صفحة 1
المقدمة
كلية الطب، صرح ثابت ومؤثر من صروح نهضة العراق الحديث، بل هو عنوانها·
لقد سبق تشييدها ونشأتها نقاش حار وحوار طويل بين محبذ وآخر نابذ للفكرة·
ومن الواجب، بادئ ذي بدء، أن أذكر بأن كلية الطب بدأت من الصفر، أي إنها لم تتطور على أنقاض كلية سابقة، سوى تمنيات وأضغاث أحلام بعض الأطباء من عراقيين وأجانب·
لقد حقق هؤلاء الرجال، وعلى رأسهم والحق يجب أن يقال، طبيب بريطاني وهو هاري سندرسن، الذي استطاع بتأثيره الواسع على الأوساط الحكومية، بالموافقة على إنشاء الكلية، والتي استندت على عمودين جبارين عظيمين هما الأستاذ الدكتور هاشم الوتري والأستاذ الدكتور صائب شوكت، اللذان يعود لهما الفضل الأكبر بالحفاظ عليها ورعايتها، مع جمع من الفضلاء لصد عاديات الدهر، وعلى شبابها الدائم الذي مكنها من ولادة كليات أخرى عديدة·
لقد وثق تاريخ كلية الطب مرتين : الأولى، بجهود عميدها السابق الأستاذ الدكتور هاشم الوتري ومعاونه الدكتور معمر خالد الشابندر في كتابهما الموسوم تاريخ الطب في العراق مع نشوء وارتقاء الكلية الطبية العراقية المنشور عام 1939، والمرة الثانية بقلم الأستاذ الدكتور سالم الدملوجي، والمنشور عام 2001، وهو أحد خريجي الكلية نفسها النجباء، وحري به أن يوثقها وهو خير شاهد عيان على تطورها وارتقائها، وكان دافعه الرئيسي إلى هذا التوثيق هو جهل طلاب كلية الطب بتاريخ كليتهم، ومراحل تقدمها والتطورات التي جرت على مناهج وأساليب التدريس· وإن عرف طلاب كلية الطب شيئاً عنها، فإن معلوماتهم كانت سطحية أو قليلة جداً، وتكاد تكون معدومة عن الرجال الرواد المؤسسين، وهذه تعدّ خسارة تاريخية عظمى لمثل هذا الصرح العلمي الرائع الذي يجب أن نفخر به على مر الأعوام·
ألح علي وأمعن في الإلحاح، جمع من الأصدقاء على كتابة مسيرة الكلية الطبية العراقية وتاريخها وذكرياتي عنها، لتسجيل أحداث العقود من الزمن التي شهدتها والتي مرت بجيلي، ومنعتني بعض العوامل المهمة؛ ومنها أني لم أشهد سني نشأتها وبنائها فقد دخلتها وهي في شرخ شبابها، ومنعني كذلك عامل آخر، وهو أن الأستاذ الدكتور سالم الدملوجي قد أوفى جميع المتطلبات ووعد بأنه سيسجل فترة الدراسة من 1940-1946؛ وقد نفذها وأصدر كتاباً ضافياً عنها، ووعد بأنه سيوثق بكتاب ثان يوضح المرحلة التي كان فيها معيداً ومدرساً في كلية الطب 1946-1956، ثم القسم الثالث وهي الفترة التي أصبح بها أستاذاً كاملاً، وكان لفترة فيها رئيساً لقسم الطب الباطني (1965-1979)، وكنت ومازلت بانتظار إصدار الجزئين، ولكن رحيله غير المتوقع قد أجهض ولادة الجزئين الأخيرين، رحم الله الأستاذ سالم الدملوجي·
صفحة 2
والأستاذ الدكتور سالم فاروق الدملوجي، رجل ثقة وعلامة من علماء العراق، وأستاذ فاضل معروف بين جميع شرائح خريجي كلية الطب، وطيلة عقود من الزمن، كان قوي الشخصية، قويم الأخلاق، متزن الخطو، تدرج بالمناصب صعوداً بعرق جبينه وجهاده المتواصل؛ لذلك أعتبر ما كتبه عن الكلية الطبية العراقية هو الصواب بعينه، وسيكون مرجعاً علمياً بحتاً، وها أنا أمضي على أثره موثقاً فترة لا تعدّ ضمن ما وثق الأستاذ الدملوجي، وهي بين عامي 1949-1954، بل امتداداً لها من حياة الكلية الطبية الملكية العراقية· وقد أفلت نجوم وبزعت نجوم رجال آخرين عن وعلى مسرح الأحداث، مسجلاً أيامي فيها منذ دخولي كلية الطب طالباً إلى حين انصرافي عن العمل الأكاديمي الطبي أستاذاً، فقد مرت أحداث مهمة، وتطورات جسيمة على كلية الطب، وقد أختلف معه في بعض آرائه ولكني أتفق معه على جل ما جاء به·
وأرى واجباً علي يحتمه الخلق القويم أن أذكر المبدعين من الأطباء والأساتذة· وإن ما نالوه من صيت ذائع وسمعة جيدة هو قليل مما يستحقونه ودخلوا التاريخ من بابه الشرعي· لقد أكسبوني أفقاً عريضاً وعلماً ونقاء وحباً للناس وشجعوني على العمل الدؤوب، ووضعوا بصماتهم علي وبنوا في الشخصية المعتدلة، كما كونوا شخصيات أخرى من زملائي الذين مارسوا العمل المهني بجد وإخلاص· كما عرجت على كلية الطب وبناتها وأعمدتها وما آلت إليه، ذاكراً المستشفيات التابعة لها كالمستشفى التعليمي والحميات وحماية الأطفال، وما قدمت هذه المستشفيات ورجالها من أعمال جليلة، إذ إنها كانت السند الحقيقي لتعليم الطب والمختبر السريري للكلية·
وختاماً أتمنى أن أكون قد وفقت بعملي هذا، وأضفت وثيقة تسد فراغاً في المكتبة الطبية العراقية، فقد كنت شاهداً حياً عليها، وإن كنت قد سهوت عن ذكر رجال وأحداث شاركوا وشاركت في المسيرة الطبية لخدمة العراق، فإني أتقدم بالاعتذار مقدماً وسيذكرهم غيري، والتاريخ ليس أخرس اللسان ولا يعرف الصمت ولا النسيان·
والله الموفق·····
الدكتور
هاشم مكي الهاشمي
عمان - 2009
صفحة 3
توطئـــة
في وقت متأخر من بعد ظهر أيلولي قائظ عام 1982 وصلتني إشارة تلفونية من إدارة كلية الطب بالموافقة على إحالتي على التقاعد لأسباب صحية، بناء على طلبي الشخصي·
وما إن استوعبت الخبر حتى زال عني تعب النهار وشعرت بخدر وراحة يتسللان إلى نفسي· ثم انهالت علي ذكريات عزيزة كنت أحسبها امَّحت وإلى الأبد من سجل الذاكرة· وعاد بي العمر إلى أوائله رجوعاً إلى أيام الصبا والشباب، وأنا أربط الليل المنصرم بصباح آت، متجاوزاً فطوراً أعدته الوالدة خوفاً علي من جوع يهدد حسن تقديمي للامتحان·
وكشريط سينمائي جلست أنظر إليه بعين والهة واسترجعت من الحوادث التي أصابتني في الصميم ولم تصب مني مقتلاً بل زادتني همة ورجولة·
وها أنا بعد عمر امتد خمسين عاماً ونيف في الخدمة الطبية، أزيل عني تبعات الحاضر وإرهاصاته، أذهب إلى حال سبيلي، متخلياً عن كل شيء سوى نفسي وتجاربي الفنية، ومرضاي من جميع شرائح المجتمع، وما قاسيت من تصرفاتهم مما يشرح القلب وما يدميه ويتعبه· إن مهنة الطب في العراق ليست بالمهمة الهينة، والتعامل مع الناس من أصعب الأمور، وعليك أن تتحلى بالأخلاق القويمة والحكمة وقوة الشكيمة·
وعادت بي الذكرى إلى الرجل الحكيم في مقر المستشفى الملكي في يوم التحاقي بها طبيباً حدثاً، والذي أصر علي أن أذكر له رقم وتاريخ تسجيلي في نقابة الأطباء، فاستغربت فقال، إننا نحسب هذا التاريخ بداية الخدمة، وعندما تحال على التقاعد يحسب موعده كموعد لانتهاء الخدمة الفعلية، وبين هذين الموعدين والتاريخين هو فترة الخدمة الفعلية في الدولة العراقية· فقلت والعجب يملأ نفسي : التقاعد ؟ فأجاب : نعم ياولدي سوف تتعبك الأيام وما تحمله لك من مفاجآت، وسوف تمل الناس وتصرفاتهم·· إنه العراق·· ياولدي، إسأل مجرباً ولا تسأل حكيماً·· سوف تأتي إلي·· إذا امتد بي العمر طالباً وسائلاً بل مستجدياً إعفاءك من الخدمة، فلا تعجب من الدنيا والحياة، وسوف تريك العجب العجاب، وضحك حتى بانت نواجذه السود المتآكلة من فعل الزمن والدخان·
وعدت إلى نفسي، مرة ثانية، والليل يسدل أستاره الثقال على الدنيا، ولم أنتبه إلى موعد العشاء، بل رحت أقلب ساهماً صفحات حياتي منذ أيام التلمذة صعوداً إلى ما أنا عليه متقاعداً، فوجدت نفسي رئيساً لطابق جراحي عامر، في قلب أكبر مستشفى تعليمي في بغداد، وأستاذاً كاملاً في فرع الجراحة، كلية الطب، جامعة بغداد· تسلقت سلم الدرجات العلمية بجهدي المحض، وإذا أنا بنفسي أقدم طلباً لإعفائي من الخدمة لأسباب مرضية، وباستطاعة القارئ العزيز أن يقدر مدى معاناتي للوصول إلى هذا القرار بإحالتي على التقاعد، وبدلاً من التمسك والاعتزاز به فإذا بي أستهين به لأنأى بنفسي عن دوامة الفوضى· وأدركت معنى المثل القائل بأن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، وما علي سوى التشبث بأخلاق الرجل الرياضي·
صفحة 4
وداومت في المستشفى في اليوم التالي كالمعتاد، وأجريت آخر عملية جراحية، وجلست في غرفة الجراحين الصغيرة، وكان يجلس أمامي الدكتور هشام الدوري فسربت له الخبر فقال بالحرف الواحد حرامات
وانقطعت عن الدوام، لم أراجع الكلية وعميدها ومدير شؤونها بعد ذلك أبداً وتركت الأمر يأخذ مجراه، وتأتيك بالأخبار من لم تزود· وفي ضحى يوم الخميس التالي ذهبت إلى المستشفى وصعدت إلى الطابق الثالث الذي يخيم عليه السكون، إذ كان الجميع في صالات العمليات· وفتحت باب غرفتي، وأدركت بأن يداً شريفة عاثت فساداً بها، وسرقت أفلامي الشعاعية النادرة وكتبي ومجلاتي الطبية والأطالس الجراحية· فتركت الغرفة، ومفتاحها وخرجت إلى خارج المستشفى إلى البيت· وجاءت الكتب الرسمية تباعاً موقعة من العميد أو وكيله· وأنهيت معاملة التقاعد واستلمت مكافأة نهاية الخدمة، وأحسست بأنها وثيقة إطلاق سراح من كيان كان حبيباً إلى نفسي وأصبح فيما بعد سجناً يكتم الأنفاس·
وبعد ربع قرن ونيف، وفي دار الغربة، ألح علي أصدقائي بكتابة ذكرياتي توثيقاً للأيام وللحوادث وللتاريخ فقمت به نزولاً عند رغبتهم وأكملته، وهو بين يدي القارئ الكريم، سجلاً أميناً وقد يحوي على سيرة ذاتية لطبيب بغدادي، عراقي وعربي أصيل، ولد ونشأ في محلات بغداد القديمة، ودرس في مدارسها العريقة، ودرس الطب في بغداد في أعظم صرح حضاري في تاريخ العراق الحديث بناه رجال أشداء، وسافر إلى الغرب وحاز على زمالة كلية الجراحين الملكية في أدنبره، وتدرب في مستشفياتها وعاد إلى الوطن بملء حريته، ولم يغره الغرب بمغرياته الجمة وعمل كما أوصاه ربه تعالى، وأملاه عليه ضميره، وساعد الناس وأخذ بيدهم، وساعد طلابه بما يستطيع ،وكان يقدمهم على نفسه وراحته، متجاوزاً إجازته السنوية أحياناً، وبقدر ما ساعد الناس جميعاً ونال رضاهم فقد نال من بعضهم نكران الجميل، وكذلك سعى بكل جهده لكي يبقى صرح كلية الطب شامخاً عزيزاً نظيفاً كما بناه وحفظه أسلافنا الأفاضل لتبقى أسماؤهم لامعة براقة بالرغم من عاديات الزمن، وسلواي الوحيدة وأملي الفرد أن ينهج أبناؤنا نهج السلف الصالح نحو كليتهم الأم ومستشفياتهم الوليدة·
وختاماً أود أن أؤكد بأن الكتاب ليس قصة حياتي الخاصة بل هو محطات لرحلة مرحلية في مسيرة طبيب ومثقف عراقي امتدت ما يناهز النصف قرن، يوثق ما مر بها من حوادث وخطوب·
عسى أن يوفقني الله عز وجل·
الدكتور هاشم مكي الهاشمي
صفحة 5
كلية الطب
كان الطب في حالة بائسة جداً في عموم ربوع العراق إبان العهد العثماني· ويقوم بمزاولة هذه المهنة طبقة من الأفاقين والمشعوذين· وكانت تجتاح البلاد من أقصاها إلى أدناها الأمراض والأوبئة، مثل الطاعون والجدري والهيضة والتايفوس، وتزهق أرواح الكثيرين والأعداد من البشر محولة القرى والقصبات والمدن إلى خراب· هذا إضافة إلى الأمراض المتوطنة التي نهشت جسد الفلاحين والطبقة العاملة في الحقول مثل البلهارزيا والديدان والملاريا·
ولم يكن في ولاية بغداد إلا مستشفى واحد حتى عام 1914 في عهد مدحت باشا، ومستشفى آخر في كربلاء إضافة إلى بعض دور الحجر المتواضعة وغير الكافية على الحدود مع إيران·
وفي عهد متأخر أي حوالي عقد العشرين من القرن الماضي، لم يكن غير عدد قليل من الذين يمارسون الطب، مثل (أبو فينة) وهو إيراني الجنسية وكذلك الدكتور مرزة يعقوب، والدكتور مظفر البكتاشي، والدكتور صموئيل أداتو والجراح الحاج كاني·
وكان يقوم بالمهمات الجراحية الحلاقون والحجامون، وكذلك بعض الملالي مثل ابن الملا جواد، وابن الشيخ كمر، بكتابة التعاويذ والتمائم للأطفال والبالغين من المرضى لشدة اعتقاد الناس بصلاحيتهم في علاج الناس المرضى· أما الكسور فكان يقوم بالمهمة بعض المجبرين مثل محمد الصفار في سوق الصفافير في بغداد، والحاج خليل الكردي في محلة الصدرية الشهيرة في بغداد·
وقد قامت الحملة البريطانية وأطباؤها بعد احتلال العراق بمهمة علاج المدنيين، مثل الدكتور سندرسن ودنلوب وودمن وآخرون بجهد عظيم لتطوير الواقع الصحي للعراق من جهة، ولترسيخ سلطانها وكسب أصدقاء ومودة من شرائح المجتمع العراقي كافة، وثقة الجماهير العراقية بعلمية الأطباء البريطانيين في علاج الناس، ووضع الخطط للقضاء على الأمراض المتوطنة والوافدة في الريف والمدن، ونجحوا والحق يقال في هذا النحو ولكن ليس بالقدر المطلوب·
وأضافت الحملة البريطانية لمسات الحضارة إلى مستشفى المجيدية، وأبدلوا اسمه ليصبح المستشفى العسكري البريطاني الثابت رقم (23)، وجهزوه بالأدوية والمعدات ووسعوا من قاعاته، بحيث أصبح المستشفى العسكري الوحيد في بغداد الذي كان يستقطب أعداداً كبيرة من مرضى القوات البريطانية المحتلة· وبعد تشكيل الدولة العراقية، أصبح هذا المستشفى العسكري البريطاني هو المستشفى الملكي العراقي؛ إذ انتقلت جميع الممتلكات العسكرية إلى السلطة المدنية العراقية، وهو كان نواة للمستشفى التعليمي في بغداد·
صفحة 6
الجمعية الطبية البغدادية (العراقية لاحقاً)
ولسوء الحالة الصحية في العراق وقلة الأيدي العاملة في الحقل الطبي، نبتت فكرة تشكيل لجنة لدراسة الوضع الطبي واقتراح حلول ناجعة لها في عقول بعض الخيرين من أطباء ذلك العهد· ففي 4 / آب 1920 تشكلت جمعية سميت بالجمعية البغدادية، وتعاون على تأسيسها ثلاثة عشر طبيباً بريطانياً، وسبعة وثلاثون طبيباً عراقياً، وعقدوا اجتماعاً ولأول مرة لهم في دائرة الحاكم العسكري البريطاني، وترأس الاجتماع الميجر هكس رئيس إدارة الصحة العمومية، وجرت انتخابات لأول هيئة إدارية، ففاز اللفتنانت كولونيل إلين وهو مدير عام للصحة برئاسة الجمعية، والدكتور محمد كاتي سكرتيراً، والدكتور سامي شوكت نائباً للرئيس، والميجر هكس أميناً للصندوق، وأسست الجمعية مكتباً لها في دائرة الصحة العمومية في البلدية· وبدأ أعضاء الجمعية بالازدياد، ووصل بعد سنة واحدة إلى 48 عراقياً و14 بريطانياً، حيث تولى رئاستها اليفتانت كولونيل كراهام، والسكرتارية الدكتور هيكس· كما انتخب أمينان للسر أحدهما باللغة الإنكليزية السيد أنطوان عمانوئيل، وثانيهما سكرتير باللغة العربية الدكتور سليمان غزالة· أما اللجنة التنفيذية فكانت مؤلفة من الكولونيل هاميرتون مدير المختبر التحليلي، والدكتور ووكين، ومدير مستشفى النساء والأطفال الدكتور إبراهام، ومدير المستشفى الملكي الدكتور دنلوب·
وفي عام 1922 فاز برئاسة الجمعية البغدادية الدكتور هيكس، ثم الدكتور حنا خياط عام 1923، فالدكتور هلنان عام 1924، والدكتور دنلوب عام 1925، والدكتور صائب شوكت عام 1927، وتكرر انتخابه إلى أعوام عديدة· أما في عام 1928 فكان الدكتور ودمن رئيساً، والدكتور سامي شوكت عام 1929، وسندرسن باشا عام 1930، ثم الدكتور شوكت الزهاوي لعدة سنوات، ثم الدكتور هاشم الوتري عام 1938 ولأعوام طويلة· ومما يجدر ذكره بأن الجمعية الطبية البغدادية تغير اسمها عام 1935 إلى الجمعية الطبية العراقية·
صفحة 7
الجمعية الطبية العراقية
كان هدف الرعيل الأول من الأطباء العراقيين العائدين إلى وطنهم العراق بعد أن درسوا في استنبول وفرنسا والشام، وبالتعاون مع زملائهم البريطانيين، أن يخلقوا من هذه الجمعية صرحاً علمياً على غرار مثيلاتها في دول الغرب·
لقد لعبت الجمعية الطبية البغدادية، ومنذ الأيام الأولى من تأسيسها، دوراً مهماً وفاعلاً في تأسيس كلية الطب العراقية·
حين عقدت الجمعية الطبية البغدادية اجتماعاً في مستشفى العزل (مستشفى الكرامة حالياً) وذلك في حزيران عام 1921 وأعلن المشاركون حاجة العراق إلى إنشاء مديرية طبية وطنية، وكانت الجمعية توالي اجتماعاتها المكثفة وكتابة التقارير المسهبة وإرسالها إلى مجلس النواب لمناقشة الأمر، كما توالت اجتماعات أعضاء الجمعية بالسادة الوزراء ورؤساء الوزراء على تحبيذ فكرة إنشاء مدرسة أو كلية طبية عراقية، وكانوا ينشرون أفكارهم إلى القاصي والداني· وقد تصدى للفكرة ولسوء الحظ بعض الأطباء من العراقيين ولم تنل الفكرة رضاهم، وفضلوا إرسال البعثات إلى خارج القطر لدراسة هذه المهنة والعودة إلى الوطن لممارسة المهنة لرفع المستوى الطبي؛ إذ كان العراق يشكو من الأمراض المتوطنة، مثل التيفوئيد والحصبة والطاعون والتدرن بسائر أشكاله والتيفوس· لقد كانت الحالة الصحية العامة بائسة جداً، ومما زاد في الطين بلة حالة الفقر والجهل التي كانت السمة العامة للمجتمع العراقي آنذاك·
وكان الرجال الذين تولوا مهمة إيصال المعلومات إلى المسؤولين والضغط عليهم بمختلف الأساليب هم الدكتور صائب شوكت، والدكتور هاشم الوتري، والدكتور سامي شوكت، والدكتور حنا خياط· وبعد طول جهاد ومكابدة، وافق مجلس النواب على إنشاء كلية لدراسة الطب·
وأسقط في يد المعارضين ورصدت المبالغ اللازمة، واستقطعت أرض من الأوقاف العامة في البستان الذي يقع خلف المستشفى المجيدية، والذي كان قد بني لاستقبال شاه إيران قبل ذلك التاريخ، واتخذته القوات البريطانية الغازية مستشفى للمواطنين·
إن الرجل الذي قام بتصميم الكلية هو الميجر ويلسن، وبدأ البناء في عام 1927، وفي التاريخ نفسه قبلت الدورة الأولى، وأفردت لها غرفتان في النهاية الجنوبية من المستشفى التي صارت لاحقاً ردهة 10، 11، وعين الدكتور سندرسن باشا عميداً للكلية الطبية العراقية·
صفحة 8
نقابة ذوي المهن الطبية
لما اشتد عود الجمعية الطبية البغدادية وتحول عنوانها عام 1935 إلى الجمعية الطبية العراقية، التي كانت تعبئ الجهود إلى استكمال كيان الكلية الطبية الملكية العراقية، التفتت إلى فكرة توثيق الرابطة بين الأطباء أنفسهم وبين السلطات الصحية، مما حدا بها إلى التفكير بتشكيل نقابة لهم أسوة بالمهن الأخرى مثل نقابة المحامين والمهندسين، لتضم بين جناحيها الأطباء البشريين والصيادلة، وأطباء الأسنان والأطباء البيطريين، وذلك ضماناً لحقوقهم وتحديداً لواجباتهم· ولم يكن ثمة إلا النزر القليل من التعليمات في هذا الصدد والوارد في قانون ممارسة الطب في العراق·
ونهد أفراد من الجمعية الطبية العراقية بدراسة قوانين النقابات الأجنبية وترجمتها مثل القانون البريطاني والفرنسي والتركي والمصري· وصيغت مسودة القانون لذوي المهن الطبية·
تقدمت الجمعية الطبية العراقية للجهات المسؤولة بطلب لتشكيل نقابة لذوي المهن الطبية عدة مرات وبلا جدوى· ولكن الصدود لم يفت بعضدها ولم يخامرها يأس أو إحباط، فألحت حتى تكللت مساعيها بالنجاح، ووافق المسؤولون على إصدار قانون نقابة ذوي المهن الطبية بين دهشة الجميع· وأصاب القانون تعديل عدة مرات، وأخيراً وافق مجلس الوزراء على عرضه على المجلس النيابي ثم مجلس الأعيان، وبعد جدال ونقاش تم وضع صيغته النهائية، والذي تزامن مع تشكيل وزارة الصحة التي أوكل إليها مهمة تنفيذ القانون والدعوة إلى إجراء الانتخابات بإشرافها·
وفي منتصف شهر نوفمبر 1952 جرت الانتخابات في قاعة نادي المحامين، وحضرها جمع غفير من ذوي المهن الطبية واستلمت من المحافظات الرسائل المسجلة بالبريد، وفاز الدكتور أحمد عزت القيسي بنسبة ساحقة· وحدثت بعض الاعتراضات من المرشحين، فتقرر أخذ رأي ديوان التدوين القانوني فأفتى برأيه ِ الحاسم بأن النقيب المنتخب هو النقيب الصحيح والقانوني، وتشكلت اللجان الفرعية والإاضباطية والمهنية ولجنة إصدار مجلة خاصة وانتخب ممثلو النقابة من المحافظات كافة· وكما هو معروف فقد لعبت الأهواء السياسية دوراً في الموضوع· واستبعد كل من الأستاذ هاشم الوتري والأستاذ صائب شوكت عن رئاسة نقابة ذوي المهن الطبية· وكانت هذه مفاجأة للجميع، فعلى الرغم من كون نقابة المهن الطبية ولدت من رحم الكلية الطبية العراقية، والتي تناوب على قيادتها العملاقان الأستاذان هاشم الوتري وصائب شوكت، فإن أبناءهم وبكل حرية وديمقراطية فضلوا وجهاً واسماً جديداً ليكون رئيساً لنقابتهم الوليدة فكان لهم ما أرادوا··
وبعد مدة من الزمن تفرعت نقابة ذوي المهن الطبية إلى نقابة الأطباء، ونقابة الصيادلة، ونقابة أطباء الأسنان، ونقابة الأطباء البيطريين ونقابة ذوي المهن الصحية· وقد ساهمت جميع هذه النقابات وبشكل ملفت في الحركات السياسية التي عمت القطر، وذلك عبر انتماء أكثر أعضائها إلى الأحزاب العاملة المجازة وغير المجازة في تلك الفترة وبعدها· وتقرر أن يكون تاريخ انتماء العضو في نقابته هو بداية تاريخ خدمته في الدولة، مما أكسب النقابة أهمية عظمى·
ولشدة ازدحام بناية نقابة ذوي المهن الطبية في المنصور ـ فقد انتقلت نقابة الأطباء وحدها إلى بناية الجمعية الطبية العراقية، ورجعت الوليدة إلى أمها وغدت الجمعية الطبية العراقية تعنى بالعلوم والمؤتمرات الطبية، ونقابة الأطباء تعنى بشؤون الأطباء النقابية·
صفحة 9
افتتاح كلية الطب العراقية
تم افتتاح الكلية بتاريخ 29/11/ 1927 والدراسة فيها لمدة خمس سنوات، وبدأ البناء وتم قبول المرحلة الأولى وأخذ العمل فيها على قدم وساق وبشكل دائب، وكان من حسن حظ الكلية أن يكون السيد عبد المحسن السعدون رئيس الوزراء موجوداً في بغداد في ذلك الوقت؛ لأنه وهبها رعايته الأبوية الحنون، وكان السير جلبرت كلايتن المندوب السامي الإنكليزي في العراق في ذلك الوقت· وبتاريخ 4 نيسان 1930 افتتح المغفور له الملك فيصل الأول بناية الكلية باحتفال مهيب، وكان مرتدياً الملابس العربية، ومعتمراً عقالاً مقصباً وكوفية بيضاء وعباءة مذهبة، وحضرها رئيس الوزراء والوزراء كافة والسفير البريطاني، ولفيف كبير من الأساتذة العراقيين والأجانب، وبعض الملحقين الثقافيين للسفارات الأجنبية المعتمدة وكثير من المدعوين· تم ذلك الإفتتاح باحتفالية رائعة في حديقة كلية الطب، وكانت الأعلام العراقية ترفرف في أجواء الحديقة، وموسيقى الجيش العراقي الوليد كانت تصدح في الأجواء، والصورة موجودة في غرفة عميد الكلية الطبية، وكم حاولت أن أنال نسخة منها فلم أستطع، وقدم مدير الصحة العامة مفتاحها الذهبي إلى الملك المعظم المغفور له جلالة الملك فيصل الأول، وأثناء تلك المدة، وضع الملاك للكلية ونظامها العام وشروط القبول·
ومن الجدير بالذكر بأننا نستطيع أن نستنتج بأن ثمة عوامل تظافرت لإنشاء كلية طب عراقية خالصة من بين الركام وبدأت من الصفر· كانت العوامل كثيرة وأهمها:
(1) الأحوال الصحية البائسة جداً والتي كانت تسود المجتمع العراقي في ذلك الوقت والواضحة للعيان·
(2) غيرة الأطباء العراقيين العائدين إلى الوطن ووطنيتهم وإخلاصهم اللا متناهي، بحيث جندوا أنفسهم لخدمة الوطن صحياً، وكانوا يذهبون بأنفسهم إلى بؤر الوافدات والمتوطنات لمكافحة الأمراض· إن هذه الزمرة الطبية هي التي مثلت الطبقة المثقفة في العراق والتي أصرت الإصرار الأكيد على إنشاء الكلية·
(3) إن أولي الأمر والذين كان بيدهم الحل والربط، وعلى رأسهم المغفور له فيصل الأول، وعوا المسألة والحالة الصحية البائسة في العراق، وعرفوا بأن الحل هو بالموافقة على إنشاء كلية الطب العراقية·
ومن غير المعقول أن يتفرد بالعمل لإنشاء الكلية والتدريس بها العراقيون فقط؛ بل استعانوا بالبريطانيين الموجودين وساعدوهم وأخذوا بيدهم وأوفدوهم وعلى حساب الدولة إلى بريطانيا للتخصص، كل في اختصاصه ليعودوا إلى الوطن ويقودوا الحملة بأنفسهم، وفي الوقت نفسه كانوا أعضاء في الجمعيات السرية السياسية لإخراج الأجنبي من بلادهم لاستنشاق هواء الحرية؛ ولقيام دولة عراقية مستقلة ذات سيادة لتنال عضوية عصبة الأمم·
لقد قامت الجمعية الطبية البغدادية، إضافة إلى كل ما تقدم من مكتسبات، بإصدار أول مجلة طبية باسم ( المجلة الطبية البغدادية ) عام 1925، وكان رئيس تحريرها الأستاذ الدكتور صائب شوكت يعاونه الأستاذ الدكتور هاشم الوتري· ولها الفخر بأنها أنشأت أول مكتبة طبية في العراق، وقد استوردت بعض الكتب من خارج العراق؛ أما البقية فقد كانت على شكل تبرعات من الأطباء العاملين في كلية الطب· وفي هذه الأيام، ولدت الجمعية الطبية العراقية ومنها انبثقت نقابة ذوي المهن الطبية، والتي تكاثرت مع الزمن فأصبحت نقابات مستقلة بحسب الاختصاصات الطبية·
ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد بأن الجمعية الطبية العراقية، بعد أن كانت الجمعية الطبية البغدادية قد حققت عام 1938 انعقاد المؤتمر الطبي العربي الأول في بغداد في الفترة بين 9-13 شباط، وخلال فترة عيد الأضحى المبارك، وانعقد المؤتمر في قاعة بهو أمانة العاصمة الشتوية الكبرى كما سيأتي ذكره لاحقاً، وحضرها وفود من جميع الدول العربية، وألقى الشاعر علي الجارم قصيدته وسيأتي ذكرها لاحقاً·
صفحة 10
الشؤون الإدارية لعمادة كلية الطب وشروط القبول
السيد فيكتور ناص
(1) ملاك الكلية :
(1) العميد : تناوب على العمادة منذ تأسيسها إلى عام انتسابي فيها طالباً عام 1949 ستة عمداء هم الأساتذة هاري سندرسن، حنا خياط، أحمد قدري، هاشم الوتري، جلال العزاوي ثم صائب شوكت في العمادة الثانية·
(2) مجلس الكلية : يتألف من العميد وعضوية مدير الصحة العام وثلاثة من كبار الأساتذة·
(3) مجلس الأساتذة : ويتألف من أصحاب الكراسي التدريسية الثابتة عند تأسيس الكلية·
هاري سندرسن لكرسي أستاذ الطب الباطني النظري
هاشم الوتري لكرسي أستاذ الطب الباطني السريري
نوئيل إبراهام لكرسي الجراحة النظري
صائب شوكت لكرسي الجراحة العملي
الأستاذ سبنسر ثم جلال العزاوي لكرسي أمراض العيون
الأستاذ أولفر ثم قاسم البزركان لكرسي الأنف والأذن والحنجرة
الأستاذ ميلز لكرسي الباثولوجي
الأستاذ ستيسي لكرسي الفارماكولوجي وفن التداوي
الأستاذ بيتي لكرسي البكتريولوجي
الأستاذ بوزول لكرسي البايولوجي
الأستاذ هوكنر لكرسي الفيزياء والكيمياء
الأستاذ أمين بك عبدالرحمن لكرسي التشريح