eKtab
EN ع
طبيب تينبكتو
اقرأ عينة مجانية

طبيب تينبكتو

بقلم عمر الانصاري

صفحة 1
تارَّايتْ 
 
اليوم، أتممت في تارّايت(1) حفظ القرآن على يدي معلمه الأشهر أبي إبراهيم وعمري ثمانية أعوام· وافقتْ أمي زينب على أن أرافق عمي موتّفا(2) الذي تزوج حديثا، بعد وفاة زوجته الأولى·· حيث قرر القيام برحلة صيد لأجل عروسه الجديدة· 
 
كانت أمي لا توافق على مرافقتي لعمي بحجة أني قد أعيقه عن التوغل في الصيد، في الصباح عندما كانت غارقة في تسابيحها، لم أنتظر انتهاء تسابيحها التي تقطعها بتسبيح آخر·· بصوت أعلى لإفاقتي؛ إذ كانت لا تتفوه حتى شروق الشمس بغير التسبيح، وإذا ما أرادت إفاقتي أنا وأختيَّ أو التحدث لأحد رفعت عقيرتها بالتسبيح والإشارة إلى ما تريد· 
 
أفقت من تلقاء نفسي، تسللت من تحت الخباء كقط رأى غنيمة يخشى فوتها، نظرتُ إلى والدتي، رأيتها وقد أطلقت ابتسامة رضى صغيرة امتنانا لعدم قطعها لتسابيحها بغية إفاقتي· 
 
كان والدي قد رفع أديم الصلاة وبدأ في التحضير لإفطاره من القديد والمضير الطازج والآتاي(3)· توضأت ببقايا وضوء أبي وأديت صلاتي المتأخرة كالعادة· انتظرت عمي حتى إذا حضر وجلس قليلا مع والدي وارتشفَ معه فنجان آتاي·· تناولت حزام الذخيرة وقربة الماء منه·
 
قال له أبي الذي يمتنع عن أكل ما يصطاد: متى ستقلع عن هذه العادة السيئة يا موتّفا·· ألا تقتنع أن أكل لحوم الغزلان يصيب القلب بالوحشة·· إن قلوب الغزلان سكن للجن!
 
ابتسم عمي: يا إبراهيم·· لمن نتركها·· إن لم نأكلها أكلتها السباع
 
يرد أبي: هي للسباع وليست للآدميين 
 
وإذ ينتهي الحديث الذي سمعته أكثر من مرة انطلقت أنا وعمي، تركنا الحي والنهر الذي يحتضنه خلف أظهرنا· قطعنا مزارع القصب التابعة لجيراننا زكاتن(4) كنا في صبيحة يوم ربيع ندي، لامست بأطراف أصابعي العشب المبلل بندى الإبكار حتى وددت الغوص فيه ليلامس شغاف قلبي لبرودته، لكني اقتحمته قليلا لأبلل أطراف رجليَّ الحافيتين·
 
ابتعدنا عن النهر الذي قال لي عمي إنه يفصل عالم الشمال الذي ننتمي إليه·· عن عالم الجنوب الذي نختلط مع بعض أهله· 
 
مررنا بكوخ همّادو جارنا الجنوبي·· الذي لولا لونه الأسود هو وقومه، لما ميزت أنه من غير جنسنا إلى حين، كان الكهل - جدّ معظم صيادي السمك والمزارعين من زكاتن الذين نجاورهم - جالسا يصلح شباك صيده أمام كوخه· تبادلا هو وعمي السلام والأخبار·· إذا به يرمق صبيته الناهد التي تساعده فتقفز من جلستها إلى داخل الكوخ·· لإحضار شراب الكندو اللذيذ(5) الذي ناولتْه عمي فارتوى منه، ثم ناولنيه فأفرغت القدح منه·
 
وقبل أن نمضي طلب عمي من العجوز همادو إرسال حصة له من زيت بَلنْغا(6) الذي تخصص زكاتن في بيعه لأهلنا إذا ما عز أو نقص السمن عند بعضهم· 
 
عمي الذي بلغ تمام الرجولة·· إذ انكسر عنه سوار الشباب مبكرا بعــد اشتــداد عضــده، بدا وبسبب مرافقتي له لا يريد التوغل بعيدا، كما لم يُرد الإياب يومها بأكثر من غنيمة واحدة تقتنع بها زوجــه·
 
تجاوزنا مئات من أشجار الأراك والسدر·· بعد مزارع قصب الكندو التي تلي الشاطئ· طلبت منه التوقف قليلا لأخذ زادي من النبق، والصمغ اللذيذ الذي لا أقاومه حين يبدأ في التدلي من أطراف الأغصان وقد أتم نضجه واحمراره·
 
أخذت زادي ونزلنا منحدرين إلى السهل المخضر، اقتفيت أثر عمي·· لا أتبين سوى نصفه الأعلى بسبب ارتفاع العشب المعانق لبعضه، تجاوزنا قطيع الأبقار التي اختفت رؤوسها تحت العشب لا نرى منها إلا ظهورها·· وهي منهمكة في الرعي·
صفحة 2
صعدنا إلى الكثيب العالي لتبدأ أرجلنا الغوص في الرمل الذي يأبى الانهزام أمام اخضرار الوادي، كأنما يعلن للعشب أنه دخيل عليه في الصحراء·· وأنه لا يمكنه تجاوزه مهما مد عنقه إلى السماء·
 
علونا سنام الكثيب الذي يتخذه عمي مكانا لإعلان غزوته الصغيرة؛ إذ يتخيّر الوجهة منه· أخذ يذهب ببصره، يبعد به ويدنو لا يلجمه غير شعاع الشمس التي أطلت لتوها·
 
قال: انظر·· انظر يا محمد جفلتُ حين رأيت ظبيين صغيرين يتقفزان في الهواء كأنما أرجلهم في النار·· لا يستقرون فرحا، ربما لإخبار الجن الذين يسكنون قلوبهم كما قال أبي·· أن النجاة ستكتب لهم اليوم·
 
أدرت نظري قليلا ورأيت المهاة الكبيرة·· كأنما كرهت لهو صغارها خشية المتربصين بهم· نظر إليَّ عمي وقال: ما رأيك؟ هززت رأسي يمنة ويسرة دون التحدث· ابتسم وقال: لن نصيدهم·· سنبحث عن غزال يكون قد ملّ الحياة ولا يمكنه إنقاذ نفسه من السباع·· ضحكتُ من تبريره في الصيد·
 
مضينا حتى إذا مررنا بصخور ثلاث شرقي النبع كأنما نزلت من السماء؛ إذ لا جبل ولا صخر غيرها هنا· يتردد فقط أنها لثلاثة رجال نكثوا عهدهم وخانوا الأمانة فعوقبوا بأن مسخوا حجارة ليكونوا عبرة للمتعظين· 
 
وكان أهلنا يدعون على من يشكُّون في ذمته وأمانته أن يمسخ حجارة كتلك، وكنا بدورنا نحن الصغار لا نخاف شيئا خوفنا من أن نمسخ حجارة·
 
أما غربي النبع فتطل عليه شجيرات متسقة بالغة الطول كأنما وضعت بعناية وقصد لتكون سياجا للنبع· 
 
ألفينا اليوم سرباً من البجع المهاجر يرتوي في النبع·· وقد أحاله إلى بياض لا نكاد نرى الماء فيه لكثرته·
 
انصرفت ألهو بمشاهدة البجع يتبختر بسيقانه الطويلة في الماء ينقره بلمح البصر لاستخراج ما يجده من طعام· فوجئت بعمي قد أطلق رصاصة فاعتقدت أنه قرر اصطياد الطيور، لكن غزالا كان يحتضر بعيدا عنا خلف شجرة طلح قرب النبع هو ضحيته اليوم· 
 
أنهى الغزال الذي ملّ الحياة كما أقنعني عمي رحلة صيدنا·· ورأى أنه من الإجحاف أن يخرج بي في رحلة ويعود باكرا· حينها، أخرج سكينه وطلب مني جمع بعض الحطب والأعواد والعشب اليابس، فقد قرر الاستئثار بكبد غنيمته قبل الإياب بها· أنزل خُرجاً صغيراً كان يحمله· أخرج معدّاته وعلى جانب النبع جلسنا نشوي كل ما كان بجوف ذلك الغزال المسكين·
 
أمرني عمي كالعادة بتولي إعداد الآتاي، فاستخرجت بدوري الإبريق الصغير والكاسات، وإذا ما أخذت أقلب كاسات الآتاي في الإبريق كل ما صببته رافعا الإبريق حذاء رأسي لصناعة رغوة جيدة تنتصف أعلى الكأس·· هز عمي رأسه إعجابا بإتقاني للآتاي، ويبلغ الرضى عنده الغاية حين يرتشف منه رشفة فيهز رأسه مرة أخرى تأكيدا لإجادتي لعملي· ولا يُفوِّت حينئذ أن يقدم لي خير ما يشويه من لحم بدوره·· قائلا: آتاي جيد يستحق طاجين جيد فأقول بدوري بل: طاجين جيد يستحق آتاي جيد فنغرق في الضحك معا في حكاية كثيرا ما كررناها في مثل هذا الموقف الذي نتنافس فيه·· كل منا في إتقان صناعة ما يقوم به من مهمة في رحلة الصيد·
 
جلسنا على مأدبتنا نتكئ على الصخور·· أخذتُ أنظر إلى الطيور التي فزَّت رعبا من صوت البندقية حين أطلق عمي الرصاص على الغزال·· رأيتها وقد بدأت في العودة بعد سكوننا وبعد أن أيقنتْ أنها ليست خصمنا الذي نبحث عنه اليوم·
 
سألت عمي، حين عرفت من صبية الحي أن بعضهم يصطاد البجع حينا من باب اللهو·· دون أن أكشف له ما ائتمنت عليه من سر من رفقتي!
 
قال: لا·· لا نأكلها!
 
قلت له أهي مثل الأرانب؟ قال: نحن لا نأكل هذه الأشياء·· نحن لا نأكل السمك ولا الدجاج ولا الزواحف بأنواعها!
 
وقبل أن أسترسل في أسئلتي قال: هذا الطير يعتقد همادو جارنا وجماعته أنه مقدس·· وأن من يقدمون على قتله يصابون بالجفاف! قال: أتعرف أنهم يعتقدون أنه يجلب الخصوبة للأودية··!
 
يا لهول المصيبة·· كتمت أنفاسي، أقَتْلُ طير من مئة ألف يجلب البلاء سأنهر رفقتي إذا ما عدت اليوم كما قلت في نفسي·
 
تجاوزت ما كاد يلهيني من تفكير، ووجدتها فرصة للثرثرة مع عمي· سألته سؤالا تأخر طرحه، عن أسباب امتناع أهلنا عن أكل بعض الحيوانات· قلت له: سمعت أمي تقول لأمَتِنا تين الخير أن لا تكثر من أكل الدجاج لأنه يميت القلب! 
صفحة 3
قال: السبب أن الدجاج يعتاش على المهملات·· وعلى العذرة أحيانا فتقززت وعرفت يومها أن لقبيلتي كل الحق في عدم أكل هذا الطير النجس·· الذي لا يميز ما يأكل· سألته ألذات السبب لا نأكل الأرانب؟ ابتسم: لسبب آخر·· ستعرفه إذا كبرت! 
 
حملت معي استفهام عمي إلى أن بلغت الحلم، حينها عرفت أن الأرانب تمر بعادة شهرية مثل النساء·· فاقتديت بقبيلتي في كرهها ! لكن الذي خالفت فيه عمي ولم يستطع محاجّتي فيه، هو السمك· فقد اعترفت له يومها أني تذوقت السمك مطبوخاً ببهارات تينبكتو(7) مع الأرز في آخر مرة علوت فيها ظهر قارب البضائع القادم من تينبكتو· صمت·· وقال مستغربا: ألم تزعجك رائحته الكريهة؟ هززت رأسي·· أن لا· ضحك، وقال: في المرّات القادمة تناوله وأنت بعيد عنا
 
عمي موتّفا كما حكت لي والدتي، من أقوى الشبان، لا يبارى في نزالات المصارعة ولا في السباقات التي تجرى على الشاطئ، فضلا عن الفروسية والرماية التي كنت شاهدا عليهما·· فما أشرت له إلى شيء وطلبت منه أن يصيبه ببندقيته إلا تمكن منه، يمكنه قنص رقبة نسر في كبد الشمس لو شاء· 
 
سألته عن قصة من قصصه الشهيرة؛ إذ كانت أمي تداعبه إذا أرادت الاستعانة به في أمر صعب· تقول له : يا قاتل الأسود ألا تصنع لي كذا·· أو كذا سألته اليوم عن قصة الأسد· قلت له يا عمي: هل قتلت أسدا بالفعل، رغم معرفتي بقصص قتل الأسود المعروفة بين ذوينا، أطلق ضحكة وفرك رأسي· قال: أنت أيضا ستقتلهم إذا اشتد ساعدك بإلحاح روى لي القصة: كنا في الطريق إلى تينبكتو بعد ولادتك بثلاثة أعوام، وقابلنا أحد المسافرين فارا بجلده على ناقته·· أجلسناه وأعطيناه الماء وصنعنا له الآتاي حتى سكنت نفسه· قال لنا إنه مع رفيق له هاجمهم سبع كبير في الغابة التي تلي الوادي·· وتمكن السبع من رفيقه فيما هرب ونجا هو بجلده· عرفنا أن الأسد سيكمن لنا في الطريق·· طالما عرف أن الناس تمر به، أخذنا المسافر معنا حتى إذا اقتربنا من المكان طلبت منه أن يتقدمنا وأن لا يخف· أخرجت بندقيتي ولقّمتها الرصاص، لكن الأسد لم يخرج· وجدنا آثار ضحيته وكذا الدماء على العشب حيث سحب بقية جسد الضحية، تتبعت ذلك الدم أنا ورفقتي الثلاثة، اتفقنا أن نطلق عليه النار سوية· لم نفطن، حتى وجدنا الأسد أمامنا، وجدته يقفز نحوي· فأخذت الرصاصة مبتعدا وأودعتها تحت ذقنه وهو في الهواء· وما إن كاد يسقط عليّ حتى لقّمه رفيقي رصاصة أخرى استقرت بين عينيه
 
استمتعت بالقصة كما لم أستمتع بقصة مثلها·· وأخذني الفخر والاعتزاز بعمي قاتل الأسود·
 
كانت ساعات الضحى إلى انقضاء حين أقفلنا راجعين· أمرني عمي بالاستعداد للعودة، سلكنا طريقا آخر، يمر بواد شديد الاخضرار· رأيت سوادا عظيما مقبلا أسفل الوادي· كان سربا من الخيول البرية التي تسوقها الجن حسب اعتقاد أهلنا، وقفنا قليلا ننظر إليها تتسابق·· تدور أحيانا حول الوادي كأنما تطاردها العفاريت· 
 
سألت عمي هي لمن؟ أخبرني أنها ليست لأحد· لكنه أحاطني أيضا، أن بعض الشبان الأقوياء يخطفون صغارها أحيانا لتربيتها وترويضها·
 
جلسنا برهة حين رأى عمي إعجابي بالمشهد، وليريح كتفه قليلا من الغزال الذي كان يحمله، سألته عن ما إذا كان حصان أبي الأسود من هذه السلالة· ضحك وقال: أعتقد أن حصان أخي هو كبير هذه السلالة إذ كان عمي هو الذي يمتطيه في المناسبات وكان هو الفارس في السباقات·
 
قال: إن المتسابقين يا محمد يرفضون أحيانا مشاركة حصاننا في سباقات الشاطئ في الأعياد، لأنه من سلالة جياد الجن حسب معتقدهم ابتسمت وطلبت منه أن يعلمني امتطاء حصاننا·
 
يضحك: أخشى أن يصيبك منه ما أصابك حين حاولت الاقتراب من ناقتكم
 
أعاد إلى ذهني قصة ناقتنا التي كنت أمر بين رجليها وهي واقفة قبل سنوات·· في لعبة أدركت شقيقتي الصغرى فاطمة خطورتها ورفضت مشاركتي فيها؛ إذ ركلتني الناقة بخفها على وجهي الذي تورم· يومها قررت عدم استظراف أي حيوان، ولولا خلطة أعشاب السدر التي صنعتها لي أمَتُنا تين الخير يومها وداوتني بها لتشوه وجهي إلى الأبد؛ إذ كانت تين الخير إضافة إلى أدوارها المتعددة، كانت طبيبة العائلة كذلك·
 
انصرفنا من الوادي، ذهبنا وقابلنا مجموعات الرعاة من أقاربنا· طلبت من عمي البقاء معهم بعض الوقت فوافق، على أن أعود مع أول دفعة· انضممت إلى أحد أبناء الخؤولة يرعى أبقار ذويه الكثيرة· كان قد صنع للتو من القصب ناياً يتعلم النفخ فيه لتزجية الوقت· حاول أن يعلّمني بعض ما تعلمه، لكن أولى محاولاتي باءت بالفشل· لجأنا إلى ظل شجرة سرح ضخمة· جلسنا استمع منه إلى حكايات الرعي·· وكيف ولدت إحدى أبقاره وساعدها·· وكيف رأى واحدة أخرى تحتضر فذبحها قبل موتها وصنع من لحمها القديد· 
 
لم تعجبني قصص الرعي على أية حال· كان الشيء الوحيد الذي أعجبني بالرعي وجعلني أتمنى ممارسته حين أكبر هو الحرية التي يمنحها لممارسيه·· إذ يحررك من حياة الناس·· فضلا عن شعور القيادة لقطيع يأتمر بأمرك!
 
انضمت إلينا قريبة أخرى بالغة الجمال قاربت البلوغ، كانت من ضمن من يتعلمون الرعي مع إخوتها· وصلت وهي تبتسم، كأني أشاهدها لأول مرة، نظرتُ إلى ابتسامتها الجميلة قد أسفرت عن أسنان بيضاء جميلة·· ولثة حمراء داكنة جراء علكها أعواد الأراك· جلستْ تسألني عن أختي الكبرى حليمتو، وعن الصغرى فاطمة، قالت: سمعت أنك استظهرت القرآن أخيرا إذ اعتبرتني متأخرا في الحفظ·
صفحة 4
-  نعم هذا صحيح·
 
- ماذا ستفعل·· هل تنوي تعلم الرعي؟
 
- لا أدري·· سمعت أمي تقول لأبي إنها تريدني أن أدرس النحو والفقه·
 
- تبتسم·· إن أصعب ما في الحفظ ليس حفظ القرآن·· بل مقامات الحريري وشرحها!
 
لم أجبها، إذ لم أعرف ماهي المقامات بعد وإن سمعت عنها القليل· وغاية معرفتي أن الجميع بعد حفظ القرآن يحفظون الأجرومية ومتن الأخضري· والمعلقات السبع·
 
تركت الفتاة·· التي أشعلت الغضب في صدري لتباهيها بذاكرتها في الحفظ· لكن، ولأنها حفيدة عالم وأمها حافظة لكل المتون الموجودة في صندوق أبيها وجدت لنفسي العذر·· وإن كرهت منافسة الفتيات في أي شيء·
 
عدتُ في المساء مع أول فوج للرعاة، وعرفانا لسماح والدتي لي بالذهاب·· جلبت لها هي وتين الخير ما استطعت حمله من ورق السدر، الذي تنظف به والدتي شعرها وشعر أختيَّ حليمتو التي تكبرني بعشرة أعوام، وفاطمة التي أكبرها بعام واحد·
 
سعدت كذلك الأمَة تين الخير بأوراق السدر التي أحضرتها لها وتستخدمها بطرق شتى لعلاج كل الأمراض والأسقام· كما سعدت أختاي بثمار النبق التي جلبت لهن·
 
كانت والدتي وتين الخير قد بدأتا في طهي حساء الدخن بالحليب حين وردت البيت، ولم تبق والدتي شيئا من لحم ثور أمرت بذبحه للتصدق به كاملا بمناسبة استظهاري للقرآن· سألت والدتي التي لا أتذكر حصول سوء تفاهم بيني وبينها عن السبب، قالت لي الصدقة لا يجوز تذوقها، يجب أن تكون كاملة خالصة لتؤتي ثمارها·· فوافقتها كالعادة·
 
لكني رغم ذلك، توجهت لأَمتنا تين الخير التي تحظى وأبنائها بحصة ثابتة في كل ما يذبح، شأنهم شأن جميع موالينا حيث سأجد بقية من لحم الثور المنسوب إليّ· ولم يخب ظني حين وجدتهم قد انتهوا من إعداد نصيبهم وعلى رأسه الرقبة التي تكون من نصيب الموالي؛ إذ جرت العادة أن نُجزِّء الوليمة أو الصدقة حسب مقامات الناس، فينال العالم أو الفقيه الذراع والكتف، والمولى الرقبة، والنساء الظهر· وقد حاججت والدتي التي وبخت فعلي، بأن ما أكلته لا يعتبر تعدياً على الصدقة بعد أن أصبح إلى غيرها·
 
أمي التي تعلّمني الحياة، هي قريبة والدي من جهة أمها، أخذتُ منها لونها الفاتح·· واستدارة وجهها في الشبه كما يقول لي الناس، في حين استأثر والدي برأسي وأنفي وعيني الضيّقتين في الشبه· كانت من أزهد الناس في الدنيا، لم تحب شيئا سوى أهلها وصلة الرحم· في حين أن أبي، الذي حفظت القرآن على يديه أنا وعدد قليل من أبناء أقاربه، تركته في شأنه بعد أن عقلت الدنيا؛ إذ لا يفارق القرآن شفتيه، فتجنبته إلا لضرورة· فرغم كونه كما شهد له الناس أفضل معلم قرآن، رفض أن يقيم حلقة قرآن دائمة للحي خشية أن يأتي الطلبة إليه بأجرة التدريس في ظل وجود من هو بحاجة إليها· 
 
استغنى هو وأمي بأبقار قليلة في وقت تباهى الناس فيه بعدد أبقارهم، واضطر إلى امتلاك العبيد الذين نتوارثهم حين عرف أن لا مكان يذهبون إليه· سألته يوما من أين أتيتم بالعبيد يا أبي قال: سامح الله من اشتراهم، ومن غنمهم في الحرب·· وأورثنا إياهم 
 
بيد أن أهلي ليسوا وحدهم في هذا الزهد والورع، حيث  كان هذا حال آخرين كثيرين من أهلنا ورثوا قيام الليل والتبتل والعبادة، مثل ولي شاطئنا الشيخ الزروق الذي ابتعد قليلا عن الناس في حينا الشرقي حتى يصفو قلبه لمناجاة الخالق·· ويبتعد عن القيل والقال·
 
حيّنا الغربي يتكون من ثلاث وسبعين خيمة، كلها مصنوعة من جلود بقرنا، فيما عدد خيم الحي الشرقي تبلغ النصف على التقريب كما قال عمي·
 
تتالت أيام السعادة عليّ حين أنهيت حفظ القرآن، حيث سأمضي أيام لهو إلى حين صدور قرار والديَّ بما يجب عليَّ استئناف دراسته بعد القرآن· 
 
اليوم، في الصباح حين أتممت الصلاة منعتني أمي من العودة إلى النوم وأمرتني باللجوء إلى خيمة عمي بعد أن قررت نقض خيمتنا بمساعدة تين الخير·· لتجديد جوانب منها ولتوسعتها·· بعد أن حصلت على جلود جديدة· فيما أمرت موالينا أبناء تين الخير الخميس والجمعة بجلب أوتاد·· وأعواد سقف جديدة·
 
أنهيت الإفطار مع عمي الماهر في صناعة الخبز المدفون في حمم الرمل، أخذت ما بقي من الرغيف الكبير ومددت يديَّ في كيس صغير لعمي يحفظ فيه التمر·· فأخذت منه قبضتين ومضيت ألحق بالخميس وأخيه في الوادي يقطعان الأشجار لصناعة الأوتاد لأمي· رآني الخميس، همس لأخيه بعبارة لم أسمعها لكني أعرفها؛ إذ ما ذهبا إلى مكان أو مهمة يطيلان الغياب فيها إلا وتعقبتهما متزودا لهما بزاد·· كما عوّدتني أمي، فكانا يتراهنان على ذلك·
 
مكثت معهما ننتقي ونشذب الأعواد والأوتاد ساعات حتى انتهينا وحملناها وأتينا إلى أمي وساعدناها حتى أقامت الخيمة·· وقد أصبحت أكثر اتساعا· 
صفحة 5
كان الهدف خلق مساحة أكثر رحابة في الجانب الذي أنام فيه، والذي يزحمني فيه صندوق أبي الأسود·· وكنت أزاحم فيه أختيَّ· كما تمكنت والدتي من الإفساح لأوانيها ومِخضّ اللبن المعلق في ركن الخيمة· واستطاعت جلب بعض الحصر الجديدة والمخاد لأثاث خيمتنا· وحصر أخرى لمد الظل لوالدي الذي تلاحقه أمي بالظل تفيّئوه به؛ إذ يبدأ يومه مع ماعون الآتاي في ظل خيمتنا وقت شروق الشمس حتى ينحسر عنه الظل، ثم يلج إلى الخيمة للقيلولة حتى يأْذَن وقت العصر، حينها يسحب أديمه إلى شرقي الخيمة متفيئاً ظل العصر الذي يستمر إلى وقت الغروب·
 
انتهينا وقد بدت خيمتنا أكثر اتساعا وجمالا، كانت الشمس تميل إلى الزوال حين أمرتني والدتي كالعادة بالوقوف في الشمس لتتبين بظلي وقت الزوال لصلاة الظهر· كنت شديد الحرص على لعب هذا الدور، حتى إذا ما كنت خارج الحي أو بعيدا عن خيمتنا أهرع إلى والدتي وأقف في الشمس بين الفينة والأخرى لأتأكد من زوال الشمس، فليست حريصة على شيء في الدنيا كحرصها على أداء صلاتها في وقتها·
 
كان والدي يومها قد جعل انشغالنا بالخيمة فرصة لزيارة وليُّ الحي والعالم الجليل الزروق، عرفت ذلك حين تناول في الصباح عمامته السوداء الجديدة التي يلبسها في الزيارات·· بعد أن لبس درّاعة زرقاء لا يلبسها إلا في الجُمع، كما أخذ معه كيساً من القديد الجديد الذي يهديه للشيخ· كان يصطحبني في تلك الزيارات أحايين كثيرة ليقرأ الشيخ عليّ من الأوراد ما يحصّنني ويباركني به، ولولا مساعدتي لأمي يومها لأخذني هذه المرة أيضا·
 
عاد والدي من زيارته، وفور وصوله إلى خيمتنا تناول إبريق الماء وبلل شعر رأسه استعدادا للحلاقة· وما إن فرغت والدتي من إزالة شعر رأسه، حتى أمرني وأكرهني على الحلاقة معه بدعوى وقايتي من القمل· وكان ذلك أسوأ أيامي·· وأكثر ما يغضبني منه· وأسوأ من ذلك، شعيرات يبقيها في مؤخر رأسي، يقول إنها تجلب البركة في حين لا أعتبر الأمر سوى تشويه لي كما أقول له· ذهبت بعد أن أكرهت على الطقس البغيض إلى عشة أمتنا تين الخير التي تخفف عني المصاب في مثل هذا اليوم·
 
أخذتني نومة عصر عندها، كانت سببا في توبيخ والدتي لها، كانت قصصها الأسطورية عن الجبابرة تخفف مصابي·· أغرقتني في التفكير في تصور أشكالهم حتى أخذني النعاس· بيد أن غضب والدتي لم يكن بسبب نعاس العصر المكروه، بقدر ما كان بسبب تخلفي عن أخذ حصص من السمن والقديد وعدت قريبات لها أن ترسلها لهن معي اليوم· ما حمّلني اللوم، وجعلني أعلن لمن أرسلت إليهن تحملي المسؤولية جراء قصص خرافية ما أنزل الله بها من سلطان·· كما علمت لاحقا· 
 
ولسوف أتحقق بعدها من كل قصة تروى لي باستثناء قصص والدتي عن الأنبياء والأولياء والميعاد، تلك القصص التي لن يخالطني ريب فيها·· وإن فاق تصورها عقلي·
 
بعد توسعة خيمتنا أصبح بإمكان عمي الإتيان والقيلولة معنا هو وزوجته للا عيشة، جاءا إلينا هذه المرة ومعهما بقية لحم الغزال الذي اصطدناه بعد أن ملّحته للا عيشة وجففته في الشمس وحال إلى قديد لا نظير له· تناولناه أنا وأختيّ· 
 
وفيما تنحت للاّ عيشة التي تعد لنا الآتاي في القسم الذي تدير والدتي منه أمورها في الخيمة حيث تحفظ أدوات الطبخ وأواني الحليب والسمن، جلسنا أنا وعمي وأبي في القسم الآخر الذي أنام فيه أنا وأختيّ·
 
كان عمي يتبادل ووالدي أحاديث طريفة وباسمة، حين سأله عمي مبتسما أنت أول شخص يمتنع عن أكل لحوم الغزلان في القبيلة
 
- (يبتسم أبي) كلا يا موتفا لست أول من يمتنع عن ذلك، الصيد للشبان، وما يحضرونه غنيمة لهم·
 
- إن كانت هذه حجتك فلم لم تأكله في شبابك يا أخي؟
 
- أكلته مرة حتى سمعت أحد شيوخنا يقول إنه ليس من النبالة ملاحقة طعام السباع ومشاركتهم فيه، فقد جعل الله لنا طعامنا·· فلِم نلاحق أرزاق غيرنا· كما أني أكره تناول ما لم يشرف الإنس على تربيته·· خاصة الغزلان التي تعيش وهي وجلة من الجن والإنس والسباع، ولسنا في مجاعة تضطرنا إلى تعقب الحيوانات وقتلها·
 
- أثق بورعك أخي لكنني لن أترك الصيد ومتعته ولم يحرمه الله علينا، خاصة أن محمد يشاركني هذه المتعة (يضحك)·
 
أمضينا يوما جميلا ومرحا مع عمي، رافقته وزوجته إلى خيمتهما وتوادعنا على أن يصطحبي عصر يوم غد إلى ملعب الكرة· 
 
جاء وصلى العصر مع والدي، كان معه مضرب الكرة الخاص به، تبادلت معه الابتسامة، توجهنا إلى الملعب الذي يفصل حينا الشرقي عن الحي الغربي الذي نقطنه· كعادتي، تناولت منه المضرب الطويل وذهبنا، وأثناء الطريق ما مررت بعشب أو شيء مهمل إلا وحاولت قذفه بالمضرب الكبير، كنت أُري عمي أن بإمكاني اللعب·· وأني ماهر في قذف الأشياء· لكنه قال لي: إنك صغير على اللعبة الآن، انتظر سنوات قليلة حتى يقوى عظمك·· حينها يمكنك الجري بالكرة والركض بها يوما كاملا دون أن يلحق بك أحد·· حتى تقتحم حي المنافسين بها
صفحة 6
وصلنا إلى الملعب، كان الرجال والشبان قد اجتمعوا حيث ستكون الموقعة بين الحي الشرقي، وحينا الغربي، وقفت جانبا· أحضروا الكرة المصنوعة من الجلد داخله كومة من الخرق، أخذ الرجال ينطلقون بها· لا يسوقها أحدهم أمامه إلا وحاصره الفريق الآخر· ركّزت نظري على عمي وما يمكنه فعله· رأيته يخترق الفريق المنافس بالكرة·· ويسلمها لرجل من حينا أعرفه، كان أسرع من رأيت، فينطلق بها كالريح إلى الحي الشرقي·· حتى يخترقه، ويعلن الهدف·
 
كانت لعبة أشبه ما تكون بالغزوات كما شرح لي عمي في أول أيام اصطحابه لي، حيث الهدف هو اختراق الحي الآخر بالكرة· وهناك ينال الفريق المهزوم الذي يُخترق حيه الخزي والتوبيخ· توبخهم النساء حين عودتهم بسبب عجزهم عن رد المقتحمين للحي، يقلن لهم: عجزتم عن رد كرة من الخرق عنا·· فما بالنا إن جاء الأعداء فلا ترى أحدا من الرجال يرفع رأسه أو ينبس ببنت شفة بعد التوبيخ·
 
تمكنت خلال تلك الأيام من جمع الصبيان الذين يرافقون ذويهم إلى الملعب، فأقمنا ملعبنا بجوار ملعب الكبار دون أن نحاكيهم في اختراق الأحياء·· فصنعنا كرتنا بما جمعناه من الخرق، كما صنعنا بعض المضارب· وأصبحنا نتبارى مع أبناء الحي المقابل، فإذا صادف أن هزم فريق حينا الغربي وفزنا نحن، عزّيت عمي ورفعت معنوياته أننا فزنا، وبذلك يصبح التعادل، فيغرق في الضحك ويعيد النكتة لمن يكونون معه في الملعب، بل أحيانا يحكي ذلك لوالدتي على مسمع مني· 
 
كنت كالابن لعمي حيث لم يرزق بمولود بعد، لم تكن لي علاقة بأحد غيره، لدرجة أن والدي أصبح كأنه استغنى عن أبوته لي لصالح عمي موتّفا· وأحببت عمي لأنه أزال أي حرج قد يكون بيننا· كان والدا وأخا وصديقا· أحسست الغبطة من قرنائي من الشبان الصغار تجاهي، يغبطونني على طلعات الصيد معه، وعلى الهدايا، والاهتمام الكبير منه تجاهي· 
 
زاد ذلك الحب ود كبير بيني وبين زوجته الجديدة للاّ عيشة، التي أصبحتُ بمثابة شقيقها، لا تغيب في زيارة ولا تذهب إلى مكان دون أن أكون من يوصلها ويعيدها إلى البيت· فكنت آتيها هي وعمي في الصباح وقت الإفطار أؤنسهم ونجلس ساعات نتندر على ما يحدث، أعيد لها قصص عمي في الصيد ومهارته في عدم إهدار الرصاص، أعلِمها أنها حظيت برجل ليس كالرجال، كما كنت أرى عمي·
 
وإذا ما كنت مع عمي الذي لا أفارقه إلا إذا رأيت الغلامين·· الخميس وأخيه ذاهبان لصيد الطيور والأرانب، ساعتها فقط يقول لي فاتتك الرفقة، فأذهب معهم إن كانا ذاهبين نحو الشاطئ ليحظوا بحصة من السمك الذي يصطاده زكاتن·· والذي يفيض كثيرا عن حاجتهم· حينها فقط يعذرني عمي وألحق بالشابين اللذين أعجبت بتحرر حياتهما؛ إذ يأكلون ما نمتنع عنه دون سبب وجيه·· ويمضيان بحياتهم السعيدة إلى أقصى حد لا يلجمهم أحد، فلا عمل يقومان به يشغلهم عن ذلك· فأبقار أبي القليلة يرعاها أبناء عمومته، كما أن الرعي مهنتنا ولا يتولاها الموالي·
 
كنت عائدا، أنا والغلامان حين كان والدي الذي يناديانه أبّا ويناديهما أولادي يستعد لصلاة المغرب، وكنا المأمومين الدائمين له· سمعنا ساعتئذ جلبة نحو الشاطئ الذي غادرناه قبل قليل· ترددت في العودة لتقصي الحدث·· لكن عقاب والدي سينالني إن لم أصل المغرب أولا بعد أن رآني· كما أن والدتي ترفض غيابي خارج نطاق البيت بعد غروب الشمس وأنا حدث·· خشية أن يذهب عقلي! إذ ما رأيت ولا سمعت بأحد أصيب بالجنون، إلا وقيل إن السبب كان في بقائه وحيدا خارج الحي عقب المغرب، أو كان نائما قبيل الغروب·· حيث تجول الشياطين بحثا عن غافل أو ضائع يذهبون بلبه· 
 
ننتهي من الصلاة· سمعنا الجلبة ترتفع على الشاطئ إنا لله وإنا إليه راجعون هل وجدتم جثته·· هل كان وحيدا·· هل بقي من جسده شيء!!!
 
كان آخر ضحية لتمساح منذ قبل نصف عام تقريبا· هذه المرة صبي من صبيان جيراننا الصيادين، لم ينه مهامه مبكرا·· وقع ضحية لتمساح آخر· قال الشاهد إنه لم يتوغل ولم يذهب لأية منطقة بعيدة· تجمع رجال زكاتن وصوت وولولة الأمهات وصياحهن يملأ الأرجاء· فقد حاربتهم التماسيح وأفراس النهر وأقضّت مضجعهم· لا يمر شهر إلا وسمعنا بضحية هنا أو هناك·
 
جاء معظم رجال حينا لمواساتهم· خيم الحزن على الجميع بسبب هذه المصيبة الجديدة· والد الضحية الذي مات شقيقه قبل فترة بالطريقة نفسها حين مزقه فرس نهر·· يكاد لبه يطير من هول فاجعته· سأل عن الشيخ الجليل الزروق القريب لوالدي من جهة والدته إذ يقول لأبي خالي· طلب والد الضحية من أبي وبعض الوجهاء مرافقته إلى الشيخ الولي· انطلق الجميع وذهبت مع من ذهب، أصاب الناس الهلع حين رأونا نشق المخيم متوجهين إلى الشيخ في أقصى شرق المخيم· ألفيناه قد تناول إبريق وضوئه ليستعد للعشاء·· إذ اعتاد تجديد وضوئه لكل صلاة كما عُرف عنه·
 
توقف الجميع حين رأوه يتوضأ، كان ظلام الليل قد أسدل أستاره ولا نتبين منه شيئاً لنحول جسمه، انتهى الشيخ من وضوئه فتقدم إلينا بوجهه المشرق الذي تعلوه قبسات نور التبتل والعبادة·· فتذكرت أمي التي تقوم الليل تدعو الله أن يهديني ويوفقني لأسلك الطريق المستقيم الذي سلكه الشيخ، ولأكون يوما مثله عابدا ناسكا· تقدم، همس استغفارا·· حين رد على الناس السلام، جلسنا على الأرض ننتظر إن كان سيبدأ الحديث أم الصلاة، حتى تقدم إليه والدي وقال له أتينا نصلي معك العشاء ثم نتحدث معك· لكن الشيخ رد عليه: أنسيت يا خالي أنني لا أفضل أحاديث ما بعد العشاء، تحدثوا ثم يصلي معي من أراد
 
بكى والد الضحية عند ركبتي الشيخ ·· سأله بالخالق القدير أن يرد عنهم المصيبة والبلاء·
 
- أنت الوحيد القادر على رد المصيبة عنا أيها الولي·
صفحة 7
- يرد الشيخ الزروق·· لا حول ولا قوة إلا بالله
 
- أنقذنا يا شيخ·· أنقذنا يا شيخ·· أهلنا قتلهم التمساح الممسوخ قتلهم الشيطان يا شيخنا·
 
ساد الاعتقاد حين قال الممسوخ أن ساحرا من جنسهم في الضفة الأخرى للنهر·· يتحول إلى تمساح كما يشاع·· هو الذي قضى على الصبي، وعلى قريب الرجل، واعتقد الناس أن الساحر يستهدف العائلة المنكوبة· 
 
كما اعتقد بقية زكاتن أن الساحر المسخ أصبح يستهدفهم·· وأن شيئا في الدنيا لن يُلجمه إلا الشيخ الولي الذي هرع الناس إليه خوفا من أن تمتد إليهم يد الساحر، إذ قيل إنه يمكنه التحول إلى ما شاء من المخلوقات المرعبة التي ستقضي عليهم·
 
زاد من الاعتقاد ما يأتينا به أهل الضفة الأخرى من الأخبار، حين أخبرونا قبل فترة أن الساحر المنعزل وسط مزارع القصب قتل لهم بقرة اقتحمت عزلته بعد أن تحول إلى تمساح·· والتهمها·
 
جلس الجميع يعيدون القصص على الشيخ حتى أقنعوه أن المسخ سينال منهم ولن يتوقف، حينها فقط أمرهم بالانصراف· وقال: إن شاء الله
 
استبشر الجميع خيرا بتدخل الشيخ الجليل في المصيبة التي ألمت بهم ونزعت من قلوب الأمهات الحياة·· وزرعت الرعب في مصدر رزق جيراننا وشركائنا على النهر· 
 
ولكم قال عمي لهمّادو مازحا حين تقع لهم مصيبة كهذه، إن عليهم ترك النهر وما فيه والاشتغال بالرعي مثلنا لتجنب التماسيح وأفراس النهر· لكن جيراننا الذين يعتاشون من النهر مستعدون للتضحية بأي شيء للاستمرار في جني رزقهم منه· فيما توقفت استفادتنا نحن منه على سقيا البهائم حين لا نجد آبارا· ولكم استغربت من عمي حين حاول أن يشرح لي فضل ماء الآبار على ماء النهر في سقيا البقر، مؤكدا لي أنه لا يجود بأفضل الحليب سوى الأبقار التي ترد الآبار؛ إذ يصعب على البقر هضم طعامها بماء النهر الثقيل عليها! 
 
انصرف الجمعُ عن الشيخ الزروق يتساءلون عن ما قد يفعله صبيحة الغد·· رغم ثقتهم البالغة به· ليبدأ الناس مذ فلق ضوء الفجر في التوافد أفرادا وجماعات على الشاطئ·· فيما لا نزال نسمع أنين الأمهات الثكالى·
 
أفقت حين همست لي والدتي التي تريدني أن أقتفي سيرة الشيخ، فذهبت لاستطلاع المعجزة المنتظرة، حاول أبي المتيقن من مواهب الشيخ الجليلة أن يبقيني، ولم يتركني حتى عرف مني الإصرار·· وعلم رغبة والدتي في ذلك علّ الحادثة تزودني بجرعات من اليقين·
 
رأينا الشيخ يتقدم وحيدا بعمامته السوداء وثوبه الأبيض· مشى بخطواته يتهادى على الشاطئ والجميع يمشون بمحاذاته وخلفه بهدوء ووقار وصمت· بلغ نهاية منطقة السباحة والصيد، أخذ حجرا صغيرا كان في يده ورمى به بأقصى قوته· عاد مجددا من حيث أتى ومشى بمحاذاة الشاطئ حتى بلغ أقصى الناحية الأخرى·· فأخذ حجرا آخر ورمى به بالطريقة نفسها· إثرها، توجه نحو الشاطئ ومد يديه بانفراج بمحاذاة صدره مشيرا إلى المنطقتين اللتين رمى بالحجرين فيهما، ثم نظر إلى الجمع وقال: اعبروا واسبحوا ومارسوا صيدكم بين هاتين المنطقتين اللتين رميت بالأحجار فيهما ولن تخشوا إلا الله قال عبارة أخرى لم يكد أحد يسمعها:  أما خصمكم فلن يهنأ بم ابتلعه تنفس الجميع الصعداء·· وهللوا· انفض الجمع خاصة زكاتن وهم ينحنون أمام الشيخ امتنانا·· ولا يخالطهم ريب في مضاء عُقده التي رمى بها·· في أنها ستكون تميمة نجاتهم الدائمة· 
 
سكنت النفوس· حتى إذا أسفر صبح يومنا التالي·· سمعنا صياحا عظيما·· أخذتُ ومن في الحي نجري لاستقصاء الأمر·· كان الشبان الزنوج يشيرون إلى جسم يطفو على النهر· جسم أخضر كأنما لعنة نفخت فيه روحها·· ومزقته· كان تمساح عظيم لم ير له مثيل·
 
أحجارِ الشيخ الصغيرين فعلتا به هذا الفعل·· ماذا لو كانا حجرين ضخمين إذاً لأتتا على قبيله·· الله أكبر·· الله أكبر كان هذا ما تفوه به والد الضحية حين رأى انتقام الغيب من التمساح المسخ الذي ابتلع ابنه· 
 
نمضي سنوات بعدها على الشاطئ، لم نسمع بأحد قتلته التماسيح، ولا أفراس النهر المنتشرة بالمنطقة التي حددها الشيخ للسكان، عدا سفيه سخر من الناس فتجاوز الحدود المرسومة فمزقه فرس نهر تربص به·
 
ولسوف تجعلنا هذه الحادثة نستذكر أيام تاريخ شيخنا الجليل وسيرة آبائه الأولياء، فالزّروق وريث علم·· وقوة خفية، وشجاعة نادرة· ورث ذلك من شقيقه الأكبر الذي رباه·· إذ لا يتأتى العلم والولاية في الصحراء، ولا الكرامات إلا عن طريق وراثة·
 
فقبلُ، بسنوات طوال، قتل أخوه الأكبر الذي ورّثه الولاية تمساحا في الناحية نفسها، لكن بيديه! بعد أن كثر ضحاياه· لكن ورغم ما أوتيه من أسرار وعلم يمكنانه من القضاء على التمساح·· أراد إعطاء الجميع درسا في الشجاعة حينها، كما تقول القصة التي أعاد الناس تداولها منذ الحادثة· 
 
كان المولود في العقد السابع من عمره حسب الرواية حينها· غضب من الرجال الذين تقاعسوا عن قتل التمساح، أراد إعطاءهم درسا في الشجاعة· تقول القصة إنه طلب من ابنته الوحيدة أن تجمع عمائمه وتعقدها على يده اليسرى·· وأعطاها خنجره الطويل وأمرها أن تذهب به إلى الحداد لشحذه·
صفحة 8
قالت الابنة إنه أقام الليل يقرأ على الخنجر، وإنه توجه مباشرة بعد صلاة الفجر إلى المنطقة التي عرف أن التمساح يكمن فيها لضحاياه· تمنطق الشيخ بعمامة أخرى وشد ثيابه، ودخل مادًّا يده اليسرى الملفوفة بالعمائم أمامه كأنما هي جذع شجرة كما وصفت ابنته التي رافقته· وما إن دخل حتى التقطها التمساح بين فكّيه وعض عليها بانتظار سكون الضحية، فيما أخذ الشيخ الغاضب يمزق بالخنجر الطويل الفك السفلي للتمساح·· ويمرره بين عنقه وأحشائه·
 
تقول ابنته التي شاهدت المعركة عن قرب·· إنها لم تر شيئا بعدها سوى الدماء والوحل، لكنها بعد برهة رأت والدها يخرج وحيداً منتصراً وقد ترك خلفه التمساح مضرجا بدمائه ممزق الأحشاء·
 
يومها قال للناس: إن أي رجل لا يمكنه فعل هذا فليلبس من لباس أخواته·· الرجال بقلوبهم 
 
أما شقيقه الزروق الذي أدركت أيامه هذه·· فقد ظل ملجئا للناس في الشدائد· كانت الوفود تأتيه من شتى نواحي الصحراء لطلب البركة والشفاء من الأمراض· لكن من أكثر قصصه تداولا، قصة سمعتها تروى في تلك الأيام بعد حادثة التمساح، وقعت قبل أن أفطن للدنيا؛ إذ جاءت قبيلة زكاتن بابنتهم الشابة التي تلبّسها الجن في أول ليلة تتزوج فيها· أتى بها أهلها وهي ملفوفة ومشدودة بالحبال، وموثّقة اليدين· 
 
قالوا للشيخ إنها فتاة عاقلة، وكانت تصلي· وفي ليلة زواجها·· استولى عليها الجن فخرجت من بيت الزيجة تصرخ وتمزق ثيابها·· حتى تجردت منها· هز الشيخ رأسه حزنا واستنكارا· وأمرهم بالخروج خلفه حتى أتى إلى جذع شجرة أمرهم بربطها عليها· وقف الشيخ أمامها وصفعها صفعة دار منها رأسها وكادت تخلع رقبتها· ثم بصق في وجهها وقال بأعلى صوته: أخرج يا رجيم وإلا أوثقتك مكانها· أخذت الفتاة تصرخ بصوت مفزع حتى كادت نفسها تزهق، ثم سكنت· وتحولت إلى جثة، ثم أمر الشيخ بفك وثاقها وهي فاقدة الوعي· وقال لهم: لقد خرج منها الرجيم·· توعدته إن عاد إليها بذبحه وذبح ذريته أخذوا مريضتهم التي أتت بعد أسبوع تحمل صرة من الهدايا اللطيفة إلى الشيخ· وبرأت كأن لم يمسسها سوء·
 
ومن أطرف القصص التي وقعت للشيخ قبل عام واحد، أن أتاه رجل يزعم التقوى، طالبا من الشيخ أن يمكنه من رؤية النبي [ في المنام، قائلا له: إن كنت حقا ولياً فإني أريد رؤية النبي فأجابه الشيخ أن أمنيته في متناول يده وليس عليه سوى أن يكون ضيفا عليه· طلب الشيخ من غلام له أن يذبح أسمن خروف يجده، وأن يقدمه للضيف للعشاء· وما إن انتهى الضيف من عشائه حتى أخبره الشيخ الزروق أن شرط رؤية النبي في المنام تقتضي منه أن لا يتبع عشاءه بشربة ماء واحدة· 
 
في الصباح أفاق الشيخ ضيفه وسأله إن كان قد رأى النبي، فنفى الرجل ذلك، ليسأله الشيخ عن ما رآه في ليلته، فقال: رأيت نفسي أسبح في نهركم·· وأغطس فيه حتى أبلغ الماء البارد ثم أرتوي منه ضحك منه الشيخ وقال له: ذلك أنك نمت عطشا بعد عشائك الدسم·· لا تفكر في شيء تفكيرك في ماء يروي عطشك، فإن اشتقت لرؤية النبي اشتياقك للماء رأيته خجل الرجل من نفسه وانصرف· 
 
وقبل أشهر أتذكر وفداً من رجال قبائل الساحل أتوا يسألون عن الشيخ، وكنت ممن دلهم عليه· وبعد أن غادروه نشر صبي من أقارب الشيخ وجارية كان يستعين بها في إعداد الطعام لضيوفه قصة من أطرف القصص·
 
كان الوفد برئاسة عالم من علماء الساحل جاء لمناظرة الشيخ في مسائل فقهية استنكرها عليه· وحين وضعوا رحالهم وجلسوا إلى الشيخ سمعوا جاريته التي كانت تعد الطعام لهم تغني:
 
نحب ما لا يحبه الله··
 
عندنا ما ليس عند الله··
 
نكره ما أوجبه الله·
 
فجن جنون الضيف (العالم) واستنكر أغنية الجارية، وقال للشيخ الزروق ما بال جاريتك تغني بكلمات الكفر هذه؟
 
ضحك منه الشيخ الزروق وقال له هذا ليس بكفر، وكلام الجارية صحيح· 
 
نحب الطعام ولا يحبه الله··
 
نملك الأبناء وليس لله ولد··
 
نكره الموت الذي أوجبه الله·
 
قال الصبي الذي روى لنا القصة إنه سمع الوفد يتهامسون أن شيخا تقول جاريته ما لا نفهم هو شخص لا يمكن مناظرته، وانصرفوا بعد تناول طعامهم·
صفحة 9
عرفتُ هيبة الشيخ الزروق وأخيه، وعظيم قدر البيت الذي ينحدر منه، من خلال قصص عمي التي يسردها في كل مجلس أيامنا تلك، ليس عنه فقط، بل عن أبيه الذي ملأ الصحراء هيبة· وكان قائد قبيلتنا في حربها مع ايكوفار(8) حين دخولهم الصحراء· سمعت عمي يعيد القصة في مساء كنا نتحلق فيه حول موقد النار·· واجتمع الشبان من الحيّين الشرقي والغربي· أثار الحديث رجالا جلسوا، وقالوا لولا بركة الشيخ لهلكنا في كثير من الحوادث التي تقع لنا· قال عمي ليلتها إن قدرات الشيخ تفوق التصور· أسرّ للجالسين وأقسم بالخالق·· أنه قبل عامين حين تأخر المطر صلى جميع الناس صلاة الاستسقاء مرارا دون أن تنزل من السماء قطرة· وقال إنه خرج باكرا بعد صلاة الفجر يومها قاصدا الذهاب في رحلة صيد، وإذا به يمر أسفل الحي ليرى الشيخ عند الشروق يصلي خارج الحي وحيدا، وعرف أنه يصلي الاستسقاء حين انتهى وقلب رداءه· أقسم عمي ثانية، أنه توارى عن الشيخ وذهب، وما إن أمضى ساعة وهو في الصيد حتى نزل المطر الذي سالت منه تارّايت ويتذكره الجميع·
 
قال عمي ألا تعرفون أن الشيخ الزروق يستطيع أن يفعل فعل جده الذي كان يتوارى عن أنظار ايكوفار حين كان الجهاد إذا أحاطوا به وحاولوا القبض عليه! 
 
ادعى أحد الجالسين أنه يعرف القصة، حتى إذا بدأ في سردها بدأ يخلط في الأحداث فغضب عمي وأصمته، وقال: اسمعوا القصة عني، فأخذ يسرد قصص حرب الولي الكبير وقائدنا محمد وان أمقّار أي: الأكبر، تمييزا له عن أي شخص يسمى محمد بعده· 
 
كانت أكثر القصص التي سردها عمي قربا إلى نفسي، قصة زعيمنا الذي اعتززت باسمي حينما عرفت أن والدي اختار لي اسم محمدا تيمنا بنبينا محمد ، وبزعيمنا الأكبر· 
 
روى لنا: إن ايكوفار حينما دخلوا الصحراء، أمر الزعيم بإرسال الرسل وجمع جميع رجال قبيلتنا، ورجال القبائل الموالية لنا·· وقال للناس إن ايكوفار قد أحضروا البارود معهم، وليس معنا سوى السيوف والخناجر البيزنطية، فعلى كل من يخشى البارود أن يفارقنا·· وأضمن لكم أن أحدا منكم لن يقتل إذا تبعتم كلامي قبل أن يغمد سيفه في صدور عشرة منهم إن شاء الله قال عمي الذي حبس أنفاس الحاضرين بالقصة: إن الزعيم تقدم الخيل والجمال·· حتى أتى إلى موقع الوادي الذي احتله ايكوفار·· فدق طبل الحرب عليهم، ورفض الإغارة في الليل على جيشهم، وقال لن نغدر بهم كما يفعلون، بل سنعلن الحرب عليهم يقظين تنفس عمي الصعداء وتنفسنا معه، نظر إليّ، قال: يا محمد ليتنا أدركنا ذلك الزمن ثم أضاف:  أخذ الزعيم كومة من التراب وقرأ عليها {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون}(9) ورمى بها وقال لرجاله: هيا أغشوهم
 
قال عمي:  إن طبل الحرب العظيم الذي دق إيذانا بالموقعة الشهيرة قرب أحد آبارنا أيقظ جيش ايكوفار، الذين انطلقت عليهم الخيل كالجن·· وأتتهم الجمال وأمطرهم الرجال بالرماح·· حتى إن الرجل ليرمي الرمح فيصيب به اثنان منهم بضربة واحدة·· حتى وقعوا صرعى كأن العمى قد تغشاهم، فقتلوا معظمهم واستسلم قائدهم للزعيم، الذي قام بعدها بقراه وضيّفه وأمر بتطبيبه ورعايته هو والأسرى، ثم جهزهم وقال لهم أتركوا الصحراء فهي لأهلها  
 
قال عمي الذي روى لنا القصة المثيرة إن الكومندان الذي أعتقه الزعيم، بلغ الناس أنه استقال من منصبه·· وحكمت عليه إحدى محاكمهم العسكرية بالسجن والنفي بعد أن رفض الدخول في الحرب مع أهل الصحراء·· جراء تأثره بمعاملة الزعيم له، وبالهزيمة النكراء· 
 
وختم القصة بسرد كرامات الزعيم الجليلة·· وقصص تواريه عن أبصار الأعداء إذا شاء·· وكثير من القصص التي لن أنساها ما حييت·
 
شوّقتني القصص لاقتفاء أثر عظماء أهلي تلك الأيام في العبادة، فكنت أقوم في الليل·· حين أنام ومعدتي ممتلئة بالحليب قبيل نومي، فتوقظني والدتي لقضاء حاجتي، فأرى أبي وأمي كل واحد منهما منهمك في قيام الليل·· يترقبون الفجر، مستغرقين في التسابيح· فأعمد إلى الانضمام إلى أبي لقيام الليل معه، وأذكر أني آتي بالركعة الأولى وسجدتها ثم لا أرفع رأسي بعد السجدة الثانية إذ يأخذني النوم·
 
فكان أبي يتركني على حالي مستغرقا في النوم ساجدا بجواره على ركبتي ويدي كما البعير، حتى ينتهي ويصلي الفجر فيقول لي أتعبتك العبادة·· قم وصل الفجر وعد إلى النوم فكانت أمي بعدها تشجعني وتقول له: سيتم الركعة الثانية في الغد
 
عادت الحياة بعد بضع حوادث·· وأفقتُ من نومة الضحى على صوت أبي يرحب بمن عرفت أنه أشهر مطربي قبيلتنا الذي قدم للتو من الغرب· سلم على أبي يسأله الدعاء· وما إن سمع بعض الجيران وصوله حتى توافدوا على خيمتنا أملا في الظفر بجلسة أنس كما جرت العادة حين ينزل المطرب ضيفا عند أحد الوجهاء· لكن أبي الذي لا تصمت شفتاه من قراءة القرآن، ترك الجميع حتى إذا جلسوا·· وبدأوا يتحلقون حول المطرب نساءً ورجالا·· أخذ لفافة من النقود خِفية وناولها للمطرب الذي لا شغل له في الحياة سوى تخليد قصص أجدادنا·· وإحياء أيامنا· 
 
قال له أبي: إن الخيمة لن تتسع لكم·· ما رأيك أن تقصدوا ظل تلك الشجرة الكبيرة وتتحلقوا فيه·· سآمر البيت أن يحضروا لكم الغداء وما إن سمع المطرب ذلك الاقتراح أخذ عوده، ووضع لفافة النقود في جيبه وتوجه بالجميع إلى الشجرة·· حيث اجتمع أهل الحي ذلك اليوم وتزينت الفتيات ورقصن·· ورشت النقود والعطور عليهن· واستمر الطرب والرقص لم يقطعهما سوى أداء صلاتي الظهر والعصر، وتناول الغداء·· حتى غابت شمس يومنا ذاك· كانت تلك حفلة صغيرة للمطرب الذي أتى للمشاركة في حفلات المولد النبوي التي بدت على الأبواب·· والتي سيعقبها عرس أفاجأ به·
 
يومذاك تنبهت لكلمات المطرب التي تغنى بها· سمعت معظم قصائده في مدح أجدادنا· وسمعت قصص قتلهم ايكوفار· وخوارق عاداتهم·
صفحة 10
عدت أسال أمي عن تلك القصص والحوادث· أعادت قصها عليَّ كما سمعتها من المطرب· كانت كلما ذكرت قصة من القصص تباكت على ذلك الزمن الذي ملأ فيه أجدادنا الصحراء هيبة وقوة، كما كانت تردد· تلك القوة التي سلبها ايكوفار من أهلنا كما قالت·
 
في الصباح التالي، رافقت أمي عبر الشاطئ إلى صديقة لها من موالينا اينهضن(10)، كانت والدتي تقصدها إذا ما اقتربت المناسبات والأعياد، لإصلاح وتمشيط شعرها هي وشقيقتي حليمتو· كانت الممشطة وأختها تنتظران زيارات أمي بفارغ الصبر·· لبالغ كرمها معهما· وما إن تبدأ الكبرى في تمشيط شعر والدتي، تكون أختها قد التقطت ربابتها الإمظد لتعزف عليها من ألحانها الجميلة الشجية لوالدتي·
 
في حين تمضيان الوقت·· أكون أنا عند الشاطئ أتعلم السباحة والغوص مع بقية صبية زكاتن، أو أساعدهم في استخراج السمك من شباك الصيد من باب العبث والاستمتاع· ذلك السمك الذي لا أجرؤ على حمل شيء منه إلى البيت· 
 
ذلك اليوم، لمحت أقارب لنا تقلهم القوارب أتوا من الضفة الأخرى للنهر· جماعات على غير عادتهم· كنت في غفلة هذه المرة عن عرس كبير كانت الاستعدادات له جارية، اعتقدت لوهلة أن ضيفا كبيرا قادم من إحدى مناطقنا أتى الجمع لاستقباله· 
 
لم أفطن أن التجمعات كانت من أجل المولد النبوي الشريف، ومن أجل عرس أقرب الناس إليّ· هكذا إذ تجري الأمور فإن أهل العروس الصغار آخر من يعلم· كان ذلك زواج أختي حليمتو· عقدت الصفقات خلف ظهري· كنت قد رأيت وفد قريباتنا الذي أتى لطلب يدها قبل فترة دون أن أفطن، ورأيت الفتاة التي بلغت الثامنة عشرة·· رأيتها في المساءات تذهب في رحلات قصيرة مع صديقاتها لقطف مساويك الأراك·· وورق السدر لغسل شعرها· خمنت كل شيء إلا صفقة الزواج تلك· ستذهب حليمتو·· وتتركني مع فاطمة· يا لهذه الزيجات في تفريق الإخوة· ساعتها فقط أدركت كم تعلقت بحليمتو وأحببتها دون أن أعرف· كنت بحكم المدلل أنازعها كل شيء، ما إن أصر على أخذ شيء من أشيائها حتى تزهد فيه وتتركه لي· أحبتني، ولكم سيتعزز ذلك الحب حين تأتينا في زيارات أو أذهب إليها في الضفة الأخرى؛ إذ لا أعود إلا محملا بالهدايا، كانت أول من أهداني قلما أحضره زوجها من تينبكتو· وأول من أعطاني ثوبا من قماش بزم النفيس· كانت أختا محبة بكل ما تعنيه الكلمة·
 
غفوت اليوم بعد صلاة الصبح في خيمتنا وأنا أتبادل قصص تين الخير الخرافية عن العماليق مع شقيقتي الصغرى فاطمة، التي وإن كبرتها، فقد أوتيت مكرا بالغا·· جعلها تتحكم بي أحيانا· كانت تحملني إذ كنا صغارا على اللعب· فتأخذ هي دور أمنا، وآخذ أنا دورها، فكانت تناديني باسمها أحيانا·· وتوجه لي الأوامر بزعم أنها والدتي حتى إذا فطنت أمي للعبتها الفجة نهرتها·
 
أخذني النوم يومها وأنا أذكرها ببعض تلك القصص· أفقت يغمرني شعور سعادة لم أعرفه من قبل·· شعرت بالسعادة والرضى ينسلان إلى أطرافي· ما وقعت عينيّ على شيء يومها إلا وجدته مكسوا بالنور· بدأت أصوات الأهازيج ترتفع، نهضت وأختي نجري في الحي، فكان الصغار في أبهى حللهم·· تلبّس النور كل الحي· أضفت المناسبة البهجة على أكثر الوجوه قتامة· عدت بعد جولة قصيرة أنا وأختي نستطلع ما يجري·
 
أخرجت لي أمي ثوبا كانت قد خبأته لي خصيصا لهذه المناسبة، ونعلين كان عمي أحضرهما لي في آخر رحلة له إلى تينبكتو، فكانت تلك أول نعال أنتعلها منذ ولدت· كانت بهجة المولد النبوي فاقت كل شيء عرفته· لبسنا زينتنا·· مضينا مع بقية الصغار ندور في الحي، قديد هنا، ومضير هناك· وتمر وصمغ·· الكل يجود بما لديه·
 
توشحت النسوة بألحفة زرقاء ثمينة·· ومعاصمهن مثقلات بأسورة الفضة المستورد من كماشي·· تقلدن ألوانا جليلة من عقود الأحجار الكريمة·· وقلائد الخميسة(11)· 
 
رأيت الرجال يومها وقد ضاعفوا زينتهم، حضر عمي في درّاعتين، واحدة زرقاء·· تمد أخرى بيضاء أطرافها من تحتها· وكذا عمامته الزرقاء المصقولة بالنيلة تصدر أصواتا كأنما هي ورق لشدة الصبغة والصقل اللذين تعرضت لهما، كان يلفها على عمامة أخرى بيضاء تتدلى من تحتها· تمنطق بسيفه الجديد الذي تتدلى من جرابه ذوائب الجلد الملونة· اعتلى ناقته كأنما هو نسر يهم بالطيران إلى أفق السماء· توجه الجميع إلى شرقي تارّايت حيث الأرض مشجّرة ومتساوية· تحلقوا في أعظم تجمع·· قرعت الطبول، وفي جوفها أسورة الفضة لتعطي دويا يعلن هيبة المناسبة·
 
ملأت زغاريد النساء الأرجاء·· تحلق الناس حول المطرب الذي توسط الناس تحفه النساء بطبولهن ليبدأ الغناء الذي طار بالألباب· أخذت الجمال تبتعد قليلا ثم تعود إلى التجمع تختال حتى إذا ما بلغت حلقة الطرب دارت حولها راقصة بأعناقها· أتت الفتيات مكللات بتيجان الفضة والأحجار الكريمة·· وتيجان أخرى مذهّبة· رأيت أختي حليمتو كأنما هي حورية من زينتها·· أشارت إليّ وحرصت أن أجلس بجوارها في حلقة الطرب وشدت بيدها على يدي لاقتراب فراقنا· 
 
لم أتمالك نفسي إذ لم أستطع مقاومة الطرب· أخذت أرقص دون شعور تحت وقع صوت الطبول·· وضرب العود الذي يلامس صوته أعماق الروح· صدح يومها ابن خال لنا بصوته القوي بالغناء· تحت تصفيق منتظم من الرجال والنساء· كانت فرصة للشبان الذين يريدون التودد لبعض قريباتهم في رش أغلى أنواع قوارير الطيب على الراقصات، أملا في لفت أنظارهن إلى نبلهم وأناقتهم استعدادا للتقدم لخطبتهن فيما بعد· استمر الزهو والتطريب حتى نطقت الوجوه السعادة وأشرقت من الغبطة·