مقدمة
لا شك أن شرقي الأردن آهلة بالسكان منذ أزمنة عريقة في القِدَم، وإن لم يزل قسم كبير من تاريخها القديم مجهولاً. فوفرة الآثار وانتشار بقايا ما قبل التاريخ التي اكتشفها وصوّرها من الجو الجروب كابتن ريز Group Captain Rees V.C., A.D.C...etc. من قوة الطيران الملكية لَدليل قاطع وبرهان ساطع على أن الإنسان قد عاش في هذه البلاد منذ آلاف السنين.
ويكاد لا يكون هناك ذكر للبلاد التي تُعرف الآن بشرقي الأردن في التاريخ الذي خلفته الإمبراطوريات العظمى التي نهضت بين أيام فراعنة مصر الأولين وخروج الإسرائيليين. فالجيوش المصرية والحثية والآشورية في اجتياحها سوريا وفلسطين كانت تتبع طريقاً واحدة معينة مبتعدة عن سلسلة الجبال التي تمتد غربي شرقي الأردن. لكن يجب أن لا يذهب بنا الظن إلى أن بناة الإمبراطوريات القديمة كانوا عماة عن الحقيقة الراهنة التي أدركها سياسيو العصر الحاضر، وهي أن الأمن والسلام في سوريا وفلسطين وسيناء متوقفان على أحوال شرقي الأردن وشؤونها ودرجة استقرارها. ومن المحتمل أيضاً أن رجال الحرب القدماء كانوا يعلمون أنه حين تكون سوريا وفلسطين في قبضتهم يسهل الاستيلاء على شرقي الأردن من الجهة الشمالية المفتوحة الأبواب، ومع ذلك لا يمكن الجزم إلى أي حد فتح حكام سوريا وفلسطين هذه البلاد أو خضعت لسلطانهم لندرة ما اكتُشف من آثارها حتى الآن.
ومع أننا نتخبط تخبطاً عشوائياً في ضبط تاريخ شرقي الأردن قبل عام 1200 ق.م.، لكن الأمل وطيد أن لا تكون الوثائق والمعالم التاريخية مفقودة بكاملها، بل إنها في باطن الأرض وتحت الأنقاض وفي الخرائب التي تغطي سطح هذه البلاد تقريباً.
نقدر أن نعين مقدار ما تتطلبه شرقي الأردن من أعمال الحفريات من وفرة الخرائب والطلول المبعثرة هنا وهناك، إذ قلما تخلو قرية مأهولة اليوم من معالم المدنية الغابرة وآثارها.
ومنذ قرن تقريباً ومصر الشاغل الأعظم لعلماء التاريخ والآثار، وقد حولوا جهودهم مؤخراً إلى سوريا وفلسطين والعراق. أما شرقي الأردن التي قلما أصابها نصيب من هذا الاعتناء، لم تزل أرضها بكراً تنتظر معاول الأثريين وجهودهم، وعسى أن لا يطول بها هذا الانتظار.
فردريك. ج. بيك
عمان في آب / أغسطس
1934
كلمة المعرب
أعتقد أني أضع بين أيدي أبناء وطني أول تاريخ شامل عن هذه البقعة من الأرض المعروفة اليوم بشرقي الأردن. وأنا على يقين من أنهم سيجدونه تاريخاً حقيقاً بالجمع والتدوين لأهميته ولذته معاً.
إن عطوفة الفريق ف. ج. بيك باشا كان في كتابه هذا مؤلِّفاً نزيهاً يتوخى الحقائق التاريخية ويمحصها بعيداً عن التغرض والعصبية، وبذلك فقد أسدى للتاريخ وللأمة العربية خدمة جليلة جديرة بالإعجاب والتقدير.
ومن دواعي السرور والابتهاج أن يتم وضع «تاريخ شرقي الأردن وقبائلها» في عهد صاحب السمو الأمير عبدالله، سيد هذه البلاد، راجين أن تبلغ في ظله الكريم درجة تجعل صحائفها لامعة وضاءة في جبين التاريخ.
بهاء الدين طوقان
عمان في: غرة ذي الحجة 1353هـ
الموافق لشهر آذار 1935
1- شرقي الأردن منذ أزمنة ما قبل التاريخ حتى غزو الآشوريين
حدود شرقي الأردن
شرقي الأردن بوضعها السياسي الحاضر هي إحدى أقسام البلاد العربية، تمتد جنوبي وادي اليرموك وجبل الدروز، ويحيط بها من الغرب نهر الأردن والبحر الميت وخط وهمي يمتد من وسط وادي عربة حتى خليج العقبة. وتشتمل من الشرق على جبل الطبيق، أما وادي السرحان فإنه خارج عن حدودها الشرقية. ويحدها من الجنوب خط وهمي يمتد من مسافة كيلومترين جنوبي العقبة إلى مسافة كيلومترين جنوبي قلعة المدورة.
أزمنة ما قبل التاريخ
في سنة 1927 و1928 قامت بعثة الآثار التابعة لجامعة أكسفورد ببعض البحث والتنقيب شمالي جزيرة العرب، وتوصلت إلى نتائج تاريخية قيِّمة. فقد جاء في التقرير الذي وضعه المستر هنري فيلد Henry Field عن هذه البعثة أن «الظواهر الأركيولوجية والجيولوجية تدل على أن البادية كانت في زمن من الأزمان خصبة التربة غزيرة المياه، حتى أنها لتعول عدداً كبيراً من البُدَّاء المستقرين في أزمنة ما قبل التاريخ».
زارت البعثة قصر البرقع وباير وقصر الأزرق وسارت في طريق عمان - بغداد فعثرت في جميع هذه الأماكن على أحجار صوانية من بقايا العصور الحجرية عملت بها أيدٍ بشرية. ومنذ خمسين سنة وجد المستر سي. دوتي C. Daughty في معان وجبال الشراة كثيراً من نوع هذه الأحجار.
ويشاهد الآن كثير من بقايا الأبنية الحجرية في أرض حرة الراجل البركانية، كما يشاهد أسوار وجدران عديدة في البادية تدل على كثرة سكانها قديماً. وعثر قرب بقايا هذه الأبنية الخربة على أدوات صوانية من العصر النيوليثي Neolethic (منذ عشرة آلاف أو اثني عشر ألف سنة)، كما أنه وجد مثل هذه الأدوات في وادي باير مما يعود إلى العصر الشيليني Chillean (أي منذ مئة ألف إلى أربعمئة ألف سنة)، واكتشف في جهات أخرى حجارة من العصر المسترياني Mousterian (أي منذ قريب من عشرين ألف سنة). فوفرة آثار الأزمنة التي قبل التاريخ جعلت المستر فيلد يقول: «أعتقد أن شمالي بادية العرب تقع على إحدى الخطوط الرئيسية للهجرة بين الشرق والغرب، وأن مواطن ما قبل التاريخ الأصلية تمتد من شمالي شرق العراق إلى الصين».
إن بقايا أبنية ما قبل التاريخ الواقعة على مقربة من عمان تدل على درجة الحضارة في تلك العصور العريقة في القِدَم، ومن هندستها يظهر ما بلغ إليه القدماء من فن التحصين، إذ إن مداخل تلك الأبنية قد شيدت بشكل يجعل الكتف الأيمن للعدو المهاجم، وهو الكتف الذي لا يقيه الترس، عرضة لسلاح المدافعين([1]).
سكان شرقي الأردن القدماء
لا نعلم يقيناً من هم سكان شرقي الأردن في عصور ما قبل التاريخ، ولكن ما لا جدال فيه أن الساميين قد غزوا هذه البلاد واستوطنوها منذ عصور قديمة جداً. ومن المسلَّم به أيضاً أن جزيرة العرب كانت وطن الأمم السامية القديمة، ومنها هاجروا لضيق الأرض بهم أو حباً بالفتوح والتوسع إلى العراق وسوريا وشرقي الأردن وفلسطين، بل قد يكون إلى مصر أيضاً.
تقول الأساطير إن بعض أماكن من بلاد شرقي الأردن كان يسكنها العمالقة (الرفائيون)، ويقال إن عوج ملك باشان كان من بقايا هؤلاء العمالقة، وأن سريره الحديدي في ربة عمون كان طوله أربع عشرة قدماً وعرضه ست أقدام([2]). وكان يقطنها أيضاً أقوام يدعون بالأميين والعناقيين والزمزميين، هم أيضاً فيما يقال من العمالقة([3]).
لا تشير المراجع العربية إلى هؤلاء العمالقة، ولكن ورد فيها أن سكان شرقي الأردن عرب منذ القديم. وتنقسم العرب إلى ثلاثة أقسام تختلف في اللهجة وتجتمع في أصل واحد، وهو سام بن نوح:
1- العرب العاربة، أو العرب البائدة([4]).
2- عرب الجنوب، أو القحطانيون (انظر الملحق الأول)، أصلهم من اليمن وتناسلوا من قحطان المعروف بالتوراة بيقطان. هاجروا من اليمن إلى جميع بلاد العرب حيث أسسوا دولاً وإمارات لعبت دوراً هاماً في التاريخ العربي، ولما جاء الإسلام دبّ بينهم الانقسام والتلاشي.
3- العرب المستعربة، أو العدنانيون، أو الإسماعيليون نسبةً إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. وقد برزت أهمية العدنانيين في الجزيرة منذ عهد النبي ﷺ (انظر الملحق الأول).
إن أسباب هجرة القبائل العربية في جزيرتهم تكاد تكون واحدة في جميع أدوارها، وهو أن ازدياد عدد السكان كان يزيد في حاجتهم إلى أَرَضين يفلحونها ويزرعونها، فأخذت حياتهم تتبدل من زراعية إلى بدوية، فرحلوا عن أرض اليمن الغنية ووديان حضرموت الخصبة إلى السهول التي في أواسط الجزيرة العربية، ولما ضيق عليهم من هاجر بعدهم ساروا شمالاً حتى بلغوا الهلال الخصيب. وهكذا ظل سير هذه الهجرة مستمراً وقتاً طويلاً، الأمر الذي دعى أحد الثقاة لأن يقول بأنه لا يوجد الآن قبيلة في نجد من القبائل التي كانت تقيم فيها لعهد النبي ﷺ([5]).
ولقد كان سيل هذه الهجرة البدوية الجارف الذي لم ينقطع في أي زمن من الأزمان من أعقد المشاكل وأخطر المسائل التي جابهت كل حكومة كانت مسؤولة عن إدارة أرض الهلال الخصيب وشماله، ولعل الدولة الرومانية قد وُفِّقت إلى درء هذا الخطر بتعبيدها الطرق الحربية وبنائها القلاع والحصون مدة ستمائة سنة، ولكنها تقهقرت أخيراً أمام تيار الإسلام الجارف، فوصل العرب إلى شواطئ الهندوس وأسوار الصين شرقاً، واحتلوا شمالي إفريقيا وإسبانيا وجزءاً من فرنسا غرباً.
أسست القبائل السامية التي نزحت إلى الهلال الخصيب دولاً لعبت دوراً عظيماً في التاريخ. من هذه القبائل الفينيقيون الذين توطنوا في سواحل سوريا، وأصبحوا أمة بحرية شقت سفنها عباب البحار حتى الجزائر البريطانية، والعبرانيون الذين سكنوا شرقي الأردن وفلسطين بين 1900 و1400 قبل الميلاد، والأنباط الذين أسسوا دولتهم المعروفة في جنوب شرقي الأردن وبسطوا سلطانهم على البلاد المجاورة.
لم يقف سيل هذه الهجرة حتى يومنا هذا فقد كانت عشائر الرولة تقطن أرض زيزياء منذ ثلاثين سنة. وفي صيف عام 1914م، كانت ضاربة خيامها في الصحراء حول ثمد، واليوم تسكن البادية السورية. ويلاحظ الآن أن بعض القبائل البدوية قد تحضرت قليلاً بعد تركها تربية الإبل التي تعتبر من ضروريات البدوي ومميزاته، وأصبحت تتكل على الزراعة والفلاحة وتربية الماشية لتأمين قوتها، فبنو حسن مثلاً، أكبر شاهد على تلك الميول لهجرهم الحياة البدوية، على حين أن بني خالد وبني صخر لم يصلوا إلى هذه الدرجة من التحضر بعد.
لا نعلم تماماً درجة الحضارة التي بلغها سكان شرقي الأردن القدماء، ولكن مما لا ريب فيه أنهم كانوا يعيشون ومواشيهم في البرية، ثم توصلوا تدريجياً إلى وضع الحواجز الحجرية لمنع تجول الماشية ليلاً وحمايتها من الوحوش الضارية.
الحيوانات
يقال إن الفيلة كانت تعيش في سوريا والعراق حوالي عام 1200ق.م، وأن الأسود كانت تعيش فيها في أوائل العصر المسيحي، ذكرها أبوت دانيال Abbot Danial سنة 1100 ب.م وبولونير Ploner في سنة 1421 ب.م. ويقال إنها ظلت في الأزرق حتى أوائل العصر الثامن عشر. ويروى أن الإمبراطور ديسيوس Dicius (440-521ب.م) أتى بكمية كبيرة من الفيلة من إفريقيا وأطلقها في الحدود الشرقية إرهاباً للبدو([6]).
وفي سنة 1847م، بينما كان أحد السواح ذاهباً بزورق من بحيرة طبريا إلى البحر الميت شاهد على الشواطئ أثر براثن بعض الوحوش الضارية كالأسد والنمر، ولكنه لم يميزها جيداً([7]). وفي عام 1902م شاهد أيضاً سائحان أثر أقدام دببة في الغابة التي بين بطرا والشوبك([8]). ولا يزال في شرقي الأردن قليل من الفهود الصغيرة وعدد وافر من الذئاب والضباع، وقد اصطيد التمساح من نهر الزرقاء في سنة 1878م([9]).
مساكن القدماء وصناعاتهم
ولما هبط معدل هطول المطر نزح فريق من السكان إلى أعالي الجبال حيث تتوفر مياه السيول والجداول، وصار فريق آخر بدوياً يتنقل من مكان إلى آخر انتجاعاً للكلأ والمرعى، وكانت الكهوف المسكن الأول للذين صعدوا إلى الجبال، وإليها يشير النبي إرميا في الإصحاح التاسع والأربعين والعدد السادس عشر مخاطباً أدوم بقوله: «قد غرّك تخويفك كبرياء قلبك يا ساكن في محاجي الصخر الماسك مرتفع الأكمة، وإن رفعت كنسر عشك فمن هناك أحدرك يقول الرب». ثم بدلوا الكهوف بخيم كانت تصنع من جلود الحيوانات أولاً ثم من شعورها.
لم تكن حياة القرية معروفة في الأعصر الغابرة، وتاريخها لا يمتد على الراجح إلى أكثر من بضعة قرون قبل زمن الرومان واليونان. ولا يزال قسم كبير من السكان في وقتنا هذا يفضلون سكنى بيوت الشعر، والبدوي ما زال محتفظاً بخيمته، فلا يصبو إلى سكنى البيت الحجري.
ابتدأت زراعة الحنطة والشعير والدخان والقنب في سوريا منذ عهد قديم جداً، وإن وجود الحنطة والشعير البري فيها الآن ليدل على أنها مصدر هذه الحبوب. زد على ذلك أن بلاد شرقي الأردن اشتهرت في التاريخ بمراعيها الخصبة وكرومها المتعددة المثمرة.
ورد في التوراة أن موسى عندما افتتح مديان غَنِمَ منها 675000 رأس معز و72000 ثور و61000 حمار([10]). وكان ميشع ملك مؤاب يملك عدداً عظيماً من المواشي أعطى منها إلى ملك إسرائيل 100٫000 خروف و100٫000 كبش([11]). وقد خسر الهاجريون سكان جلعاد خمسين ألفاً من الجمال ومئتين وخمسين ألفاً من المعز وألفي حمار في حرب لم ينتصروا بها([12]). لا شك أن هذه الأرقام مبالَغ فيها، ولكنها تدل دلالة صريحة على مبلغ تأثر كُتّاب تلك العصور من غنى البلاد الأردنية. وقد تغنى السائح بورخارد Burchardt بثروة هذه البلاد الزراعية إذ يقول على لسان أحد الأعراب: «أنت لا تجد بلداً كالبلقاء بخرافها ومعزها»([13]).
وكانت جلعاد فوق ذلك شهيرة بالريحان والمر المكاوي، وكانا قديماً يحملان إلى مصر على قوافل الإسماعيليين حيث يستعملان كعقاقير للتحنيط([14]).
وقديماً كانت شرقي الأردن طريقاً للتجارة، فقد كانت البضائع ترد إليها من جنوب البلاد العربية وشرقيها ثم تُحمل على إبل سكانها إلى مصر ومنها تُشحن إلى روما. فشغلت عدداً كبيراً من البدو وسببت قيام بعض المدن، ولكن هذا المورد تلاشى تدريجياً بعد اكتشاف طريق البحر الأحمر وسقوط التجارة الرومانية. وبعد ظهور الإسلام أصبح أثراً بعد عين. ومع أن الخط الحديدي الحجازي الذي أُنشئ في أوائل هذا العصر جلب إلى البلاد شيئاً من الانتعاش والرخاء، ولكنه قضى على البقية الباقية من القوافل إحدى وسائط النقل.
المصريون
لم يكتشف إلا القليل من تاريخ شرقي الأردن أثناء حكم السبع سلالات المصرية الأولى التي ابتدأت بالفرعون مينا حوالي سنة 3400 ق.م، وانتهت بتسنم أحمس أول ملوك السلالة الثامنة عشرة عرش المملكة المصرية سنة 1580ق.م. تقريباً. لم يكن لهؤلاء الفراعنة أطماع استعمارية، فلم يخرجوا من وادي النيل إلا ما ندر، وبماذا كانوا يطمعون ما دامت مناجمهم مستمرة في عملها ودلتاهم آمنة من الغارات البدوية؟!
لم يقم أي دليل بعد على احتلال المصريين شرقي الأردن، ولكن مما لا ريب فيه، أن مدنيتهم نفذت إليها، ولعل السبب هو الاتصال التجاري بين البلدين. فقد اكتشف في سحاب ناووس مصري يرجع بتاريخه إلى حوالي سنة 1300 ق.م. واكتشف قرب الكرك حجر نُقش عليه رموز مصرية قديمة لم تُحل بعد.
احتل المصريون القسم الأعظم من سيناء - حيث يكثر معدن النحاس - في عهد السلالة الأولى (3400-2090 ق.م.) وقد عثر على قارورة فخارية مصرية قرب منجم نحاس قديم يقع شمالي العقبة. ويحتوي وادي الفينان - أو فونون كما تسميه التوراة (في سفر الإعداد الإصحاح 33 والعدد 42) - الواقع شرقي الشوبك، على أدوات نحاسية عديدة وبقايا مستعمرة مصرية كبيرة. واكتشف في أدوم جنوب غربي البصيرة، وفي المناعية الواقعة في وادي عربة عدة أدوات من هذا النوع. وبدون حفر وتنقيب لا يمكن الجزم أن المصريين ارتادوا هذه الأماكن طلباً لمعدن النحاس فقط، يقول يوسيبوس سيزاريا Eusebius-Ceasaria (260-360 ب.م.) في الأنوماستكون Onomasticon إن الحكومة المصرية القديمة كانت ترسل مجرميها إلى وادي الفينان ليحفروا منقبين على النحاس. يتضح إذن أن هذا الوادي إذا لم يكن قد استُثمر في عهد فراعنة مصر فقد استُثمر في أيام الرومان.
جرد فرعون بيب الأول (2560 ق.م) ثم سيزوستريس الثالث حملات متعددة لمحاربة البدو الذين كانوا يغيرون على شرقي الدلتا، وكانت ترجع هذه الحملات إلى مصر بعدما تصد هذه الغارات.
ويغلب على الظن أنه ابتداء من سنة 2000 ق.م. كان هناك طريق تجارية منتظمة بين مصر وجنوب شرقي الأردن، فقد روي أن سينوح أحد القادة المصريين هجر بلاده بعد موت فرعون أمنمحت سنة 1970 ق.م. فأتى شرقي الأردن عن طريق السويس، وبعد أن مكث فيها ثمانية عشر شهراً غادرها إلى فلسطين([15]).
لم يقم أي دليل على احتلال الجيوش المصرية للقسم الجنوبي من شرقي الأردن أثناء الفتوحات التي قامت بها السلة الثامنة عشرة، ولكن يغلب على الظن أنها أغارت على منطقة عجلون واستولت على قسم منها لتحفظ خط المواصلات بين مصر وشمالي سوريا([16]).
جاء في السجلات الملكية التي كُتبت في عهد أخناتون (1375-1358 ق.م.)، والتي اكتشفت في تل العمارنة ذكر ثلاث محلات، الأول: يابيشي ولعله يابش جلعاد المعروف حديثاً بالدير في وادي اليابس في منطقة عجلون([17]). وقد ظهر أن القائد المصري الذي عهد إليه في إدارة هذه الولاية قد طلب الإمداد من سيده في مصر للدفاع عن ولايته إبان الثورات التي انفجرت في ممتلكات الفراعنة في آسيا، لكن فرعون لم يلب هذا الطلب فقتل القائد المصري وحاميته. والثاني: أدومو ولعله دامية الحديثة أو أنه يشير إلى الأدوميين. والثالث: صارقي وهو الزرقاء غالباً.
وحوالي سنة 1220 ق.م كتب أحد المصريين أن جماعة من بدو الأدوميين مروا من وادي طميلات لرعي ماشيتهم بالقرب من برك بيثون وبعد ذلك بقليل أرسل رعمسيس الثالث (1198-1167 ق.م.) حملة لإخضاع البدو في وادي سعير ولا يُعرف هل تعدت هذه الحملة إلى شرقي وادي عربة أم لا([18]).
اكتُشف في سنة 1930 أنقاض قرية قديمة شمالي البحر الميت بمكان يدعى تل الغزول من بقايا العصر النيوليثي، وهذه القرية عبارة عن خرائب متعددة الواحدة منها فوق الأخرى، وبها علائم مدنية سومرية. ولا شك أن هذه المدنية قد غزت شرقي الأردن أثناء فتوحات الملك سرجون العظيم سنة 3000 ق.م تقريباً الذي وصل بجيوشه إلى شواطئ البحر المتوسط.
تقول الأساطير العبرانية إن كدر لعومر ملك عيلام مع ملوك آخرين حارب بارع ملك سدوم وبرشام ملك عمورة وشنآب ملك أدمه (وهي أدوم غالباً) وشمئيبر ملك صبوئيم وملك بالع قرب زغر وأخضعهم جميعاً مدة اثنتي عشرة سنة، وفي السنة الثالثة عشرة انقضوا عليه فكرّ عليهم وغلبهم في جبلهم سعير وهرب من المعركة ملكا سدوم وعمورة. وبينما كانا يجتازان وادي السديم (غور الصافي) غرقوا في طينه اللزج([19]). وبهذه الصورة طغت المدنية العراقية على بلاد شرقي الأردن وحلّت محل المدنية المصرية.
تألف في شرقي الأردن أثناء الفترة بين عام 2000 ق.م والخروج عدة دول بعدما كانت منقسمة تقسيماً عشائرياً([20]). الأولى من هذه الدول كانت جلعاد أو عجلون الآن مع نصف البلقاء حتى الصلت. وقديماً كانت جزءاً من بلاد الآموريين الذين انتشروا قبل الخروج بقليل من وادي يبوق (الزرقاء) إلى أرنون (الموجب) وأسسوا دولة تحت حكم الملك سيحون. كان هذا التوسع على حساب مملكة عمون الصغيرة التي تضاءلت حتى صارت مقتصرة فقط على عاصمتها ربة عمون. وفي هذا الزمن توسعت مملكة مؤاب من وادي الموجب إلى وادب الحسا جاعلة عاصمتها الربة (قير حارسة) ثم انتقلت العاصمة إلى الكرك في عهد الملك ميشع([21]). أما مملكة أدوم الآرامية فقد كانت ممتدة جنوبي وادي الحسا وتضم جبال وادي عربة والطفيلة والشوبك وبطرا وعاصمتها بصرة وهي البصيرة الحديثة([22]).
سكان جبل سعير أصلهم حواريون - أي سكان الكهوف - ومنهم عيسو، كان يعيش هناك حينما كان أخوه يعقوب يخدم لابان في فاران آرام، وكان لعيسو ثلاث زوجات إحداهن كنعانية والثانية حثية والثالثة ابنة إسماعيل بن إبراهيم ويعرف أعقابهن جميعاً بالأدوميين، ملكوا جبل سعير بعدما اغتصبوه من الحورايين قبل خروج أبناء إسرائيل من مصر.
أما مملكة مديان فقد كانت في جنوبي جبال حسما وكانت مؤلفة من قبائل بدوية، لم تمتد هذه القبائل شرقاً إلى أكثر من خط السكة الحديدية الحديثة.
الخيول
دخلت الخيل إلى غربي آسيا من إيران سنة 2000 ق.م وحملها الهكسوس معهم إلى مصر([23]) حيث أحدثت انقلاباً هائلاً في الفنون الحربية فاخترعت على أثرها المركبات الحربية التي كانت من ضروريات الجيوش المصرية ومميزاته فيما بعد، فزاد الطلب عليها من شمالي شرقي الأردن حيث كانت تربى على أرضها الممرعة (الخصبة). ولا تزال تجارة الخيول مع مصر جارية في شرقي الأردن حتى الآن.
عبادة الأقدمين
كانت عبادة الأحجار هي الدين السائد في عصور ما قبل التاريخ وفي شرقي الأردن كثير من الرجوم والدوائر والهياكل كالتي في كفر خل، الواقعة شمال شرقي سوف، وعمان وجرش وقرب جسر دامية ومؤاب، تدل جميعها على انتشار هذه العبادة في العالم القديم([24]) على أن أثرها لا يزال باقياً حتى اليوم في جميع أقطار العالم تقريباً([25]).
وعبد الأنباط حجراً أسود علوه أربع أقدام تقريباً وقاعدته قدمان، ولا يزال بعض العرب يحترمونه ويقدمون إليه القرابين على جبل هور «هارون»([26]). وقد كان تقديم القرابين من الطقوس الدينية المنتشرة في العالم القديم فميشع عندما كان في أزمة عصيبة قدم ابنه البكر ضحية على أسوار قير حارسة «الكرك»([27]).
وعدا عبادة الأحجار فقد عبد الأولون الأجرام السماوية وبعض الحيوانات فقبر الحديقة (Garden Tomb) في بطرا يدل على عبادة النجوم، وأثر الحية (Snake Monument) في طريق جبل هارون يدل على عبادة الثعبان([28]).
كان العبرانيون في الجيل الثالث يفضلون أهل أدوم على أهل مؤاب وعمون فمنحوهم الحقوق والامتيازات نفسها التي كانوا يتمتعون بها([29]) وذلك للقرابة التي كانت تربطهم([30])، فضلاً عما كان بينهم من التجانس في المعتقدات، لأن دين الأدميين كان قد تأثر بالثقافة السامية التي كانت منتشرة في سيناء قبل موسى، أما المؤابيون والعمونيون فقد كانت صلة قرابتهم مع العبرانيين بعيدة ودياناتهم مختلفة([31]).
مرور بني إسرائيل من شرقي الأردن (الخروج)
لم تتفق الآراء على تعيين الطريق التي سلكها بنو إسرائيل حين خرجوا من مصر، ولا تاريخ ذلك الحادث([32]). ولكن مما لا شك فيه أنهم بعد خروجهم من مصر قصدوا الجبل المقدس([33]) ثم تاهوا في الصحراء أربعين سنة قبل أن يتمكنوا من دخول فلسطين.
أراد موسى بسيره إلى فلسطين أن يسلك طريق وادي عربة والنقب، ولكنه وجد مقاومة شديدة فتراجع إلى الجنوب. وفي أثناء ذلك مات هارون ودُفن في جبل هور «جبل هارون الحديث» بجوار بطرا([34]).
ولما فشل في محاولته الدخول إلى فلسطين من الجهة الجنوبية، لم يكن أمامه إلا أن يأتي إلى شرقي الأردن ليدخل فلسطين من الجهة الشرقية. لهذا طلب من ملك أدوم السماح له بالمرور خلال وادي عربة وما وراءه([35])، غير أن طلبه قد رُفض فقفل راجعاً إلى العقبة ماراً بوادي إثم ومتجنباً حدود أدوم. وبعدما وصل إلى السهول الشرقية سار شمالاً متوخياً ألا يصطدم مع أدوم أو مؤاب أو عمون. ومع أن الأماكن التي مرّ بها أو استراح فيها كثيرة فمن الصعب جداً تعيينها الآن، ولكن الأغلب أن يكون قد سلك بعد بلدة معان طريق الحج الحديثة، ثم انحرف بعيداً ماراً ببئر بطرا المشهور الذي بنى عليه الرومان بعد ذلك برجاً حربياً ومن ثم إلى الجفر فباير([36]). ولعل باير هي عيي عباريم الواردة في التوراة، فإذا صح ذلك فتكون أوبوت الواردة أيضاً في التوراة إما بطرا أو الجفر([37]).
ولما وصل إلى نهر أرنون «الموجب» الذي كان الحد الفاصل بين مملكتي الأموريين والمؤابيين أرسل رسلاً إلى سيحون ملك الأموريين، وعاصمتهم حسبان، يستأذنه بالمرور من مملكته. رفض سيحون ذلك فكان على موسى عندئذ أن يعمل أحد شيئين، إما أن يرجع من حيث أتى ويسير محاذياً لحدود أدوم الجبلية الممتدة من أرنون «الموجب» إلى يبوق «الزرقاء»، وهذا لم يكن بإمكانه، وإما أن يحارب سيحون.
كانت المعركة في مكان يدعى جهاز - قد تكون ياجوز الحديثة - شمالي شرقي صويلح([38]). انتصر بها موسى وصارت مملكة سيحون بقبضته. وبعد ذلك اختفى اسم سيحون من التاريخ ما لم يكن جبل شيحان منسوباً إليه([39]). وبعد انتصار جهاز سار الإسرائيليون غرباً إلى شواطئ الأردن، حيث استراحوا قليلاً ثم أرسلوا جيشاً لمحاربة عوج ملك باشان، الذي كان يغير على جناحهم الأيمن، وغلبوه في أدرعي «درعا»([40])، فاستتبت لهم السيادة في جلعاد كلها حتى نهر اليرموك، نصفها حكمه أبناء رأوبين وجاد، والنصف الآخر مع مملكة باشان كان لأبناء منسة.
قطع الإسرائيليون نهر الأردن وأتوا إلى أرض مؤاب وكان ملكها في ذلك الحين بالاق بن صفور، ولما عجز عن مقاومتهم طلب من بلعام أن يلعنهم ليتخلص منهم، ولكن بلعام باركهم بدلاً من أن يلعنهم بحجة أنه لا يتفوه إلا بما يوحيه إليه الله([41]).
مات المشرِّع والقائد العظيم موسى قبل أن يصل إلى البلاد التي كانت محط آماله وآمال شعبه منذ خروجهم من مصر. يروى أنه حمل قبل الوفاة على جبل نبو - نبا اليوم - بالقرب من مأدبا([42])، حيث ألقى آخر نظرة على أرض الميعاد. «قال له الرب هذه هي الأرض التي أقسمت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب قائلاً لنسلك أعطيها. قد أريتك إياها بعينيك ولكنك إلى هناك لا تعبر». وهكذا لم يمهله الأجل حتى يجني ثمر جهوده. ودُفن في وادٍ قريب من بيت فغور، «ولم يعرف إنسان قبره حتى اليوم»([43]).
كان لمرور بني إسرائيل من شرقي الأردن ثلاث نتائج:
1- تحكم العداء بين الإسرائيليين وأهل البلاد التي مروا عليها، فقامت الحروب والمنازعات بينهم، وأخيراً عندما حاصر نبوخذنصر القدس (587 ق.م) انضم إليه الأدميون ونهبوا معه المدينة نكاية بالإسرائيليين. وكانت أنبياء بني إسرائيل يتنبؤون بسقوط أدوم، ويمكن أن تكون نبوءتهم قد صدقت عندما طرد الأنباط الأدوميين من جبلهم سعير وأرغموهم على الرحيل إلى فلسطين، حيث أصبحوا يعرفون بالأدومانيين ومنهم الهيروديون ملوك القدس.
2- سقوط مملكة سيحون وهي فتية.
3- سكنى بعض الإسرائيليين في بعض نواحي شرقي الأردن، أهمها جلعاد التي أصبحت صلتها مع المملكة الإسرائيلية في فلسطين متينة جداً لدرجة أنه كان منها القاضي الإسرائيلي جائر، والقائد الإسرائيلي جفتا الشهير بظفره على العمونيين، وأول ملك إسرائيلي شاول.
أعقب توطن الإسرائيليين في فلسطين فترة حروب واضطرابات دامت بضعة قرون، فبينما كان المؤابيون يغزون ويضطهدون الإسرائيليين، نرى الإسرائيليين يعقدون هدنة مع الفلسطينيين القادمين من كريت لرد غارة مؤاب، وبعد قتل ملكها عجلون يُعمِلون السيف بالمؤابيين والعمالقة حتى خضعت البلاد بأسرها لسلطانهم([44]). وكان عرب مديان، بدو الجنوب([45])، عنصر اضطراب وقلاقل في شرقي الأردن وفلسطين، فغزاهم أولاً هدد ملك أدوم، ثم جدعون قائد الإسرائيليين، وبعدما قتل الأخير ملكين أو رئيسين منهم يدعيان غراباً وذئباً([46]) لحق بفلولهم من يجبهة «صويلح» إلى قرقر «وهي قراقر غالباً بالقرب من كاف في وادي السرحان»، حيث أخذهم على حين غرة وأسر منهم 15٫000 رجل وقتل اثنين من ملوكهم أو رؤسائهم وهما زبح وصلمناع([47]).
لم تقوَ المملكة العمونية الصغيرة على صد هجمات الإسرائيليين، فاندحرت أولاً في عروعير «عرار» بوادي الموجب([48])، واندحرت ثانية حوالي عام 1020 ق.م بالقرب من يابش جلعاد حيث فقدت ملكها ناحاش([49]).
وكانت نتيجة هذه الحروب والغزوات طوال تلك العصور أن استرجعت مؤاب ملكها السابق إلى مياه النمرين. أما جلعاد فقد بقيت إسرائيلية، واستردت عمون ذلك الجزء من مملكتها الذي استولى عليه أولاً الأموريون ثم موسى. أما مملكة أدوم التي كانت ممتدة من جنوبي وادي الحسا إلى فلسطين، فقد كان يسودها السلام إبان هذه الفترة، ولم يعكر صفوها غير بضع غارات شنها البدو على حدودها.
شرقي الأردن من 1000 ق.م إلى قيام الإمبراطورية الآشورية عام 853 ق.م
حوالي عام 1000 ق.م أصبح داود ملكاً لإسرائيل، وإذ كان جندياً ماهراً وشاباً طموحاً رسم لنفسه سياسة هجومية عدائية على من أهان شعبه وأغار عليه إبان ضعفه في العصور التي سلفت.
كانت مؤاب أول مملكة تطلع إليها داود وجعلها فاتحة أعماله، ولما رأى حانون ملك عمون ما أصاب جارته خاف على ملكه فارتمى في أحضان الآراميين في سوريا، الأمر الذي جعل داود يقلع عن سياسته تخوفاً من هذا الحلف، ويرسل إلى أهل عمون رسلاً يخطب ودّهم، ولكن الملك حانون احتقرهم احتقاراً لا مثيل له، وحلق نصف لحاهم وطردهم([50]).
من أجل هذه الإهانة التي لحقت بداود وشعبه لم يكن بداً من غسلها بالدماء، فأرسل داود يؤاب بجيش إلى شرقي الأردن. وبعد سلسلة معارك لا يُعرف تفاصيلها، اندحرت القوى العمونية وحوصرت في قلعة عمون([51]). قطع يؤاب المياه عن القلعة فأيقن أنها ستستسلم له فوراً، وأرسل إلى سيده يدعو لينال شرف فتح المدينة ونهبها. وفي أثناء هذا الحصار قُتل أوريا الحثي الذي بعثه داود إلى ساحة القتال وأوصى قائده أن يجعله في مقدمة الجيش ليلاقي حتفه طمعاً بزوجته([52])([53]).
بقيت أدوم المملكة الوحيدة التي لم يستول عليها داود بعد، فهاجمها بشدة بدون مبرر وقتل ملكها هدد الثاني وخلقاً كبيراً من سكانها، وهرب هدد الثالث إلى مصر بعدما سلّم ملكه إلى داود.
لم يدم حكم اليهود طويلاً في شرقي الأردن، فقد استردت مؤاب وعمون استقلالهما في عهد الملك سليمان وكذلك أدوم، فإن ملكها هدد الثالث([54]) رجع إليها بعدما تزوج من أخت الملكة تحفنيس امرأة فرعون شيشونك الأول (945-924 ق.م).
وهكذا لم يبقَ لليهود شيء في شرقي الأردن إلا بقعة قريبة من العقبة تُعرف في التوراة بـ «عصيون جابر»، فكانت السبب الرئيسي للقضاء على مملكة أدوم ثانية في فاتحة القرن التاسع للميلاد([55]).
وفي غضون هذه العصور حدث عدة حروب بين ممالك شرقي الأردن واليهود، وكانت سجالاً بين الفريقين إلى أن ضعفت المملكة اليهودية فاندلع لهيب الثورات في كافة أجزائها، وبذلك تملصت شرقي الأردن من دفع الجزية التي كانت مفروضة عليها.
وحوالي عام 860 ق.م قام في مؤاب ملك عظيم يدعى ميشع ترك سجلاً عن أعماله على حجر اكتُشف في ديبان عام 1868 ق.م([56]). لم يرفض هذا الملك، فقط دفع الإتاوة إلى إسرائيل، بل توسع بحدوده إلى أن وصل معان وجعل قير حارسة «الكرك» معقلاً حصيناً زوده بصهاريج الماء([57]). ويروي مؤرخو اليهود أن آحاب هزم ميشع هزيمة منكرة وحرق عاصمته وقتل جميع من فيها. وكانت أدوم حليفة اليهود في هذه الحرب، إلا أننا نشك في صحة هذه الواقعة، ويمكن أنها التبست بالواقعة الحربية الواردة في الإصحاح العشرين من سفر الأيام الثاني، وتتلخص في أن أبناء مؤاب وعمون وجبل سعير (أو أدوم) تكاتفوا وتآزروا على مهاجمة يهوشافاط ملك يهوذا (873-839 ق.م)، ولكنهم فشلوا في محاولتهم، لأنهم بعد أن وصلوا في سيرهم إلى «عين جدي» اختلفوا وتنازعوا فقتل رجال جبل سعير عن بكرة أبيهم. وبعد ذلك رجع ميشع إلى الكرك ثم أغار على بلاد الأدوميين واستولى على معان حين احتل ملك يهوذا جميع وادي عربة إلى العقبة.
وهكذا فالفترة التي تلت مرور الإسرائيليين من شرقي الأردن كانت ملأى بالحروب، طافحة بالفتن والاضطرابات، وذلك لضعف الإسرائيليين في بادئ أمرهم، فغزتهم قبائل شرقي الأردن وفتكت بهم، ولكن بعدما استقروا في فلسطين تقووا ثانية، وبدافع حفظ طرق التجارة مع البلاد العربية والشرق احتلوا القسم الجنوبي من شرقي الأردن بما فيه ميناء العقبة.
2- أشور ، وبابل ، وفارس
الآشوريون:
كان سرجون ملك الأكديين في أواسط القرن الثامن والعشرين قبل الميلاد أول ملك آشوري زحف نحو الغرب حتى وصل بجيوشه إلى سواحل البحر المتوسط.
لم يكن هنالك أية محاولة لفتح سوريا وفلسطين بعد هذه الحملة حتى اعتلى العرش الآشوري الملك تغلث فلاسر الأول حوالي عام 1120 ق.م. فسار بجيوشه غرباً حتى وصل إلى البحر المتوسط وكاد الآشوريون يبسطون نفوذهم على سوريا وفلسطين لو لم يصده أحد ملوك الآراميين بدمشق عام 1050 ق.م واضطرهم إلى العودة متقهقرين. وبعد ذلك لم يحاول الآشوريون التقدم غرباً حتى اعتلى عرشهم آشور ناصربال (884-859 ق.م). غزا هذا الملك سوريا ووصل إلى الساحل الغربي، ولكنه قنع بما قدمته إليه المدن الفينيقية من الهدايا وقفل راجعاً إلى مملكته، تاركاً الاستيلاء على الأقطار الغربية لخلفائه.
استأنف خليفته شلمنصر الثاني الزحف إلى سوريا، فقوبل بجيش يعد خمسة وثمانين ألف هجان من رجال جند بوح العربي، وعشرة آلاف من رجال بعشا بن رحاب العموني، يقودهم جميعاً ابن هدد الآرامي. كانت المعركة في قرقير (قراقر اليوم)، ومع أن الملك الآشوري ادعى الانتصار لجيشه لكنه صُدَّ عن التقدم غرباً، وأخيراً رجع إلى عاصمته نينوى. وبعد أربع سنوات من هذه المعركة زحف شلمنصر الثاني غرباً لينتقم من ابن هدد وحلفائه، وبالرغم من تغلبه عليهم لم يتمكن من الاستيلاء على فلسطين. وفي عام 846 ق.م أرسلت حملة آشورية أخرى مؤلفة من مئة وعشرين ألف مقاتل ولكنها كانت كأخواتها، نصيبها الفشل.
فشل الآشوريون في ضم سوريا وفلسطين إلى ولاياتهم، ويعود الفضل في هذا الفشل إلى ابن هدد، فإنه بدهائه ظل متخذاً من حلفائه جبهة منيعة أمام التقدم الآشوري. وبعد وفاته تفكك هذا الحلف فدخل ملك آشور سوريا وانتصر على هازئيل ملك دمشق انتصاراً مبيناً: قتل 16 ألفاً من رجاله، وغنم 1591 مركبة حربية([58]). ومن المحتمل أن شلمنصر تغلب على العرب أيضاً واستولى على عمون بعد هذا الفوز الباهر.
توفي شلمنصر عام 823 ق.م وخلفه ابنه سماسفول، وخلف هذا ابنه فول نراري (810-783ق.م) الذي سار بجيوشه إلى سوريا واستولى عليها وأرغم الملك الآرامي ماريحا على تسليم دمشق، فانفتحت الطريق أمامه ليتوسع جنوباً وأصبحت فلسطين وشرقي الأردن تؤدي إليه الجزية صاغرة([59]).
لم تدم هذه الأحوال طويلاً، بل اشتعلت الثورات على حدود آشور وامتد لهيبها إلى العاصمة نينوى، فاضطربت أمور الدولة الداخلية. وفي إبان ذلك انتشر وباء الطاعون الذي فتك بالبلاد فتكاً ذريعاً حوالي عام 793 ق.م. كل هذه العوامل أضعفت الآشوريين وجعلت سوريا وفلسطين وشرقي الأردن تتحرر من النير الأجنبي. وفي أثناء ضعف الآشوريين هذا يحتمل أن يكون أمصيا ملك يهوذا قد هجم على الأدوميين، وذبح منهم عشرة آلاف رجل في وادي الملح، واحتل سالع «بطرا» ودعاها «يقتئيل»([60]). وخلف أمصيا ابنه عزريا الذي استرجع فرضة أيلة «العقبة»، ثم استولى عليها رصين ملك سوريا في أيام آحاز وطرد اليهود منها وأسكن بها سوريين.
ابتدأ حكم تغلث بلاسر على نينوى عام 745 ق.م، وكانت باكورة أعماله اكتساح سوريا وفلسطين وشرقي الأردن فأسر أهل جلعاد وأرسلهم إلى نينوى([61]). فَزِعَ أهل البلاد من بطش الجيوش الآشورية فقدمت جميع الممالك بما فيها تيماء النائية الهدايا إلى ملكها وكانت مملكتا مؤاب وآدوم خاضعتين لعمال من الفرس الذين عينهم الملك في البلاد المحتلة لإدارتها وقمع فتنها وثوراتها وتحصيل الإتاوة التي فرضها عليها.
وفي عهد الملك سرجون الثاني أخذ البدو القاطنون جنوبي وشرقي الأردن يناوشون الآشوريين ويشنون الغارة عليهم فأرسلت في عام 715 ق.م حملات لإخضاع الثموديين في غربي تيماء والعبابيد سكان الجبال الواقعة جنوب شرقي العقبة ومرسمان وخيابا القاطنين جهات حسما الشرقية. غُلبت هذه القبائل وحُمل من بقي من رجالها إلى السامرة. ويظهر أن الآشوريين لم يصلوا فعلاً إلى تيماء ومدائن صالح ولكن سيادتهم كان معترفاً بها في تلك الأماكن من الجزيرة العربية. وكان الصبئيون يقدمون الهدايا كل سنة إلى ملك آشور، الأمر الذي يدل على أن الآشوريين كان بإمكانهم سد الطرق التجارية على الجنوب، ولهذا كان من الصواب والحكمة خطب وُدَّهم بشتى الوسائل([62]).
أما البدو الذين كانوا حول الجوف من الجبهة الجنوبية، والذين كانوا عنصر اضطراب، فقد خضعوا لوقت ما للجيوش الآشورية ودفعت ملكتهم شمسية جزية 164 جملاً أبيض إلى الملك الآشوري العظيم([63]).
وفي ابتداء حكم سنحريب عام 705 ق.م قام ميروداش بالادان أحد المطالبين بالعرش البابلي بثورة عظيمة، وبالوقت نفسه أرسل وفوده إلى الممالك الغربية المقهورة يستنفرهم لحرب الآشوريين. وكانت النتيجة أن تألف حلف كبير من لولي ملك صور وحزقيال ملك يهوذا ومكرام ملك أدوم وبدوئيل ملك بيت عمون وكموش ناتبي ملك مؤاب ثم انضم إلى هذا الحلف عدة رؤساء من البدو منهم الملكة ياتي سيدة عربان الجوف التي قاد جيشها أخوها باسكانو. أخمد سنحريب هذه الثورة، وفي سنة 702 ق.م أسر باسكانو وانحل التحالف.
وفي سنة 680 ق.م ثارت بابل ثانية مستعينة بالبدو، ولكنها أخمدت وهدمت. وفي السنة التالية جرد سنحريب جيشه إلى الصحراء لقتال الملكة تلخنونو انتقاماً منها لمؤازرتها ثورة بابل، فهربت الملكة وقائدها خزعيل إلى يودوما «الجوف الحديثة». لحق بهما الملك وأرغم الملكة على الاستسلام فحملت مع آلهة يودوما إلى نينوى. أما خزعيل رئيس عرب قيدار فقد تمكن من الفرار إلى البادية، ومع هذا فإن هذه الحملة قد برهنت على قوة سنحريب واقتداره على تسيير جيوشه في الصحراء والتغلب على البدو الرحل في معقلهم. لم يجرؤ عرب قيدار على الانقضاض ثانية إبان حكم سنحريب([64]). وقد أخضع سنحريب أدوم أيضاً وأنزل الويلات على مدينتها سلاع «بطرا»([65]).
وهكذا في نهاية حكم سنحريب كانت شرقي الأردن بأسرها خاضعة للنفوذ الآشوري، حتى أن كورش جابر ملك أدوم كان يدفع الإتاوة أيضاً إلى سلفه([66]).
انتهى توسع سنحريب في سنة 681 ق.م عندما ذبحه ولداه، وبعد نزاع بينهما على العرش تسنمه أخوهما أسر حدون.
بعد ما هدَّأ الملك الجديد أحوال مملكته الداخلية ونظم شؤونها سار نحو فلسطين لقمع الثورة التي أشعلها عبدي ملكوتي ملك صيدا. ففتح صيدا وهدمها ثم دعا ملوك فلسطين وشرقي الأردن وقبرص الخاضعين لسلطانه ليجتمعوا وإياه فالذين لبوا هذه الدعوة من شرقي الأردن هم كموش جبرى ملك أدوم، ومصورى ملك مؤاب، وبدوئيل ملك بيت عمون «عمان»([67]).
لما بلغ خزعيل أعمال أسرحدون اشتد رعبه فسار إلى نينوى حاملاً أثمن الهدايا وأنفسها ابتغاء مرضاة الملك الشاب وليأذن له باسترداد الأصنام التي حملها والده من يودوما. فكان له ما أراد، وفضلاً عن هذا، فقد اعترف به أسرحدون ملكاً لقيدار، ولكنه زاد الجزية عليه إلى ألف مينا «وزنة» ذهب وألف حجر ثمين وخمسين جملاً وألف وزنة من البهارات.
لقد نفع هذا التقرب يوتحا في قمع الثورة التي أذكاها عليه أحد قواده يؤابو، والتي آزرها البابليون والمصريون نكاية بأعدائهم الآشوريين. ولكن بعدما ثبت مركزه في بلاده وبسط سلطانه على بدوه، ثار على الآشوريين مراعاة لشعور شعبه المتبرم من التدخل الأجنبي في شؤونهم وأحوالهم. أخمد أسرحدون هذه الثورة بكل سهولة وهرب يوتحا([68]). لم يهاجم هذا الفاتح الجوف لأن الأميرة تابوا بقيت محافظة على ولائها، ولعل إقامتها الطويلة في نينوى عندما كانت في الأسر مع الملكة تلخنونو كانت السبب في ذلك.
بعد هذا الانتصار زحف الملك الآشوري إلى بازو وهازو في البادية([69]) فقتل ثمانية من رؤسائهما وفرّ البقية بأرواحهم منهم ملك يديع ليلا الذي أرسل بعد ذلك كتباً إلى نينوى يقدم طاعته إليها فكافأته على هذا الخضوع بتعيينه جابياً لها في وادي السرحان.
وبعد موت أسرحدون عام 866 ق.م رجع يوتحا وتصالح وخليفته آشور بانبال. لم يدم هذا الصلح طويلاً، بل ثار العرب مدافعين عن حلفائهم البابليين. لم يلتفت الملك لهذه الثورة بادئ ذي بدء، لأنه كان منهمكاً في إعداد العدة ورسم الخطط لفتح مصر، ولكن لما استفحل أمرها في البلاد العربية وأصبحت مواصلاته مع عاصمته مهددة بالانقطاع زحف بالحامية السورية لقمع الثورة، فالتقى بالثوار في بقعة شمالي حمص وفي مؤاب وأدوم وكسرهم شر كسرة وهرب من الموقعة يوتحا والتجأ إلى ناطمو ملك الأنباط([70]). عندئذ نصَّب القيداريون أمولادي رئيساً عليهم، وبينما كان يغزو مملكة مؤاب وقع أسيراً في أيدي ملكها كمشلتا وأرسله إلى نينوى. وبالوقت نفسه ذهب أبيجاد بن طرى أحد رؤساء قيدار إلى نينوى ليحل اختلافاته معها. فعفا عنه الملك وعيّنه رئيساً على قومه شريطة أن يدفع مقداراً من الذهب والأحجار الثمينة والكحل والجمال والحمير جزية إلى الآشوريين.
وما أن حلت سنة 648 ق.م حتى كانت البادية بأسرها خاضعة لسلطان الآشوريين، وبالسنة نفسها سقطت بابل وسلَّم ناطمو ملك الأنباط يوتحا إلى الآشوريين ليتخلص من بطشهم.
لم يرق لقيدار أن يكون رئيسها أبيجاد صنيعة الآشوريين، ولهذا انتخبت عوضاً عنه يوتحا ابن أخي يوتحا الآنف الذكر. ولما علم أبيجاد بما حدث خاف على زعامته أن تفلت من يديه فاتفق ويوتحا للقيام بثورة على الآشوريين وانضم الأنباط إلى هذه الثورة تخوفاً من عداء قيدار.
وبين عامي 640-638 ق.م جرد أشور بانبال جيوشه نحو البادية للمرة التاسعة وتقابل والثوار في عزاليا «الأرجح أنها بجوار تدمر»، وهزمهم ثم أغار على مضارب قيدار فنهبها وأسر امرأة يوتحا ووالدته وأخته وحملهن وأصنام قومهن إلى دمشق.
أما بقية القبائل فقد هربت وتحصنت في البقعة البركانية المعروفة باللجاه، ولما علم الآشوريون بذلك لم يتبعوهم، بل اقتصروا على قطع المياه عنهم ولما نفِدَ ماؤهم ذبحوا إبلهم لشرب المياه الموجودة في جوفها فلم تغن شيئاً، ولما رأى البدو ما حلّ بهم من الويلات والمصائب قبضوا على يوتحا مضرم نار الثورة وسلموه إلى الآشوريين، فأرسلوه إلى نينوى مع بقية الأسرى حيث ربطوه بحبل من فكه وشدوه إلى إحدى أبوابها، وأخيراً عفوا عنه ولكنه لم يعد إلى البادية. وبهذه الصورة تعلم أعداء الآشوريين درساً لم ينسوه قط مدة حياة آشور بانبال.
كان لكثرة الحروب والفتوحات التي قامت بها آشور أثرها الفعال في إنهاك قواها وتوزيعها فدب فيها سوس الفساد، وبدت عليها أمارات الضعف والانحطاط، فما أن حلت سنة 612 ق.م حتى هاجمتها قبائل البادية، والقبائل البابلية ودمرتها، فأصبحت تلك الدولة في خبر كان بذات العصر الذي بلغت فيه أوج العظمة، وأصبحت مدينتها نينوى ركاماً مركوماً وخراباً يباباً كما هي الآن. «نينو العظيمة سقطت سقطت» كانت العبارة التي تناقلتها الألسنة إذ ذاك بكل غبطة وحبور.
وبعد سقوط نينوى بثلاثة أعوام حاول آخر ملك آشوري وهو الذي كان قد التجأ إلى حوران أن يسترجع ملكه الضائع بمؤازرة الجيوش المصرية ولكنه غلب نهائياً، وفني الآشوريون وزال ذكرهم من التاريخ.
الأنبـاط
لا يزال أصل الأنباط موضع الشك والجدل. ورد ذكر نبايوت في سفر التكوين الإصحاح الخامس والعشرين والعدد الثالث عشر كالابن البكر لإسماعيل، ويقول يوسفوس: إن الأنباط تناسلوا من نبايوت هذا. وتكلم الآشوريون عن قبيلة تدعى نبعلتي. كانت لغتهم أولاً عربية ثم تكلموا الآرامية في عهد الرومان([71]). ويدل على هجرتهم من الجنوب إلى شرقي الأردن آثار مدائن صالح التي تشير إلى أنهم في الأصل كانوا قبيلة عربية مع أن هنالك نظريات أخرى تقول غير ذلك([72]).
وكان الآشوريون أوَّل من ذكرهم في التاريخ ومنذ عام 646 ق.م كانوا أقوياء جداً، حتى إن الآشوريين تخوفوا منهم فساروا إليهم وتغلبوا على ملكهم ناطمو وأخضعوهم إلى حين من الزمن. ويظهر أنهم في هذه الفترة كانوا يقطنون جنوبي أدوم وشرقيها ووادي السرحان وجبال حسما. وحوالي عام 587 ق.م حرض صدقيا، ملك يهوذا، الأدوميين، سكان جبل سعير، للانقضاض على نبوخذنصر فأصابهم ما أصاب حلفاءهم في فلسطين إذ أسر منهم نبوخذنصر عدداً ليس بالقليل وأرسلهم إلى بابل. ومن بقي منهم هاجر من جبل سعير إلى جنوب فلسطين، وقد يكون السبب في هجرتهم أنهم لم يقدروا على مقاومة ضغط الأنباط عليهم من الجنوب.
كان هَمّ الأنباط التجارة، وحين استوطنوا بطرا وما جاورها اهتموا بإنعاشها وترقيتها لتوفر الوسائل لديهم فقد كانوا في مركز يشرفون منه على خطوط التجارة بين أواسط آسيا ومصر فاستفادوا فائدة كبرى في نقل البضائع وتأمينها، ولهذا الغرض بنوا القلاع والأبراج الكثيرة المنتشرة الآن في شرقي الأردن.
ومما لا ريب فيه أن النزاع بين السلوقيين في سوريا والبطالسة في مصر قد استثمره الأنباط لتقوية مركزهم والأغلب أنهم صاروا دولة عظيمة إبان هذه الفترة. وفي العصر البطليسي المتأخر عهد إليهم بحراسة الحدود المصرية ولا شك أن هذه الطريقة كانت أرخص وآمن وسيلة لصد غارات القبائل البدوية على الدلتا([73]).
لا نعلم حتى الآن إلا الشيء اليسير عن تاريخ هذه الأمة بالرغم من وفرة النقوش النبطية على أحجار بطرا الرملية الناعمة، ولا يزال قسم كبير منها تحت الأنقاض ينتظر الحفر والتنقيب، مع العلم بأن العوامل الجوية تزيل هذه النقوش بسرعة.
البابليون
بعد سقوط نينوى ثارت جميع الدول الخاضعة لها على آخر ملوكها آشور آباليت الذي فرّ ملتجئاً إلى حران. كان نيخو فرعون مصر (693-609 ق.م) أول ثائر، وبعد أن تغلب على هوشع ملك يهوذا في واقعة مجدُّو واكتسح سوريا وفلسطين وارتد حالاً إلى مصر عندما بلغه تقدم نبوخذنصر بجيشه البابلي عام 605 ق.م على مملكته فاصطدم وإياه في واقعة كرشميش، فانحدر وتقهقر([74]).
وكان على ملك يهوذا وسكان شرقي الأردن أن يقفوا إما في صفوف المصريين أو البابليين. خضع يهوياقيم ملك يهوذا أولاً إلى نبوخذنصر، ولكنه في عام 597 ق.م انشق عليه. وفي أثناء هذا الاضطراب هاجمت عصابات سورية وكلدية وعمونية ومؤابية نواحي القدس فنهبتها ونكَّلت بأهلها متظاهرة بأنها حليفة بابل. توفي الملك يهوياقيم وخلفه ابنه يهوياكين، وفي عهده وصل نبوخذنصر إلى أبواب القدس، ولما لم يعد ليهوياكين أمل في إمداد مصر له استسلم وحُمل إلى بابل أسيراً مع ألوف من رعاياه.
أقام نبوخذنصر صدقيا على يهوذا فظل موالياً لبابل حتى غزا فرعون بسماتيخوس الثاني عام 590 ق.م فلسطين، فبدل سياسته وتحالف وملك أدوم ومؤاب وعمون وصور وصيدا للقيام بثورة عامة على بابل. اندلع لهيب الثورة في كل هذه الأماكن، فأسرع ملك بابل لإخمادها، وأثناء ذلك توفي بسماتيخوس وخلفه على العرش المصري فرعون إبريز عام 588 ق.م. ولما لم يوفق إلى رفع الحصار عن صور قفل راجعاً إلى مصر تاركاً حلفاءه للقدر. افتتح نبوخذنصر القدس في سنة 586 ق.م وسقطت صيدا بعد ذلك بقليل وتبعته عمان وأعمل يد الخراب في مؤاب وأدوم. أما صور فقد ظلت محاصرة ثلاث عشرة سنة قبل أن تُخضع. في هذه الثورة توفي صدقيا، وحُمل عدد كبير من اليهود إلى الأسر. وبعد هذه الحوادث تعين جدليا حاكماً على من بقي من اليهود وأقام في المصفاة بجوار القدس من جنوبها.
كان بعاليس وقتئذ ملكاً على عمون، وإذ كان يريد الانتقام من جدليا أرسل أحد أفراد الأسرة المالكة ويدعى إسماعيل لقتله، ومع أن أخبار هذه المكيدة كانت قد بلغت جدليا فإنه أبى تصديقها. وبعد حصار القدس بثلاثة أشهر وصل إسماعيل مع عشرة رجال فقوبل بكل حفاوة وإكرام، فلم يثنه ذلك عن عزمه فقتل جدليا في المصفاة وبعدما اقترف عدة جرائم أخرى فرّ هارباً إلى عمون([75]).
توفي نبوخذنصر عام 561 ق.م، وخلفه آمل مردوق لكنه خلع بعد سنة من ارتقائه العرش، فأتى بعده نرجال شاروزر وحكم حتى عام 556 ق.م فخلفه ابنه بضعة أيام فقط ثم ارتقى العرش البابلي نبونيد. ورث هذا الملك إمبراطورية واسعة الأرجاء تضم العراق وسوريا وشرقي الأردن وفلسطين إلى التخوم المصرية في غزة.
قضى نبونيد القسم الأعظم من حكمه في الحروب فكان ينوب عنه في بابل بلطشاسر. وفي سنة 553 ق.م ثار البدو فسار إليهم الملك إلى يودوما «الجوف» وافتتحها ثم توغل جنوباً حتى وصل إلى تيماء فقتل ملكها وعدداً من سكانها وشرع يبني بها قصراً على النمط البابلي، ولم يكن يعلم الخطر المحدق بإمبراطوريته من جراء تقدم الفرس بقيادة كورش نحو عاصمته لفتحها.
كان من الصعب جداً فتح بابل لما فيها من الحواجز والحصون المنيعة التي شيدها نبوخذنصر، ولكن في عام 540 ق.م نهب الغزاةُ عوبيسَ واستولوا على سبار فاستسلم نبونيد ووقع ونائبه على العرش بلطشاسر أسيرين في أيدي الفرس([76]).
الفـرس:
وبعد سقوط بابل انتقلت جميع ممتلكاتها في سوريا وفلسطين وشرقي الأردن إلى الفرس. ولكن تيماء التي كانت بفضل مركزها مفتاح التجارة مع الجنوب، لم تخضع لحكم الفرس فسار إليها كورش ودوّخها وهكذا أصبح الملك الفارسي سلطان الشرق الأوسط([77]). ومن أعظم أسباب نجاحه هذا أنه عهد بإدارة البلاد المحتلة إلى عُمّال من الفرس الذين التمسوا بعد موته من خليفته الملك قمبيز، بالنيابة عن الفينيقيين والسوريين والمؤابيين والعمونيين، ليمنع اليهود من إعادة بناء الهيكل([78]). وفي عهد داريوس (531-485 ق.م) جزئت الإمبراطورية الفارسية إلى عشرين ولاية كل ولاية عليها حاكم يدعى مرزبان، كانت شرقي الأردن وقبرص جزءاً من الولاية الفلسطينية([79])، أما عرب تيماء فقد فرض عليهم إتاوة سنوية مقدارها ألف وزنة من اللبان([80]).
لا بد وأن هؤلاء العمال كانوا يتمتعون بشيء قليل من السلطة لأنه في عهد الملك خسروس لم يتمكنوا من كف اعتداء المؤابيين والعمونيين على اليهود وغرضهم في ذلك منعهم من إعادة بناء هيكلهم في القدس. أثناء هذه الفترة وسعت عمون حدودها على حساب مملكة مؤاب حتى أصبحت تضم كل البلقاء إلى وادي الموجب.
وعلى العموم سار النظام الإداري الذي أنشأه الفرس سيراً حسناً فبقي معمولاً به إلى أن جاء الإسكندر الكبير عام 333 ق.م.