه.
وفي عام 773/1371 قام الصرب بشن هجوم على العثمانيين بقيادة (ووقاجين) إلا أن حاجى إيلبكى تغلب عليهم في "جرمن" على ضفاف نهر مريج وهزمهم واستولى على ممتلكاتهم في مقدونيه ثم واصل العثمانيون هجومهم فاستولوا على صوفيا ونيسن في عام 787-788/13858-1386.
ثم أكمل خير الدين باشا فتح مقدونية من غاليبولى وبنى الجامع الكبير (أسكى جامع)، وقام بمعاونة العثمانيين في بناء الجامع أنورنوس بك القائد العسكري، ثم استولى العثمانيون على سرى وكانت محل نزاع بين الصرب والبيزنطيين. ثم فتح العثمانيون سالونيك في شمال اليونان.
وأثار تقدم مراد الأول في البلقان مخاوف البلغاريين فعقدوا حلفاً مع الصرب والبشناق، فتصدى لهم الحلف القائد العثماني لا لا شاهين وحارب جيوش الحلفاء عند بلوشنك، ولكن القائد العثماني هزم في المعركة.
وهزم العثمانيون الثائرين في قونيه في عام 788/1386 .
وفي عام 791/1388 قام علي باشا بن قرة خليل جاندرلى بعبور مجاز نادر على رأس ثلاثين ألف من جنوده وأحتل مدينة ترنوه وشملاً، وحاصر علي باشا القيصر شتشمان في نيقوبوليس على نهر الدانوب.
ثم تمت مصالحة مع القيصر على دفع الجزية وتنازل للعثمانيين عن سسلستر القيصر غدر بالعثمانيين وخرق الاتفاق ، فحاصره العثمانيون عند نيقوبوليس، وفرضوا عليه التسليم دون قيد أو شرط، وأبقوه على العرش.
وفي عام 792/1389 تحالف الصرب مع المجر والبلغار والألبانين والبشناق.
وفي ميدان الطيور السود (قوصوه) ألتقى العثمانيون بقيادة مراد الأول مع الجيوش المتحالفة، ونشبت معركة عنيفة بين الطرفين انتهت بانتصار العثمانيين واستشهد مراد الأول في الميدان، وهو يتفقد الجرحى إذ هاجمه أحد الجنود الصرب وطعنه بخنجر غدراً. ثم وقع ملك الصرب لازار أسيراً في يد العثمانيين، وأكمل بايزيد الأول المعركة التي انتهت بانتصار العثمانيين انتصاراً باهراً.
صفحة 4
بايزيد الأول (792-806/1389-1403):
في عام 792/1389 تولى بايزيد الأول عرش السلطنة وجعل همه الشؤون العسكرية حتى لقب "بيلديرم" لشجاعته في الحروب.وفي عام 793/1390 سقطت مدينة آلاشهر في أيدي العثمانيين وهي خر ممتلكات الدولة البيزنطية في آسيا الصغرى، ولم تمض ثلاث سنوات حتى أخضع العثمانيون البلغار لسلطانهم.
أثارت انتصارات العثمانيين المتلاحقة خوف أوربا الغربية فقام البابا بونيفاسيوس التاسع يدعو للحرب ضد المسلمين في أنحار أوربا، وإذا بالحملة الصليبية تظهر في الأفق من جديد وتمكن سيجسمون ملك المجر من أن يجمع في بودا في عام 799/1396 جيشاً كبيراً من الفرسان جاءوا إليه من بلدان أوربا، ولكن كان حماس هؤلاء الفرسان للقتال ضد المسلمين فاتراً، ولذا فقد الحق العثمانيون بقيادة بايزيد هزيمة ساحقة بالحملة الصليبية التي قادها البابا وملك المجر وفرسان أوربا الغربية وذلك في موقعة نيقوبوليس.
ثم أتجه بايزيد بعد ذلك إلى شبه جزيرة الموره فأنتقم ممن حالفوا البيزنطيين وخرب في بلادهم.
في عام 797/1394 بعث السلطان بايزيد الأول إلى أمير المؤمنين بمصر أن يخلع عليه لقب سلطان الروم لكي تزداد هيبته في أنحاء العالم، وأيد السلطان برقوق طلب السلطان بايزيد الأول فأجيب بايزيد إلى طلبه.
وفي تلك الفترة من نهاية القرن الثامن / الرابع عشر الميلادي ظهر الخطر المغولي من جديد يقودهم نتيمورلنك وهو من سلالة جنكيرخان .. وهنا أدرك السلطان العثماني مراد الأول مدى خطورة هؤلاء المغول على سلطانه فعمل على الاستعداد لمواجهتهم. ولذلك عمد إلى تقوية مركزه في منطقة آسيا فاستولى على قونيه من صهره أمير قرمان في عام 794/1391 .
وفي عام 796/1393 استولى العثمانيون على مملكة قسطموني الأرمني فالتجأ هو وغيره من الأرمن إلى تيمورلنك ليحتموا به من سطوة العثمانيين، ويحفزوا تيمور على حرب العثمانيين.
ثم ظهر تيمورلنك في آسيا الصغرى في عام 803/1400 بعدما تعرض العثمانيون لأمير أرزنجان الأرمني، حيث كان تيمور يرى أن أرزنجان يتبعه. فهاجم تيمورلنك سيواس وقتل حاميتها وكان فيهم أرطغرل أكبر أبناء بايزيد.
ولم يواصل تيمورلنك حملته ضد العثمانيين وإنما اتجه في عام 804-805/1401-1402 إلى قرة باغ فيما وراء القوقاز ليقضى الشتاء هناك. وفي تلك الفترة كان يعد عدته. لمعركة قادمة ضد العثمانيين.
صفحة 5
موقعة أنقره بين بايزيد وتيمور
وفي عام 805/1402 بدأ المغول هجومهم على أنقره فتقدموا من ناحية سهل أنقره من أرزنجان وتوقات وسيواس واستعد بايزيد الأول لملاقاة المغول عند (جبوق أباد) وتقابل الجيشان في صحراء أنقره والعثمانيون في ثلاثمائة ألف والمغول في سبعمائه ألف، وأنهزم العثمانيون. حيث رفض بايزيد ما أشار عليه به تيمور طاش وبقية الأمراء بعدم محاربة تيمورلنك والاكتفاء بسد المضايق والطرق وإهلاك عسكر تيمورلنك جوعاً وعطشاً فرفض بايزيد ذلك.ومن غير شك فلم يكن حماس الجنود العثمانيين لقتال المغول بنفس حماسهم لقتال البيزنطيين، فالمغول كانوا مسلمين كذلك لم يكن الجنود السلاجقة على استعداد لمواصلة القتال ضد المغول بعدما رأوا قادتهم من السلاجقة يقاتلون في صفوف المغول. هذا فضلاً من الفرق الهائل في العدد بين جيوش المغول وجيوش العثمانيين.
وحينما بدأت المعركة بين الطرفين ورأى بايزيد تقدم الجنود الصرب في مواجهة العدو وخشى أن يطوقهم جيش المغول فأمرهم بايزيد بالأرتداد، وحينئذ تقدم المغول في اتجاه الجيش العثماني، فأسرع السلاجقة بالفرار من الميدان، وواجه بايزيد الموقف يقاتل المغول وهو في نحو خمسةن آلاف من الانكشارية ببسالة حتى جاء الليل. وقد رأى بايزيد أنه لا جدوى من المقاومة فجأ إلى الفرار، ولكنه وقع هو وأبنه فولى في أسر المغول بينما لجأ ولداه الآخران محمد وعيسى إلى قرمان.
وأحسن تيمور معاملة بايزيد وهو في الأسر فلما حاول الهرب وفشل، تغير تيمور منه وعامله بقسوة بالغة.
في عام 806/1403 توفى بايزيد في الأسر فأمر بدفنه في جامع بروسه.
أما الأمراء السلاجقة فقد أعادهم تيمور إلى إماراتهم في آسيا. وعاد تيمورلنك متجهاً إلى المشرق حيث مقر إقامته في سمرقند، ثم فاجأه الموت وهو في أترار حيث كان يقود حملة عسكرية في بلاد الصين، واسترد العثمانيون أنفاسهم من جديد
السلطان محمد جلبي (806-824/1403-1421)
ثم قام الصراع على السلطة بين أبناء بايزيد انتهى بانتصار محمد جلبي وهو الخامس من سلاطين آل عثمان.وقد انضم الصرب مع محمد جلبي بن بايزيد فكافأ محمد الصرب واليونان على مساعدتهم، فمنحهم بعض الامتيازات الإقليمية.
كما أقر معظم الأمراء الصغار في أوربة وآسيا بسيادة محمد بن بايزيد عليهم بعد مقاومة صغيرة، وتعذر عليه إخضاع البنادقة فتركهم بعد هزيمة لإسطوله في 819/1416 .
وفي عام 824/1421 توفى السلطان محمد في أدرنه وتولى عرش السلطنة مراد الثاني.
صفحة 6
السلطان مراد الثاني (824-855/14211451):
ولما حاول مراد الثاني بسط سلطانه على سالونيك اعترضه البنادقة، واشتروا المدينة من الإمبراطور مانويل وأقر مراد الثاني الاتفاقية مضطراً في مقابل جزية يدفعونها.ثم هاجم السلطان مراد الثاني مدينة سالونيك في عام 834/1430 وأحتلها عنوة وظلت آثار الحرب المدمرة في المدينة، حتى عادت كما كانت مزدهرة وعامرة.
ولما اتجه مراد الثاني إلى الشمال ليبسط سلطانه على البلقان. واجهه مقاومة من المجر.
ثم أعلن البابا أو جانيوس الرابع لحرب العثمانيين ورحبت بولندا والمجر وكذا في ألمانيا وفرنسا.
وفي عام 843/1443 وقعت معركة بين العثمانيين والحلف الصليبي الذي قاده الباب أوجانيوس الرابع عند جالوواز بين صوفيا وفليبوبوليس أنتصر فيها الصليبون على العثمانيين، فاضطر السلطان مراد الثاني إلى عقد صلح مدته عشر سنوات، ولكن عارض البابا هذا الصلح وحرص على نقضه باعتبار أن العهود غير ملزمة إذا عقدت مع غير المؤمنين.
وتقدم مراد الثاني لقتال النصارى تحت أسوار فارنا وحقق انتصاراً حربياً عليهم.
وفي عهد السلطان مراد الثاني ازدهرت الحركة الفكرية، وأخذت اللغة التركية تحل محل اللغتين العربية والفارسية. ونشأ نشاط ثقافي شعبي ديني، استهدف تفسير القرآن وتنمية الحياة الروحية في المجتمع.
وفي عام 855/1451 توفى السلطان مراد الثاني وخلفه على عرش السلطنة محمد الفاتح.
الفصل الثاني
السلطان محمد الفاتح (855-883/1451-1478)
تولى السلطان محمد الثاني (الفاتح) عرش السلطنة بعد وفاة أبيه مراد الثاني في عام 855/1451 وهو في الحادي والعشرين من عمره وكان مولده في عام 833/1429.ومحمد الثاني من أقوى الشخصيات العثمانية الحاكمة. فقد رباه والده تربية ناجحة، فقد أختار له أفضل الشخصيات التي تتولى تدريبه، كما تدرب على شئون الحكم في عهد أبيه فعرف مسؤولية الحكم، وكيفية مواجهة المشاكل والأزمات. وخبر الرجال وعرف نفسه، ومعرفة النفس أولى خطوات النجاح في الحياة، وتعلم نظم الحكم وكيف يكون تصريف شئون الدولة في الدخل والخارج.
لقد واجه السلطان محمد الثاني في فترة حكمه خلال وجود أبيه في الحكم مشاكل التصرف في الأمور منفرداً، فقد تصرف في أمور الحكم دون التشاور مع رجال الدولة وذوي الخبرة في تصريف الأمور. مما أوقعه في مشاكل مع من حوله من رجال الدولة حتى أنهم اشتكوا إلى أبيه السلطان مراد الثاني، فبعث إليه والده وأسدى إليه النصيحة، وكلفه بالاستعانة بمن حوله من كبار رجال الدولة، وذوي الخبرة في الأمور واستجاب محمد لنصائح والده له، فأفاده ذلك في مستقبل أيامه وكان درساً مفيداً له في حياته في الحكم.
لقد ورث السلطان محمد أحسن الصفات من أبيه مراد الثاني، فكان شجاعاً مقداماً شديد المراس يصبر على المكاره ولا يعرف اليأس طريقاً إليه.
تعلم كيف يحارب أعداءه، وكيف يضع الخطط الحربية في ميادين القتال، وأعمال الحصار والقيادة العسكرية.
تعلم ثقافة عصره، تعلم أكثر من لغة فبالإضافة إلى لغته الأصلية، تعلم الفارسية والإغريقية وعرف الإيطالية، ودرس ثقافات هذه اللغات، فساعده ذلك على حسن تدبير الأمور، والإحاطة بتفاصيل ما يعرض عليه من موضوعات، وكان دائم اليقظة .
درس التاريخ وسير العظماء والأبطال، فعرف حياة القياصرة والملوك، والقادة العظام في العالم.
ومن صفات محمد الثاني، الاحتفاظ بأسراره فلا يطلع أحد عليها، مهما كان شأنه حتى يتمكن من تحقيق ما يصبو إليه قبل إفشائه، فيفسد عليه حاله.
نشأ السلطان محمد الثاني في ظروف الحرب فدرس فنون الحرب، وأحب ممارستها، ولم يهمل كل جديد في أسلحة القتال، عند أول ظهورها، بل واستخدمها في حروبه بغير تردد حتى لا يعطى الفرصة لأعدائه فيتمكنوا منه.
أنصرف السلطان محمد الثاني عن حياة الترف والمجون وعاش حياته في جد وإخلاص لبلده وشعبه. فلم يعرف له نديم يجالسه أو محظية يرضى بها شهواته، ولكنه صرف حياته في الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الإسلام.
وجمع حوله من يحسنون تدبير الأمور ليعاونوه في إدارة شؤون الدولة في الحرب والسلام، وكان يتشاور مع رجال الدولة، لتحقيق المصلحة العليا للبلاد وإهمال الأهواء الشخصية، وكان يتابع بنفسه تنفيذ ما يصدر من تعليمات وأوامر سلطانية.
والسلطان محمد الثاني هو الذي أرسى قواعد جديدة للدولة العثمانية، ووضع قوانين جديدة لتوطيد أركان الدولة. وبلغت قدرته في الإدارة ووضع القوانين المنظمة للدولة ما جعل من الدولة العثمانية دولة تغلبت على اعتى الدول وقهرتها فتحقق للعثمانيين النصر على أعدائهم في الخارج والاستقرار الداخلي في وقت واحد.
بلغ بالسلطان محمد الثاني درجة عالية من التسامح مع الكنيسة الإغريقية، حتى أدعى المؤرخون الأجانب أن ذلك راجع إلى ضعف الروح الدينية عنده مع أن ما قام به السلطان محمد الثاني مع الكنيسة الإغريقية هو ذات ما يسمح به الإسلام، ولا يتعارض بأي حال من الأحوال مع شريعته لأن يحترم المسيحية واليهودية. لأنها أديان سماوية، وهي لا تتعارض في جوهرها مع الإسلام.
صفحة 7
بيزنطة
كانت الدولة البيزنطية جزءاً من الدولة الرومانية الشرقية ولما ضعفت، سيطر عليها البنادقة والجنويون اقتصادياً وطالما اعتدوا على الدولة البيزنطية، حتى إذا صادقت البنادقة عاداها الجنويون .عاشت بيزنطة، وواجهت من المشاكل ما لا حصر له في الداخل والخارج، على الرغم مما قدمته من خدمات جليلة للمسيحية في أوربا.
وفي أواخر القرن الثامن الهجري، الرابع عشر الميلادي بدأت الدولة البيزنطية تأخذ في الضعف والتفكك، في نفس الوقت الذي كان العثمانيون يعملون على تنظيم شؤونهم والإعداد لتأسيس دولة قوية متماسكة.
كان الإمبراطور البيزنطي هو كل شيء في الدولة، فالحكم ملكي استبدادي، يستمد سلطته من الله، فالإمبراطور هو الملك وهو رجل الدين الذي تخضع له الكنيسة. كما تخضع له الدولة، فهو يملك جميع السلطات في يده.
ولذلك كثرت الثورات ضد الدولة من بين أفراد العائلة الحاكمة ، مما أضعف سلطة الدولة.
وامتلأ البلاط البيزنطي بالأطماع والدسائس والأحقاد في ظل طبقة ارستقراطية مترفة تحيا حياة اللهو والمجون والشعب يعيش في شظف العيش وقهره.
اهتمت الدولة البيزنطية بالجيش وكانت ترى أن الجيش هو الذي يحمى البلاد ويمكنها من مواجهة الأخطار التي تهددها من أعدائها، وطالما عاشت بيزنطة في مركز قوى في أوربا وآسيا.
استخدمت بيزنطية أفراد الشعب في تكوين جيشها كما استخدمت الجنود المرتزقة، واهتمت بيزنطة بالمرتزقة أكثر من غيرهم لما لهم من خبرة بفنون الحرب والقتال وحتى أن الإمبراطور البيزنطي كثيراً ما كان يمنحهم الأموال والأراضي، ويجعلها وراثية في أولادهم من بعدهم.
وهكذا كان الجيش البيزنطي يتكون من أجناس مختلفة يجمعها حب المال والثراء والمغامرة وأحياناً والسلب والنهب وجمع الغنائم.
وطالما كانت قيادة الدولة قوية كان خضوع الجند المرتزقة فإذا ضعفت يد الدولة عليهم عاثوا فساداً في البلاد، فهم كانت لهم أحياء خاصة بهم في العاصمة القسطنطينية ، فيشكلون خطراً على الاستقرار الداخلي، وهذا يضعف الدولة أمام الأعداء.
أما الأسطول البيزنطي فقد كان له السيطرة على البحر المتوسط وقد لعب هذا الأسطول البيزنطي دوراً حيوياً في حياة بيزنطة، ونظراً لأن الحروب كانت تقوم بين بيزنطة والدولة العباسية، وفي غالبيتها حروب برية، فلذلك اهملت بيزنطة الأسطول البحري ولم تعره اهتماماً حتى أن المسلمين تمكنوا من بسط سلطانهم على جزيرة كريت وكذا جزيرة صقلية.
ولكن أعطت بيزنطة أهتمامها للأسطول في النهاية وأخذت القوة البحرية البيزنطية تعود قوية كما كانت إلا أنها سرعان ما عاد الأسطول إلى الضعف ثانية مما ترتب عليه تعذر الدولة البيزنطية من الوقوف في وجه السلاجقة الأتراك لاحتلال آسيا الصغرى وتأسيس دولة لهم فاعتمدت لذلك بيزنطة على أسطول البنادقة والجنويون وغيرهم من جيرانهم.
ثم وقع الاضطراب في بيزنطة حيث قام نزاع بين العائلة الحاكمة لبيزنطة حتى أنهم كانوا يستعينون بأعدائهم ضد بعضهم. فزاد ذلك من ضعف الدولة حتى انتهى الأمر بقيام المرتزقة من نهب سرادق الأمبراطور نفسه حتى فكر في الاستغناء عنهم.
وأما البنادقة والجنويون فإنهم لم يمدوا يد العون لبيزنطة ولكنهم وقفوا منها موقف العداء حين حاولوا الانتقاص من حقوقهم، وفرضوا عليها الامتيازات حتى ضعف اقتصادها، وكان بإمكان بيزنطة الدفاع عن نفسها لو أنها احتفظت بقوتها البحرية، حيث كان يمكنها التصدى للأتراك عندما استولوا على ممتلكاتها في أسيا الصغرى، واستقروا بها، وأسسوا لهم دولة على حساب الممتلكات البيزنطية الأمر الذي أضعف الدولة وأطمع جيرانها فيها فاستولى الصرب والبلغار على أراضي بيزنطية وفي نفس الوقت عجزوا عن الوقوف في وجه العثمانيين.
وهكذا واجهت الدولة البيزنطية وحدها هجمات المغول من ناحية والصرب والبلغار إخوانهم في الدين من ناحية أخرى وجاهدت بيزنطة لتجعل من الصرب والبلغار متحدة تقف معها ولكن دون جدوى، فقد كان الصرب والبلغار لا يرجون لبيزنطة البقاء في جوارهم.
كذلك لم تعمل بيزنطية على التعاون مع التتار لصد العثمانيين والأكثر من ذلك أنها أعانت بعض العثمانيين لتثبيت مراكزهم أمام الآخرين.
كذلك رفض البيزنطيون سلطان بابا روما مفضلين سيطرة العثمانيين عليه، ولما أحست بيزنطية بخطر العثمانيين لجأت إلى أوربا المسيحية، وأعلنت قبولها بوحدة الكنيسة البيزنطية مع بابا روما ولم يفدها ذلك لأن الظروف لم تكن مواتية، بل إن جنوة ساعدت العثمانيين في عهد السلطان مراد الثاني على نقل ستين الف من جنوده إلى شواطئ أوربا.
ومما ساعد على ضعف الدولة البيزنطية سخط الشعب البيزنطي على الدولة لكثرة ما فرضته على الشعب من ضرائب تفوق طاقته، حتى إن الشعب البيزنطي فضل العثمانيين على البيزنطيين لعدالة الضرائب ولعدالتهم في معاملتهم مع أفراد الشعب مهما كانت عقيدته.
وفي النهاية سقطت بيزنطة في يد العثمانيين في عهد السلطان محمد الثاني.
صفحة 8
القسطنطينية
أسس مدينة القسطنطينية ، الإمبراطور الروماني قسطنطين الأكبر، وهو الذي أختارها لتكون عاصمة للدولة الرومانية، وليصعب الدنو منها كما يسهل الدفاع عنها، وصارت مع الأيام بيزنطة عاصمة لدولة عظمى، ومركزاً حضارياً ممتازاً، حتى أطلقوا عليها روما الجديدة، وأعجب بروعتها وجمالها العالم في أوربا والشرق.لقد امتازت القسطنيطينية لكونها مركزاً للحضارة الأوربية وللذوق والفن والجمال بحيث لا ينافسها من جيرانها في أنحاء أوربا سوى دولة الأندلس الإسلامية في أقصى الغرب الأوروبي حيث كانت تشع منها الحضارة الإسلامية التي طالما أمتد نورها وبهاؤها إلى الشمال الغربي وحتى بقية بلاد أوربا حيث كانت أوربا في العصور الوسطى تغط في نوم عميق.
عاشت القسطنطينية عاصمة للدولة البيزنطية ألف عام كانت فيه مركزاً للثقافة ورمزاً للحضارة. فقد امتلأت القسطنطينية بالميادين الواسعة وبواباتها وكنائسها وملاعبها وحماماتها، وحصونها المنيعة ومعاقلها المشيدة. وطالما وقفت عقبة دون الغازين من مختلف أجناس الأرض.
لقد أشرفت هذه المدينة الفخمة الرائعة على شواطئ أوربا وآسيا، وتميزت بالقصور الإمبراطورية اتى قامت على منحدرات التلال التي يجرى فيها بحر مرمرة.
بلغ عدد سكان هذه المدينة المسيحية المليون، واجتمع فيها الإغريق أهل البلاد الأصليين والأسيويين والروس والبلغار والأوربيين الصقالبة والتجار من مسلمين ومسحيين ومن مختلف أنحاء أوربا كلها.
أزدهرت المدينة بأنواع من الأنشطة الدينية والدنيوية ففيها الملاعب التي تزخر باللاعبين والمتفرجين وفيها يقام الاحتفالات . وكانت المناقشات والمساجلات بين رجال الدين. كما كانت الاعتقادات في الكرامات التي تنسب إلى رجال الدين مسلمين ومسيحيين ولكل، أنصاره ومريديه.
كما أنتشرت الخرافات والأساطير التي يعجب بها ويصدقها العامة.
أقيمت في المدينة القسطنطينية الأبنية الدينية العظيمة من الكنائس الكبرى مثل كنيسة القديسة صوفيا، التي أقامها الإمبراطور جنييان، كان يتوج الأباطرة ويحتفلون فيها بالأعياد، فضلاً عن كونها مركز هاما لها قدرها في حياة الناس.
كما حظى رجال الدين بقوة تأثيرهم في الناس لاعتقادهم أن رجال الدين أكثر قرباً لله منهم.
قال المعاصرون عن هذه الكنيسة أنها " معلقة من السماء بسلسلة ذهبية".
وكما عرف الناس الدين والرهبنة والتمسك بالفضيلة فهم كذلك عرفوا اللهو والمجون، وانتشرت الأماكن المخصصة لإشباع الراغبين في المتع الدنيوية، كما عرفوا مصارعة الحيوانات وأعمال الأكروبات والرياضة البدنية بأنواعها وأعمال التسلية التي تثير الضحك بين الناس.
كما عرفت أنواع من المفاسد التي تضر بالمجتمع، مثل الرشوة وهي رذيلة تقضي بالمجتمعات إلى الحضيض.
كذلك عرفت هذه المدينة الأحياء الفقيرة التي انتشرت فيها الحوارى والأزقة الضيقة المظلمة والموحلة التي أمتلأت بالكلاب واللصوص وقطاع الطرق وكثرت فيها حوادث السرقة والاغتيال والغدر.
كما كان للقسطنطينية وجهها المشرق ففيها درست ثقافة الأغريق حيث كان الأدب اليوناني يدرس في جامعاتها. كما كانت تدرس الكتب الدينية وقصص القديسين والشهداء بجانب دراسة فن الموسيقى.
لقد تعلمت إيطاليا من القسطنطينية فلسفة أفلاطون كما أخذ منها العرب القانون والثقافة اليونانية وآدابها وكان للأباطرة فضل الحفاظ على التراث القديم والعمل على نشره.
صفحة 9
وكانت الحكومة في أوج عظمة الدولة البيزنطية تدفق من أموالها على سكان العاصمة وتمدهم بالخبز والنبيذ والزيت.
قدمت إلى القسطنطينية بحكم موقعها الجغرافي في السفن المحملة بأنواع البضائع من مختلف أنحاء الأرض وذلك عن طريق بحار الأبيض والأحمر والأسود فهي في موقع يسهل الوصول إليه.
حاول المسلمون في العصر الإسلامي في أيام الدولة الأموية فتح القسطنطينية ، وبعثت بالحملات الحربية البحرية والبرية واستشهد الكثيرون من الجنود المسلمين ولكن لم يثنهم ذلك عن تكرار المحاولة، وكان للأسطول البيزنطي دوره الكبير في صد هجمات المسلمين خاصة وأنهم استخدموا أساليب الدفاع القوية ضد المسلمين مثل النار الأغريقية، وفي أحدى المعارك البحرية استشهد "أبو أيوب الأنصاري"الصحابي الجليل المشهور
ومنذ ذلك الحين أعطى المسلمون أهمية كبرى لهذه المدينة.
ولم تنته الحملات العربية بعد موت الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان.
ففي عهد الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك عاود العرب المحاولة بإرسال حملات ضخمة برية وبحرية، تنفيذاً لوصية الخليفة الأموي الوليد بن عبد الله، للاستيلاء على القسطنطينية .
وفي عهد الخليفة الأموي مسلمة بن عبد الملك هاجم المسلمون القسطنطينية فلجأ الإمبراطور البيزنطي لي والثالث إلى عقد حلف مع البلغار فهزم المسلمين براً وبحراً.
ثم توقفت الحملات البحرية بعد موت مسملة بن عبد الملك حيث ظهرت الخلافات في الدولة الأموية وشغل المسلمون بشؤونهم الداخلية.
ثم قامت الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية وتحولت الخلافة الإسلامية من دمشق عاصمة الدولة الأموية إلى بغداد عاصمة الدولة الجديدة التي أتخذها العباسيون مقرا لحكمهم.
وأنصرف المسلمون عن محاولاتهم في الحرب ضد البيزنطيين إلى حين.
ثم ظهر الأتراك العثمانيون، وحاصر العثمانيون في عهد بايزيد الأول القسطنطينية ثم اضطر بايزيد لرفع الحصار عنها حين ظهر الخطر المغولي. ثم جاء مراد الثاني فحاصرها ولم يتمكن من النيل منها لضعف الأسطول العثماني كقوة مهاجمة فتركها.
ثم جاء السلطان محمد الثاني وحاول فتح القسطنطينية بعد أن أعد لهذا الفتح عدته. تلك المدينة التي كثيراً ما تعرضت للغزو من البلغار والصليبيين.
وفي أوائل القرن السادس الهجري / الثالث عشر الميلادي فتحها الصليبيون عنوة، ثم عادت القسطنطينية إلى القيام من جديد بعدما انتهى المستعمرون وضعفوا.
قدمت إلى القسطنطينية بحكم موقعها الجغرافي في السفن المحملة بأنواع البضائع من مختلف أنحاء الأرض وذلك عن طريق بحار الأبيض والأحمر والأسود فهي في موقع يسهل الوصول إليه.
حاول المسلمون في العصر الإسلامي في أيام الدولة الأموية فتح القسطنطينية ، وبعثت بالحملات الحربية البحرية والبرية واستشهد الكثيرون من الجنود المسلمين ولكن لم يثنهم ذلك عن تكرار المحاولة، وكان للأسطول البيزنطي دوره الكبير في صد هجمات المسلمين خاصة وأنهم استخدموا أساليب الدفاع القوية ضد المسلمين مثل النار الأغريقية، وفي أحدى المعارك البحرية استشهد "أبو أيوب الأنصاري"الصحابي الجليل المشهور
ومنذ ذلك الحين أعطى المسلمون أهمية كبرى لهذه المدينة.
ولم تنته الحملات العربية بعد موت الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان.
ففي عهد الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك عاود العرب المحاولة بإرسال حملات ضخمة برية وبحرية، تنفيذاً لوصية الخليفة الأموي الوليد بن عبد الله، للاستيلاء على القسطنطينية .
وفي عهد الخليفة الأموي مسلمة بن عبد الملك هاجم المسلمون القسطنطينية فلجأ الإمبراطور البيزنطي لي والثالث إلى عقد حلف مع البلغار فهزم المسلمين براً وبحراً.
ثم توقفت الحملات البحرية بعد موت مسملة بن عبد الملك حيث ظهرت الخلافات في الدولة الأموية وشغل المسلمون بشؤونهم الداخلية.
ثم قامت الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية وتحولت الخلافة الإسلامية من دمشق عاصمة الدولة الأموية إلى بغداد عاصمة الدولة الجديدة التي أتخذها العباسيون مقرا لحكمهم.
وأنصرف المسلمون عن محاولاتهم في الحرب ضد البيزنطيين إلى حين.
ثم ظهر الأتراك العثمانيون، وحاصر العثمانيون في عهد بايزيد الأول القسطنطينية ثم اضطر بايزيد لرفع الحصار عنها حين ظهر الخطر المغولي. ثم جاء مراد الثاني فحاصرها ولم يتمكن من النيل منها لضعف الأسطول العثماني كقوة مهاجمة فتركها.
ثم جاء السلطان محمد الثاني وحاول فتح القسطنطينية بعد أن أعد لهذا الفتح عدته. تلك المدينة التي كثيراً ما تعرضت للغزو من البلغار والصليبيين.
وفي أوائل القرن السادس الهجري / الثالث عشر الميلادي فتحها الصليبيون عنوة، ثم عادت القسطنطينية إلى القيام من جديد بعدما انتهى المستعمرون وضعفوا.
صفحة 10
بدء الحصار للقسطنطينية:
توفى السلطان مراد الثاني في عام 855/1451م ذلك الذي آثار الرعب في قلوب البيزنطيين لما حققه من انتصارات متتالية عليهم هم وغيرهم ممن حالفهم من دول شبه جزيرة البلقان والمجر وغيرهم.وصل خبر وفاة مراد الثاني إلى أبنه محمد، وهو في مدينة مغنيسياً في آسيا الصغرى وهو لا يزال في الحادي والعشرين، وحديث عهد بالزواج فلم يذع خبر وفاة والده، وأسرع متجهاً إلى جاليبولى، التي وصلها في غاية السرعة التي أعلن هناك خبر وفاة والدة. وف أدرنه أعلن نفسه سلطاناًَ للدولة العثمانية باسم محمد الثاني.
وهو حين ولى عرش السلطنة لم يستبعد توزراء أبيه، خليل واسحق، على الرغم من بغضه لهما لتحريضهما أباه عليه حين تولى الحكم في حياة أبية، وأقرهما على ما هم عليه ليستفيد من خبرتهما في إدارة شؤون الدولة. أما بالنسبة لموقف الإمبراطور البيزنطي قسطنطين فإنه لم يقابل الموقف الجديد بروية وتبصر بل عجل بتخويف السلطان الجديد محمد الثاني وحاول أن يدخل الخوف في قلبه وطالبه بزيادة ما يدفعه للدولة البيزنطية مقابل الاحتفاظ بالأمير أورخان، وإلا فإن بيزنطة سوف تفرج عنه فيثير القلاقل للعثمانيين وينافس السلطان الجديد بالمطالبة بالعرش العثماني.
ورد السلطان محمد الثاني عن قسطنطين بدبلوماسية ولكنه حذره من اللعب بالنار، هو غير أبيه لا يصبر عن الأذى، قال السلطان محمد ذلك لبيزنطة وهو يعلم أنهم لا عهد لا ميثاق وسوابقهم في ذلك يذكرها التاريخ القريب لا البعيد. فقد سبق لبيزنطة معاونة أحد المنشقين ضد الدولة ومهدت له العبور بسفن أعدتها لهذا الغرض.
كما أثارت ضد العثمانيين القلاقل في آسيا الصغرى وإذا فلا بد من القضاء على البيزنطيين لكي يضمن العثمانيون لدولتهم العيش في استقرار .
لم تكن القسطنطينية في حال يسمح لها بالدفاع عن نفسها إذا هاجمها العثمانيون ولذلك أسرع الإمبراطور قسطنطين بإرسال البعثات إلى الدول الأوربية يطلب العون والمساعدة وأعلن أنه في سبيل ذلك سوف يقبل توحيد الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية مع الكاثوليك في الغرب الأوربي، وكان هذا ضد رغبات شعب بيزنطية خاصة وأنهم سبق لهم تجربة في ذلك فوجدوا أن هؤلاء الكاثوليك قساة غلاظ، فضلاً عن أنهم ليسوا مؤمنين حقاً بل كفرة لا يحق لهم أن يتحدوا معهم تحت أي ظرف كان. بل أنهم يفضلون عمامة العثمانيين على قبعة الكاثوليك، لسماحة العثمانيين وتعصب الكاثوليك.
لقد حاول باباوات روما محاولات متكررة لكى يوحدوا الكنيستين الشرقية والغربية تحت راية الكنيسة الغربية حتى يتمكنوا من مواجهة الغزو العثماني للبلاد الأوروبية وحتى تعود أوربا قوية كما كانت.
ولكن واجهت هذه الخطة الكثير من المتاعب، حيث تضاربت المصالح السياسية مع الرغبات الدينية وتعذر التوفيق بينها.
لقد نظر كل من الشعبين إلى الآخر نظرة مختلفة، فالشرقيون يرون في الكنيسة الغربية أنهم ملحدون كفره وبالعكس يرى الغربيون في الكنيسة الشرقية أنهم هم الملحدون الكفرة. حتى أن الخطر كان يبدو من الكنيسة الغربية أكثر منه من العثمانيين.
إلا أن الضغط العثماني على بيزنطة جعل الإمبراطور قسطنطين يضطر إلى الموافقة على توحيد الكنيستين تحت سيطرة روما.
لقد لعبت الدول الأوروبية والقسطنطينية معا لعبة القط والفأر، فبيزنطية تلجأ إلى الغرب مستغيثة من الخطر العثماني، فإذا خف عنها هذا الخطر أنصرفت عن أوربا وأدارت ظهرها.
لقد قاسى شعب القسطنطينية البيزنطي من عدوان أوربا الغربية الصليبيين الذين استولوا على القسطنطينية عام 601/1204 ولكن البيزنطيين الإغريق طردوهم في عام 660/1261 وأعادوا تأسيس دولتهم من جديد، ولكنهم لم ينسوا ولم يغفروا لهم قسوتهم تلك.
وفي نفس الوقت تعذر على البابويه تكوين حملة صليبية ضد العثمانيين لنجدة القسطنطينية . لقد وعد الباب بإرسال أسطول لبيزنطة وأرسل الكاردينال إيزيدور رسولا ليشهد خضوع الكنيسة الشرقية لبابا روما.
وفي عام 8525 /1452 أتجه الكاردينال إلى القسطنطينية وأقيم حفل في كنيسة القديسة صوفيا حضرة الإمبراطور البيزنطي والبطريرك جريجورى وثلاثمائة قسيس للاحتفال بتوحيد المسيحية. ثم ظهرت المعارضة الشديدة من جانب شعب بيزنطية ووعد المعارضون بالشر الكبير الذي ينتظر البشرية إذا تم هذا الاتحاد ودعوا الرب أن ينقذهم من هذا الشر كما أنقذهم من شرور سابقة.