eKtab
EN ع
طب وما أشبه
اقرأ عينة مجانية

طب وما أشبه

بقلم د. نبيل نجيب فاضل

صفحة 1

الحِجامة

نظرية شفط الأمراض وموازنة الطاقة [موضوع لا بد لكل طبيب ومثقف أن يفهمه فهماً علمياً صحيحا]

الحِجامة لغة
الحَجْم لغةً يعني المص. يقالُ حَجَمَ الصبيُّ ثديَ أمّهِ إذا مصّه. وثديٌ محجومٌ: أي ممصوص. ويقال للحاجم حاجِماً وحجّاماً لامتصاصه فم المِحجَمِ أو المِحجمةِ. قال الأزهري: المِحجَمةُ قارورته، أي قارورة الحجام التي يحجم بها الناس، والحِجامةُ (بكسر الحاء) فعل الحاجم أو الحجّام. أما الأوروبيون فقد دعوا المِحجمة: الكوب (cup) ، كما سمّوا الحِجامة بالانكليزية: (cupping) ، وهو مصطلح إذا أردنا ترجمته لفظياً قلنا: التكويب، بدلاً من الحِجامة، فالكوب (وجمعه: أكواب) لفظة عربية قرآنية بيّنة(2)، ومنها الفعل كابَ يكوبُ أي شرب بالكوب، وهو القدح الذي لا عروة فيه. وسنرى لهذا الفن أسماء أخرى.

تعريف بها

الحِجامة عملياً يراد بها شفط الجلد والأنسجة الرخوة الواقعة تحته إلى جوف المِحْجَم بعد تطبيقه فوق الجلد بإحكام وخلخلة الضغط فيه. وتتم خلخلة الضغط في جوف المحجم، كي يلتصق بالجلد ويشفطه، بطرائق مختلفة أهمها عند العرب مص هواء المحجم بالفم، وهنالك طرائق أخرى. وغالباً ما تُصطَنع في الجلد قبل تطبيق المحجم عليه شَرَطاتٌ سطحية بآلة حادة فإذا ما طُبِقَ المحجم فوقها تسرب الدم منها إلى المحجم المخلخل الضغط. وربما اصطُنِعت الشرطات الجلدية، في منطقة ما، بعد حجمٍ أولي لها يؤدي إلى احتقان الدم فيها كي يسيل كمٌّ أكبر من الدم إلى المحجم عند تطبيقه عليها ثانية. وتدعى الحجامة التي يسيل فيها الدم إلى داخل المحجم بالحجامة الرطبة (wet cupping) . أما إذا لم تصطنع الشرطات السطحية واكتفى الحجام بشفط الجلد وما تحته إلى جوفِ المحجمِ دونما إسالة للدم فإن هذا النوع من الحجامة يدعى بالحِجامة الجافة (dry cupping) . ولقد طوروا فنهم حديثاً بتحريك الكوب من مكان إلى آخر وهو لصيق بالجلد وذلك بدهن الجلد بزيت ييسر انزلاق الكوب فوقه، ويدعى هذا الفن الحِجامي بالحِجامة المنزلقة (sliding cupping) .

طرائق إفراغ جوف المِحجم من الهواءوإلصاقه بالجلد ثم شفطه

إن لإفراغ جوف المحجم (الكوب (cup) ) من الهواء وخلخلة الضغط داخله طرائق مختلفة الشهير منها هو تسخين باطن الكوب بشعلة قطن محترق أو بلهب مصباح صغير، فتطرد حرارة النار الهواءَ من جوف الكوب، وعندئذ يطبّق الكوب بسرعة وبإحكام على الجلد، فإذا ما برد الهواء الذي بداخله في اللحظات التالية أصبح جوفه مخلخل الضغط فالتصقت حوافيه بالجلد تماماً وقبَّ (3) الجلد وأنسجته التحتية إلى داخله حتى تحتقن المنطقه المندفعة داخل الكوب بالدم احتقاناً، فإن كان في الجلد شرطاتٌ سطحية نَضَحَ الدم خلالها إلى الكوب وتراكم فيه حتى يرفعَه الحجام وَيُهَرْيقَهُ (شكل 1).
أما الحجامون العرب الأقدمون فقد اتبعوا طريقة أخرى في إلصاق المحجم بالجلد ونزح الدم منه ألا وهي المص بالفم كما أسلفنا، فآلة الحجم عندهم قارورة قمعية الشكل ذات أنبوبة علوية للمص بالفم، ومن المص هذا تأتّى، كما مرّ آنفاً، مصطلح الحجامة، فهم يمصون المحجم بهذه الأنبوبة حتى يتخلخل الضغط داخله ويندفع الجلد إلى جوفهِ ثم يعمدون إلى سد فتحة المص العليا بسرعة وترك المحجم ملتصقاً بالجلد حتى ينتهي عملهم. وفضلاً عن دلالة اسمها، فإن دليل استخدامهم المص في الحجم هو قول ابن الأثير: المِحجم، بالكسر، الآلة التي يُجمع فيها دم الحجامة عند المصّ. وفي حديث الصوم، قوله (صلى الله عليه وسلم): "أفطر الحاجم والمحجوم". قال ابن الأثير في معناه: إنهما تعرضا للإفطار، أما المحجوم فللضعف الذي يلحقه من خروج دمه فربما أعجزه عن الصوم، وأما الحاجم فلا يأمن أن يصل إلى حلقه شيء من الدم فيبلعه أو من طعمه.
ولقد اهتدى الحجامون المعاصرون إلى طريقة آلية لتفريغ الكوب من هوائه بآلة ماصّةٍ يدوية تسحب الهواء من فتحة ذات صِمامٍ في أعلى المحجم، وهذه طريقة قريبة من طريقة العرب القديمة في مص المحجم فموياً.

 
صفحة 2

تاريخ الحجامة شرقاً

مارس الصينيون الحِجامة منذ مدة لا تقل عن ثلاثة آلاف سنة خلت، ومن أوائل ذاكريها العشّاب الطاوي (4) الشهير جي هونغ (Ge Hong) (281-341م)، فلقد وصف الحِجامة في كتابه الموسوم: كتاب يدوي لوصفات الحالات الطارئة، وكان آنذاك يصنع المحاجم من قرون الحيوان الجوفاء، ويستخدمها لسحب الخراجات، وهذا استخدام معقول جداً. ويبدو أن الطب هو أسرع منتج بشري انتشاراً، فالناس في العالم أجمع تتلقفه بلهفة وتذيعه بإعجاب وثقة، ومن هنا فقد انتشرت الحجامة في العالم القديم كله. ولقد عرف الفرس الحجامة، يستدل على ذلك من مثلٍ عربيّ قديم نصّه: "أفرغُ من حجّام ساباط"، (5) والمقصود هنا على ما يقول الأصمعي، ساباط كسرى بالمدائن. المهم، حجّام ساباط هذا كان يَحجِمُ الجيوشَ نسيئةً (أي دَيناً مؤخراً) (6) من الكساد حتى يرجعوا فضربوا به المثل. ولا بد أن الحِجامة، التي ظهرت في بادئ أمرها في الصين، قد مرت بالهند قبل وصولها إلى الفرس، أو تكون قد عبرت إلى فارس من طريق آخر.

تاريخ الحجامة في العراق ومصر واليونان

عُرفت الحجامة في حضارة ما بين الرافدين يقيناً، وثَمَّ ختمٌ أسطواني يعود إلى عهد الملك كوديا نُقِشَ عليه رمزٌ لإله الصحة نينورتا (أو أدار) يحمل بيده آلة الحِجامة (الكوب)، فيما نُقش كوبان آخران في عمودين منفصلين في الختم، وفي الوسط عودان منحنيان متصلان بجِلدتين تستخدمان لتطبيق المحاجم.
كما عُرفت الحِجامة في مصر القديمة وأشارت إليها بردياتها، ويرى المصريون القدماء في الحجامة دواءً لكل داء تقريباً. وأنفذ المصريون الحجامة فيما قبل الميلاد إلى اليونان القديمة، وكان كلّ من هيبوكراتيس أي (إبقراط) (460-361 ق.م.) وجالينوس (Galen) (201-131ق.م)، مدافعين مُخلِصَينِ عن العلاج بالحجامة، حتى أن جالينوس أدان طبيباً اسكندرانياً مرموقاً، وهو ايراسيستراتوس (Erasistratus) ، لعدم استخدامه الحجامة في علاج مريض. ولو دققت في ما يفعله جالينوس في اللوحة التي رسمها الفنان روبرت ثوم (Robert Thom) ، لوجدته يحمل بيده اليسرى مصباحاً زيتياً صغيراً وباليمنى محجماً يهم بوضعه على ظهر صبي ممدد أمامه على سرير الفحص. تأمل جيداً تلكم اللوحة الرائعة من مجموعة روبرت ثوم في تاريخ الطب وستدرك الأسس التاريخية والعلمية التي استند إليها هذا الرسام المُجيد في تصويره، وأيما باحث وفنان هو (شكل 2). ومنذ عهد جالينوس ذاك انتشر الطب بالحجامة (التكويب (cupping) ) في أوروبا كلها.

تاريخها عند العرب

ما ممارسة الرافدانيين والمصريين القدامى للحجامة إلا دليلٌ على أن أجدادهم العرب الساميين قد عرفوا الحجامة منذ زمن جدّ بعيد، فالرافدانيون وقدامى المصريين على ما يذهب إليه المؤرخون المحدثون ليسوا إلا هجرات قديمة من جزيرة العرب مهد البشرية الأولى، ولربما كانت الحجامة قد وصلت إليهم في مهدهم ذاك من الحضارات الشرقية القديمة في الصين عبر الهند وفارس. ولقد مارس عرب الجاهلية هذا الفن العلاجي القديم إذ ذكرها (زهير بن أبي سلمى) (7) في شعره بقوله:
يُنَجِّـمُها قـومٌ لقومٍ غرامَةً
ولم يُهَرْيِقوا بينهم مِلءَ مِحجَمِ (8)
ومن عرب الجاهلية ورثها متطببو العهد الإسلامي الأول ثم ما تلاه من عصور حتى يومنا هذا. ولقد استطب بها الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) وامتدحها لِما وجده فيها من فائدة ليست في ما سواها من طب ذلكم الزمن (وسنناقش تلكم الفوائد)، فجاء هذا مُعزِّزاً لممارستها في العصور الإسلامية المتعاقبة. ومن الجاهلية ثم عصر النبوة من جهة، ومن اليونان القديمة خلال الاسكندرانيين أو البيزنطيين، من جهة أخرى، تكرست الحجامة بين الأطباء المسلمين في العصور الإسلامية اللاحقة، وهي معروفة لديهم أصلاً.
صفحة 3

أساس الحجامة الإشفائي لدى الشعوب القديمة

اعتمد الأقدمون طرائق بدائية لعلاج الأمراض تستند إلى فهم خيالي لوظائف الأعضاء يختلف من حضارة لأخرى، كما يختلف تماماً عن فهمنا العلمي الحديث لها. ولقد راح كل شعب مارس الحجامة ينتحل لها وظيفة بحسب تقدير حكمائه، بيد أن الحجامة تقوم عموماً على مبدأ إزالة سبب المرض من الجسم بشفطه مع الدم عبر الجلد. وفي مصر القديمة ثمة برديّة (Eberes Papyrus) كتبت في حدود 1500 ق.م. تقرر أن استخراج الدم بالحجامة الرطبة يزيل المواد الغريبة والمؤذية من الجسم. أما الإغريق فمارسوها على أنها تنظم توازن الأخلاط الأربعة داخل الجسم وهي: خِلط (بكسر الخاء) الدم، وخِلط الصفراء، وخِلط المخاط (البلغم)، وخِلط السوداء. فالحجامة لديهم تزيل الأخلاط الضارة. (9) أما الرافدانيون والهند والفرس فلم نقع على قولهم في وظيفتها.

ما زعموه من أساس لفعل الحجامة في الصين

أما في الشرق الأقصى فلقد اعتقد الصينيون أن في الجسم قنوات تمر منها الطاقة الطبيعية الكونية التي يدعونها كي Qi أو Chi . وبالرغم من دعوتهم إياها طاقة، فإنهاروحية ميتافيزيقية الطابع وليست مادية تجريبية (empirical) بالمعنى الذي نفهمه عن الطاقة اليوم. وما هذا المعتقد إلا نوع من عقيدة بدائية تدعى الحيوية (10) (vitalism animism) ، تزعم وجود الحياة في كل ظاهرة كونية. وهذه الطاقة الروحية الدائرة في الجسم تنسدّ بعض مساربها، بزعمهم، فتحتقن هنا وتشح هناك فيعمدون لتنظيمها وإعادة توازنها إلى تحفيز عدد من النقاط الواقعة على مسار قنواتها بواسطة الإبر الصينية التي يسمونها نسبة إلى هذه الطاقة بـ (chi kung) أي وخزات (كي). ولقد ترجم الأوروبيون وخزات (كي) إلى لفظ ذي معنى مشابه هو (أَكُي بنكجر) (aqui-puncture) الذي تطور إلى: (أكو بنكجر) (acu-puncture) وهو ما نقرأه اليوم.
عجباً!! ما علاقة الحجامة بوخزات كي؟؟ الجواب عن هذا هو أن المحاجم التي ابتكرها الصينيون من قرون الحيوان الفارغة ابتداءً، ثم من قصب البامبو أو الفخار لاحقاً (شكل 3)، قد استخدموها للغرض نفسه، أي لتنظيم الطاقة المحترمة (كي) في قنواتها الجسمية، ويبدو إن استخدامهم المحاجم لهذا الغرض جاء متأخراً عن استخدامها الأول المختص بسحب الخراجات وتفريغها الذي ذكرناه. وكانوا في الأمراض التي يظنون أنها تنشأ من احتقان أو ركود الطاقة يخرجون الدم بالحجامة (blood-letting) ، وهو ما يسمى اليوم الحجامة الرطبة، أما من كان مرضه من نقص الطاقة وحسب فإن إخراج الدم ربما أضرَّ به، في حسبانهم، والحجامة المسماة اليوم جافة هي الأجدى له.
وعدا عن مسألة تنظيم قنوات الطاقة في الجسم، فإن للصينيين مقصداً آخر في الحجامة. فمن مقولاتهم القديمة: "أينما كان احتقانٌ، كان الألم. أزِل الاحتقان يزل الألم"، والحجامة، كما يرون، تحرك الدم وتفتح منافذه وتمنع ركوده مثلما تفتح منافذ الطاقة فتعيد بذلك للجسم طبيعته المعتدلة.

أساسها الإشفائي قُبَيل عصر النبوة وفيه..ورأيُنا في جدواها

أما العرب في الجاهلية فقد اقترنت الحجامة عندهم بخروج الدم (انظر وصف زهير لها في شعره آنفاً). وورد ذكرها بالصفة نفسها في الحديث النبوي الشريف بقوله (صلى الله عليه وسلم): ((.. شَرطة مِحجم...))، فكأن تشريط الجلد بالمشرط وحجم الدم، أي مصّه بعد التشريط، مقترنان، مما ينبئ أن الحجامة عند العرب، جاهلية وإسلاماً، كانت تقترن دائماً بإخراج الدم. وتشير الأحاديث في عصر النبوة إلى أن الحجامة وسيلة لإزالة هيجان الدم وتَبَيُّغِهِ. جاء عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "إذا هاج بأحدكم الدم فليحتجم، فإن الدم يَـتَبَـيَّغ بصاحبه يقتله". وتَـبيَّـغُ الدم هيجانُه وزيادته، والتبَـيغ تصحيف البغي وبمعناه. ولكن ما هو هياج أو تبيغ الدم لديهم؟ وكيف يتنبأ الإنسان بوقوعه فيحتجم كي لا يقتله؟ أم أن الأمر وقائي عام؟؟ لا أدري، فلربما كانت هناك أعراضٌ معينة تعارفوا على أنها من هياج الدم. أمّا ما نفهمه اليوم من تعبير (هياج الدم) في الطب العلمي الحديث فيحتمل أنه تعبير عن حالتين مرضيتين لا غير: الأولى هي زيادة عدد كريات الدم الحمر (polycythemia) ، والثانية زيادة ضغط الدم (arterial hypertension) ، فإن كان الأمر هكذا فإن إشارة الرسول (صلى الله عليه وسلم) من الإعجاز الطبي حقاً حقاً، فإزالة قليل من الدم الوريدي في الطب العلمي اليوم، وهو ما كانوا يدعونه بفصد الوريد (venesection) ، ركن ضروري في علاج زيادة كريات الدم الحمر. أما ارتفاع ضغط الدم الشرياني، فلعمري إن إزالة بعض الدم علاج جيد له في زمن لا توجد فيه أدوية خافضة للضغط، بل ضرورة منقذة للحياة أحياناً. ولا مراء أن الحجامة الرطبة تحقق ما يحققه الفصد الوريدي في الحالتين المرضيتين كلتيهما ومن هنا نقر بفائدتها المحدودة في حالتي تبيغ الدم هاتين، أما ما عدا هذا من الأمراض والعلل فليس في الطب العلمي أي دليل على أن إخراج الدم فيها بالحجامة مُجـدٍ أو مفيد.
 
صفحة 4

الأحاديث النبوية في الحجامة

هذه أحاديث ما بين صحيح وضعيف، وقد يكون هناك ما يزيد عليها مما لم نقع عليه، وهي تحتاج إلى نظرِ أُولي علمِ الدين وعلم الطب العلمي الحديث في مبحثٍ منفصلٍ لتفسيرها تفسيراً يليق بالسيرة النبوية الصحيحة التي لا يمكن لها أن تتقاطع مع علم أو عقل.
1. في صحيح البخاري: "الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكيّة نار، وأنا أنهى أمتي عن الكيّ".
2. وفي الصحيحين: "خير ما تداويتم به الحجامة".
3. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا هاج بأحدكم الدم فليحتجم، فإن الدم يتبيغ بصاحبه يقتله".
4. في سنن ابن ماجة:
ما مررت ليلة أسري بي بمِلأٍ إلا قالوا: يا محمد مر أمتك بالحجامة" (وُصف بأنه حديث ضعيف).
نزل جبريل على النبي بحجامة الأخدعين والكاهل. والأخدعان عرقان في جانبي العنق قد خفيا وبطنا، وقيل الأخدعان الوِدِجان. وربما وقعت الشرطة على أحدهما فينزف صاحبه لأن الأخدع شعبة من الوريد.
5. عن أنس مرفوعاً: "من أراد الحجامة فليَتَحَرَ سبعة عشر، أو تسعة عشر، أو إحدى وعشرين، لا يتبيغ الدم بأحدكم الدم فيقتله".
6. في جامع الترمذي:
نِعمَ العبدُ الحجام يذهب بالدم، ويُخِفّ الصُلب، ويجلو البصر.
عليك بالحجامة يا محمد.
حديثٌ مرفوع إلى ابن عباس: إن خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة، ويوم تسع عشرة، ويوم إحدى وعشرين.
7. وذكر ابن نعيم:
حديثٌ مرفوع: عليكم بالحجامة في جوزة القَمَحْدُوة، فإنها تشفي من خمسة أدواء.. (ذُكر منها الجذام). وجوزة القَمَحْدُوَة هي النتوء الناشز فوق القذال (11) إذا استلقى الرجل أصابت الأرض من رأسه. جمعها قماحد.
عليكم بالحجامة في جوزة القمحدوة فإنها شفاء من اثنين وسبعين داء. (وقد استحسنه البعض وقال آخرون لا يثبت).
8. وروى الخلّال:
عن أبي هريرة مرفوعاً: "من احتجم يوم الأربعاء أو يوم السبت فأصابه برص فلا يلومن إلا نفسه".
9. وفي كتاب الأفراد للدارقطني:
عن ابن عمر: الحجامة تزيد الحافظ حِفظاً، والعاقل عقلاً فاحتجِموا على اسم الله تعالى ولا تحتجموا الخميس والجمعة والسبت والأحد واحتجموا الاثنين (أي في منتصف الأسبوع)، وما كان من جذام ولا برص إلا نزل يوم الأربعاء.
يوم الثلاثاء يوم الدم وفيه ساعة لا يرقأ فيها الدم.
صفحة 5

أساسها الاشفائي في العصور الإسلامية اللاحقة

وبعد أن تُرجم طب الإغريق إلى العربية في العصور الإسلامية اللاحقة وتبناه ابن سينا (980-1037م) ثم توسع فيه، فقد اختلطت المفاهيم، وصار الأطباء المسلمون يعلنون أن الحجامة تزيل من الجسم الدم الفاسد الذي سبب المرض، وتنقي الدم من الأخلاط الضارة تماماً كما تقول اليونان، وهذا دليل تأثرهم بهم. وليس في طبِّنا العلمي شيء ندعوه دماً فاسداً أو خِلطاً ضاراً، فهذه لغةٌ وأفكار عفا عليها الدهر منذ القرن السابع عشر على يد جيوفان موركاكني (Giovanni Morgagni) (12) الذي نشر في عام 1761 مقالاً بعنوان: (تحري مواقع وأسباب المرض بالتشريح)، وفيه وصف أكثر من 700 جثة قام بتشريحها فزودته بأدلة دامغة على أن الأمراض يمكن تتبع آثارها في الجسم البشري ولا علاقة لها بالأخلاط الأربعة (the four humors) أو بالأرواح.

أقوال بعض الأطباء المسلمين في الحجامة

هذه أقوال للأطباء العرب القدماء أضحى جلها غير ذي قيمة لعدم ثبوت النظريات التي تقوم عليها. وعلى هذه الأقوال العتيقة بنى حجامو العصور الإسلامية اللاحقة ممارستهم، حتى يومنا هذا (شكل 4).
10. قال أبو عبد الله المازري: الأمراض الامتلائية إما أن تكون دموية، أو صفراوية، أو بلغمية، أو سوداوية، فإن كانت دموية فشفاؤها إخراج الدم، وإن كانت من الأقسام الثلاثة الباقية فشفاؤها بالإسهال الذي يليق بكل خلط منه.
11. وقال بعض الأطباء: الأمراض المزاجية إما أن تكون بمادة أو بغير مادة. والمادية منها إما حرارية، أو باردة، أو رطبة، أو يابسة، أو ما تركب منها، وهذه هي الكيفيات الأربع.. فإن كان المرض حاراً عالجناه بإخراج الدم، بالفصد أو بالحجامة، لأن ذلك استفراغاً للمادة، وتبريداً للمزاج. وإن كان بارداً عالجناه بالتسخين، وذلك موجود في العسل، فإن كان يحتاج مع ذلك إلى استفراغ المادة الباردة، فالعسل أيضاً يفعل في ذلك لما فيه من الإنضاج والتقطيع والتلطيف والجلاء والتليين.
12. وقال صاحب القانون، ابن سينا:
ويؤمر باستعمال الحجامة لا في أول الشهر، لأن الأخلاط تكون قد تحركت وهاجت، ولا في آخره لأنها تكون قد نقصت، بل في وسط الشهر حين تكون هائجة بالغة في تزايدها لتزيّد النور في جرم القمر.
الحجامة تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق البدن أفضل، والحجامة تستخرج الدم من نواحي الجلد.. فالحجامة تخرج ما لا يخرجه الفصد، ولذلك فهي أنفع للصبيان من الفصد، ولمن لا يقوى على الفصد، وفي البلاد الحارة فإن الدم تجذبه الحرارة إلى العروق السطحية فالفصد لهم خطر.

أسس الحجامين المحدثين

أخذ الحجامون المحدثون كل ما سبق من فرضيات وخلطوا بعضها فوق بعض، فهم يدّعون أن الحجامة تزيل الاحتقان من مناطق الجسم، وتخفف هياج الدم، وتزيل الآلام. كما أنهم استندوا إلى شيء من نظرية الطاقة الصينية القديمة فراحوا يضعون أرقاماً مناظرة لأرقام نقاط الإبر الصينية على الجسم، ويرسمون لها خرائط وأطالس، ويروِّجون لحجم المرضى كلٌّ في نقطة معينة بحسب مرضه، وكل ذلك لا أساس علمي له (شكل 4 في الصفحة السابقة).
صفحة 6

خطأ تاريخي شائع وسوء فهم ذائع

أما أغرب ما سمعته عن أصلها فهو عندما سألت طلبة الطب: من تظنونه أول من اخترع العلاج بالحجامة؟ فأجاب أحدهم: إنه الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)!!.. والذنب ليس ذنبه وإنما ذنب الذين هولوا مسألة تطبب الرسول (صلى الله عليه وسلم) بها، وأضفوا على ممارستها القداسة حتى جعلوها مظهراً مهماً من مظاهر الإسلام، وهي ليست إلا مخترع صيني روحاني طاوي بوذي، أو فرعوني شِركي، أو رافداني وثني، أو فلسفي إغريقي قديم لا يمت إلى عقيدة الإسلام بصلة. وما استخدام الرسول (صلى الله عليه وسلم) لها إلا استخدام لمعطيات الطب في زمانه، وما في طب ذلكم الزمان غير شربة عسل (أو نقيع عشب)، أو شرطة محجم، أو كي بنار. هل من طب غير ذلك؟ لماذا لا نذيع ونشيع مثلاً قوله (صلى الله عليه وسلم) "تداووا يا عباد الله فإن الله ما أنزل من داء إلا وأنزل معه دواء"، أوليس في هذا دعوة للبحث عن الدواء الذي أنزله الله تعالى لكل داء؟ أوليس فيه حثٌّ على البحث العلمي والكد في سبيل العلم؟ أم أن اختصار الطب كله في الحجامة البدائية أيسر جهداً، وأجدى ربحاً، وأكثر تعبداً؟

التفسير العلمي الحديث لفوائد الحجامة المحدودة

يشعر الناس عادة بعد الحجامة التي يزال فيها شيء من الدم بخفة في أجسادهم، وهذا الإحساس يصفه لنا أيضاً من يتبرع بالدم في مصارف الدم وسبب ذلك هبوط طفيف في ضغط الدم وتحفيزٍ للجهاز العصبي العاطفي في الجسم مما ينشط من دورة الدم ومسيرهِ إلى الدِماغ والعضلات أكثر من الأحشاء تعويضاً عن النقص الحاصل في حجم الدم الذي يتحسسه الجسم بدقة. كما أن الحجامة بما تحدثه من ألم ناتج من الاحتقان الموضعي أو التشريط تتسبب في أثر يشبه فعل الكيّ، أو ما نسميه (العُطْبة) في الجلد. فالكي في منطقة معينة يُـلهي صاحبه عن آلام جسمية تنقلها ذات المسارات العصبية التي تنقل آلام (العطبة)، فيشعر المريض بأن آلامه الأولى قد زالت، وهذا شعور خادع وليس بشيء أيضاً. أمّا ما يدعونه الحجامة المتزحلقة ففيها نوع من التدليك (massage) وهو علاج طبيعي معروف للبشر أجمع، ولا يكاد يكون طباً.
وحدها الحجامة التي تعالج هياج الدم وتمنع تبيّغه، كما أخبر (صلى الله عليه وسلم) في الصحيحين، ذات فائدة محدودة، شرط أن يكون تشخيص مثل هذه الحالات صادراً عن طبيب حقيقي، وأن لا يُستغنى عن أسباب الطب العلمي الحديث (شكل 6).

خاتمة

إنه لكثير جداً، بعدما تبين أمر الحجامة وتاريخها الغابر وأسسها، أن تقام مثل هذه الضجة حول ممارسة طبية لا تقوم فائدتها على برهان علمي، إذا ما استثنينا حالة تبيّغ الدم أو هياجه، أي تكاثر كرياته أو زيادة ضغطه على ما نفهم من هذه اللفظة علمياً اليوم. أما ما يذكرونه عن فائدة الحجامة في ضمور خلايا المخ، والشلل الكلي، وأمراض الكلى، والسكري، والبواسير، والغدة الدرقية، والقلب، والرئتين، والمفاصل، والسرطان، واللوكيميا، والعقم، والضعف الجنسي، وتخثر الأوردة العميقة... وستين مرضاً آخر دبجوها تدبيجاً في كتبهم، ونشراتهم الارتزاقية، وفي الشبكة الدولية، فلا يقوم على أساس علمي أو دليل، وهو ضرر، وتغرير وتضليل. أفلا يستمع الناس إلى أقوال علمائهم وخبرائهم؟ وهل يأمرهم دينهم بغير ذلك؟ وهل تقوم الساعة إلا إذا وسد الأمر إلى غير أهله؟
صفحة 7

التيفو.. والميفو.. وما أشبه

(الميفو) ببساطة واختصار شديدين، ودونما لفّ أو دوران شيء لا أدري ما هو ولم أسمع به من قبل! ولكن جرت عادة الناس الذين أعيش بينهم اليوم (15) مؤدياً وظيفتي الطبية أن يستخدموا في أحاديثهم مترادفات لفظية ذات تفعيلة واحدة وإيقاع متشابه، ملتزمين في ذلك ما لا يلزم، ومنها قولهم (تخطيط/مخطيط) يقصدون تخطيط القلب الكهربائي، أو (مَلطة/بلطة، وأحياناً ملطة/ لمبة) يريدون بها (حمى مالطا). وهذا الضرب من المحسنات البديعية في الحوار العامي تمخض عن (الميفو) عند قولهم: تيفو/ ميفو! ... أما (التيفو) فسأتلو لك منه ذكراً.
شاءت إرادة الله العزيز القدير فيما خلق أن تكون كائنات حية مجهرية أطلق عليها علماء الغرب اسم (بكتيريا)، وهي لفظة لاتينية-إغريقية معربة، ترجمتها اللفظية هِراوات.. نعم هِراوات أو نبابيت قصيرة بسبب من تشابهها شكلاً مع هذه الآلات الخشبية القتالية. ومن مملكة الهِراوات أو النبابيت المجهرية هذه عائلة تدعى العصيّات المعوية (enteric bacilli) ، لمشابهتها للعصي. ومن العائلة جنس ثم نوع يدعى سالمونيلا تايفي (Salmonella typhi) ، وهو الميكروب إذا ما تناوله الانسان مع طعامه أو شرابه أصيب بمرض يدعى تايفويد (typhoid) . والتايفويد، أيضاً، لفظة لاتينية عربناها فهمزنا ما بعد واوها فقلنا (تايفوئيد أو تيفوئيد) وتتكون من مقطعين: تايفوس (typhus) ويعني (الدخان أو الضباب)، و: أويد (oid) لاحقة تعني (شبيه)، فيصير معنى (تايفويد) النهائي: الشبيه بالضباب أو الدخان أي الضبابي أو الدخاني. وقد أطلق هذا الوصف على هذا المرض بسبب الوهن الشديد والحمى العالية التي تجعل المريض ضبابي الرؤية والفكر، مهلوساً، ذاهلاً عمن حوله وهو يعاني سكرات هذا المرض وشدته.
ومن الجذر تايفوس (typhus) الآنف الذكر اشتق اسم المرض (باراتايفويد (paratyphoid) وفيه اللفظة بارا (para) تعني جَنيباً، أو مُجاوراً ليكون معنى باراتايفويد: جنيب، أو مجاور التايفويد، وهو مرض أخف وطأة من التيفوئيد. ومنه أيضاً اسم مرض التايفوس (typhus) الذي حسبوه أصل التايفويد، ثم تبين لاحقاً أنه مرض وبائي مختلف تسببه ميكروبات أخرى ينقلها القمّل في مخيمات الجنود واللاجئين أثناء الحروب والكوارث. ولقد كنت أحسب أن اسم التيفا (TIFA) الذي يطلق على العجلة التي كانت تضخ المبيدات الحشرية كالدخان في الأزقة، على عهد طفولتنا وجرينا وراءها، مشتقٌّ أيضاً من الجذر تايفوس الذي يعني الدخان حتى علمت أخيراً أن ذلك الظن كان شبهة لا غير (16).
ولقد تناوشت عقول العامة وألسنتهم لفظة تايفويد (typhoid) فنتفتها لتصير (تيفو). ونحن معشر الأطباء ندرك مقاصدهم حين يحدثوننا عن التيفو، مثلما ندركها عندما يقولون (رأس فؤادي) أو (رأس قلبي يؤلمني) يريدون مِعَدَهم (أو مُعَدَهُم او مَعِدَهم.. جمع معدة وفقاً للفيروزاباذي) أو أعلاها قرب الصِمام الفؤادي.
والتايفويد مرض يكثر صيفاً بسبب من انتشار الذباب الذي ينقل الميكروبات من فضلات المصاب إلى الأطعمة والخضر والفاكهة والمرطبات والمثلجات المكشوفة على قوارع الطرق، ناهيك عن انتقالها بأصابع حاملي الميكروب الملوثة إلى كل ما يؤكل أو يُشرب.
كل هذا هامشي لما أردت أن أقوله من أنّ هذا المرض يشخص بفحص مختبري يسميه الناس (فحص التيفو) في حين يعرفه الأطباء باسم فحص ويدال Widal ). و(ويدال) طبيب فرنسي عاش ما بين (1862-1929م)، وفحصه القديم العهد أشبه بحاطب ليل فهو يشخص فيه التايفويد الحقيقي وهو القلة، وما أشبه التايفويد من عدوى كالاصابة بالميكروبات المسماة (protius) (E. coli) وإصابات التايفويد القديمة المتماثلة للشفاء وهو الكثرة. ومن أجل هذا صار الحاذقون من الأطباء يتعاملون مع نتائج هذا الفحص بحذر شديد، فلا يعتبرون منه إلا ما كان منسجماً مع الأعراض والعلامات السريرية التي يعرفونها عن التايفويد من دراستهم وممارستهم، في حين يَسعدُ (زنة يَسلَمُ) بالنتائج الموجبة للفحص من لم يتوصل إلى تشخيص صحيح للأعراض التي يعانيها المريض، أو من يصعب عليه إقناع مرضاه المصرّين على إصابتهم بالتايفويد بأن الأعراض التي يعانونها هي أعراض إجهاد نفسي أو بدني، أو أعراض سن اليأس من المحيض، فيتخذ من التايفويد الذي شخصه له فحص ويدال تشخيصاً جاهزاً سهلاً، بل ومفرحاً لبعض النساء!!!
ومثل هذه النتائج المضللة التي يشير فيها فحص ويدال إلى وجود التايفويد في حين أنه غير موجود حقيقة كانت تحدث مع فحص قديم يدعى فحص واسيرمان Waserman )، حيث ظل هذا الفحص لأربعين سنة يُشخص الكثير من حالات (السفلس) خطأً في خطأ. فالحذر الحذر من إنفاق لا لزوم له ولا طائل فيه في العيادات والمختبرات، ولدى باعة الأدوية، لا أقول الصيادلة فقط، واللبيب بالاشارة يفهم.. والنصاحة النصاحة أيها الزملاء.. وعذراً أيها المستفيدون.
صفحة 8

كلمةٌ في الذين يَرَوْن الجن

"نقل الشيخ أبو الحسن بن الحسين الآبري في مؤلَّفِهِ (مناقب الشافعي)، عن الربيع أنه قال: سمعت الشافعي يقول: مَنْ زَعَمَ من أهل العدالة أنه يرى الجن رُدَّت شهادته وعُـزِّر لمخالفته قوله تعالى: { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ} إلا أن يكون الزاعم نبياً.." أ.هـ (18). هذا قول الشافعي فيمن يزعم رؤية الجن، فماذا يقول (رحمه الله) فيمن يكلمهم أو يتمادى فيصاهرهم ويتزوج امرأة منهم؟
إننا، وبسببٍ من تطور معارفنا الطبية ومن ضمنها الدراسات والبحوث النفسية والعقلية الحديثة، يحق لنا أن نقول: من الضرورة عرض مدعي رؤية الجن ومحدثيهم والمتزوجين منهم على الحاذقين من الأطباء النفسانيين لتحري صحة ما يدّعونه والقرائن المتعلقة بذلك، ولتدقيق قواهم العقلية وتكويناتهم النفسية، واستكشاف الأسباب والدوافع الكامنة وراء مزاعمهم هذه، فإن لم يكن في هؤلاء المدعين غبش في رؤية أو جنوح مرضي في خيال أو دافع عصابي لا شعوري أو هلوسة ذهانية دخل أولئك المدعون في طائلة قول الشافعي أعلاه وحكمه عليهم.. ورحم الله الشافعي ألف مرة ليته وردنا منه أثر في الأطباء الروحانيين الجدد الذين طلعوا علينا بتقنيات عالية لعلاج الأمراض بطرد الجن الخبيث من أجساد ضحاياهم ومصروعيهم، فبعثوا من طيات التاريخ وما قبل التاريخ طقوساً غادرها العقل البشري والنظر العلمي منذ زمن. ممارسات موغلة في القِدم أشبعها توظيفاً الإنسان الأول في الغابات والكهوف، وكل أهل الملل والنحل مروراً ببوذا (19) في 600 ق.م. وزرادشت في 600 ب.م، فضلاً عن كهنة العصور الأوروبية الوسطى المظلمة بعد سقوط الامبراطورية الرومانية.
إن الجن، ولا شك، خلق من خلق الله (تعالى) وله شؤونه التي أشار إليها القرآن الكريم، ولا شأن لهذا الخلق بالإنسان إلا في أن الخبيث المتشيطن منه يوسوس في صدور الناس، كما أفادت سورة (الناس)، وهذه الوسوسة لا ندري طبيعتها وكنهها، وإنما دعوة يجدها من اتبعوا خطوات الشيطان في خواطرهم وسرائرهم وضمائرهم تدعوهم إلى التنكب عن الحق الذي فطر عليه الإنسان إلى ما يخالف أوامر الله تعالى وحدوده ونواهيه. وهذه الدعوة هي ذاتها الإلقاء الشيطاني في قلوب البشر، أي في دواخلهم وبواطنهم وألبابهم، وهي مس الجن الحقيقي للإنسان لا ذاك الخرافي الذي يتماشى مع المعتقدات الإنسانية القديمة التي راحوا يحيونها ليتكسبوا مالاً وسمعة.
قال (تعالى) يصف قول الشيطان للناس: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ۖ} (20)، ثم قال (تعالى) مبيناً ضعف سلطان الشيطان على الإنسان: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (21).
كرر عزيزي القارئ قراءة ما جاء في مفتتح هذا المقال فلا تلهينك الخاتمة عن الفاتحة.. والله من وراء القصد...
صفحة 9

المس والتلبّس

السيد صاحب امتياز جريدة الرأي الدكتور عبد اللطيف هميم المحترم
لقد نشرتم العديد من المقالات التي تتحدث عن التلبس والمس الشيطاني، وهي لعمري مواضيع ملأى بما يحتاج الى إيضاح وتفسير، ناهيك عن حاجة بعضها إلى الرد. ولدي دراسة معمقة في هذا الموضوع أجريتها خلال السنوات الاخيرة، وها أنا أرسل إليكم مقالة حول هذا الموضوع فيها بعض الإيضاح للجوانب التأريخية والعلمية لهذا الموضوع فأرجو أن تحظى بالنشر..
أنبأتنا أقدم العصور التي وقعنا على أخبار الإنسان فيها، مروراً بالآشوريين والمصريين القدماء، أن الناس كانوا يعتقدون بأن الأرواح الشريرة هي سبب الأمراض الجسمية جميعاً كوجع الرأس والأسنان وسائر أعضاء الجسم، والأمراض النفسية والعقلية التي تؤدي إلى الجنون (23) والهيام في الطرقات، وكذا شرور الأقوال والأفعال.
والأرواح الشريرة في زعمهم تدخل الأجساد إما من تلقاء ذاتها وإما بتسليط من أحد السحرة وهم فئة زعموا لأنفسهم القدرة على الاتصال بالأرواح الشريرة والسيطرة عليها. وكان ينظر الى الشخص الممسوس بالأرواح الشريرة على أنه شخص خاطئ أو نجس ولولا ذلك لم يكن الخفي من الأرواح الشريرة (أي الجن) ليتخذه مسكناً (24). وكانوا يعالجون مرضاهم بالسحر المباشر (وهو طب السحر) أو بطرد الأرواح الشريرة من الجسد من قبل رجال الدين (وهو الطب اللاهوتي). ولقد اتخذ طرد الأرواح الشريرة من أجساد المصابين أشكالاً ثلاثة:
1- عدم الإذعان للروح الشريرة.
2- طردٌ مباشر من قبل الكاهن أو الساحر.
3- طردٌ بواسطة الآلهة (25).
والآن تعالوا ننظر في الموضوع من زاوية أخرى تشرف على عرب ما قبل الاسلام وما لديهم من أخبار الجن.
أُثِرَ عن العرب قبل الإسلام أنهم وصفوا قرابة ستة عشر شكلاً من الجن على أصناف وصور مختلفة، فمنهم (أي من الجن) من توهموه متجسداً أو متلبساً في الحيوانات كالحيات والعقارب وخشاش الأرض حتى لم يكد ينجو من حسن ظنهم هذا أيّ حيوان!! ومنهم من تخيلوا تجسده في شكل إنسان شاذ الخلقة دعوه (النسناس) و(المسخ)، أو في نصف إنسان ونصف حيوان كـ (الدلهاب) و(الشق) و(جان البحر)، ومنهم ما تصوروه يتخايل في ظواهر الطبيعة كالأعاصير والرياح والعجاج ولهيب النار. ومن غير هذه الأشكال المتجسدة فقد وصفوا أنواعاً مجتنَّة دائماً (أي مختفية فلا تتجسد) كـ (الهاتف) و(الهاجس) و(الرَّئِي) و(العبقري) و(التابع أو القرين) و(الخابل) الذي يخلب الناس ويُخَبِّلُهم وهو الذي يسبب الصرْع (بتسكين الراء) والجنون لذلك كانوا يداوون الصريع بالرُّقى لطرد الخابل منه (26).
والجن لديهم إذا تغوَّل بأشكال مختلفة قالوا إنه (الغول)، وإن كان بذيئاً صخّاباً قالوا إنه (سعلاة)، وإن قَوِيَ على البنيان والحمل الثقيل قيل (مارد)، فإن زاد فهو (عفريت)، وإن سكن الخرائب أو الدور آمناً مطمئناً في شكل أفعى أو دون شكل معروف سمّوه (العامر). والجن إذا كفر وظلم وتعدى وأفسد فإنه (شيطان).
وقد اتهموا الجن أنه يصنع معهم أموراً كثيرةً منها أنه يُضلُّهم في البوادي ويحثو التراب في أعينهم ويخدعهم ويخطف مواشيهم ويتلبس في أصنامهم وأوثانهم. وزعموا أن قبائل كثيرة منهم انحدرت في أصولها من الجن، من رجل إنسي تزوج جنية أو العكس. كما عزوا إلى الجن كل بنيان عظيم، كما عزوا إليه شؤون السحر والكهانة والقيافة والعرافة والفأل والفراسة والرؤى (27).
واتهموا الجنّ بأنهم يقتلون الأعيان من الناس، ويبشرون بولادة العظماء، ويوحون بالشعر للشعراء. كما ظنوا بهم أمراً خطيراً آخر هو موضوع حديثنا ومحوره ألا وهو تسبيب الأمراض للناس، فكل مرض جهلوا سببه وعجزوا عن مداواته نسبوه إلى الجن. كما زعموا في ذاك الزمان أن الطاعون طعن من الشياطين فسموا هذا المرض: رماح الجن. وكانوا يلتجئون الى التعاويذ والرقى لطرد الجن من جسم المصاب وإزالة الكرب عنه، غير أنهم كانوا في أحايين أخرى يمتنعون عن معالجة المصاب خوفاً من إغضاب الجن ومخالفة مشيئتهم فيما يرونه من أمر مصروعهم فيزدادون نقمة منه وربما يقتلونه.
هكذا فكرت البشرية دهوراً من قبل أن ينير العلم الظلمات وتنجلي الأسباب الحقيقية الطبيعية للأمراض، وهو ما هو عليه الطب العلمي الحديث.
صفحة 10

الطب والأسطورة

السطرُ يعني الصفّ من الشيء، كالكتابِ والشجر وغيره، والجمع أسطر وسطور وإسطارة، وجمع الجمع (أساطير). والسطرُ أيضاً: الخطّ والكتابة، و(إستطرة): كتبه، و(سطّر تسطيراً): ألفَ، و(سطّر علينا): أتانا بالأساطير أي بالمؤلفات. و(الأساطير) تشير كذلك إلى الأحاديث لا نظام لها، ومفردها: (إسطار وإسطير وأُسطور)، وهي تكتب بالهاء أيضاً، أي: (هسطار وهسطير وهُسطور)، فتأمل!! (28) ولو نظرت في الصيغ (إسطار، وإسطير، وأُسطور) وصيغها الهائية (هسطار، وهسطير، وهُسطور) لرأيتها مذكرة جميعاً، ولا بد أن مؤنثها (إسطارة وإسطيرة وأسطورة) ثم (هسطارة وهسطيرة و...هسطورة)، نعم هسطورة، فهل في هذه اللفظة (هسطورة) ما يستفز؟ إنها والله تدفعني دفعاً إلى الظن بأنها ذات اللفظة التي يطلقها الأوروبيون على التاريخ، أي: (History) ، دليلنا على ذلك تشابه المعنى والمبنى. هكذا نظن، والله أعلم.
المهمّ، إن ما ألمح اليه (الفيروزاباذي) في قوله (الأساطير: الأحاديث لا نظام لها) يدفع بنا إلى القول إن الأساطير نتاج لما هو لا منهجي أو لا منطقي من أساليب التفكير. وما مصطلح (الخُرافة) (29) إلا تعبير لا دبلوماسي عن الأسطورة، ذلك أنه يفضحها فيعلن صراحة أن الأسطورة ليست من بنات العقل في شيء، فلا بد إذن أن كل ما لا يُعقل أسطورةٌ، جديداً كان أم قديماً، وبالتالي فهو خرافة. ولا نجد فرقاً بين ما دُعيَ أسطورة وما دُعي خرافة سوى في أمرين أولهما أن الأسطورة تصف نظرة شمولية متكاملة، فهي سيناريو متكامل، في حين قد لا تطلق الخرافة إلا على الجزيئات، والثاني أن الخرافة تُذكر في محضر الوقوف بوجه العلم والمنطق والتصدي لهما.
- وما للطب ولهذا كله..؟
- لا أدري من أين أبدأ.. لفظة الطب بحد ذاتها تعني السحر ومنها ما جاء في السنّة النبوية عن رجل طَبَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أي سَحَرَهُ. والطب عبرَ بحوراً من الأساطير وبيداً من الخرافات قبل أن يصل إلى خليج العلم التجريبي وواحة الفكر المنطقي.
منذ آلاف قرون خلت كان البدائيون (30) يظنون أن الكون كائن واحد تنتظمه روح واحدة دعوها مانا mana ) وأن شخصاً متميزاً منهم يستطيع أن يأسر هذه الروح في جسده فيتواصل معها، ويحوز بها القوة والتميّز في كل شيء، ويفعل بواسطتها الأفاعيل. ولقد سمي هذا المتميز ساحراً، وما يفعله السحر، فكان بقدراته على التأثير في الآخرين أول طبيب صاحب أول طب في التاريخ.. إنه الطبيب الساحر ومن لا يعرفه؟!
بعد هذا بآلاف القرون تغيرت نظرة الإنسان الى الطبيعة، وتحقق انفصال جزئي بين ذاته وبينها فصار يحسب أن بكل ظاهرة فاعلة في الطبيعة روحاً منفصلاً فملأ الآفاق والأصقاع بالأرواح، ثم راح يؤلّه بعضها ويتوجس شراً من بعضها الآخر، فللشمس المتحركة ظاهرياً روح جعلته يؤله الشمس ويعبدها، وللقمر والبركان والمطر والعواصف والموت والشجر والنهر والبحر.. وقل ما شئت، أرواحٌ. حتى المرض حسبوه ينجم من روح شريرٍ يدخل جسد الإنسان فكان الذي يخرج هذا الروح المسبب للمرض غاية في النباهة والحذق بالطب. ولقد مورس هذا الضرب من الطب قبل المصريين والرافدانيين (سكان وادي الرافدين) بآلاف السنين، ثم مر بهم ومروا به، وتجاوزهم شرقاً وغرباً.
في (600 ق م) كان بوذا يطارد الروح الشرير من الكتف اليمنى إلى اليسرى فالصدر فالساق اليسرى ليخرجه من إصبع القدم اليسرى، كما يفعلون اليوم بالضبط، وفي (600 ب م) فعل زرادشت الشيء ذاته، ثم استدار هذا الطب من حول الأقدمين متسللاً الى زماننا هذا عبر عقول أعفت نفسها من مشقة الفكر والتفكر، وسيظل يسافر عبر الزمان طالما أن البشر درجات في العقل والتعقل. ألم نقل إن الأسطورة خروج على العقل ولا علاقة لها بالقديم والجديد؟
ليس هذا فحسب فللأسطورة مع الطب تعلّقٌ من وجوه عديدة أخرى. الصرْع (بتسكين الراء) مصطلح أسطوري يشير إلى صرْع الشيطان للإنسان. السايكولوجي، اللفظة الغربية التي تطلق على علم النفس، مؤلفة من مقطعين (سايك) ويعني إله النفس أو الروح و(لوجي) ويعني العلم. (31) كما أن اللفظة: (hysteria) تعني حرفياً حالةالرحم أو داء الرحم ومن هنا فقد ترجموها إلى (الرُحام (32)) لأنها على ما اعتقدت اليونان حالة تتعلق بالرحم، فلقد حسبوا أن الأعراض التي وصفوها بأنها هستيرية (أو رحامية عربياً) تنشأ من انفلات الرحم من مكانها ودورانها في الجسم، وحيثما تستقر تظهر الأعراض.
الأمراض الزهرية، وهي الأمراض المنقولة جنسياً، تشير على ما يبدو من اسم المرض إلى (الزهرة) إلهة الحب عند بعض العرب قبل الاسلام. ولقد اتخذ هذا الاسم (أي الأمراض الزهرية) ترجمة عربية للاسم الأسطوري الذي أطلقه الغربيون عليها وهو الأمراض الفينوسية (venereal diseases) ، نسبة إلى فينوس إلهة الجمال لدى الإغريق، ومن مثل هذا في الطب ما يملأ صفحات. كل هذا الإرث الأسطوري تجاوزه الطب بالعلم التجريبي ولم يتبق منه إلا مسميات في الإبقاء عليها احترام لذلك الإنسان القديم المتواضع الذي لم يهتد لأكثر من هذا في حينه، ولا أقول المكابر الذي عرف الحق فأعرض عنه وهم الخرافيون الحقيقيون في كل زمان. ولا ندري بعد هذا إن كان طب اليوم سيصير أسطورة في المستقبل أم أن ما ندّعيه من علم اليوم هو العلم حقاً؟