eKtab
EN ع
تاريخ الفكر الاجتماعي
اقرأ عينة مجانية

تاريخ الفكر الاجتماعي

بقلم نبيل عبد الحميد عبد الجبار

صفحة 1

المقدمة

يعود اهتمامي بـ (الفكر الاجتماعي) إلى سنوات دراستي الجامعية الأولية، عندما كنت طالباً بقسم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة بغداد، فمنذ ذلك الحين ترسخ لدى الاعتقاد بأن الفكر – أي فكر – إن لم يكن وثيق الصلة بواقع حياة الناس، وإن لم يكن ذا تأثير محفز على تغيير سلوكهم وعلاقاتهم ببعضهم، فإنه (أعني الفكر) يكون بلا جدوى، وإلا ما قيمة فكر لمجرد كونه فكراً، معزولاً عن البيئة الاجتماعية، لا يؤثر فيها ولا يتأثر منها. ولقد كان لهذه القناعة تأثير على قراءاتي وعلى فهمي للمتغيرات التي شهدتها البشرية، في الماضي والحاضر فكل ما جرى وكل ما يستجد قوامه قطبان – إذا جاز التعبير – فهناك ثمة (واقع)، وهناك أيضاً (فكر)، وهناك دائماً تفاعل بين هذين القطبين، وتأثير متبادل بينهما، فالواقع يُغني الفكر، والفكر يُطور الواقع، حتى إنُه يمكن القول: إن تاريخ البشرية، أو تطور المجتمع البشري بقدر ما ينطوي على تطور للواقع المادي، فإنه ينطوي في الوقت ذاته على تطور للوعي الإنساني – أي: الفكر.

و (الفكر الاجتماعي)، من ناحية أخرى، ليس مقطوع الصلة بمجمل الفكر الإنساني، فمنذ أن تفتق الوعي الإنساني عن بروز تفكير (نظري)، شمل هذا التفكير جوانب ونواحي متعددة: معرفية، وسياسية، واجتماعية، وغير ذلك. أي، بعبارة أخرى أن (الفكر الاجتماعي) قد نشأ وتنامي في إطار دائرة الفكر الإنساني الواسعة – الشاملة، التي اصطلح على تسميتها بـ (الفلسفة). ومعنى هذا إن الفلسفة، التي كثيراً ما يُشار إليها بوصفها (أم العلوم)، كانت هي الأم الرؤوم الحانية، التي نشأت في رحمها شتى أشكال المعرفة النظرية، وبضمنها بالطبع (الفكر الاجتماعي)، وأن هذه الأم الرؤوم - الفلسفة - ظلت تتعهد أبناءها، بالرعاية والعناية، وترفدهم بأسباب النمو والتطور، حتى وصل كل منها إلى مرحلة النضج والاقتدار، بحيث لا يعود متكلاً على (أمّه)، وإنما صار معتمداً على ذاته في التعامل مع المعطيات والوقائع التي تحفل بها الحياة، عندها (انفصل) كل منهم (الأم) وأقام لنفسه كياناً خاصاً به، متخذاً صيغة (العلم).

وكما يصدق هذا (النهج) الذي اتبعته المعارف المختلفة في نشأتها في (رحم) الفلسفة، وتطورها في ظل رعاية (النهج) الذي اتبعته المعارف المختلفة في نشأتها في (رحم) الفلسفة، وتطورها في ظل رعاية (الفلسفة)، وبالتالي نضجها وانفصالها عن (الفلسفة)، فإنه يصدق، أيضاً على (الفكر الاجتماعي).

فهذا (الفكر) تعود بدايته ونشأته إلى الجهود الفكرية التي بذلها الفلاسفة الأوائل، كما أنه اغتنى وتنامى واتسعت آفاقه بفضل إسهامات الفلاسفة، على مر المراحل والعصور التي مرت بها الفلسفة في تطورها، وعندما بلغ هذا (الفكر) درجة من النضج والاكتمال بحيث صار في غنى، إلى حدٍ ما، عن توجيهات الفلاسفة، فإنه ما لبث أن استقل بكيانه، واستحال إلى علم يعرف باسم (علم الاجتماع).

والواقع، أن الدافع الأساسي الذي جعلني أعمل على إعداد هذا الكتاب هو تأكيد هذه (الرؤية) للفكر الاجتماعي، سواءٌ من حيث نشأته أو من حيث تطوره وتناميه، إذ إنه مما لفت انتابهي في الكتب التي تناولت (تاريخ الفكر الاجتماعي)، أنّ معظمها – إن لم نقل كلها – قد أغفلت إبراز هذه (الرؤية) أو تجاهلتها. ولعل مرّد ذلك، أن مؤلفي تلك الكتب هم عموماً من المتخصصين بـ (علم الاجتماع)، وإن معرفتهم بالفلسفة ونشأتها وتطورها، وإلمامهم بالأفكار والقضايا التي اهتم بها الفلاسفة على مرّ المراحل والعصور، لم تكن بالمستوى الذي يؤهلهم لإدراك هذه (الرؤية) وبالتالي العمل على إبرازها، وتبعاً لذلك يمكن القول، أن كتابي هذا إن لم يكن قد تضمن معطيات جديدة عن آراء الفلاسفة والمفكرين في الناحية الاجتماعية، وإذا قدرّ له أن يقنع القارئ بصواب هذه (الرؤية) فقط؛ فإنه يكون قد قدّم إضافة جديدة إلى طريقة فهم (الفكر الاجتماعي).

ويمكن القول، أن ثمة دافعاً آخر يكمن وراء إعداد هذا الكتاب وهو ما لاحظته من حاجة دارسي (علم الاجتماع) إلى التعرف على جذوره، وأصوله، وبدايات الأفكار الاجتماعية وتطورها، التي أفضت إلى تكوين ما صار يسمى (علم الاجتماع). وذلك بأسلوب بسيط، سلس، منظم يتيح لهم الربط بين الأفكار والطروحات الاجتماعية للفلاسفة والمفكرين من مرحلة إلى أخرى، ومن عصر لآخر، وكذلك إدراك الصلة بين الأفكار الاجتماعية والبيئية التي تشكلت فيها، وأستطيع القول، أن كلى هذين الدافعين اللذين جعلاني أقبل على إعداد هذا الكتاب، ما كان لها من تأثير لو لم يكن ثمة دافع ثالث أقوى وأشد، ويتمثل في الدعوة المخلصة المتحمسة، التي لقيتها من لدن نخبة من طلابي الحريصين المتشوقين لاكتساب المزيد من المعرفة، دعوة لي للعمل على إعداد الكتاب، واستعداداً من جانبهم للتكفل بمتابعة خطوات وإجراءات طبعه، ولقد تمنيتُ أن يُنشر النص العربي بأكبر قدر من الدقة، فإلى جميع هؤلاء أقدم شكري وعرفاني بأفضالهم وجهودهم الخيرة، وآمل، في الختام، أن أكون قد وفقت في رفد المكتبة الكُردية والعربية بإضافة تسد فراغاً ما.

دكتور نبيل عبد الحميد عبد الجبار

صفحة 2

الإرهاصات الأولى للتفكير في الشؤون الاجتماعية

تمهيد

ابتداءً أرى من الضروري أن أنبه إلى وجوب التمييز بين مفهومين أو تصورين هما: علم الاجتماع والفكر الاجتماعي.

فعلم الاجتماع: يُقصد به عموماً، ذلك العلم الذي يدرس الظواهر والحوادث الاجتماعية (أو المجتمعية)، دراسة موضوعية تحليلية، الهدف منها استخلاص القوانين التي تخضع لها تلك الظواهر والحوادث.

أما الفكر الاجتماعي، فيُقصد به، الأنشطة والفعاليات والممارسات، وأشكال التفكير البسيط التي عرفتها المجتمعات البشرية، منذ بداية نشأتها، والتي ما لبثت أن تطورت وتنامت بالتدريج، عبر المراحل التأريخية المتعاقبة، وشكلت في نهاية المطاف ما صار يسمى الآن بـ (علم الاجتماع).

فهناك، إذن، ثمة فرق واضح بين علم الاجتماع – كمحصلة نهائية، وبين (الأسباب) و (العوامل) و (المؤثرات) و (الروافد) المختلفة التي ساهمت في تكوينه و جعله (علماً) مستقلاً قائماً بذاته. ولعل أبرز ما يتجلى فيه هذا الفرق هو أن الأول (علم)، في حين أن الثاني ليس علماً وإنما هو مظاهر للنشاط الفكري البسيط، وممارسات أو انطباعات، تتخذ شكل الآراء والتشريعات والقوانين التي حاول من خلالها، ذوو الشأن، في المراحل الأولى من تطور المجتمع البشري، تنظيم حياة أفراد البشر وعلاقاتهم، سواء علاقاتهم ببعضهم البعض، أو بعوامل البيئة المحيطة بهم.

وغالباً ما كانت هذه المظاهر تفتقر إلى الشروط العلمية – من موضوعية وتجريد، وترابط منطقي دقيق، وتنظيم.

وتبعاً لذلك، فإن الموضوع حديثنا، في الفصول المقبلة سيكون التعرف على المظاهر الأولى للتفكير الإنساني حول المجتمع والإنسان، وعلاقاته بغيره من أفراد المجتمع، وطبيعة الحياة الاجتماعية – تلك المظاهر التي بدأت مع أولى الحضارات الإنسانية، والتي تعد بمثابة إرهاصات، أو أسباب أو عوامل، أو مؤثرات، ساهمت مجتمعه، وعبر حقب تأريخية طويلة متعاقبة في تكوين ما نسميه الآن (علم الاجتماع).

وعلى الرغم من أن الكثير من الدارسين، يُرجع البدايات الأولى للتفكير الاجتماعي إلى فلاسفة اليونان، الذين حاولوا، ولأول مرة، التعبير، خلال فلسفاتهم، عن الصورة المنظمة للتفكير الإنساني، إلا أن هذا ينبغي أن لا يجعلنا نغض النظر عن التربة الخصبة التي هيأت بدورها الأسباب لتلك البدايات، وتلك التربة الخصبة تتمثل فيما شهدته (بلاد الشرق) من حضارات وبرزت في إطارها، وفي ازدهارها، مظاهر للتفكير الاجتماعي لابد من الوقوف، ولو قليلاً. عندها، لكي نعرف كيف فكر أبناء تلك الحضارات، أو بالأحرى، كيف نظروا إلى المجتمع، وإلى أسسه، وتكوينه، وعلاقات أفراده ببعضهم، وموقفهم تجاه العالم الذي يعيشون فيه وأبرز تلك الحضارات – التي تهمنا هنا – هي: حضارة وادي الرافدين وحضارة وادي النيل.

صفحة 3

التفكير في الشؤون الاجتماعية في ظل حضارة وادي الرافدين

سنحاول، فيما يلي، التعرف على ما تخلل المجتمع القديم، الذي قام في ظل حضارة وادي الرافدين، من مظاهر اجتماعية، وهذه المظاهر الاجتماعية بقدر ما تعكس لنا الممارسات والطقوس والثقافة والتقاليد التي تعارف عليها، وعمد إلى إتباعها، أبناء المجتمع الرافديني، فإنها، بالقدر نفسه، تعكس لنا، إلى حد ما، ما كان يجول في عقول أفراد ذلك المجتمع من تصورات، وميول، وأهواء، لا ترقى بالتأكيد إلى مستوى (الفكر) النظري، إلا أنها، على أية حال، قد مرت بأذهان القائمين بها قبل أن تستحيل إلى ممارسات وطقوس وفعاليات وأنشطة عملية.

وسنحاول التعرف على ذلك من خلال الوقوف عند أثر العقيدة الدينية في تكوين المجتمع الرافديني، وأثر نظام الحكم في إضفاء طابع التدرج على مكونات ذلك المجتمع، واستعراض بعض التصورات عن الأسرة وكيفية تكونها، وأخيراً التنويه ببعض التشريعات الاجتماعية السائدة في ذلك المجتمع.

تأثير العقيدة الدينية على تكوين المجتمع ونشاطات أفراده:

تميزت بلاد الرافدين بأنها كانت تشهد، على الدوام، إيقاعاً كونياً قاسياً، مضطرباً، وعنيفاً، فنهرا دجلة والفرات غالباً ما يفيضان على غير انتظام، فيحطمان السدود التي أقامها الإنسان لدرء أخطارهما، ويغرقان مساكنه ومزارعه. وعلاوة على ذلك، فإن هذه البلاد تشهد على الدوام هبوب رياح لاهبة تخنق المرء بغبارها. كما تشهد البلاد، بين آونة وأخرى، هطول أمطار غزيرة متواصلة تحوّل الصلب من الأرض إلى بحرٍ من الطين، تعرقل حركة الإنسان، وتعوق انتقاله.

إن عدم انتظام ظواهر الطبيعة هذه، واضطرابها، قد انعكس تأثيره على (وعي) الإنسان الذي كان يعيش في بلاد الرافدين قديماً، فقد بدت (الطبيعة) بالنسبة إليه وكأنها تبطش به، وتتحكم بمشيئته وتتدخل في تحديد مصيره، الأمر الذي جعل الإنسان (الرافديني) يشعر بالتفاهة والضعف، وبالتالي بالخوف، إزاء قوى طبيعية هائلة تتلاعب به وبمصيره.

وكان رد الفعل الذي أبداه الإنسان الذي عاش في بلاد الرافدين، والتي باتت تعرف اليوم باسم (العراق) – وسأنعته، تبعاً لذلك، من الآن فصاعداً بـ (العراق القديم) – أقول: كان رد الفعل الذي أبداه العراق القديم إزاء ذلك هو اللجوء إلى (التدين).

والواقع، أن إيغال العراقي القديم في الاعتقاد الديني، يمكن النظر إليه على أنه نتيجة طبيعية جداً، وذلك لأن (الدين) كان يطرح نفسه، في حدود المستوى الذي كان عليه التطور المادي، في وادي الرافدين قديماً، كضرورة لازمة. إذ أن (الدين) كان قد مثّل آنذاك انعكاساً خيالياً، داخل الوعي الاجتماعي، لعلاقات أفراد البشر مع الطبيعة. ففي البدايات الأولى لتأريخ المجتمعات البشرية، كانت قوى الطبيعة هي المتحكمة بأفراد البشر ومصائرهم، وبقدر ما يتعلق الأمر بالمجتمع الرافديني، فإن عقيدته الدينية، في أطوارها الأولى المبكرة جداً، قد قامت على عبادة قوى الطبيعة، التي ما لبث أن عمد، فيما بعد، إلى (تجسيدها) على هيئة (آلهة).

فلقد بدا للإنسان العراقي القديم أن كل ما يتخلل الطبيعة من ظواهر ومظاهر، إنما تسيطر عليها وتتحكم بها (قوى خفية هائلة)، وبما أن الظواهر الطبيعية لها انعكاساتها وتأثيراتها السلبية والإيجابية على حياة أفراد البشر، فإنه من الطبيعي أن يخشاها الإنسان، ويلتمس رضاها، فمصيره واستمرار وجوده مرتهن بإرادتها، فإن استمرار وجود الإنسان البدائي، الذي كان يعيش على جمع الثمار والصيد، متوقف على مدى (سخاء) الطبيعة وقواها أو) (شحها). والمزارع البدائي كان يرى هو الآخر أن ثمار عمله خاضعة للعوامل المناخية، مثل المطر والجفاف، والحرارة، والبرودة.

عندما عمد الإنسان البدائي، في وقت لاحق، إلى (تجسيد) تلك (القوى الطبيعية الخفية الهائلة) على هيئة (آلهة)، فإنه تصورها على شكل البشر، بل إنه اعتقد أنها، شأنها شأن البشر، تتشكل من جنسين: ذكر وأنثى. ومن ثم فقد كان منطقياً أن يغزو كل مظاهر الخصب والتكاثر في الطبيعة، بما في ذلك تكاثر الإنسان والحيوان والنبات، إلى قوى الخصب الإلهية المتمثلة بالآلهة – الأم (عشتار)، وبإله الخصب (تموزي).

ولقد ظل العراقي القديم شاعراً بهذه العلاقة الوثيقة بالطبيعة، حتى بعد أن قامت المدن بشكلها العامر لتحتضن حشوداً كبيرة من أفراد البشر، إذ أن سكان المدن لم تنقطع صلتهم بالأرض، بحكم كونهم يعتاشون من الحقول التي تحيط بهم. وبالتالي، فقد ظل العراقي القديم يجهد من أجل ضمان استمرار هذا الترابط بينه وبين الطبيعة، وكانت الاحتفالات الدينية الأداة المؤدية إلى ذلك.

فقد كانت حياة أفراد المجتمع في بلاد الرافدين قديماً منظمة حسب تقويم يلائم بين تطور المجتمع خلال السنة، وحركة الطبيعة عبر تتابع فصولها، وكانت تكرس بضعة أيام الشهر للاحتفال بأحداث الطبيعة عبر حركتها هذه. غير أن الحدث النوعي الأعظم في كل مدينة، الذي كان يستمر نحو اثني عشر يوماً، كان الاحتفال بـ (رأس السنة الجديدة) في وقت تكون (حيوية) الطبيعة فيه قد هبطت إلى مستواها (الأدنى) وحيث يتوقف كل شيء عن الخروج من فترة الركود هذه إلى الحيوية الجديدة.

إن أفراد المجتمع الرافديني يستحضرون في أذهانهم في هذا الوقت، ما ترسخ في أعماقهم عن طغيان الطبيعة وجبروت ظواهرها واضطرابها، فيتوجهون إلى السماء ملتمسين الرحمة من خلال (سخاء) الطبيعة معهم، وتجاوب ظواهرها مع آمالهم وتطلعاتهم (بدلاً من (شح) الطبيعة وعنف ظواهرها).

إن المجتمع المرتبك إلى الحد الأقصى من حياته، لا يستطيع أن يبقى سلبياً بانتظار الصراع بين قوى (الموت) و (الحياة) في الطبيعة، فكان يُسهم بحساسية عاطفية عنيفة، من خلال الطقوس والمراسيم، في صراع الطبيعة هذا. لأنه على نتيجة هذا الصراع تتوقف حياته، ومصيره.

وكما تختفي قوى الموت وأسبابه مع انتهاء فصل الشتاء وتنتصر قوى الحياة والانبعاث والتجدد مع بدء فصل الربيع، فإن الإنسان العراقي القديم كان يودع أخطاءه وإخفاقاته ويأسه، متطلعاً إلى آمال ونجاحات جديدة يتطلع إلى أن تغمره مع حلول السنة الجديدة، لقد جعل الإنسان العراقي القديم من طقوس (رأس السنة) مناسبة للاحتفال بتجديد الحياة بكل تفاصيلها ومظاهرها، وكأن كل سنة تشهد عملية خلق جديد للكون.

صفحة 4

والواقع، أن الطقوس لم تكن تقتصر على ذلك فقط، وإنما كانت تشمل، أيضاً طقوساً رمزية تجري على مستوى السلطة التي تدير المجتمع. إذ كانت هذه السلطة، ممثلة في شخص الملك، تخضع هي الأخرى لعملية (تجديد) كل سنة، ففي بداية فصل الشتاء، كان يُقام احتفال ديني خاص في المعبد، يحضره رجال الدين وعامة الناس، أو من ينوب عنهم، لكي يسمعوا اعترافات الملك، بعدما يتم تجريده من سلطاته من قبل رئيس الكهنة، فتجري عملية مراجعة للأعمال التي قام بها الملك، لمعرفة أخطائه وقراراته الخاطئة، وأفعاله السيئة، واعترافه بها، أمام رئيس الكهنة وأمام رعيته، ثم بعد ذلك، (بعد أن يتطهر الملك من آثامه وخطاياه)، يُعيد رئيس الكهنة إلى الملك سلطاته مجدداً، وتبعاً لذلك، يمكن القول، أن عملية (التجديد) التي كان يشهدها المجتمع الرافديني القديم، كانت تحدث على مستويين هما: تجديد على مستوى السلطة السياسية العليا، وتجديد على مستوى الحياة اليومية لمجتمع إنساني، حسب تبدلات مناخية وأحداث كونية.

نظام الحكم وانعكاس تأثيره على التركيب الاجتماعي:

لقد بات من الثابت، إن الإنسان منذ وجوده، كإنسان، لم يعش بمعزل عن غيره من أفراد من نوعه من البشر. فهو قد عرف الحياة (الجماعية) بشكل متدرج، بدءاً بالأسرة، ثم العائلة الكبيرة الموسعة، ثم القبيلة، ثم (المشتركات) بأشكالها المختلفة. وفيما يتعلق بالمجتمع الرافديني العراقي القديم، يمكن القول، إنه قد تركب من طبقتين أساسيتين هما: الطبقة الحاكمة، والطبقة المحكومة.

أولاً: الطبقة الحاكمة: وقد ضمت الطبقة الحاكمة في المجتمع الرافديني- العراقي القديم ثلاث فئات اجتماعية هي: الفئة الدينية، والفئة البيروقراطية، والفئة العسكرية.

‌أ. الفئة الدينية: وأهم ما يميزها، بوجه خاص، إن مركزها الاجتماعي يتحدد من خلال الوظيفة والممارسات الدينية التي تضطلع بها. وتشمل هذه الفئة، بوجه عام، هيئة الكهنة بكل أصنافهم ومراتبهم. وكان على رأسها (الكاهن الأعظم). وكانت له مكانة عالية، حتى أن منصبه ما لبث أن صار مطمح أنظار العائلة المالكة، فالملك كان يقوم بتعين أبنائه وبناته، أو أحد أعضاء عائلته الآخرين لإشغال هذا المنصب.

وتتجلى أهمية (الكاهن الأعظم) إذا ما علمنا أن تعيينه في هذا المنصب كان يتم بقرار من الملك، بعد استشارته (الإله) وظهور إرادة هذا الأخير، بهذا الخصوص، جلية من خلال (نبوءة واضحة). لكن هذه الأهمية تتجلى أكثر إذا ما تعرفنا على اختصاصاته الدنيوية، التي كان يمارسها، علاوة على اختصاصاته الدينية. ذلك أنه كان يحظى، في الوقت نفسه، بمنصب (الحاكم – إيشاكو)، الذي من مهامه السيطرة على مخازن الغلال، والإشراف على تثبيت الحدود الخاصة بالحقول، ومراقبة توزيع حصص الأرض على مستحقيها من عامة الناس، وتعيين المهام التي تتطلبها أعمال السخرة، سواءً في الأرض الخاصة بالمعبد أو في قنوات الري. وإلى جانب (الكاهن الأعظم)، كانت توجد أصناف أخرى من الكهنة، مثل (المنبئون) و (المعوذون)... وغيرهم.

تستفيد من إمتيازات عديدة، فبالإضافة إلى المرتبات العينية التي تتلقاها، كانت هذه الفئة تهيمن على القرابين المقدمة إلى الآلهة، كما إن الكهنة، من ذوي المراتب العليا، كانوا يمتلكون العقارات.

والواقع، أن الهيمنة التي كانت تمارسها هذه الفئة على الملك كان يصاحبها، في الغالب، تعزيز مكانتها الاقتصادية، الأمر الذي كان يفتح الباب أمام الصراع بين هذه الفئة والفئات الأخرى.

‌ب. الفئة البيروقراطية: وكانت هذه الفئة تتميز بأن مركزها الاجتماعي يتحدد من خلال الوظيفة والممارسات الحكومية التي تضطلع بها. والواقع أن هذه الفئة كانت تصنّف وفق المركز الذي يحتله أعضاؤها على درجات سلّم السلطة، إلى صنفين أساسيين: الأول عمودي، والآخر أفقي.

فعلى المستوى العمودي تتمثل هذه الفئة من كبار رجالات الدولة: كالملك، والموظفين المسؤولين، والموظفين التابعين. أما المستوى الأفقي فيتمثل في امتدادات الشبكة البيروقراطية إلى الأقاليم الأخرى التابعة للسلطة المركزية – (أي الحكام المحليين ومن هم أدنى منهم من الموظفين الذين يتم تعيينهم من قبل السلطة المركزية).

وعلى رأس هذه الفئة البيروقراطية كان يأتي (الملك). وكان الملك يتمتع بموارده الخاصة التي كانت تأتيه عن طريق الإرث، أو ما يحصل عليه عن طريق الغنيمة التي تقترن بها الفتوحات العسكرية، وهذه الموارد كانت تتخذ شكل الهبة التي تمنّ بها الآلهة عليه.

ولقد أتاح هذا المستوى المادي المتميز للملوك، أن يدّعوا بأنهم ينحدرون من أصلٍ اجتماعي متميز، باعتبارهم سليلي عرق فريد كانت (الآلهة) قد باركته.

وإلى جانب الملك كانت توجد حاشيته، التي كانت تستمد مركزها الاجتماعي من علاقتها به. وكانت تشمل عادة نساءه وخليلاته وأعضاء عائلته وبطانته وخدمه.

وبعد الملك وحاشيته، يأتي الموظفون الأساسيون. وهؤلاء يتمثلون بـ (هيئة الكتبة) التي يشرف عليها كاتب أعظم.

ويمكن أن نميز من بين هؤلاء الموظفين، السياسيون. وهذه الجماعة كان يتم إعدادها بطريقة متميزة، فقد كان يتم إعدادها في الهياكل لممارسة الوظائف المقدسة، قبل انتقالها إلى ممارسة العمل في الوظائف الحكومية.

وبعد كبار الموظفين، أو الموظفين الأساسيين هؤلاء، يأتي الموظفون التابعون. وهؤلاء كانوا يتكونون، أساساً، من الكتبة والمستخدمين التابعين، الذين كانوا يضطلعون بمهام سكرتيريي البلاط والحكومة المركزية والمكاتب الإقليمية والمحلية.

وبعد هؤلاء يأتي المستخدمون التابعون، الذين يتمثلون، أساساً بالسقاة العاديين، والعاملين في الحدائق الملكية، وحراس السجن ورجال الشرطة.

وعلى الرغم من أن الفئة البيروقراطية كانت تتمتع، بصورة عامة، بدخلها الخاص بها، إلا أنه يبدو أن أفراد هذه الفئة كثيراً ما كانوا يستغلون مناصبهم للحصول على ثروة تفوق مرتباتهم.

‌ج. الفئة العسكرية: لقد افتقدت بلاد وادي الرافدين قديماً إلى بعض المواد الأساسية التي يحتاجها سكانها في حياتهم اليومية مثل الأخشاب والأحجار والمعادن، ونظراً لصعوبة الحصول على هذه المواد من المناطق المجاورة الجنوبي – حيث تمتد الأهوار أو المستنقعات لغاية سواحل الخليج، فقد عمد سكان وادي الرافدين إلى الحصول على احتياجاتهم من خلال التجارة مع آسيا الصغرى ولبنان والبحر المتوسط. ونظراً لما تتطلبه التجارة من أجل استمرارها من حماية، فقد كان من الضروري وجود جيش يقوم بحماية القوافل ويصون التجارة، ومن ناحية أخرى فأن جهود الملوك من أجل بسط السلطة المركزية على سائر أقاليم البلاد وضمان وحدتها قد اصطدمت بحقيقة تناثر مدن الأقاليم وتباعدها عن بعضها، الأمر الذي حتم جعل الحرب الوسيلة الوحيدة للوصول إلى مبتغاهم.

وتبعاً لذلك، فقد توافر أكثر من مبرر لقيام الجيش، وأدى، بالتالي، إلى تشكل فئة اجتماعية متميزة، هي فئة العسكريين.

وما لبث دور هذه الفئة الاجتماعية أن تنامى في الشؤون السياسية، من خلال المركز الذي إحتلته داخل المجالس العامة، كما كانت تساهم في تسيير شؤون الحكم. بل إن الملوك أنفسهم ما لبثوا أن زادوا من اعتمادهم في تصريفهم للشؤون العامة على هذه الفئة العسكرية.

وفي الوقت الذي كانت تتمتع فيه هذه الفئة بالمركز الاجتماعي العالي، فقد تسنى لها أن تعزز هذا المركز من خلال الامتيازات المالية التي كانت تحصل عليها، سواءً على شكل عقارات أو منح مالية، الأمر الذي جعل لها مكانة متميزة مؤثرة في المجتمع.

ثانياً: الطبقة المحكومة: نقصد بالطبقة المحكومة مجموعة الناس التي تكون بعيدة عن المساهمة في اتخاذ القرارات المتعلقة بممارسة السلطة السياسية، والتي تجد نفسها على العكس من ذلك أمام واجب الإذعان للقرارات من قبل السلطة، وكانت الطبقة المحكومة، في مجتمع وادي الرافدين قديماً، تنقسم إلى فئتين أساسيتين، هما فئة الأحرار، وفئة العبيد.

صفحة 5

‌د. فئة الأحرار: يُقصد بفئة الأحرار، تلك الفئة التي كان أعضاؤها لا يخضعون لأي شكل من أشكال التبعية للغير والتي من شأنها أن تعدم أن تنتقص من حريتهم الإنسانية، ولكنهم، مع ذلك، يظلون خاضعين لما يمكن أن نسميه بـ (العبودية المعممة). بحكم كونهم يجدون أنفسهم دوماً ملزمين بالخضوع إلى نظام السخرة، ودفع الجزية.

ويستفاد من القوانين البابلية القديمة التي وصلتنا، أن فئة الأحرار هذه، كانت تشتمل على صنفين من الناس: (الأميلوم) و (الموشكينوم).

أما (الأميلوم) فيقصد بهم أفراد الصنف الأعلى من الناس، سواءً كان مركز الفرد هذا ضمن العائلة أو ضمن المجتمع. وأما (الموشكينوم) فيقصد بهم أفراد الصنف الأدنى من الأحرار.

ويبدو أن التمايز بين صنفي (الأميلوم) و (الموشكينوم) كان يقوم في الأصل على أساس التمايز في الحقوق. فإذا كان (الموشكينوم) يجد نفسه ما بين العبيد و (الأميلوم)، فإنه كان باستطاعته أن يقتني العبيد، وهو بهذا يشبه (الأميلوم) تماماً، إنما يتميز عن هذا الأخير فيما يتعلق ببعض الحقوق المدنية، حيث أن مضمونها لم يكن واحداً بالنسبة للمجموعتين. فـ (الموشكينوم) كان يملك الحق في أن يطلق امرأته على أن يعطيها (ثلث مين) من الفضة، بينما (الأميلوم) كان إذا طلق امرأته، فعليه أن يعطيها (ميناً) كاملاً من الفضة. كما أنه إذا ما فقئت عين (الموشكينوم)، أو كسرت ذراعه، فإن على المعتدي أن يدفع له (ميناً) من الفضة. أما في حالة وقوع الاعتداء على (الأميلوم) فإن هذا الأخير يملك الحق في أن يُنزل بالمعتدي عقاباً مماثلاً.

وهكذا نجد أن (الموشكينوم) كان يحتل مرتبة واطئة في سلّم التدرج الاجتماعي بالقياس إلى (الأميلوم)، مما يؤكد وجود التمايز الاجتماعي في العهد البابلي. ويبدو أن مثل هذا التمايز كان موجوداً في العهد الآشوري أيضاً.

هـ. فئة العبيد: عرف المجتمع الرافديني ــ العراقي القديم ــ نظام الاستعباد، وكان الحصول على العبيد يتم من خلال مصادر متعددة، مثل الحروب والغزوات، أو الاتجار، أو الدين. ولقد تحددت استخدامات هؤلاء العبيد بوجه عام في الأعمال الخدمية.

ومما يلاحظ أن العبيد، في المجتمع الرافديني – العراقي كانوا يسمون بأسماء أسيادهم أو مالكيهم، مما كان يترتب عليه افتقادهم للكثير من الحقوق التي يتمتع بها (الأميلوم)و(الموشكينوم).ولكن على الرغم من كل ذلك، كان العبيد يتمتعون في ظل هذا المجتمع بحقوق كثيرة.فقد كان بالإمكان العبيد أن يدخلوا في معاملات تجارية، وان يستدينوا النقود لشراء حريتهم، وإذا تزوج عبد أو أمة (أي – المرأة المستعبدة) شخصا حرا كان الأبناء أحرارا. وكانوا يمنحون من قبل الأغنياء أراضي لهم الحق في تأجير تلك الأراضي. وكان لهم حق استئجار أشخاص أحرار للعمل لصالحهم كعمال أو وكلاء تجارين. وإلى جانب ذلك كله كانت لهم أسرهم الخاصة.

إن تمتع العبيد بمثل هذه الحقوق الواسعة،التي تعد من جملة حقوق الإنسان الحر،في مقام البشر وليس مجرد أشياء أو أدوات كما كان الحال بالنسبة للعبيد الإعتيادين الذين وجدوا في المجتمع اليوناني أو المجتمع الروماني.مما يعني أن يفقدهم إنسانيتهم. وتبعا لذلك يمكننا القول أن العبيد في المجتمع الرافدين – العراقي القديم، لم يكونوا عبيدا بالمعنى التقليدي وإنما كانوا أشباه عبيد.

الأسرة والتشريع الاجتماعي:

كان الزواج بمثابة الدعامة الرئيسة للحياة العائلية في مجتمع بلاد الرافدين.و كان القانون لا يسمح للرجال إلا بزوجة شرعية واحدة.إلا أن ذلك لا يمنع – كما يستفاد من قانون حمورابي والقوانين الآشورية – أن يتخذ الرجل أكثر من محظية (جارية) تمكث في بيته وتعيش فيه حياة الحريم، ويمكن في كثير من الأحوال أن ترقى إحدى المحظيات إلى مكانة الزوجية الشرعية، ولكن بشرط أن يعلن الزوج ذلك صراحة في وثيقة رسمية وأمام بعض الشهود.

وكان يحق للزوج الزواج بامرأة ثانية في الحالات التالية:

1- عدم قدرة الزوجة الأولى على الإنجاب، وعلى أن تحتل الزوجة الثانية مكانة تلي مكانه الزوجة الأولى. وأن تطيع الزوجة الأولى، وتقدم لها فروض الولاء وتعمل على خدمتها وراحتها.

2- مرض الزوجة بمرض عضال لا شفاء منه.

3- إذا دأبت الزوجة الأولى على الخروج من منزل الزوجية دون موافقة الزوج،والتصرف بحمق، مصغرة بذلك من شأن زوجها. وفي هذه الحالة تبقى هذه الزوجة الأولى) كجارية في منزل الزوج عقابا على تصرفها الخاطئ.

أما إجراءات الزواج فكانت تقتضي في المقام الأول:

1- رغبة الطرفين – الفتى والفتاة – كما كان أهل العروسين يلعبان دورا أساسياً في معظم إجراءات الزواج.

2- إذ كان يستلزم صحة عقد الزواج رضى والدي الطرفين، (أما المرأة المطلقة أو الأرملة فقد كان لها الحق في أن تختار زوجها بمحض إرادتها).

3- ولكن، الزواج، في جميع الحالات، لن يكون صحيحا إلا بعد إثباته بوثيقة مكتوبة تضفي عليه الشرعية، حيث يقوم الزوج بتوقيع عليها ملزما نفسه بالقيام بكافة الواجبات الملقاة على عاتقه وأن يؤدي لزوجته حقوقها كاملة في حالة الطلاق.كما يشترط على الزوجة عدم الخيانة، ويحدد أنواع العقوبات التي تنزل بها إذا ما ثبت خيانتها.

أما الطلاق_ أو حالات إنهاء عقد الزواج ، فإن القانون كان يبيح تطليق زوجته في الحالات التالية:

1- إذا كانت عاقراً.

2- إذا أصيبت بمرض عضال.

3- إذا ارتكبت أخطاء فاحشة.

وتنطبق الشروط ذاتها على الزوج في تطليق الزوجة إياه.

أما مكانة المرأة في المجتمع بلاد الرافدين، فيمكن النظر إليها من مستويين متغايرين.

1- فعلى مستوى السلم الاجتماعي داخل المجتمع عموماً, كانت تتمتع بمركز جيد, بل كانت مساوية للرجل, حيث كان يسمح لها بالعمل في التجارة, والاطلاع بالوظائف الإدارية المختلفة, وكانت تتمتع بالشخصية القانونية الكاملة, فقد كان يحق لها حيازة الأموال الخاصة, ولها حق التصرف بأمواله المنقولة أو العقارية.

2- أما على مستوى الأسرة, فإن مكانة المرأة كانت تخضع لسلطة الزوج, ذلك أن الزواج كان يمنح الزوج حق التصرف بزوجته, فكان بإمكانه أن يرهن زوجته لدى دائنه حتى سداد دينه, على أن لا يتجاوز فترة رهنها ثلاث سنوات, كما يستطيع, إذا ثبتت خيانتها, أن يبيعها على سبيل العقاب.

صفحة 6

تأثير العقيدة على المجتمع

على مرّ الأزمان مال قدامى المصريين الذين نشأوا على الفطرة، إلى عبادة قوى الطبيعة وظواهرها – من جماد ونبات وحيوان، وكذلك من جذب اهتمامهم من الأجداد، وذلك بدافع من ما استشعروه من قوة هذه الأشياء أو بسبب الخوف منها. والواقع، أن الأقوام الأولى من المصريين كانوا يمجدون ألهتهم لأحد أسباب ثلاث:إما لفائدة ترجى، أو خوف من شرير يراد اتقاؤه، أو الإعجاب بعظمة لا يمكن إدراكها.أما حب المعبود لذاته لم يتحقق إلا بعد تطورات عميقة في الفكر الديني المصري.

وتبعا لذلك يمكن القول، أنه من جملة مقومات تكوين الدولة – كمؤسسة اجتماعية لها تأثيرها في المجتمع المصري – هي العقيدة الدينية،التي لعبت دورا رئيسيا في تكييف نظام الحكم، وإن لم تظهر ملامحها في بداية العهد الفرعوني، إلا إنها تأكدت فيما بعد، حينما تولى الحكم في مصر فراعنة اتخذوا (الدين) أساسا لحكمهم. ومن هنا اصطبغت الدولة معهم بالصبغة الدينية.

نظام الحكم وانعكاس تأثيره على التركيب الاجتماعي

يمكن أن نميز المجتمع المصري القديم بين قسمين أساسيين:

القسم الأول: يضم الحكام والقسم الثاني: يضم المحكومين.

أما(الحكام) فيتمثلون في ثلاثة مستويات متدرجة:

المستوى الأول والأعلى يضم: الملك – الفرعون – الإله، وأفراد أسرته – أخوته وأخواته (اللواتي كن في نفس الوقت زوجاته).

والمستوى الثاني يضم مستشاره الأكبر (الوزير)، الذي كان يحمل لقب (أمير)، إذا كان يمارس بعض أعمال السلطة التنفيذية نيابة عن الملك، كما كان يقوم بالإشراف على بعض أجهزة ومرافق الدولة.

والمستوى الثالث – يضم (مجلس العشرة الكبار) الذي كان يتألف من موظفي الدولة عموماً، الذين تدرجوا من مختلف وظائف السلك الإداري. كما يضم بعض الموظفين الذين يُطلق عليهم لقب (كاتم أسرار الملك)، والذين كانوا يقومون بتحضير القوانين لفرعون، وما يُعرض عليه من أمور الدولة.

أما القسم الثاني (المحكومين)، والمؤلف من عامة شرائح المجتمع :

فكان يتسم بالتدرج. وكان هذا التدرج يقوم على أساس (مهنة الفرد) حيث كوّن هذا الأساس تدرجاً اجتماعياً يتخذ الأفراد وفقاً لموقعهم في المجتمع.

صفحة 7

وفي أدنى مراتب السُلّم الاجتماعي تكمن فئة (الأرقاء أو العبيد) وتشمل هذه الفئة: عبيد الدولة (الفرعون)، وعبيد الجيش، وعبيد الكهنة، وعبيد الأثرياء. وكان (العبد)، على الرغم من مكانته الاجتماعية الواطئة على السلم الاجتماعي، يتمتع بحياة شبه مستقلة، فله أسرة خاصة داخل المجتمع، وله الحق في أن يتزوج بامرأة حرة، وتترتب على هذا الزواج كافة الآثار القانونية، من حيث ثبوت النسب أو الإرث. ويمكن للعبد أيضاً أن يكون شاهداً في أي دعوى، وله الحق في أن يرفع دعوى باسمه. ويكون أيضاً أن يكون شاهداً في أي دعوى، وله الحق في أن يرفع دعوى باسمه. ويكون أيضاً طرفاً في الدعوى المرفوعة عليه. فموقعه المتدني في المجتمع ومهنته لا يحولان دون التمتع بالحقوق القانونية والمدنية.

يأتي بعد هذا الموقع، موقع آخر أرفع منه نسبياً وهو موقع (الفلاح) الذي كان (عبداً) إنما للأرض التي يعيش عليها وليس للإنسان. ولهذا كان الفلاح يرتبط، على الدوام، بأرض الفرعون أو بالأراضي التابعة للمعابد. وكانت تبعيته تبقى للأرض مدى الحياة، فإذا ما ذهبت الأرض لأحد أو تم بيعها، انطبق ذلك على الفلاح وأولاده. وكانت الدولة تحصل على النصيب الأكبر من محصول الفلاح، أما عن طريق مقاسمته هذا المحصول، أو عن طريق جباية الضرائب. وكان بؤس الفلاح وشقاؤه، سببه إرهاقه بالضرائب والالتزامات الأخرى، تحت ستار الواجب الديني تجاه الفرعون.

الموقع الثالث هو موقع (العامل)، الذي يمارس مهنته في الأسواق أو الميادين العامة، ويقوم بالتعامل المباشر مع عامة الناس. وكانت حالته في منتهى السوء وقليل الدخل. وهناك أيضاً عمال القصور الملكية، وهؤلاء كانت حياتهم أفضل من الفئة الأولى - عمال السوق-، وكانوا يتقاضون (عيناً- أي على شكل ملابس ومواد غذائية وغير ذلك من الأشياء العينية الموجودة في المخازن التابعة للقصور الملكية أو المعابد). وهناك أيضاً العمال المهرة الذين يعملون في إنتاج الأعمال الفنية العظيمة التي نشهدها ضمن الآثار المصرية.

وقد شغل البعض من هؤلاء العمال، بفضل مهاراتهم، مواقع اجتماعية مرموقة وتمتعوا بالثراء والرفاهية.

بعدها يأتي موقع (المحاربين – الجنود والضباط)، حيث كان القتال والمساهمة الفعلية في تحقيق الانتصار في المعرك، يمثل وسيلة سريعة لصعود درجات السلم الاجتماعي، فالجندي، أو المحارب الشجاع القوي، كانت أمامه فرصة التسلق بسرعة على درجات سلم المجتمع المصري.

ولكن، في الوقت الذي كان فيه القادة والضباط الكبار يتم اختيارهم من بين أبناء العائلة المالكة، أو من بين أوساط الأسر الأرستقراطية، وهؤلاء كانوا يربون تربية خاصة، ويدربون تدريبات خاصة تؤهلهم لتولي مناصب القيادة في الجيش، فإن الجنود كانوا من أبناء عامة الشعب، وارتقاؤهم إلى مناصب القيادة كان أمراً نادراً يحدث صدفة، ولاسيما كمكافأة على أعمال بطولية عظيمة يقدم عليها هؤلاء الجنود.

ثم يأتي موقع (رجال الدين – أو الكهنوت)، الذين كانوا يتميزون بأنهم قد نالوا حظاً كبيراً من الثقافة، وتم إعدادهم إعداداً خاصاً. حيث كانوا يدرسون، يدرسون منذ نعومة نعومة أظفارهم، أساليب العمل الكهنوتي والعمل الإداري. وكانت سلطة رجال الدين تقوم على فكرة ألوهية الملك. وكان الملك – الفرعون يهبهم الإقطاعات التي كانت معفاة من كل أنواع الضرائب.

وأخيراً، يأتي موقع (الكاتب) وهو أهم وأرفع المواقع الاجتماعية في المجتمع المصري القديم، لأنه الأقرب إلى فرعون، ويتمتع بخيرات القصر الملكي، ويحصل على شرف لم يحصل عليه إلاّ أقرب المقربين إلى الملك. وتكون مكانته الاجتماعية مرتبطة بذكائه وعلمه وتربيته، ومدى تمكنه من خدمة أسرار الكتابة وعلم الحساب وشؤون الإدارة. وكانت السلطة له وليست عليه. وإجمالاً يمكن القول، أن الانتقال والتدرج على السُلّم الاجتماعي في المجتمع المصري القديم، كان أفقياً وليس عمودياً، لأن الفرد المصري كان مرتبطاً بصورة أبدية بموقعه الاجتماعي، لا يستطيع تغييره أو التحرر منه أبداً.

صفحة 8

الأسرة والتشريع الاجتماعي

كان نظام الزواج، في المجتمع المصري القديم، نظاماً فردياً، بمعنى أن الرجل لم يكن يحق له الزواج بأكثر من امرأة واحدة. غير أن رجال الدين والكهنة كان لديهم امتياز ممارسة تعدد الزوجات. كما إنه مما يلاحظ أن العائلة المالكة قد تميزت بوجود ظاهرة زواج الأخ من أخته فيها. ويمكن إرجاع سبب هذه الظاهرة إلى اعتبارات خاصة بالسلالة الملكية، التي كان يُعتقد بأن الدم الإلهي يجري في عروق أفرادها، ومن ثم فإن زواج الأخ من أخته من شأنه أن يحافظ على نقاء وصفاء هذا الدم (الملوكي- الإلهي) وحصره ضمن كيان العائلة المالكة، علاوة على كون ذلك يضمن المحافظة على ميراث العائلة الذي ينحدر من الأم إلى البنت، ويحول دون تسلل الغرباء وتنعمهم بهذه الثروة.

أما الإجراءات التي كانت متبعة عند الزواج. في المجتمع المصري القديم. فكانت تقوم على الحرية الفردية في اختيار شريك الحياة. وكان الزواج (عقدي) – بمعنى أنه يتم بموجب عقد يُكتب على وثيقة رسمية. يتعهد فيها الطرفان (الزوج والزوجة) بالوفاء ببعض الالتزامات تجاه بعضها البعض.

فالزوج يتعهد بأنه إذا ما حصل أن ترك الزوجة أو طلقها وتزوج بأخرى، فإنه يدفع مبلغا عن المال كتعويض لزوجته، كما أن ثلث ممتلكاته وأمواله تعود، في هذه الحالة، لأولاده من الزواج الأول. أما الطلاق، فإنه وأن كان مباحاً في المجتمع المصري القديم، إلا أنه كانت تترتب عليه أعباء وشروط مالية باهظة يتحملها الزوج عند استعمال هذا الحق. ولذا يمكن القول، أن المصري المتزوج، كان يرى أن من الأنسب له أن (يهجر) زوجته ويتزوج من أخرى على أن يقدم على تطليق زوجته الأولى، لأنه في الحالة الأولى (هجر الزوجة الأولى) كان يدفع (قطعة فضية واحدة) كمهر لزوجته الثانية، في حين أنه في الحالة الثانية- (أي: إذا طلق زوجته الأولى)، فإنه كان عليه أن يدفع خمسة أو حتى عشر أضعاف المهر – كتعويض أو مؤخر.

صفحة 9

البداية الفعلية للفكر الاجتماعي – النظري

يمكن القول، أن أول محاولة (نظرية) للبحث في الإنسان وعلاقاته بغيره، المجتمع وموقع الفرد منه، القانون والعرف والعلاقة بينهما، ودور كل منهما في تنظيم سلوك الإنسان ضمن نطاق الجماعة – وغير ذلك من القضايا الاجتماعية، قد جرت في ظل الحضارة اليونانية، وتحديداً في القرن الخامس قبل الميلاد. ومعها بدأت مسيرة (الفكر الاجتماعي)، التي أفضت، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلى تأسيس ما صار يُسمى بـ (علم الاجتماع).

وقد بدأ للباحثين في تاريخ الفكر الاجتماعي وقضاياه، إن هذه (المسيرة)، لم تجرِ دائماً على وتيرة واحدة، ولا كانت في كل الأحوال متصفة بالطابع نفسه، وإنما شهدت مراحل، تخللتها فترات، كان لكل منها طابع مميز، ولذا وجدوا أن من الأنسب تقسيم هذه (المسيرة) إلى ثلاث مراحل تتميز كل مرحلة منها بخصائص وتوجهات معينة، ويكمل اللاحق منها السابق.

وهذه المراحل هي:

أولاً: المرحلة الفلسفية – المعيارية.

ثانياً: المرحلة الفلسفية – العلمية.

ثالثاً: المرحلة العلمية – الوضعية.

وسنحاول فيما يلي، تتبع مسيرة الفكر الاجتماعي – النظري بادئين بنشأته، وعبر هذه المراحل الثلاث، مبرزين الطابع الذي اتصف به هذا الفكر في كل مرحلة منها.

صفحة 10

المرحلة الفلسفية – المعيارية

ويتعين علينا أن نوضح أولاً سبب تسمية هذه المرحلة بـ (المرحلة المعيارية) سُميت هذه المرحلة بـ (الفلسفية) لأن الفكر الاجتماعي النظري كانت نشأته وبدايته الفعلية ونموه وتطوره في أحضان الفلسفة ورعايتها، فكان يستمد منها معينه، ويواكبها في تطورها، ويتأثر بتوجهاتها، عبر العصور التأريخية التي مرت بها الفلسفة في تطورها، سواء العصر القديم اليوناني أو العصر الوسيط (الذي انتشرت خلاله الديانتان السماويتان المسيحية والإسلامية).

كما سميت هذه المرحلة علاوةً على ذلك بـ (المعيارية) لأن الفكر الاجتماعي كان مهمتها على الأغلب خلال هذه المرحلة، بدارسة حالة الإنسان وعلاقته بغيره من أفراد البشر ضمن نطاق المجتمع، ليس كما هو متحقق بالفعل في الواقع، وإنما كما (ينبغي) عليه أن يكون. بمعنى أن الفكر الاجتماعي في نظرته، إلى الإنسان والمجتمع، كأنه كان ينشد حالة (معيارية) يتطلع إلى تحقيقها.

وكانت بداية هذه المرحلة في العصر القديم، في ظل الحضارة اليونانية، وتحديداً في القرن الخامس قبل الميلاد، واستمرت عالقة بركب الفلسفة في مسيرتها، خلال العصر الوسيط، حتى نهايتها، في القرن الرابع عشر الميلادي، أي مع انطلاق (النهضة الأوروبية).