eKtab
EN ع
تبيان الحدود بين تاريخ بني إسرءيل وتاريخ اليهودفي العصور القديمة
اقرأ عينة مجانية

تبيان الحدود بين تاريخ بني إسرءيل وتاريخ اليهودفي العصور القديمة

بقلم هشام أبو حاكمة

صفحة 1

المقدّمة

قال تعالى:”يَا بَني إسْرءيلَ اذْكُروُا نِعْمتيَ الّتي أنْعَمتُ عَليكُمْ وأنّي فَضّلتُكُمْ عَلَى العَالمينَ.” سورة البقرة 47، 122.

وقال تعالى:”لَتجِدنّ أشَدّ النّاسِ عَداوَةً للّذين آمَنُوا اليَهُودَ وَالّذينَ أشْرَكُوا...”سورة المائدة 82.

فهل يستوون؟؟؟

قال تعالى:”أفَمَن كَانَ مُؤْمناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتوُونَ.”سورة السّجدة، الآية 18.

لست مبالغا، إذا قلت بأن تاريخ بني إسرءيل بأحداثه ووقائعه المختلفة، التي جرت على أرض فلسطين – كما يرى معظم المؤرخين والكتاب- وغيرها، في الفترة التي سبقت التاريخ الميلادي بحوالي خمسمائة وألف سنة، يعتبر من أكثر التواريخ في العالم تشابكا وتداخلا وغموضا، نظرا لما يكتنف هذا التاريخ من خلاف بين المؤرخين. ويعود ذلك أساسا، إلى شُحِّ المعلومات التاريخية عن كثير من الوقائع، وعدم المصداقية التاريخية، والحيادية من قبل بعض العلماء والمؤرخين، في تناول مجريات الأحداث التي حصلت مع، وللشعوب التي عاشت على هذه الأرض، وإلى عدم جلاء الرؤية لبعض هذه الأحداث.

وأحيانا لا يكتفي بعضهم أن يزور التاريخ من أجل مصلحة قوم، أو شعب على آخر، بل إنه يكاد ينكر وجود الشعوب الأخرى لمصلحة تاريخ ذلك الشعب. ومن ناحية أخرى فـإن تداخـل (الأديان) في أمور الشعوب التي عاشت على هذه الأرض، أكثر من غيرها من الشعوب، وما حدث من تزوير في حقيقة هذه الأديان، قد أعطى الموضوع بُعداً آخر، أبعد ما يكون عن الحقيقة.

وقد كان للدعاية التي يتولاها البعض أثر كبير في ترويج ذلك التزوير والاختلاق في التاريخ. ولا زلنا مع هذا التقدم الحضاري الكبير، والاكتشافات والتنقيبات الآثارية التي شملت كل بقعة من بقاع هذه الأرض، نشهد مزيدا من الافتراءات والإدعاءات، التي تنتشر بسرعة حتى أصبحت هي الحقيقة، بدون سند يدعمها، غير ذلك البوق الإعلامي الواسع، الذي يجرف أمامه كل كلمة حق، فإلى متى سيبقى هذا المدّ الإعلامي الكاذب سيد الموقف التاريخي، متجاهلا التاريخ الصادق، تاريخ شعوب المنطقة بأكملها، دون خداع وتزوير؟

وهذا الكتاب الذي بين أيدينا يتناول تاريخ بني إسرءيل – هكذا كتبت في القرآن الكريم ولنميز بينها وبين المسمى السياسي الحالي إسرائيل – وتاريخ اليهود، ويخطأ من يجمع بينهما ويعتبرهما تاريخا واحدا.

وإذا كان الله تعالى قد ميَّز بينهما في كتابه العزيز وهو أصدق القائلين، فما بالنا نحن نجمع في كتاباتنا بينهما؟

لقد سَمَّى الله تعالى بني إسرءيل بهذا الاسم، وتارة باسم قوم موسى.

قال تعالى عندما أرسل موسى عليه السلام، إلى فرعون قال له ولهارون عليهما السـلام:”فأتِيا فِرْعَونَ فقولا إنّا رَسُولُ ربَِ العَالمينَ. أنْ أرسِلْ مَعَنا بني إسْرءيلَ.”سورة الشُّعراء، الآية 16،17.

وقال تعالى عند خروج بني إسرءيل من مصر وقطع البحر:”وَجَاوزْنَا بِبَني إسْرءيلَ البَحْرَ فأتبعهُم فِرعَونُ...”سورة يونس، الآية 90.

وقال تعالى عنهم وهم في سيناء في طريقهم إلى الأرض المقدسة:”وإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَومِ إنَكُمْ ظَلمتُمْ أنفُسَكُمْ باتِّخاذكُمُ العِجْلَ....”سورة البقرة، الآية 54.

وبعد موسى عليه السلام، وفي نهاية زمن القضاة، قال تعالى:”ألَمْ تَرَ إلى المَلأ منْ بَني إسْرءيلَ مِنْ بَعدِ مُوسَى إذْ قالوُا لنبيٍّ لَهُمُ...”سورة البقرة، الآية 246.

وفي زمن داود وعيسى عليهما السلام، قال تعالى:”لُعِنَ الَذينَ كَفرُوا مِنْ بَنِي إسْرءيلَ عَلَى لِسانِ دَاودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ...” سورة المائدة، الآية 78.

وفي زمن عيسى عليه السلام، قال تعالى:”وإذْ قالَ عِيسَى ابنُ مَرْيمَ يَا بَني إسْرءيلَ إنَي رَسولُ اللهِ إليكُم....”سورة االصَفَ، الآية 6.

وهكذا نرى أن الله تعالى قد استعمل الاسم (بنو إسرءيل) منذ عهد يعقوب عليه السلام، حتى وفاة عيسى عليه السلام، أي خلال مدة تزيد عن ثلاثة عشر قرنا من الزمان، ولم يستعمل الاسم (اليهود)، ولا مرة واحدة في تلك الفترة، مما يدل على أن الاسم (اليهود) يختلف كليا عن الاسم (بنو إسرءيل).

أما اسم (اليهود)، فلم يظهر إلا متأخراً جداً عن ظهور الاسم بني إسرءيل، وما كان ظهوره واضحا ومتداولا إلا في الفترة التي سبقت مجيء الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وفي عهده.

قال تعالى:”وَقَالتِ اليهودُ ليْسَتِ النَصارَى عَلَى شَيءٍ وَقَالتِ النَصارَى ليْسَتِ اليهودُ عَلى شَيءٍ وَهُمْ يتلُون الكتابَ...” سورة البقرة، الآية 113. ومفهوم هذه الآية يدل على أنها قيلت في الوضع الذي كان قائما بعد مجيء عيسى عليه السلام.

وقال تعالى مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم:”ولَنْ تَرْضَ عَنكَ اليَهُودُ وَلا النَصَارى حتَى تتَبعَ مِلَتهُمْ...” سورة البقرة، الآية 120.

وقال تعالى:”لَتَجِدنّ أشدّ النّاسِ عَدَاوةً للّذينَ آمَنُوا اليَهُودَ وَالّذينَ أشْركُوا...”سورة المائدة، الآية 82.

صفحة 2

وغيرها من الآيات التي يدل تاريخ حدثها، على أنها تتحدث عن أقوام اسمهم اليهود في الفترة بين مجيء عيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم.

فكما نرى أن الاسم (بنو إسرءيل) قد استعمله الله تعالى حتى عهد المسيح عليه السلام، وهو آخر أنبياء بني إسرءيل. وبعد ذلك توارى بنو إسرءيل المؤمنون، وكثير من غير المؤمنين، عن مسرح التاريخ ليحل محلهم (اليهود) - وفيهم من هم من بني إسرءيل- وكانوا موجودين في عهد محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا من أشد أعدائه. ولكن هذا لا يمنع من وجود بقية باقية من بني إسرءيل حتى ذلك التاريخ، قد انعزلوا عن الناس، ولم يتدخلوا في شؤون أحد، ومنهم من أسلم كغيرهم فيما بعد.

وبنو إسرءيل أصلا كما هو متفق عليه عند جميع علماء التفسير، أنهم أبناء يعقوب عليه السلام، وسلالتهم من بعدهم. وهؤلاء كانوا في البداية على دين آبائهم وأجدادهم، وهذا ثابت في القرآن الكريم، وهذه الديانة هي الديانة التوحيدية، ديانة الله تعالى لجميع الأنبياء والرسل. أما لماذا يطلق عليهم البعض اسم (اليهود) فهذا مرده إما لجهل في الأصول التاريخية، أو لأمر ما في نفس من يدعي ذلك. ومما يزيد النفس ألماً، أن الكثير من مفسري القرآن الكريم عندما يفسرون الآيات التي قيلت في بني إسرءيل، وقبل عيسى عليه السلام، يطلقون على بني إسرءيل اسم اليهود أحيانا، مع أن هذا المسمى لم يكن موجودا في حينه.

فموسى عليه السلام، نبي بني إسرءيل، وليس اليهود.

والتوراة كتاب الله تعالى إلى موسى عليه السلام، ولبني إسرءيل، وليس لليهود.

ومسمى بني إسرءيل يختلف عن مسمى اليهود في القرآن الكريم.

وبنو إسرءيل منهم المؤمن، ومنهم من ارتد وكفر، وهذا ثابت أيضا في القرآن الكريم.

واليهود جميعهم كفار، وهذا ثابت في القرآن الكريم.

وبنو إسرءيل لهم أنبياء ورسل وهم كثيرون، وهذا ثابت في القرآن الكريم.

أما اليهود فلا أنبياء لهم، وهذا ثابت في القرآن الكريم.

والمؤمنون فقط من بني إسرءيل هم الموعودون بدخول الأرض المقدسة

أما اليهود فلكل وطنه من حيث جاء وغير ذلك.

فلماذا نخلط إذن بين تاريخ بني إسرءيل، وتاريخ اليهود؟؟؟

نحن لا ننكر أن بني إسرءيل قد ارتد بعضهم عن ديانة التوحيد إلى ديانة (اليهودية)، ولكن هذا لا يعطي الكاتب أو المؤرخ تبريرا، بأن يعتبر بني إسرءيل كلهم يهود، أو أن يعتبر اليهود كلهم من بني إسرءيل. فهذا خطأ شائع ليس له ما يؤيده لا دينيا، ولا تاريخيا.

حقا، لقد باتت الكتابة في تاريخ هذين الشعبين صعبة، وقد أُلِّفَ عنهما كثير من الكتب تم فيها الخلط بين تاريخيهما، على اعتبار أنهما (جنس واحد) و (شعب واحد) و (قوم واحد)، حتى (ودين واحد). حتى أصبحنا إذا ما تكلمنا عن أحدهما، كأننا نتكلم عن الآخر، وليس هذا بصحيح.

وإذا كان الله تعالى في كتابه العزيز، قد سمّى هؤلاء (بنـو إسرءيل)، وسمّى الآخرون أنفسهم (اليهود)، فإنني أرى أنه ليس من العدل والإنصاف أن نطلق على أي منهما مسمـى الآخر، حتى لا يختلط الحابل بالنابل، ونزداد ضياعا وشتاتا، بل أن الاكتفاء بما جاء به الله تعالى، أضمن وأسلم وأكثر صدقا وعدلا في التعاطي مع تاريخ هذه المسميات.

آمل أن أكون قد وفقت في هذا الكتاب في الفصل بين التاريخين، تاريخ بني إسرءيل، وتاريخ اليهود.

وما دمنا نفرق بين بني إسرءيل، وبين اليهود، ولما كان بنو إسرءيل المؤمنين يمنعهم إيمانهم على أن يقدموا على تزوير، أو إضافة، أو تبديل، أو تفسير خاطئ لبعض آيات القرآن الكريم، والحديث الشريف، فلا بد أن يكون من فعلوا ذلك بعضهم من بني إسرءيل غير المؤمنين، وهم على الأغلب يهود، إضافة إلى أجناس أخرى من اليهود. ولهذا فمن الأحوط والأصح أن نطلق على ذلك الفعل السيئ اسم (اليهوديات)، بدلا مما هو متعارف عليه باسم (الإسرائيليات).

وأيضا لو نظرنا إلى تاريخ شعوب المنطقة لوجدنا أن الشعوب التي كانت تعيش على هذه الأرض لم تعد موجودة، بل انقرضت، أو ذابت في الشعوب الأخرى، وليس هذا بغريب ولا عجيب، وقد حصل ذلك مع الكثير من الشعوب في جميع أنحاء الأرض. فليس عجيبا أن نقول أن (قوم) بني إسرءيل قد انقرض، أو ذاب في الشعوب الأخرى.

وشيء آخر أود الإشارة إليه، وهو أن إسماعيل عليه السلام يعتبر جد العرب. واسحق عليه السلام، وهو الأخ غير الشقيق لإسماعيل عليه السلام، يعتبر جد بني إسرءيل، والجد الأكبر للاثنين (العرب وبني إسرءيل) هو إبراهيم عليه السلام.

ولا ننسى أن العرب منهم المسلم، ومنهم غير المسلم. وكذلك الأمر بالنسبة للشعوب الأخرى. وبالتالي فإن إسماعيل وإبراهيم عليهما السلام، هما أجداد العرب، المسلمين والعرب غير المسلمين، ولكنهم ليسوا أجداد المسلمين كلهم.

وهكذا بالنسبة لبني إسرءيل، فإن اسحق وإبراهيم عليهما السلام هما أجداد بني إسرءيل سواء كانوا مؤمنين (موحدين أو آمنوا بالاسلام فيما بعد)، أو غير المؤمنين الذين ارتدوا وآمنوا باليهودية أو غيرها. ولكنهما بالتأكيد ليسا أجداد كل اليهود، لأن اليهود هم أتباع الديانة اليهودية، وهم خليط من جميع الأجناس والشعوب، ويخطأ من يعتقد بنقاء شعب بنـي إسرءيل، أو الشعب اليهودي، وقد ثبت ذلك تاريخيا وبدون أدنى شك. ولم توجد أمة يهودية متجانسة عرقيا على الإطلاق عبر التاريخ.

وزيادة في التوضيح والتوكيد نقول، أنه إذا كان سام بن نوح قد وُلِدَ له (العرب والفرس والرّوم) كما جاء في (ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1/115، وابن الجوزي، المنتظم في تواريخ الملوك والأمم، ص 1/ 137)، وكما يقول ابن خلدون في موسوعته:”فأما سام –ابن نوح– فَمِنْ وَلَدِهِ العرب على اختلافهم، وإبراهيم وبنوه صلوات الله عليهم، باتفاق النَّسَّابين. والخلاف بينهم إنما هو في تفاريع ذلك أو في نسب غير العرب إلى سام. (ابن خلدون، موسوعة ابن خلدون، 3/12). وإذا كان إبراهيم العربي عليه السلام، وُلِدَ له إسماعيل وإسحق عليهما السلام، ومن إسحق وابنه يعقوب عليهما السلام، جاء بنو إسرءيل، فعليه يكون بنو إسرءيل وأبناءهم من أتباع الجنس العربي، وبصرف النظر عن نوع الديانة التي اتبعوها قديما وحديثا.

وأما بالنسبة لليهود، وأن هذا الاسم يطلق على كل من اتبع الديانة (اليهودية)، فهم ليسوا عرباً كلهم، إلا من اتبع الديانة اليهودية، وكان من أصول عربية، كبني إسرءيل مثلا، الذين اتبعوا الديانة اليهودية قديما، واستمر بعضهم على ذلك.

وعليه، فإننا سنتناول تاريخ بني إسرءيل، وتاريخ اليهود من هذا المنظور، وقد يكون من الصعب الفصل بينهما تاريخيا في إحدى مراحل التاريخ، ولكن لا بد من تجاوز تلك المرحلة حتى نستطيع أن نؤرخ لكل واحد منهما. ومن يدري، فلعل المستقبل يظهر لنا مزيدا من الأدلـة الآثارية، أو التاريخية، مما يساعدنا على رسم تاريخ أصدق ومحايد لكل منهما.

ونستطيع القول أن كُتَّابَ الغرب ومؤرخيهم بلا استثناء تقريبا، وكثيرون غيرهم، قد اعتبروا تاريخ بني إسرءيل القديم واليهود تاريخا واحدا، كما اعتمدوا في كثير من الأحيان على ما جاء في مرويات العهد القديم، وقد ثبت بالأدلة والبراهين القطعية، على أن أغلب المعلومات التاريخية التي وردت في هذا الكتاب، فيها كثير من الخطأ والاختلاق. وهم يعلمون ذلك، وما فعلوه إلا من أجل اختلاق تاريخ قديم كما يريدونه لبني إسرءيل واليهود، ومحو التاريخ القديم للشعوب الأخرى في المنطقة. ولو أن هؤلاء الكتاب والمؤرخين استرشدوا بما جاء في القرآن الكريم من معلومات حول هذا الموضوع، ووضعوا الحق نصب أعينهم، يقينا فإنهم سوف يغيرون رأيهم فيما كتبوه.

فوا عجبا لهؤلاء الذين يرددون تلك الروايات الخاطئة لأي سبب كان، فما لهم من عذر في ذلك، ولو أنهم فكروا قليلا لوصلوا إلى طريق الحق، طريق الصواب، والله يهدي من يشاء.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أننا لا نجد أية آثار، أو وثائق، أو تسجيلات مصرية، أو غيرها، استطاع علماء الآثار الحصول عليها حتى الآن، ولو وثيقة واحدة تدل على أن بني إسرءيل قد عاشوا في مصر ولو لفترة قصيرة، أو لخروجهم منها بقيادة موسى وهارون عليهما السلام. بينما هناك عشرات من الوثائق المصرية وغيرها، تروي كثيرا من الأمور الصغيرة التي ليس لها على مجريات الأحداث التاريخية شيء يذكر. وأما ما يدعيه البعض من وجود ذلك في نقش (مرنفتاح) فذاك أمر لا زال فيه جدال كبير، ولم يحسم موضوعه بعد. ولهذا فإننا نعتمد فيما نرويه من أحداث بشكل رئيس على ما نستنبطه من القرآن الكريم، خاصة ما يتعلق بالمراحل الأولى لتاريخ بني إسرءيل القديم، ويبقى ذلك لدينا هو الأساس، حتى يثبت لنا ما يمكننا أن نضيفه إلى ذلك التاريخ بما يدعمه، ولا يخالفه.

أنا لا أدعي أنني قد أودعت في هذا الكتاب كل تاريخ هذين الشعبين، ولكنني أقول هذا ما هداني الله إليه، ولعل الله يهديني ويهدي غيري مستقبلا إلى البحث أكثر فأكثر عن تاريخيهما. ونستطيع أن نقدم للقارئ ما يفيده ويقنعه في هذا التاريخ.

وفي الختام ليس لي إلا أن أقول إن ما كتبتُه هو ما توصّلتُ إليه في بحثي ودراستي لهذا الموضوع، ولست أدري فقد يجود علينا الزمان في المستقبل بمزيد من المعلومات والحقائق، والتي قد تُعدِّل وتُغيّر بعض معلومات هذا الكتاب، وليس ذلك على الله ببعيد، ونحن عليـه موافقون، وبه قائلون.

والله من وراء القصد.

عمان: نيسان 2014 م

هشام أبو حاكمة

صفحة 3

أرض فلسطين والغزو الخارجي

لما كانت فلسطين هي المعبر الوحيد بين البر الآسيوي والبر الأفريقي، أصبحت منطقة تتنازع عليها كل قوى المنطقة الكبرى باعتبارها فاصلا بين القوة الآسيوية، والقوة الأفريقية.

كما أن هذا الموقع الجغرافي المتوسط، جعل منها مفترق طرق للخطوط التجارية التي كانت قائمة في تلك العصور القديمة في المنطقة. فمثلا كانت (أراد Arad) والتي تقع على بعد ثلاثين كيلومترا إلى الشرق من بئر السبع، تعتبر من المحطات التي تتوقف فيها القوافل التجارية القادمة من بلاد مصر، ومتجهة إلى فلسطين وغيرها شمالا. وكذلك القوافل القادمة من العراق ومتجهة إلى مصر وشمال أفريقيا. وكان يحيط بهذه المدينة مجموعة من القرى الصغيرة، مما يدل على أنها كانت تُكَوِّنُ نوعا من التنظيم السياسي، يجمع بين هذه المدينة والقرى التي حولها.

ومن أجل هذه الأسباب وغيرها كانت أرض فلسطين مستعمَرَةً على مر العصور ومنذ القِدم، فما أن تزول دولة مُستعْمِرَة، حتى تليها دولة أخرى تحتل الأرض، وتستعبد الناس، وتنهب خيرات البلاد. إذ أن السيطرة على هذه المنطقة يُقوّي النفوذ الاقتصادي والسياسـي للدولـة المسيطرة عليها. فكل دولة كانت ترغب في أن تصبح دولة عظمى، أو إمبراطورية كبرى، كانت تضع أمام أعينها أنه لا بد لها من السيطرة على هذه المنطقة. ولا شك أن ذلك كان يعتبر مقدمة لغزو مناطق أخرى.

ونتيجة لذلك، لم نعهد قيام دولة، أو مملكة مستقلة على أرض فلسطين بكاملها منذ القِدم حتى الآن. كما أدى ذلك إلى عدم استتاب الأمن في هذه المنطقة لأكثر من قرون قديما، مما ساعد على وجود العصابات المسلحة وقطاع الطرق فيها بكثرة من جهة، وكثرة الصدامات المسلحة بين القوى السياسية المحلية من جهة أخرى.

إن المراكز الحضارية الكبيرة، التي نشأت في تلك العصور في هذه المنطقة الواسعة، كانت في مكانين، الأول في الشرق، وكان مركزه في العراق القديم، والثاني في الغرب، وكان مركزه في مصر. وقد كانت فلسطين في أغلب الأحيان ساحة لأن يحاول كل مركز أن يفرض حضارته وسلطته عليها، استعدادا لفرض ذلك على المركز الآخر، مما جعل هذه المراكز الحضارية تسعى جاهدة في إخماد كل حركة استقلالية، أو حضارية معادية لهما فوق هذه الأرض.

أما ما يذكره لنا التاريخ من تسلل التيارات الحضارية الأناضولية من الشمال (من شمال سورية)، وهي حضارات الدولة الميتانية ثم الحيثية التي خلفتها، والتي انهارت حوالي الربع الأخير من القرن الثاني عشر قبل الميلاد، فلم يطل بهما المقام على هذه الأرض، ولم تتركا أثرا كما تركته الحضارات الشرقية والغربية.

وقد حصل وأن اصطدمت هذه الحضارات مع مراكز القوى التي كانت قائمة على أرض سورية وفلسطين. وكان من أهم هذه المعارك، المعركة التي جرت بين تحتمس الثالث 1501 – 1447 ق. م.، وبين اتحاد ملوك كنعان، وكان ذلك حوالي سنة 1479 ق. م. في معركة مَجِدّوُ في فلسطين. وكانت نتيجة هذه المعركة أن سقطت مَجِدّو وعدد كبير من المدن الفلسطينية، وتم فرض السيطرة المصرية على معظم أنحاء فلسطين.

صفحة 4

وأما في نهاية عصر البرونز الأخير أي حوالي 1300–1200 ق. م. فقد كانت الدولتان المصرية والحيثية هما اللتان تسيطران على المنطقة بكاملها. فقد كانت الدولة المصرية، وخاصة في عهد رمسيس الثاني (1292–1225 ق.م.) تسيطر على كنعان، وجنوب غرب سورية، وفينيقيا (لبنان الحالي)، بالإضافة إلى أرض النوبة في جنوب مصر، وليبيا في غربها. وكان التجار المصريون دائمي الحركة والتنقل بين هذه المناطق، وغيرها. وكانت الدولة المصرية في تلك الفترة في أوج عظمتها وحضارتها.

أما الدولة الحيثية ومركزها الأناضول في شمال سورية، وعاصمتها (حاتوشا Hattusha) شرق أنقرة التركية الحالية، فقد كانت هذه الدولة تسيطر على آسيا الصغرى، وشمال سورية، وكانوا أصحاب علم وحكمة وحرب. ونظرا لتداخل الحدود المصرية الحيثية في سورية، فقد وقعت بينهما عدة حروب كان أشهرها معركة (قادش Qadesh) حوالي سنة 1288 ق. م.، حيث وقعت في السنة الخامسة لحكم رمسيس الثاني (1292-1225 ق. م.)، على نهر العاصي غرب سورية. وكان المصريون بقيادة رمسيس الثاني، والحيثيون بقيادة ملكهم مواطاليس Muatallis، وحسب السجلات التاريخية فإن النصر لم يكن حليف أحدهما، حيث انتهت الحرب بدون نصر لأي منهما على الآخر. وبعد ذلك عقد الطرفان، ملك الحيثيين الجديد حاتوسيليس الثالث Hattusilis III، وفرعون مصر رمسيس الثاني معاهدة سلام، تزوج على أثرها كما تقول بعض الروايات التاريخية، رمسيس الثاني من أميرة حيثية.

وعاشت المنطقة بكاملها بعد ذلك في فترة هدوء نسبي، وأصبحت الطريق آمنة من النيل إلى البحر الأسود، ومن الفرات إلى بحر إيجة، مما ساعد على ازدهار التجارة الدولية أكثر من أي عهد مضى.

ولكن هذا الهدوء كان يحمل في طياته سحب حرب قادمة، لا تبقي ولا تذر، تغيرت على أثرها الصورة السياسية التي كانت سائدة في المنطقة.

فبعد انتهاء عصر البرونز الأخير، وبداية عصر الحديد الأول (1200–950 ق. م.) بدأت المنطقة تتعرض لغزوات تشنها مجموعات غامضة وعنيفة، أطلق المصريون عليها مجموعات (شعوب البحر)، وكان تأثيرها على المنطقة كما قال المؤرخون أكثر من أي حدث وقع قبل ذلك، وخاصة تأثيرها على سورية وفلسطين.

وحتى الآن لم يتفق العلماء والمؤرخون على سبب رئيس مباشر لهذه الهجرة الجماعية الغامضة لشعوب البحر. وقد تكون الحالة الاقتصادية السيئة التي عانت منها شعوب البحر القادمة من العالم المسيني، بسبب تغير مناخي مفاجئ، قضى على المحاصيل الزراعية، وسبّب مجاعة واسعة الانتشار، أدت إلى هذه الهجرة الجماعية.

ومنهم من رأى أن سبب ذلك هو الانهيار السياسي لدول تلك المنطقة، مما أوقعها في فوضى سياسية، ومشاكل اجتماعية خطيرة، أدت إلى حدوث تلك الهجرات الجماعية هربا من ذلك الواقع المرير.

وهناك من يذهب إلى القول أن زلازل وبراكين أوقعت الدمار والخراب والخوف في ميسينا والمناطق المجاورة لها، مما جعل أصحاب هذه المناطق يهجرونها، متجهين نحو الشرق.

وأيا كان السبب، فقد كانت هجرة شعوب البحر، ولكننا نشك أنهم كانوا بتلك القوة التي وصفوا بها. وقد ضم اتحاد شعوب البحر خمسة شعوب رئيسة هي (الشيكليشShekelesh، والدنّونا Denyen، والشّردن Shardan، والوشن (الوشوش) Weshesh، والبيلست Pelest). وكانت قد وصلت قبلهم مجموعة أخرى هـي مجموعـة (التجكر Tjeker ) واستوطنت في (دور Dor ) جنوب حيفا الحالية في فلسطين.

وقد استطاعت جماعات شعوب البحر في طريقها أن تدمر وتقضي على بعض الممالك والمناطق التي مرت بها، ومنها المملكة الحيثية، وجزيرة قبرص (آلاشيا Alashiya)، وبعض الممالك السورية، ومنها مملكة أوغاريت، ومملكة الآلاخ، وغيرها.

واستمرت في تقدمها تريد مصر، ولكن رمسيس الثالث (1198-1167 ق. م.) استطاع بقواته المصرية وقف تقدم هذه الشعوب، بعد معركة طاحنة معها حوالي سنة 1175 ق. م.، ولو أن الموقع الدقيق للمعركة لم يعرف حتى الآن، ولكن من المتفق عليه أن المعركة حصلت خارج حدود مصر، وعلى أثر هزيمة هذه الشعوب تفرقت في أرض سورية وفلسطين.

صفحة 5

وتظهر هذه المعركة منقوشة على جدران معبد هابو (حابو Habu) في مصر العليا، وقد جاء فيها وصف موجز لهذه المعركة، يدل على أن رمسيس الثالث قد انتصر على هذه الشعوب وهزمها، فكانت جثث قتلى الأعداء مكدسة على ظهر السفن من مقدمها إلى مؤخرها، وألقيت جميع أمتعة الأعداء في البحر تذكارا لمصر، ومن حاول من الأعداء الهرب عائما نحو الشاطئ كان الجنود المصريون بانتظاره ليأخذوه أسيرا.

ويرى العهد القديم أن مجموعة (البيلست Pelest) هي المجموعة التي تكون منها الشعب الفلسطيني فيما بعد، ولكن لا يوجد ما يؤيد ذلك تاريخيا. بل نرى أن الشعب الفلسطيني هو شعب عربي كنعاني كان يقيم في هذه المنطقة قبل مجيء شعوب البحر إليها بعدة قرون.

وعلى أثر هزيمة هذه الشعوب فقد تفرقت، فذهبت مجموعة من الشيكليش غربا إلى صقلية، وبعض الدانونا إلى قبرص، أما الوشوش فلم يعرف لهم أثر.

ولا شك أن احتلال أرض فلسطين من قبل دول الحضارات الشرقية والغربية، وبعض التيارات الحضارية الأخرى خاصة الشمالية منها، قد ترك أثرا كبيرا على نوعية التركيبة السكانية للبلاد، حيث أننا نجد في فلسطين كثيرا من الأجناس ذات الأصول العراقية والمصرية والسورية والتركية والكردية وغيرها.

وقد تحدث العهد القديم في أكثر من مكان عن تلك الشعوب التي كانت تسكن هذه الأرض في تلك الفترة، فقد ذكر عددا كبيرا منها في أسفار(التكوين 19 – 21) و (العدد 13 – 29).

ولهذا فإن جميع الدول التي احتلت (استعمرت) هذه المنطقة، قد ساهمت في خلق تركيبة سكانية متنوعة تضم كثيرا من الأجناس، كل جهة لها انتماء خاص بها، وهذا أيضا كان سببا في عدم قيام مملكة موحدة قوية على هذه الأرض، إذ أن الاختلافات وتعدد الانتماءات السكانية لا يساعد على قيام تلك الدولة.

صفحة 6

الممالك الفلسطينية

انتشرت الممالك الفلسطينية على جميع أراضي فلسطين، في مرحلة متأخرة من عصر البرونز الأخير (1500–1200 ق. م.) حيث أن كل مدينة كانت تشكل مملكة خاصة بها، ولها حدودها، وإن كانت غير واضحة المعالم في كثير من الممالك. ولكل مملكة ملك يحكمها يتصف بقوته بين عشيرته، والغنى والحكمة أحيانا، وفي ممالك عديدة لم يكن هذا الملك من ذوي الأصول الفلسطينية، بل قد يكون فرعوني الأصل أو أشوري أو ميتاني أو حيثي، أو غير ذلك.

ومفهوم الملك في مدن الممالك الفلسطينية القديمة على الغالب لم يكن أكثر من شيخ قبيلة، وهو الأول بين عِلْية القوم، يحيط به مجموعة من الأغنياء، سواء من أصحاب النفوذ، أو الإقطاعيين أو التجار. وهذه الطبقة كانت تسمى (طبقة المريانو)، وكل غني يمكنه أن يصبح عضوا في هذه الطبقة، وكذلك كل من أنعم عليه الملك بهذا اللقب.

ثم يأتي بعد طبقة المريانو طبقة الصناع والفنيين، وبعض الحرفيين المقربين من طبقة المريانو. وفي أسفل الطبقات الاجتماعية كانت طبقة المزارعين الصغار، وعمال المزارع.

ولهذا يكفي أن يكون لك بيت تحيط به قطعة صغيرة من الأرض، عليها سور ولو من سيقان الأشجار، وعندك قليل من العبيد، حتى يقال عنك أنك ملك. ونرى ذلك واضحا في الآية القرآنية التي تقول:”وَإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَومِ اذْكُرُوا نِعْمةََ اللهِ عليكُمْ إذْ جَعلَ فيكُم أنبياءَ وَجَعلكُمْ مُلوُكاً وَآتاكُم...” سورة المائدة، الآية 20، فأين هم ملوك بني إسرءيل في عهد موسى عليه السلام، ومن قبله؟ حتى الأنبياء منهم لم تكن لهم ممالك كغيرهم من الملوك.

أما باقي سكان المملكة المدينة، فكان أغلبهم يعمل جنديا في جيش الملك الصغير، أو فلاحا في مزارع الإقطاعيين. وقليل من السكان من كان يملك أرضا صغيرة المساحة لا تكاد تعطيه قوت يومه، أو له حرفة يعيش من ورائهـا.”وقد عثر على قوائم تفصيلية على أصحاب حرف من بينهم: جنود محترفون، وعمال بناء، وصناع ونحاتون، ودباغي جلود، وصناع خزف، وخياطون، وجباسون، وصيادلة وحطابون، وسقاؤون، وغيرهم كثير، كانوا منتظمين فيما يشبه نقابات مهنية بحيث تنتقل الخبرات المهنية بالوراثة داخل الأسرة الواحدة.”(مالمات، العبرانيون وبنو إسرائيل في العصور القديمة، ص 74). وبعض ممالك المدن كانت تحاط بسور، تقام عليه إجراءات أمنية حسب إمكانيات المملكة المادية. ولا ننسى أن بعض هذه الممالك كان يعيش على سلب القوافل التجارية، التي تمر من أراضيها، أو تفرض عليها رسوما وهي متجهة إلى مملكة أخرى.

وخارج هذه الطبقات كانت تعيش طبقة منبوذة خارجة عن المجتمع الكنعاني، بل ومعادية له في كثير من الأحيان، وهذه الطبقة كانت تسمى (العَبيرُو أو الخَبيرُو أو الهَبيرُوHapiru , Habiru , Apiru) وكانوا يعيشون على السلب والنهب وقطع الطرق، وخدمة بعض ملوك المدن في تنفيذ اعتداءاتهم على الممالك الأخرى، ويظهر ذلك واضحا في رسائل العمارنة.

وهناك من يذهب إلى القول بأن (العبيرو) هم بنو إسرءيل، نظرا لتشابـه المصطلحيـن (العبيرو) و (العبريون)، ولكن هذا المصطلح (العبريون) لم يكن معروفا، ولم يطلق على بني إسرءيل رسميا في أي مرحلة من مراحل التاريخ القديم، ويكفي أنه لم يذكر مطلقا في القرآن الكريم ولو مرة واحدة. كذلك فإن مصطلح (العبريون) والذي يقول البعض أنه مشتق من اسـم اللغـة (العِبْرية)، والتي تكلم بها بعض (اليهود) بعد القرن الخامس قبل الميلاد، لم تكن هذه اللغة معروفة في الوقت الذي ظهرت فيه هذه الجماعات. ولا شك أن من يزعم ذلك إنما يهدف من وراء هذا الادعاء، إلى القول بأن (اليهود) كانوا موجودين في المنطقة في تلك الفترة، ولهم حضورهم التاريخي، وهذا لم يثبت قط. وأن ورود هذا المصطلح في بعض الأسفار الأولى من العهـد القديم، ليس دليلا كافيا على أن هذا المسمى كان معروفا ومتبعا في ذلك العصر، وخصوصا إذا ما عرفنا أن هذه الأسفار قد كتبت بعد ذلك التاريخ بعدة قرون.

كما ذهب بعضهم إلى القول أن (العبيرو) هم الفلسطينيون. وهذا أيضا لا يوجد له ما يؤيده تاريخيا أو آثاريا. علما بأن (العبيرو) لا جنس محدد لهم، إذ يكفي أن تجتمع مجموعة من الناس تمارس النهب والسرقة وقطع الطريق، حتى يطلق عليها هذا الاسم. كما أنه لا يوجد لهم مكان محدد، ولا قائد واحد، وربما أيضا لم يكونوا يعبدون إلها واحدا، في حين أن كل المعطيات التاريخية والآثارية تدل على أن الفلسطينيين كانوا شعبا متحضرا، لهم مدنهم وقراهم ومراكزهم وملوكهم المعروفين عند علماء التاريخ والآثار.

ونظرا لعدم وجود حكومات مركزية قوية، فإن مثل هذه المجموعات الخارجة عن القانون والعرف والتقاليد، كانت نشطة وفعالة في القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد، مما جعل كثيرا من الناس يهربون ويلجئون إلى الكهوف والغابات للاحتماء بها.

صفحة 7

الفراعنة وأرض كنعان

منذ بداية العصر البرونزي الأخير (1500–1200 ق. م.)، كان الاهتمام المصري بمنطقة الشرق كبيرا. وقد تميز هذا العصر بالسيطرة المصرية الكاملة على منطقة فلسطين، لإدراك مصر أنها من المناطق الحيوية لأمنها، وللحفاظ على تأمين الطرق التجارية، وأنه لا أمن ولا استقرار لمصر، إذا لم تخضع هذه المنطقة لسيطرتها كاملة.

ولهذا قام ملوك الفراعنة بغزو هذه المنطقة، وخاصة فلسطين في العصور القديمة عدة مرات، ووصلوا إلى شمالي سورية. وكان من أهم المعارك التي دارت على أرض فلسطين بين الفراعنة وممالك المدن الفلسطينية، معركة مَجِدُّو (تل المُتَسلِّم) التي وقعت في عهد تحتمس الثالث (1501-1447ق. م.). وقد ضمت جيوش التحالف الفلسطيني حوالي 330 ملكا وحاكما وأميرا من جميع أنحاء فلسطين، وبعض مناطق سورية، وانضم إليهم الهكسوس الذين تم طردهم من مصر قبل ذلك.

وبعد انتصار تحتمس الثالث في هذه المعركة استطاع السيطرة على معظم المناطق الفلسطينية الساحلية، حيث كان الساحل في أكثر أجزائه يخضع للسيطرة الفنيقية. كما سارع جميع ملوك وأمراء فلسطين وأغلب حكام سورية إلى إعلان ولائهم وطاعتهم للفرعون بإرسال الهدايا المختلفة إليه. كما أُجْبِروا على إرسال رهائن إلى مصر.

وبعد هذه المعركة أيضا قام تحتمس الثالث بتغيير كثير من أوضاع المناطق الفلسطينية، حيث عقد معاهدات صلح وحماية مع الكثير من المدن والمقاطعات، ومنها جبيل، وصور، وعكا، وحازور، وجازر، ولخيش، وعسقلان، وغيرها. وقد كتب ولسون في هذا السياق فقال:

“وأقام تحتمس في آسيا حكما عسكريا وسياسيا، وعين مندوبا ساميا للمنطقة كلها، ومفتشين مقيمين في المدن الهامة للإشراف على الأمراء المحليين، وجعل من غزة في فلسطين المركز الرئيس للإدارة. فإن هذه المدينة لم تثر على تحوتمس الثالث في أيام موقعة مجدّو، ولم تذكر بين المدن التي أخضعها. وكان في غزة القديمة حصن من النوع الذي يطلق عليه الآسيويون اسم (مجدل) واستخدمها المصريون لتكون مركز السيطرة على أول الطريق الرئيس الذي يسير إلى فلسطين وسورية. وعلى هذا الطريق كان يسافر مبعوثو الملك إلى جمع البلاد الأجنبية.”(جون ولسون، الحضارة المصرية، ص 298).

كما سيطرت مصر بعد هذه المعركة سيطرة كاملة على أهم الطرق التجارية في ذلك الوقت، وهي (طريق حورس، وطريق الملوك) البريين. كما سيطرت على الطريق البحري الذي كان يربطها بعكا وصور وبيبلوس وأوغاريت. وهذه الطرق البرية كانت ضرورية لمصر لأنها كانت تنقل صادرات مصر من الحبوب والقطن ولحم البقر وغيرها، إلى فلسطين ومناطق سورية الشمالية المختلفة، وأرض الرافدين. وفي الوقت نفسه تستورد بواسطة هذه الطرق التجارية الزيت والزيتون والأخشاب وغيرها.

وقد كانت فلسطين وهي من أرض كنعان، تعتبر من أهم المصادر الرئيسة للحبوب والزيوت والعطور والأخشاب والنحاس والأحجار شبه الكريمة، والتحف وبعض أنواع الأسلحة، والأنعام والحيوانات المختلفة والجياد.

وبعد وفاة تحتمس الثالث، تولى حكم مصر من بعده أمنحوتب الثاني (1448 - 1420ق. م.) وقام بثلاث حملات على بلدان آسيا، كانت آخرها خاصة بأرض كنعان، وفي عهده كانت مَجِدّو قاعدة مصرية هامة، وفقا لما دلت عليه التنقيبات الآثارية في هذه القرية، وكما تدل مكتشفات تَعْنكTa’anak الأثرية أيضا.

ومن بعده جاء تحتمس الرابع (1420 -1411 ق. م.) وكان يلقب ب (فاتح أرض خارو) أي حورو، وهو الاسم الشائع لفلسطين عند الفراعنة، ويعتبر تحتمس الرابع آخر الفراعنة في هذه الفترة، الذين قادوا حملات عسكرية إلى أرض فلسطين.

وقد حكم مصر من بعده عدة ملوك، كان أكثرهم يكتفي بإدارة أرض كنعان عن بعد، وبقي الأمر كذلك حتى نهاية حكم الفرعون مِرْنفتاح (Merneptah 1225 - 1215 ق. م.)، أخذت بعده السيطرة المصرية على أرض كنعان في الاضمحلال، لمدة تقرب من قرن من الزمان، حيث ظهرت في هذه الفترة القوة الأشورية، كقوة صاعدة تفرض سيطرتها على المنطقة.

صفحة 8

وحينما كان الفراعنة يرسلون حاكما لإحدى المدن الفلسطينية، أو موظفا في مهمة خاصة، كانوا يشيرون إلى ذلك باسم المدينة، وليس باسم المقاطعة، نظرا لأن فلسطين لم تكن مقسمة إلى مقاطعات في حينه. فكانوا يقولون: حاكم غزة، حاكم أراد، حاكم بيت شان، وهكذا. وإذا ما تم إرسال (رسول) للقيام بمهمة ما، فإن هذا الرسول كان يُعْطَى صلاحيات واسعة، فله حرية جمع وحمل الضرائب، والبت في قضايا قانونية، وإلقاء القبض على من يريد، وفض النزاعات الحدودية بين المدن، وغيرها من الصلاحيات الواسعة. وقد تحدث ردفورد Redford عن صفات هذا الرسول، فقال في هذا السياق:

“نستطيع أن نلقي نظرة ثاقبة ومفصلة عن مؤهلات الرسول من هذا النوع، فرسول الملك لا بد أن يكون: كاتبا متّقى، يصلح لكل مهمة، سائق مركبة ممتاز، ورامي سهام ممتاز، ولا بد له بشكل خاص من معرفة جيدة بجغرافية كنعان، وطبيعة طرقاتها ونقاط التوقف لقضاء الليل فيها.”(ردفورد، مصر وكنعان وإسرائيل في التاريخ القديم، ص 176).

ويلاحظ أن مصر في جميع مراحل احتلالها لأرض كنعان، لم تمارس عمليات التهجير الجماعي لسكان المناطق التي كانت تحتلها، كتلك التي اتبعتها الدولة الأشورية، والدولة البابلية فيما بعد. ومع هذا فإن التاريخ القديم يحدثنا عن بعض عمليات التهجير التي قام بها حكام مصر القدماء، فقد:

“نقل تحتمس الثالث (1501-1447 ق. م.) ما مقداره 7300، بينما اقتلع ابنه امينوفيس الثاني ما ينوف عن 89600 من جذورهم. ويلمح تحتمس الرابع (...ق. م. ) إلى نقل سكان (جزير) الكنعانيين بالقوة إلى طيبة، بينما يتحدث ابنه أمينوفيس الثالث عن معبد مدفنه في طيبة باعتباره يغص بالعبيد الذكور والإناث، من أبناء زعماء كل بلدان الأسر الأجنبية التابعة لجلالته – عددهم غير معروف -.”(ردفورد، مصر وفلسطين وإسرائيل في التاريخ القديم، ص 182).

صحيح أن الدولة المصرية، لم تمارس التهجير السكاني الكبير المخطط له طول فترة احتلالها لهذه المنطقة، كما مارسته الدولة الأشورية، والدولة البابلية مثلا، إلا أن الفراعنة كانوا يختارون أفرادا صغارا من الفلسطينيين ويأخذونهم إلى مصر، وهناك يربونهم تربية فرعونية، وقد يعيدون بعضهم حكاما على بعض مناطق فلسطين، فيكونون لهم ولاة مخلصين مطيعين فيما بعد.

ويظهر ذلك جليا في رسائل العمارنة التي يعود تاريخها إلى أواسط القرن الرابع عشر قبل الميلاد، والتي جرت بين الفرعون أمينوفيس (أمنحوتب الرابع 1375 – 1350 ق. م.) والذي تلقب باسم (أخناتون). ففي الرسالة التي تحمل رقم (180 EA ) من هذه الرسائل جاء فيهـا:”لقد أرسلت ابني للملك، سيدي، إلهي، شمسي". كما جاء في الرسالة رقـم (187 EA) ما نصه:”اشهدوا، لقد أرسلت ابنتي إلى القصر، للملك، سيدي، إلهي، شمسي.”

كما يقول أرخاتو القميدي في الرسالة رقم (198 EA) يقول:”لقد أرسلت ابني إلى حضرة الملك سيدي، لعل الملك، سيدي، يمنحني الحياة.” وفي هذه السياسة المصرية الفرعونية يقول تحتمس الثالث (1490–1436 ق. م.):”أحضر أبناء الزعماء وإخوتهم إلى مصر كرهائن، وبالنسبة لأي زعيم من هؤلاء يموت، فإن جلالته سيولي منصبه لابنه.”(رد فورد، مصر وكنعان وفلسطين في التاريخ القديم. ص 173).

وهؤلاء الذين كانوا يرسلون إلى مصر من أبناء وبنات وإخوان وأقارب ملوك المدن، كانوا يعيشون في مصر في القصور الفرعونية، يتعلمون اللغة والأخلاق المصرية، والأحكام والشرائع المصرية، والثقافة المصرية، وكل ما هو مصري، حتى التدريب على السلاح، وأساليب القتال المصرية، وكثير من هؤلاء كانوا يبعثون إلى مصر صغارا، ويعودون إلى ممالكهم كبارا، وقد أصبحوا مثلهم كالمصريين تماما. يقول بختيري الغزاوي فـي الرسالـة رقـم (296 EA):”حين كنت صغيرا أخذني (المفوض المصري) إلى مصر، فخدمت الملك، سيدي ووضعت في بوابة الملك سيدي.”

صفحة 9

فلسطين في عهد العمارنة

في هذه الفترة كان هناك ما يسميه المؤرخون ب (عملية الإصلاح الديني في مصر) التي تزعمها أمنحوتب الرابع (1375 – 1350 ق. م.) الذي اتخذ لنفسه اسم (أخناتون) أي (محبوب الإله أتون)، حيث أن هذا الفرعون رفع من شأن عبادة (أتون) إله الشمس، وجعلها العبادة والديانة الرسمية للدولة. وقد بالغ بعض المؤرخين كثيرا في نوعية هذه العبادة القائمة على التوحيد (توحيد الإله أمون). حتى أن فرويد يرى أن ديانة موسى عليه السلام، التوحيدية مقتبسة عن ديانة أخناتون، ولا شك أن توحيد الله تعالى الذي جاء به موسى عليه السلام، يختلف كثيرا عن توحيد إله أخناتون.

وقد اعتبر كثير من المصريين في حينه هذه الديانة، بأنها (هرطقة دينية) خرافية بعيدة عن الصحة. وكان من شدة اهتمام أخناتون بهذه الديانة، أنه انصرف إلى تدعيم أسسها، فأهمل شؤون الإدارة المصرية في أرض كنعان، مما جعل السيطرة المصرية عليها ضعيفة، ويظهر ذلك جليا في رسائل تل العمارنة التي كان أخناتون طرفا رئيسا فيها.

ويظهر لنا أيضا من رسائل تل العمارنة، أن مدن فلسطين التي كانت تخضع للسيطرة المصرية، كان يحكمها حاكم مصري، أو يتولى أمرها حاكم معين من قبل الحكومة المصرية. ومثال على ذلك ما جاء في رسالة (عبدي هيبة) حاكم أورشالم التي تحمل الرقم (EA 288) حيث جاء فيها:”... ولكني أقول لسيادتكم بأني لست حاكما هنا، ولكني جندي في خدمة الملك، وصديق له، وقيّم على ضرائب أرضه، لا أبي ولا أمي من وضعني في هذا المكان، وإنما ذراع الملك القوية التي جاءت إلى بيت أبي...” وبالتالي كان على هذا الحاكم أن يقدر ذلك، ويعتبره مِنّةً وفضلاً من فرعون مصر، وعليه أن يظهر الخضوع و الخنوع الكامل له، وأن يتعهد بتنفيذ الأوامر الفرعونية كاملة وبسرعة. ويظهر ذلك جليا في إحدى رسائل الحاكم (ويديا) حاكم عسقلان حيث يقول:” للملك سيدي، إلهي، شمسي، الشمس في السماء، خادمك، غبار قدميك... عند قدمي الملك سيدي أنبطح سبع مرات وسبع مرات أخرى، وأتمرغ على بطني وظهري،...”وكما يقول (عبدي هيبة) في الرسالة التي تحمل الرقم EA 286:” رسالة خادمك عبدي هيبة. أسجد عند قدمي الملك سبع مرات وسبع مرات، أي خطأ اقترفته بحق سيدي الملك؟” وكما يقول (شوارداتا) ملك جت في الرسالة التي تحمل رقـم (EA 280) إلـى الفرعـون: “رسالة من شوارداتا، خادمك والتراب الذي يدوس عليه قدمك...”

وكثيرا ما كانت تقيم إلى جانب الحاكم حامية مصرية، تتألف في الأساس من جنود مصريين وكوشيين من أبناء النوبة المصرية، وكان عدد أفراد هذه الحامية محدودا جدا، كما يظهر ذلك جليا في المراسلات التي جرت بين حكام هذه المدن والإدارة المصرية. ف (بيريديا) حاكم مَجِدّو يطلب مائة جندي لوقف حصار (لابايا) ملك شكيم لمَجِدّو. وحاكـم أورشالم (عبد خيبا Abdkhiba ) يطلب خمسين جنديا فيقول:”... وعسى الملك أن يرسل لي حامية من خمسين جنديا لحماية الأرض، فكل أراضي الملك قد انشقت عليه...”. وكذلك حاكم جازر أيضا يطلب (50) جنديا فقط. كما يظهر من إحدى الرسائل مدى ضعف التسليح الذي كان مع هؤلاء الجنود، حيث يطلب أحد الحكام أن يرسلوا إليه ستة أقواس وثلاثة خناجر وثلاثة سيوف. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن هؤلاء الحكام كانوا لا يملكون في كثير من الأحيان إلا بيوتهم فقط.

ومن قراءتنا لرسائل العمارنة نجد أن الفراعنة في تلك الفترة كانوا يحجمون عن التدخل في شؤون الإدارة لكل مملكة بالكامل، فكان الحاكم وأتباعه يحكمون ويرسمون ويخططون كمـا يريدون، ولكن في النهاية تكون التبعية لفرعون مصر، مع الحفاظ على مصالح مصر السياسية والمادية والأمنية. كما تركوا للناس حرية العبادة الدينية التـي يريدونها.

وبشكل عام فإن رسائل تل العمارنة قد عكست حالة الوضع المضطرب التعيس، الذي كانت تعيشه الممالك الفلسطينية من الناحية الإدارية والمالية والعسكرية والسياسية. وأظهرت بشكل واضح التأثير الكبير الذي كان يمارسه (العبيرو) على هذه الممالك، وكيف أنهم نشروا الرعب والخوف في كل المناطق، وأن طلباتهم كانت واجبة التنفيذ عند أغلب الممالك. كما تظهر هذه الرسائل ضعف النفوذ المصري، وانهيار الإدارة المصرية في فلسطين.

وكان يقوم بدور الارتباط بين حكام الممالك الفلسطينية وفرعون مصر (وجهاء)، فيقال (وجيه مدينة لخيش، أو أكشاف، أو...)، يقول رد فورد Redford في هذا السياق:

“فقد كان يطلق على هؤلاء الوجهاء جميعا المصطلح الدارج في اللغة الأكادية العالمية في ذلك العصر خزنوتي، أي”المحافظون”والتي تساوي المفردة المصرية ختي Hty ،”المحافظ”أو حاكم بلدة مصرية. إن اعتبار الإدارة المصرية لوجهاء كنعان”محافظين”بالمعنى المصري يبين الكثير فيما يتعلق بمكانتهم ووظيفتهم وبأنهم كانوا يتحملون المسؤولية أمام التاج المصري.”(ردفورد، مصر وكنعان وإسرائيل في التاريخ القديم، ص 172).

صفحة 10

وهؤلاء الوجهاء (المحافظون)، كانت تقع على عاتقهم مسؤولية أعباء الالتزامات المالية، فعليهم جمع الضرائب وتسليمها إلى مندوب الفرعون، وأن لا يتأخروا في ذلك، وإلا يتحملون مسؤولية هذا التأخير. يقول (لبعيو الشكيمي) مفاخرا بخدمته وثقة الملك به كما جاء في الرسالة رقم (EA 254):” انظروا أنا خادم جدير بثقة الملك، أنا لم أخطئ ولم أرتكب إثما، ولم أمتنع عن دفع الجزية، ولم أرفض طلب المفوض.”

ويقول عبد هيبة (خيبا) حاكم أورشالم في الرسالة التي تحمل الرمز (EA 288):”... ولكني أقول لسيادتكم بأني لست حاكما هنا، ولكني جندي في خدمة الملك، وصديق له، وقيّم على ضرائب أرضه... لقد جائني شوتا المندوب الملكي فأسلمته 21 فتاة و80 أسيرا، هدية لسيدي الملك...”.

ومن مسؤوليات هؤلاء المحافظين أيضا، تأمين تقديم المعونة والمساعدة المادية والعينية، وتقديم الطعام إلى الجنود المصريين وغير ذلك، عندما يقوم الفرعون بحملة على أرض كنعان، أو يمر في أرض تلك المملكة، كما أوضحت الرسائل ذلك. فقد جاء في الرسالة رقـم (EA 191 ) يقول (عرزاويا الرخيزي):” لقد كتب سيدي الملك بخصوص الاستعدادات لوصول قوات سيدي الملك ووصول مفوضيه الكثر.”

ويقول آخر في الرسالة رقم (EA 193 ) إلى الفرعون :”أحضرت الثيران والأنعام كما أمرتني في رسالتك”. وفي الرسالة رقم (EA 195 ) يقول (ييريواز الدمشقي):” أنا مستعد مع جنودي ومركباتي وإخوتي، والعبيرو في أرضي والسوتو بانتظار وصول الجنود ومستعد لأداء الواجب، حيثما يأمر سيدي الملك.”

وعلى الأغلب، فإن كل واحدة من هذه الممالك المدن الفقيرة تكاد تكون مستقلة بذاتها إداريا وماديا واقتصاديا، وقد تكون محاطة في بعض أجزائها بسور منيع تجاوزت سماكته أحيانا حوالي عشرة أمتار. ولهذا السور أبواب مدعمة قوية، وترتفع أبراج على السور دائرية أو مربعة أو مستطيلة.

وأيا كان الوضع الذي كانت تعيشه ممالك المدن الفلسطينية، فإن بعضها كان يطمح إلى أن يصبح مملكة مستقلة على الأقل، ولكن ذلك لم يتحقق لأي من هذه الممالك.

وفي أواسط القرن الثالث عشر قبل الميلاد، دخلت المنطقة في مرحلة من الجفاف المدمر، أطلق عليها المؤرخون اسم (الجفاف الميقيني)، حيث بدأ الوجود المصري بعدها في فلسطين في التراجع، وأصبحت مصر تفكر في الخروج من فلسطين. وقد استمر هذا الجفاف وتأثيره على المنطقة حوالي مائتي سنة.