eKtab
EN ع
تداعي الإسلام السياسي
اقرأ عينة مجانية

تداعي الإسلام السياسي

بقلم سليمان تقي الدين

صفحة 1

المقالات هذه أشبه بالتأريخ اليومي لمجتمعات عربية تبني حياتها مثل صناعة السجّاد عقدة عقدة ولوناً بلون. مجتمعات لديها تصورات للمشهد الأخير لكنها تصنعه بخيوط قد لا تكون مشغولة بعناية وقد لا يكون صباغها جيداً. فهذه القطعة من «الحوليات» أي من التأمل في سنة من المخاض العربي تطبعها حرارة المعاناة وآلام الولادة التي يذكرها التاريخ في نهاية المطاف بجملة باردة واحدة تعلن انطواء الصفحة على مشهد جديد.

في كل ما نكتب من هذه التفاصيل تشغلنا مسألة الوجهة التي نتوقع أن يبلغها العرب من خلال دخولهم العاصف مسرح التغيير السياسي. إلّا أن التاريخ قد يتقدم أحياناً من الجانب الخطأ أو تعترضه الصدفة أو يفاجئه غير المفكر فيه وغير المتوقع. لكن الشعوب تصنع تاريخها من خلال معطيات جاءت إليها من الماضي وهي تمارس الحرية في إطار هذه الضرورة مهما حاولت الإفلات من أحكامها.

صفحة 2

سوريا رهينة التسوية أم الجحيم؟

كرّر المبعوث العربي والأممي الأخضر الإبراهيمي اختصار الموقف في سوريا: إما التسوية السياسية وإما الجحيم. ورداً عن سؤال قال: ليس هناك اتفاق أميركي روسي على حل المسألة السورية. لعله كان بديبلوماسية يخبرنا أن جحيم سوريا مستمر والمخاطر الإقليمية والدولية كبيرة.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يردد كما مسؤولون آخرون بأن نجاح المعارضة المسلحة لن ينهي المشكلة، بل ربما ينقلها إلى طابع آخر، فيتحول «النظام» أو قوى النظام إلى المعارضة المسلحة، كما يحذر من خطر التقسيم. ليس هذا كله تكهنات ورغبات وتوهمات عندما يكون كل من الروسي والإيراني متمسكاً بصيغة حل تحفظ لهما مصالحهما في سوريا.

هذه المصالح التي تبدو غير مضمونة من خلال نظام حكم مركزي يأتي بالمعارضة بطبيعتها وتكوينها وثقافتها إلى السلطة. هذا المأزق يؤدي إلى تقاسم النفوذ والمصالح من خلال الجغرافيا السياسية وليس من خلال الشراكة في السلطة. ولقد راهن النظام منذ اللحظة الأولى لاندلاع الأزمة على هذا «البديل» أو على الخيار الثاني بعد خيار الحسم العسكري، وهو التهديد بعدم إمكان قيام سلطة مركزية من دونه. انعكس ذلك أولاً في طبيعة انقسام الجماعات الأهلية ومواقفها حيث اتسم موقف «الأقليات» بالتردد والميل إلى الحفاظ على الوضع القائم، وموقف «الأكثرية» المتشدد بطلب السلطة أو الأرجحية الكاسحة فيها، وبالتالي تنحية كل مراكز قوى النظام.

لكن الأمر الأكثر أهمية يكمن في طبيعة المواجهات العسكرية التي حملت في طياتها نوعاً من المؤشرات القوية على رسم حدود جغرافية وديموغرافية لمناطق النفوذ. وكانت هناك محاولة للاحتفاظ بساحل سوريا الغربي ووسطها وجنوبها وهي المحاذية للبنان، بينما كان ثقل المعارضة وتركيزها على الجزء الشمالي والشرقي المتصل بتركيا والعراق. وإذا ما جرى تهديد دمشق كما تحاول المعارضة مؤخراً يبقى للنظام أن يتمسك بالجزء المتصل بالبقاع الشمالي من لبنان عبر عقدة «حمص»، التي وصفها أحدهم مع بدء الأزمة بـ«ستالينغراد» لإدراك أهميتها في التوازنات العسكرية الاستراتيجية. ويتصرف فريقا النزاع اللبناني كذلك بوحي من هذه الصورة، ويعتقدان بأن وجودهما ودورهما على الحدود يمكن أن يؤثر في المشهد السياسي والعسكري السوري سواء بحماية خاصرة هذا الطرف أو ذاك أو تداركاً للأسوأ حيث يمكن أن تتشكل تجمعات طائفية متواصلة بين لبنان وسوريا.

على أي حال، ليس في كل هذا المشهد أو ما يمكن أن يتدحرج إليه ما ينبئ باحتمال وجود حلول سياسية في المدى المنظور. وما يصفه الأخضر الإبراهيمي بالجحيم لم يسبق له أن استخدمه في التفاوضات التي شارك فيها خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

صفحة 3

هو يشير إلى مأساة الشعب السوري الذي خسر ويخسر كل مقومات الحياة الحرة والكريمة والاستقرار ويصفّي ما راكمه من اندماج وطني ومن دور إقليمي فاعل، ويشير إلى الوجه الآخر وهو استدراج القوى الإقليمية إلى التورط المباشر في الأزمة إذا جنحت نحو انهيار النظام في المركز ونشأت أوضاع، وهي تتكوّن حالياً، تؤدي إلى تقسيم واقعي بصرف النظر عن احتمالات نشوء دول طائفية. ومن الواضح أن الروس والإيرانيين يدعمون عند ذاك وجود نوع من منطقة مستقلة لطرف طائفي حتى لو كان ذلك بهدف التفاوض عليها وليس بهدف جعلها دولة مستقلة.

وفي سوريا يختلف الوضع عن التجربة اللبنانية التي عرفت هذا النوع من التجاذب الإقليمي والدولي، حيث أن دول الجوار مع سوريا أكثر استجابة وأكثر تعدداً، وبالتالي أكثر قابلية لاستلحاق الجغرافيا السورية ولو بصورة نفوذ سياسي فيكون على سوريا أن تتلاشى تدريجياً كدولة ذات شخصية موحدة ومستقلة، ما يجعل هذا الخطر قائماً كون المصالح الخارجية غير معنية بآلام الشعب السوري ولا بمصالحه، وليس هناك ما يخسره اللاعبون من انهيار دولة كانت وظيفتها التاريخية أمنية وسياسية، وقد أصبحت غير ذات أهمية في نظر الروس والأميركيين. بالنسبة للأميركيين لم تعد تشكل تهديداً لنفوذهم ولا لإسرائيل، وبالنسبة للروس لم تعد واقعياً لاعباً إقليمياً يُراهَن على دوره في التأثير في السياسات الإقليمية. وربما يوافق الروس في نهاية المطاف على وجودهم على ساحل المتوسط.

يفسر ذلك عدم مبادرة الرئيس الأميركي بعد تجديد ولايته إلى ما كان ينتظره البعض في التعامل مع الأزمة. أما السعي الروسي للتعامل مع المعارضة «الخارجية» فهو يأتي متأخراً، وفي وقت لم يعد في إمكان المعارضة أن تقبل بتسوية سياسية لمجرد وجود خطر انفصال جزء من الشعب السوري ما دامت تقترب من بسط نفوذها على عدد من المحافظات أو على الأقل إسقاط دور النظام فيها. ربما كان هذا يكشف عن وهم آخر في إمكان بناء سلطة مستقرة موازية إزاء الحدود المفتوحة على الجهات الأربع. إنه المشهد السوريالي الذي صنعته القوى الفاعلة في الداخل والخارج، والأدهى أن يمتد في عموم المشرق العربي جراء رهانات على تغيير قواعد اللعبة وخاصة في لبنان.

فهل نكون رهينة «الجحيم» الذي نبّه منه الإبراهيمي كما في سوريا، أم يمكن أن نستدرك ذلك بخلاص أنفسنا حتى لا نندفع بلا جدوى في المحرقة الدولية الفاجرة؟

1/1/2013

صفحة 4

مراجعة مسار

قد لا تكون التوقعات «الفلكية» ولا «التنبؤات» التي شهدنا سيلاً هائلاً منها غريبة عن الواقع الذي حبلت به السنوات الماضية وتلده هذا العام. فإذا كنا رأينا بوضوح حجم الصراع الدولي والإقليمي على المنطقة، وعرفنا كل التظاهرات للصراعات العربية بين الإسلام السياسي بمختلف تياراته، فمن البديهي ان نكون في حقبة مظلمة من الحروب الأهلية. نستطيع ان نفسر الكثير مما يجري حولنا ونفهم كيف أنتجت عقود من الركود السياسي وفشل مسارات التنمية والاحباطات الوطنية هذا المستوى من التفجّرات الشعبية وانخراط أكثرية الناس فيها. لكن المأزق الذي نعيشه هو في هيمنة ثقافة الماضي من خلال كثافة حضور المشاريع الدينية والطائفية. فمن الواضح أن الكتلة الأكبر من الجمهور انقادت في الخيار السهل خلف محرضات غير واقعية، وأكثر من ذلك انزلقت في نزاعات إلغائية تكفيرية تطال فئات واسعة من المواطنين كما تطال فئات دينية ومذهبية.

تأسس في العراق انقسام سياسي على السلطة لكنه يحمل مضامين طائفية تجعل من الغلبة فعل تناوب على الإقصاء وتستدرج موازين القوى الخارجية على تأكيد هذه السلطة. ولم يكن لبنان بعد كل تجاربه المرَّة مقنعاً لذاته وللآخرين بأن التركيز على الهويات الفئوية وثقافاتها الحصرية يؤدي حتماً إلى نفي السياسة والاحتكام إلى العنف. فلا تستطيع جماعة طائفية حتى لو امتلكت ثقافة ليبرالية كالمسيحيين سابقاً، ان تكون محور السلطة، فكيف إذا جاءت جماعات بثقافاتها الدينية تطمح إلى مشروع كهذا مهما كانت تدّعي لنفسها من انجازات أو تزعم من مشاريع. أنتجت طائفية جماعة طائفيات وأنتجت أصولية أصوليات وانحدرنا في مستوى الصراع إلى العصبيات الدينية. فإذا كان من الصعب سابقاً أن نفكك صلابة التضامن الطائفي فلن يكون من السهل تفكيك العصبيات الدينية. ربما نكون تجاوزنا الحدود الخطرة لهذه الانقسامات السياسية ودخلنا في مرحلة الاحتراب الذي يتجدد في العراق ويتجذر في سوريا وندفع به بقوة في لبنان برغم كل التطمينات المزعومة حين نضيف إلى التوترات الداخلية ملاحق من التوترات الخارجية. ولا ندري على أي مسند أو مرجع نراهن لكبح هذا المسار ما دمنا لا نجد عندنا من يسعى إلى وقفه. ففي كل يوم يتكرر الخطاب نفسه والذرائع نفسها ونستعرض الشعارات والمفاهيم والقوى ذاتها. فلم تستوقفنا حروب طرابلس الصغيرة في جغرافيتها الكبيرة في دلالاتها، ولا الفتائل المشتعلة في صيدا، ولا حروبنا الدائرة بالواسطة على الحدود السورية وقد توغلت إلى العمق السوري بشهادة دماء سالت هناك. ولا نجد بعد مسؤولاً في السلطة وخارجها يدعو إلى مراجعة سياسية أو يستدرك ما يحصل، فجميعهم يخبروننا باستمرار أنهم على حق وأن خيارهم هو الخيار الصحيح، وأنهم يعملون في سبيل البلد، والبلد مهيّأ لانفجار كبير. وفي جزء من الوقائع أن التسويات الدولية ما زالت بعيدة، والصراعات الإقليمية ما زالت على أشدها، والعنف السياسي يتجذر ويتسع في كل أرجاء المنطقة. وقد لا نجد مصادر لمعالجة مشكلات طارئة مادياً وسياسياً وأمنياً، ولم نجد من قبل ما يدعونا للتفكير بأن الاستقطاب الاجتماعي العميق والخطير للثروة والفقر صار بيئة حاضنة للعنف أو «الإرهاب» أو التطرف، وأننا ننفق على «المشاريع السياسية السلطوية» الانتخابية وغيرها ما يعالج تلك المشكلات الاجتماعية لكننا لا نفعل. وهل من مسؤول توقف عند الإحصاءات الدولية التي صارت مرجعنا الوحيد الموثوق لواقع طرابلس في خارطة الفقر والبطالة الذي يتخّطى كل المعقول ويعرف أن «الحسنات والصدقات» لن تنقذها من الكارثة الاجتماعية والأمنية.

وفوق ذلك كله، كيف لمسؤول ألا يعرف ما هو شائع ومؤكد عن حجم التحضيرات الأمنية الجارية لعمل كبير تتضافر له وتستجيب كل الأطراف من أجل جغرافية سياسية متداخلة بين لبنان وسوريا. فإذا كانت كل التعبيرات الأمنية والسياسية الحاصلة لا تكفي لوقفة وطنية إنسانية شجاعة فالأرجح أن التنبيهات والتحذيرات وحتى صرخات الوجع لن تكون مؤثرة بالمستوى المطلوب. ومن أسف لا يريد الحاكم أو المتحكّم أن يرى الأمور من حوله إلا بروح المكابرة وبروح المغامرة التي تعتقد أن القوة المادية قادرة على إخماد من يعصاها. وبدلاً من أن نكون في حالة استنفار كي نعالج مشكلة القطيعة القائمة بين اللبنانيين والهوة المتزايدة بين الحكام والمحكومين، بدأنا نتوغل في تداعيات الأزمة السورية من دون ضوابط. وتتعزز المخاوف أكثر ونحن نسمع عن خطط الفرقاء للتعامل العسكري مع أي تطور قد يؤدي إلى اختلال في ميزان القوى. فما أعجبنا حين نتحدث عن الديموقراطية وعن الانتخابات ولا نريد القوانين إلا على قياس الطوائف المسلحة وتحت سنابك خيل زعمائها. فهل قررنا قبلاً أننا سنقترع بهدوء ونحترم إرادة المواطنين كيفما تجلّت أم أننا ما زلنا خاضعين لتشريع القوة النافية للإرادة الحرّة وخلف واجهة الديموقراطية؟ ولمن نتوجه اليوم، إلى المجتمع الدولي أو الإقليمي المتناحر على استحواذ مواردنا وخيراتنا واستقلالنا وحرياتنا، أم إلى تلك الدول والأنظمة المستعصية بالسلطة، أم إلى الحركات السياسية المأخوذة بفكرة السلطة، أم تلك التي تقودنا إلى ممالكها الموهومة بالحديد والنار؟

لعلنا أمام مسؤولية الخيار بين الاستسلام لمصير اتضحت معالمه ومخاطره وتحدياته وبين البدء في مقاومة مصادرة إرادتنا ومستقبلنا.

5/1/2013

صفحة 5

مغامرة البحث عن حلول سياسية

تجاوزت الأزمة اللبنانية ما كنا نسميه «إدارة التنوع اللبناني». فشلت «الديموقراطية التوافقية» كذلك في إيجاد صيغة للاستقرار. لسنا أمام نزاعات حول طبيعة المشاركة السياسية في السلطة فقط. لا ترضي الفرقاء المتنازعين أية تسوية تحت سقف الدولة والكيان.

يتناوب الفرقاء على رفض الحوار الجدي، والحوار الجدي لم يطرح منذ سنوات طويلة. المطروح تفاوض على بعض الملفات السياسية المعروفة النتائج بحسب موازين القوى. فما يمكن أن يُتفق عليه نظرياً لا يطبق. حسابات القوى السياسية عابرة لحدود لبنان ومرتبطة بالصراع الإقليمي. تسيطر على الجماعات الطائفية كلها فكرة أن المشرق العربي سيشهد خارطة سياسية جديدة، جغرافية جديدة أو توازناً جديداً بين مكوّناته. السنة والشيعة في مقدمة الصفوف والمسيحيون والدروز كذلك. ظهّرت الأزمة السورية أكثر بكثير من العراق قلق الجماعات وهوياتها، خاصة لأن التكوين السوري مشابه في الكثير من عناصره للتكوين اللبناني. نحن أمام مسألة سورية، مسألة إقليم بلاد الشام بالمعنى الجيو سياسي.

من أجل ذلك انهارت الحدود بين البلدين عملياً وعُلِّقت مسلّمة «لبنان الوطن النهائي» وعدنا إلى أزمة كيانية برغم الادعاءات المختلفة. الطوائف تبحث عن موقعها الإجمالي في إقليم بلاد الشام وليس داخل الكيان اللبناني. يتعزز هذا المشهد ببعض الوقائع الإضافية ولو كانت تفصيلية. الوجود الفلسطيني الذي يتجدد دوره في المعادلة اللبنانية سياسياً وطائفياً وأمنياً، والوجود السوري المتمثل بموجات النازحين أو بمشكلات الأمن على الحدود. اجتمعت في لبنان هذه المرة جاليات لكل مكوّنات الشرق الأوسط.

إلى ذلك كله، هناك ثقافة سياسية جديدة تهيمن على المسرح، يتصدّر فيها الإسلام السياسي السني الانفتاح الشامل على «اليهود» ومن خلفه على إسرائيل، ويتجمّع الإسلام السياسي الشيعي من حول القطب الإقليمي الإيراني، وتقف الأقليات الأخرى لا سيما المسيحيون في موقع البحث عن ضمانات الوجود والحرية. لم يعد المسيحيون مهمّشين سياسياً فقط، بل هم يتعرّضون لتحديات التعايش مع تيارات الإسلام السياسي الإلغائي لثقافة الآخر وحريته. في هذه المرحلة الانتقالية من المخاض العربي لتغيير منظومته السياسية السابقة، تتزايد تأثيرات النفوذ الخارجي وتضغط على الاتجاهات السياسية الداخلية. في الصورة الآن مصالح الدول الكبرى، وثقافة الخليج العربي الوافدة مع دوره المالي والسياسي، والمشروع الإيراني الذي يتمدّد حيث يجد فجوات مذهبية وسياسية.

أدى انهيار الدول في المشرق العربي إلى بروز المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات. لم تكن المعطيات الاجتماعية والسياسية مهيأة لإيجاد صيغ سياسية قادرة على توفير الاستقرار والديموقراطية الفعلية. الديموقراطية ليست صندوقة اقتراع ولا تستقيم من دون ثقافة سياسية أساسها حقوق المواطنة لا صراع الجماعات الطائفية المغلقة. هذه دلالة التجربة اللبنانية الطويلة من الانتخابات على أساس التمثيل الطائفي. ما زلنا في العالم العربي نخلط بين الديموقراطية في شكلها البسيط والحاجة إلى حل مشكلة التنوّع الديني والطائفي والإثني. لذا جاء التغيير في لبنان والعراق ومصر وسوريا للأنظمة السياسية شكلاً من أشكال انهيار الدول. في ظل الثقافة القومية السابقة جرى التعامل مع التنوع الاجتماعي بإلغائه أو تجاهله، وفي ظل ثقافة الإسلام السياسي يتمثل الإلغاء في إنكار الحاجة إلى تنظيم هذه التعارضات ويذهب اتجاهٌ إلى ثقافة التكفير بشكل أو بآخر. تتضاعف مشكلات التغيير، وتتزايد الحاجة إلى بلورة خيارات من أجل احتواء هذه النزاعات. المسألة الأساسية هي أن نضع المشكلات في مدار البحث عن حلول سلمية بالحوار والتفاوض حتى لا نذهب بعيداً في استخدام العنف، والعنف فضلاً عن طابعه التدميري لديه طاقات ذاتية هائلة لاستدراج العنف. وبقطع النظر عن نجاح التجربة العراقية في إقامة نظام اتحادي فدرالي أساسه القطبان السني والشيعي، لأن أزمته مرتبطة بالنزاع الإقليمي هناك وبفساد المكوّنات السياسية وصعوبات التحوّل الديموقراطي المتعددة، فهو أحد أشكال الحلول التي ينبغي تطويرها لأنها فرضت نفسها بديلاً من الصيغ المركزية السياسية الفاشلة. وليس هناك من مخرج للأزمة السورية يحافظ على وحدة الكيان إلا شكل من اللامركزية السياسية أو الفدرالية التي تستوعب هذه التجليات الطائفية التي لا يمكن تجاهلها. وبالفعل تدور مشاريع التسويات المتداولة قريبة كانت أم بعيدة حول «طائف سوري» أو بالأحرى حول «لبننة» إيجابية تزحف على المنطقة كلها. في حين أن أصحاب التجربة أي اللبنانيين قد حوّلوها إلى مشكلة بدلاً من أن تكون حلاً. إذا صح ذلك وهو تعذر قيام دول بسيطة التكوين في المدى المنظور جراء اختراقها بتيارات عاصفة من خارجها وهي تيارات الإسلام السياسي السني والشيعي إلى تيارات أخرى قومية وليبرالية وتنويعات دينية ومذهبية وإثنية، فليس أمام لبنان إلا أن يتصدى لمهمة ملحة في مراجعة صيغته السياسية وتطويرها والاستجابة لضغوط المجتمع الطائفي وليس فقط النظام الطائفي. والنظام الطائفي يحتاج إلى حديث معمق يخرجه من دائرة الإدانات الأخلاقية أو الالتباسات والتشوهات التي صارت ملازمة له بسبب عقم الطبقة السياسية وانحطاطها. كل ذلك ينطلق بداية من ضرورة الاعتراف بالمشكلة وتشخيصها بشكل موضوعي ثم الإقرار بالحاجة إلى معالجتها، والإقدام بشجاعة على بلورة حلول لها واقعية بعيداً عن كل المسبقات والمحرّمات. إن الأنظمة السياسية وُجدت من أجل الإنسان وليس العكس. ولقد أثبت التاريخ أن كل الصيغ والكيانات السياسية نسبية في استيعابها لحاجات الإنسان، ولا بديل عن محاولة إيجاد أنظمة سياسية ملائمة لواقع الحياة.

8/1/2013

صفحة 6

عبثاً يقبلون الإصلاح

يتفاوض أطراف الطبقة السياسية الحاكمة على اقتسام السلطة في ما بينهم من خلال قانون انتخاب جديد. يتردد على ألسنتهم مطلب صحة التمثيل وعدالته والعيش المشترك. في كل ما يطرح من أفكار ومشاريع يريدون حصص طوائفهم غير منقوصة، لأنهم يريدون الاستمرار في مصادرة حقوق الناس باقتسامهم إقطاعات طائفية. أما حديثهم عن العيش المشترك، فهو هذا الاشتراك في هذه المساكنة وهذا التضامن ضد فكرة المواطنة.

على أي حال لا يخفى على أحد أنهم ضربوا بالدستور عرض الحائط وميثاق العيش المشترك القديم والجديد، ويتصرفون منذ زمن على أساس التوازنات السياسية ومواقع نفوذهم من دون أية مرجعية وطنية أو دستورية أو أخلاقية. فلا داعي يدعونا للمشاركة في هذه الوليمة التي يصر أقطابها على تعليق مشروع الدولة ومشروع الوطن. لعلهم لم يعودوا شواذاً في العالم العربي الذي وقع فريسة الجماعات التي تبحث عن السلطة بمعزل عن كيفية الوصول إليها أو التمسك بها، وعن الشروط التي تجعلها سلطة وطنية شرعية معبّرة عن طموحات شعبها وحاجاته الإنسانية.

لكن المشكلة الأساس هي في عجز هذه القوى عن توفير الأمن والاستقرار والحرية والكرامة. وكأن روح الاستبداد صارت ملازمة لثقافة العرب السياسية. استوردنا «الحداثة» وأخضعناها لمنظومة الإكراه لا الحرية. فلا زلنا نرفع صيغة الجماعة الدينية أو السياسية إلى مرتبة احتواء حقوق الأفراد ومصادرتها، مرة باسم «القومية» ومرة باسم «الدين» أو العرق أو الطبقة، ودائماً لمصلحة الإمام أو الزعيم أو القائد.

قيل: إن العرب يخضعون لبنية أبوية (بطريركية) أو قبلية أو لموروث ديني سالب للحرية الفردية. لكن على رغم حضور هذه المعطيات فهي ليست الماضي نفسه بل من نسيج الحاضر، أو هي تتربع تحت مظلة أنظمة سياسية حجزت العرب عن التطور والتقدم وشوّهت تكوينهم الاجتماعي. ومن أسوأ نماذج الدفاع عن الأوضاع العربية القائمة الادّعاء بمقاومتها أو سيطرتها على تظاهرات التطرف الديني والعنف السياسي والاجتماعي. وهي فعلاً أنظمة أنتجت هذه الظواهر بما راكمته من سياسة الكبت والقمع والتهميش والتهجين الثقافي.

فلا يعقل والحالة هذه أن تتعايش وسائل التواصل الاجتماعي الحديث بأرقى أشكالها التكنولوجية بوصفها سلعة استهلاكية مع قوانين ما زالت تراقب الحريات وتحاصرها. وبالفعل تحولت «الشخصية العربية» إلى حال من الازدواجية «كثوب راهبة على جسم داعرة» أو كعمامة فاخرة على رأس فارغ.

خرجنا من هزيمة 5 حزيران 1967 بحقيقة مفادها أن الضفدعة الإسرائيلية تنتهك الفيل العربي، لأن الجسم العربي لا يعمل بطاقته وقوته وحجمه الحقيقي. وما زلنا كماً مهملاً في موازين القوى الدولية لأننا لم نمارس الحياة كشعوب حرة بل تمّ اختزالنا في قادة وزعماء وأحزاب، وناب عنا القادة والزعماء والأحزاب. وأعجب ما نراه اليوم كيف تستمر ثقافة الهزيمة في زعماء يختصرون شعوباً ودولاً، وفي أحزاب تختصر لنفسها الأمة وتراث الأمة ودينها وثقافتها، فالعروبة رجل، والإسلام جماعة، والشعب حزب، والدولة على هوى زمرة من الأشخاص، والطائفة رأس للطائفة.

لو كانت هذه الحفلة من التكاذب المشترك محصورة النتائج على المستوى السياسي ربما هان الأمر، لكنها تطلق المزيد من التشنج الطائفي والحذر والخوف مما يقال عن الاعتداء المتبادل على حدود الجماعات وحقوقها. والحق أن شهوة أصحاب السلطة تمتد نحو الشركاء والجيران فيستهويها ويلذ لها أن تمد اليد على تمثيلهم السياسي وتأخذ منه ما تيسّر. فلا أحد يطلب الحرية لنفسه وللآخرين، بل يزعم أن العيش المشترك لا يستقيم إلا في ظل وصايته وسلطته.

بعد ثلاثة عقود من انتهاء الحرب الأهلية لم نقفل ملفاً واحداً من ملفاتها الدامية الموجعة. الفرز الطائفي والتهجير والإخفاء القسري وآثار التهديم والتوترات ما زالت تجرجر أذيالها. فلا الجامعات عادت مجالاً للتفاعل ولا مؤسسات العمل ولا المدن. هناك رايات حزبية وطائفية ترسم حدود النفوذ في الأحياء، ومربعات طائفية يتعزز وجودها خارج رغبة اللبنانيين في التواصل. ولا ندري أين هي المساحات الباقية للعيش المشترك بعد أن صارت القوى السياسية صافية الهوية والعقيدة والخطاب والدور. والمسألة الأكثر اهتماماً لدى هذه القوى أن تمنع ظهور تعددية داخل طوائفها أو تسمح بحد أدنى من التمايز السياسي وغير السياسي.

في نهاية الأمر سيجد المتفاوضون حلولاً لأنفسهم تحت صيغة قانون «استثنائياً ولمرة واحدة» أو حتى بتأخير الموعد الانتخابي، وبتطويع «المجلس الدستوري» لمقولة الحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار، ولن يعصو عليهم شيء ما دامت الناس مسلوبة الإرادة بالتخويف الطائفي الذي صار شائعاً على مستوى العالم العربي كله. فلا أشد ولا أدهى من سلاح الشعارات الزائفة التي تقدم لفئات واسعة من الناس تحت عناوين دينية وطائفية لمنعها من اختيار وجودها الإنساني الحر. فلا نعرف عبر مئات السنين أن طائفة أكلت طائفة أخرى أو ألغت وجودها، جلّ ما في الأمر أن قادة الطوائف أنهكوا البلاد صراعات ونزاعات وعنفاً ودماراً لتوطيد سلطاتهم. وليس أسهل من أن يجد اللبنانيون نظاماً يحميهم جميعاً إذا قبلوا أنهم متساوون في الوطن والدولة من دون أن يكون لأي فئة امتيازات على سواها من الجماعات والأفراد. لكن عبثاً نرتجي من هذه الثقافة السياسية الإصلاح.

12/1/2013

صفحة 7

التوازنات في المشرق العربي

تبلورت إلى حد بعيد توازنات القوى في المنطقة. لامست كل المشاريع السياسية سقوفها. هناك سعي لتعديل بعض الحدود الجغرافية والديموغرافية كمقدمة للتسويات التي يُعاد على أساسها بناء السلطة.

بلغ النفوذ الشيعي والإيراني مداه الأقصى في العراق ويحاول السنّة بدعم من الخليج العربي ترسيم حدود نفوذهم خاصة من بغداد إلى الشمال. وبلغ الحراك السني في سوريا ذروته شمالي شرقي دمشق واستطاعت الأقليات الاحتفاظ بالشريط الغربي لسوريا من الشمال حتى الجنوب. أما لبنان فاستقرت المعادلة فيه مع أرجحية نسبية للتحالف الشيعي الماروني جغرافياً وسياسياً.

ما يفيض عن هذه الخارطة اختراقات جزئية كأن يسعى الخليج العربي لتحريك ملف الأقلية العربية في منطقة الأهواز داخل إيران، أو أن يُثار ملف إقليم الإسكندرون العربي العلوي الذي اقتطع لتركيا، أو أن ينشأ تفاهم تركي مع الأكراد هو قيد البحث لزيادة منسوب التأثير التركي في العراق وسوريا تحت راية السنية السياسية. إلى ذلك تبقى نقاط رخوة للضغط كحال الشيعة في المملكة العربية السعودية، أو مملكة البحرين، أو إمارة الكويت، أو الحوثيين في اليمن. يقابلها استخدام الأردن إذا اقتضى الأمر للضغط على جنوب سوريا.

في الصورة الإجمالية هناك هلال سني مقابل هلال شيعي وفق المنظور الجيوسياسي. يبدو الطرف الشيعي أكثر قوة عسكرية، ويبدو الطرف السني أكثر قوة في محيطه الديموغرافي وتحالفاته. أصبح الصراع الآن إذا استمر يهدد باتساع رقعته الجغرافية ويجنح إلى إعادة النظر بكيانات الدول. والأرجح أنه لم يعد يخدم القوى الدولية الكبرى لأنه بدأ يلامس أمن النفط وخطوط إمداده ويفتح الأفق أمام حركات التطرف المسلحة كي تجد بيئات ملائمة لتوسيع نشاطها. بينما حققت الدول الكبرى معظم أهدافها وحصلت على نتائج تخدم مصالحها الأساسية.

في التوازن الحالي نجح الأميركيون في محاصرة المحور الإيراني السوري واستنزافه وفرض الانكفاء عليه، باستنهاض قوى مناهضة وبخلق أزمات ليس من السهل التعامل معها لعقود. ونجح الروس في الدفاع عن وجودهم الأمني والسياسي والاقتصادي وفرض الحوار مع الغرب على النظام الدولي الجديد.

لم ينجح العرب في تحرير إرادتهم السياسية من الوصاية الدولية، ولم تنجح حركات التغيير في التحوّل الديموقراطي الجذري أو الناجز. لكن الشعوب العربية طوت مرحلة الاستبداد والاحتكار السياسي للسلطة، وانطلقت في معركة الإصلاح في ظل واقع تعددي سياسي لا يمكن السيطرة عليه أو مصادرته. «نجحت التعددية ولم تنجح الديموقراطية». في المشرق العربي تظهّرت مكوّنات الشعوب من دون القدرة على تحويرها وطمسها تحت لافتات إيديولوجية. إذا كان ذلك مظهراً سلبياً من مظاهر المراحل الانتقالية، فهو مظهر مرتبط بالتوترات الأمنية والصراعات الإقليمية والدولية، وخاصة بالاحتباس السياسي السابق. ليس متوقعاً لهذه الفوضى، ولهذا التخلخل العميق في الأنسجة الوطنية، أن يستقرا في وقت قصير، لكنهما محكومان بأن يعيدا إنتاج أشكال التعايش ومنظومات الأمن والصيغ السياسية عندما يستنفدا قدرتهما على إنشاء معادلات غلبة جديدة. بهذا المعنى لا أفق في العراق وسوريا ولبنان لإحياء أنظمة ذات محور طائفي تدور من حوله الحياة السياسية. بل إن الأرجحية ذاتها لسبب من الأسباب تصطدم بوجود شرعية موازية لها في تمثيل الجماعات الأخرى. هكذا تبدو التسويات السياسية المقبلة في كل مكان عبارة عن أنظمة تعددية وتوازنات سلطوية يتعذر معها إنتاج هيمنة أو تسلّط مهما كانت النوازع قوية لذلك. وفي هذه المرحلة بالذات تدور معركة أحجام واستجماع أوراق أكثر مما هي معارك فاصلة إلغائية. أما كيف سيتم إخراج وتثبيت هذه المعادلات والمعطيات فذاك شأن يتقرّر لاحقاً وتدرجاً من التوافقات الدولية فالإقليمية فالمحلية. هذا الاستنتاج مؤلم وغير مرضٍ للقوى المحلية، لكنه واقع يستمد شرعيته من مكوّنات المنطقة ونزاعاتها.

لم تتكوّن في العالم العربي بعد حركات تحرّر وطني عابرة لحدود سايكس ـ بيكو وللبيئات الإقليمية والجهوية والطائفية. ولم تتوافر في أي من التيارات السياسية الفاعلة مقوّمات عميقة الارتباط بالجمهور الأكثري العربي حتى حين كان هذا الجمهور هو جمهور العروبة الوحدوية. أما وأن التيارات السياسية الصاعدة اليوم تجليات لمشكلات طائفية فهي عاجزة موضوعياً عن طرح مشاريع وطنية.

لن ينتج هذا المسخ الطوائفي حلولاً تتعدى انفراج العلاقات بين الجماعات وانتفاخاً للهويات ومأزقاً لها. غير أن حضور الجماعات بحريتها يظهر عجزها عن الاستجابة لحاجات جمهورها. فهذا النموذج اللبناني يغتذي استمراره من القلق والخوف والصراعات الإقليمية من غير أن يملك شرعية حقيقية لإدارة الاجتماع اللبناني بشكل سليم.

وبالفعل، لا تقدّم الطوائف في لبنان أسباباً موجبة لجمهورها تتعلق بتطوير نمط عيشها أو معالجة المشكلات المتفاقمة، بل تقدّم ذرائع تتعلق بمصائرها كجماعات والمخاوف المرتقبة من تكوين سلطات تفرض غبناً أو تعطي امتيازاً. هذه المخاوف بعضها حقيقي وبعضها مفتعل.

والصحيح القول إنها ناتجة أصلاً عن نزوع سلطوي لدى النخب أكثر منها قضايا لا تقبل الحلول والتطمينات. فهي مشكلات سياسية بأصلها لا مشكلات تعايش الجماعات. ولعل أسوأ ما نواجهه في الحال اللبنانية هو عدم الوضوح في طرح الهواجس والتغطية عليها بحجم هائل من التبريرات الخادعة. فلا حوار حقيقياً في لبنان، بل تفاوض على عناوين تبطن غير ما تضمر. ولقد صار واضحاً أن مطالب الجماعات المشروعة وجدت لها تعبيراً في «اتفاق الطائف» وما زال دستور الطائف لا يطبّق ويحاذر الجميع النزاهة في تفسيره، بدءاً من مواصفات قانون الانتخاب. والأحرى ألا نسأل عن دستورية قانون الانتخاب بل عن دستورية الدولة نفسها.

15/1/2013

صفحة 8

تحاوروا في مشروع الدولة لا على هامشها

قانون الانتخاب وحده لا ينتج الطائفية ولا يلغيها. المجتمع الطائفي يزحف على ما بقي من مدنية وعيش مشترك ومسلمات وطنية وثقافة حرية وأشكال من ديموقراطية السلطة. لم يعد «التكاذب المشترك» قادراً على تمويه الأزمة الكيانية، أزمة الاجتماع السياسي وأزمة العصبيات الحزبية الشعبوية التي تنفخ في جمهورها روح التمايز والامتياز.

لم تكن الطائفية يوماً ولن تكون عادلة. الطائفية هوية جماعات تبحث عن كيان سياسي وعن سلطة نابذة لحقوق المواطنين ومتعدية على حقوق الجماعات الأخرى. الطائفية لا تنتج تمثيلاً عادلاً إلا إذا صارت فعلاً أجساماً منفصلة متعايشة لا تقبل التدخل في شؤونها. تلك العدالة تقتصر على فكرة الانفصال ولا تشمل جمهور الطوائف نفسها.

لم تعد الطائفية في لبنان نظام مشاركة بل نظام تقاسم للسلطة وتقسيم للمجتمع. بلغت أزمة النظام ذروتها حتى خرج من يدعو إلى استقلال كل طائفة باختيار ممثليها. إن دلّ هذا على شيء فعلى المأزق الذي يعيشه اللبنانيون في صياغة صحيحة لاجتماعهم السياسي. المسألة لم تكن يوماً مسألة أفكار واقتراحات ومشاريع بل هي في عمق المجتمع الذي أفرز ظاهرات الأحزاب الطائفية والدينية والثقافات الإلغائية والحصرية والهويات المنغلقة المتوترة المتناحرة. هذه كلها تداعيات «صهينة» الحياة السياسية وانحطاطها، وهي تبدأ من إنكار المساواة بالآخر حتى تصل إلى إنكار حقه في الوجود. تحول مفهوم التعايش عندنا إلى فعل سيطرة ورفض للسيطرة وليس إلى فعل إنساني مشترك. أصبح اقتراح مشاريع متعددة لقانون الانتخاب مهزلة تنطوي على نتائج مأسوية. فلا ندري بعد ما إذا كان اللبنانيون يريدون الحرية والعدالة لهم جميعاً أم يريدون الاستمرار في إنكار بعضهم بعضاً.

فإذا كان اللبناني المنسوب إلى طائفة لا يؤتمن على وظيفة معينة، وذاك لا يؤتمن على أخرى، أو لا يتمتع هذا وذاك بالواجبات والحقوق نفسها، فتلك هي الوصفة المثالية لتمزيق النسيج الاجتماعي والولاء الوطني. حين نقترح على الطوائف أن تكون جماعات ثقافية أو هيئات حارسة للتعدد والتنوع والحوار والمسالمة نراها تصر أن تكون مؤسسات خدماتية تجارية استثمارية نفعية في قبضة فئات وشرائح من أصحاب الحظوة والنفوذ. لم نعرف يوماً كيف كانت هذه التوازنات الطائفية ضامنة لحقوق أية جماعة، أو مصدراً لارتقاء جميع أفرادها، أو نافية لمشكلات باتت تجرف معظم اللبنانيين في دروب الفقر والمرض والبطالة والهجرة، وتجند بعض فئاتهم عن حاجة أو عن جهل، في التقاتل لتعزيز سلطة هذا الحزب أو ذاك وهذه الجماعة من هذا الحزب أو تلك. القضية الأساسية التي يدور حولها التاريخ اللبناني هي أن نتفق على إدارة الشأن العام في خدمة جميع المواطنين المتساوين وليكن ما يكون من صيغة النظام السياسي.

الانتقائية والاستنسابية في التعامل مع الدستور يشارك فيها الجميع من دون خجل. يعطي الدستور اللبنانيين الكثير من الحقوق التي جرى تعطيلها. مرجعية الدستور تكون شاملة أو لا تكون. هذا ما يحصل عندنا في ظل سلطات الأمر الواقع التي نشأت في ظل الاحتلال والوصاية. ما كان ظروفاً استثنائية تفسر التطبيق المشوّه للدستور لم تعد كذلك اليوم.

إما أن نعيد الاعتبار لمشروع الدولة الواحدة، دولة القانون، أو أننا ذاهبون إلى أشكال من الحروب لا تنفع حيالها كل القوانين وكل المكاسب والضمانات. يختلف اللبنانيون بالتأكيد حول قضايا كثيرة منها قانون الانتخاب والنظام السياسي كذلك. لكنهم في أكثريتهم ليسوا في وارد دعم ومساندة أي مشروع يأخذهم إلى الحرب الأهلية. يعرف اللبنانيون مآسي العنف والحروب ويتذكرون تجربتهم وهي تجري في محيطهم اليوم. ما يفتقدونه هو وسائل التعبير ووسائل القوة للوقوف بوجه الخطر الداهم. هذه اللحظة السياسية مناسبة للمبادرة ضد احتمالات الحرب أو بعض مظاهرها الدائرة ولتصحيح النقاش السياسي والجدل القائم.

ليس هناك من وسيلة قادرة على استبعاد العنف إلا الحوار وأشكال التعبير الديموقراطي. لا حل لمشكلات اللبنانيين وخلافاتهم إلا بسلوك طريق الاستفتاء الحقيقي. أزمة قانون الانتخاب كانت على الدوام أنه لا يشكل وسيلة صحيحة لقياس اتجاهات الرأي العام. عدالة التمثيل يجب أن تبدأ من حق جميع الناس في إبداء رأيها وموقفها. كل الانتخابات جرت على أساس مصادرة مسبقة لرأي الجمهور. وما زالت جميع الصيغ المطروحة تحمل عناصر المصادرة. الأسئلة الفعلية مغيّبة. من هم اللبنانيون الذين نريد تمثيلهم. هل مجموعة طوائف فقط، هل سكان أقاليم ومناطق. هل أحزاب الطوائف وزعماؤها. وهل بهذه الصفة يكونون لبنانيين أم يكونون جماعات متجاورة أو متساكنة لا يجمع بينها مجال عام أو هوية وطنية أو صالح عام تحتاج إلى الشراكة فيه؟ على القوى السياسية أن تجيب عن هذه الأسئلة قبل أن تقترح علينا أية صيغة لإدارة شؤوننا. ولماذا لا نذهب في الحوار إلى القضايا الأساسية ونمارس لعبة التمويه والتعمية في ما خص هوية نظامنا السياسي وشكل الدولة؟

لم تعد تصدمنا أية فكرة أو اقتراح. لم تعد هناك محرّمات أو مقدسات. كل شيء قيل في هذا البلد وجرّب. رفعت شعارات ووضعت برامج للتقسيم، للفيدرالية، للحياد، للاندماج مع سوريا، للتحالف مع إسرائيل، للدولة الدينية وللدولة المدنية، ولم يكن ذلك موضع محاسبة لأحد. واليوم تتصرف الطوائف كأنها دول مستقلة ولا تخشى من صورتها أو من مساءلتها. لماذا نجزئ الملفات ونجعلها مصدر أزمة دائمة. مرة السلاح ومرة قانون الانتخاب ومرة الموازنة إلخ..

إذهبوا إلى الأصل وقولوا لنا أي وطن ودولة ومجتمع تريدون.

19/1/2013

صفحة 9

عن أي دولة نبحث؟

يصعب إيجاد إجابة واحدة عن مشكلات العالمين العربي والإسلامي. لا نستطيع القول: لماذا تأخر العرب والمسلمون وتقدم غيرهم، متجاهلين التجارب المختلفة لشعوب وبلدان هذين العالمين وعدم الأخذ بنظر الاعتبار مستويات التطور والتقدم الاقتصادي أو الصناعي وبعض التجارب السياسية.

ربما يطرح السؤال اليوم عن أسباب اشتراك البلدان الإسلامية في العودة إلى الثقافة الدينية وإعلائها على القيم الاجتماعية والسياسية المعاصرة وطبعها بطابع العنف الملازم للتعصب واليقينية الغيبية وتعطيل منجزات العقل والعلوم الإنسانية الحديثة. لكن هذه الظاهرة الأكثر شيوعاً ليست أحادية وليست من طبيعة صافية. فالإسلام السياسي هو تيارات واتجاهات متعددة، وممارسته تخضع لظروف البلدان التي يفعل فيها.

فلا يمكن بحال من الأحوال اعتبار الإسلام السياسي نفسه في تركيا وماليزيا وإندونيسيا والباكستان وإيران ومصر والجزائر ومالي والخليج العربي إلى آخر السلسلة. لا شك بأن «الإخوان المسلمين» أو جماعات «القاعدة» تنظيمات دولية، تخضع إلى معايير ومفاهيم واحدة، ولكل منها ارتباطاتها الواسعة مع دول ومصالح دول وإدارات أمنية منذ نشأتها وحتى الآن. إلا أن هذا الحكم لا يكفي لتفسير صعود الإسلام السياسي في كل المنطقة.

في مقدمة الأسباب التي باتت محل إجماع الدارسين، فشل السياسات الليبرالية والقومية واليسارية، وتداعيات أزمة التنمية وتشوهاتها، وحدة الفوارق الاجتماعية وتمركز الثروة ومظاهرها الاستهلاكية الصادمة للوعي الشعبي مقابل الفقر والبطالة والهجرة والأمية. وإلى هذه جميعها يضاف العنصر الأهم وهو الاستبداد السياسي المرتكز في بعض وسائله على الثقافة والمؤسسات الدينية. ما نشهده بالتالي أزمة وجودية للإنسان العربي والمسلم يشعر إزاءها بالحاجة إلى هذه الثقافة بالذات حيال تحديات ومصادر قوة قمعية وحاجزة ومعطلة لكثير من الخيارات الأخرى.

ما يجب أن نلفت له دائماً أن هذا المناخ جديد ولم يكن هو نفسه قبل نصف قرن على الأقل. كل الظواهر التي شهدها لبنان في بضع سنوات لم تكن موجودة من قبل بطبيعتها وبحجمها. والأمر نفسه ينطبق على المحيط العربي والإسلامي. كانت لهذه الظواهر جذور لا شك بذلك، وكانت لها مرجعيات تاريخية. لكنها تبقى من نتاج الحاضر في أزمة تطوره وتعقيداته. فلا تعالج مشكلات من هذا النوع على أرض الثقافة الدينية وحدها، ولا في منتديات التقريب بين المذاهب والحوار بين الأديان، ولا في المباراة بين العقائد والجماعات. أما العنف فهو الوسيلة الأكثر خدمة لهذه القوى والتيارات، بل هو الذي يعطيها معظم شرعيتها الشعبية في نظر جمهورها، بوصفها ضحية وبوصفها قوة مقاومة وردع.

يبدو الحديث عن مسؤولية الدولة أحياناً وكأنه دعوة لكي تحمل الدولة عقيدة شمولية مناقضة لضبط المجتمع أو إعادة صياغته، وهو ما حصل مع القوى القومية واليسارية وما تسعى إليه القوى التي ترفع شعار «العلمنة».

يجب إزالة هذا الالتباس وكذلك الوهم بوظيفة الدولة التي يرتجيها الناس وتستطيع أن تحل مشكلاتهم. فلا علمنة الدولة في تركيا أو تونس أو اليمن الجنوبي وإلى حد في الدول ذات العقيدة القومية (البعث) استطاعت أن تحل هذه المشكلة، ولا كذلك دول المنظومة الاشتراكية. على العكس من ذلك أكدت هذه التجارب الحاجة إلى الحرية والمنافسة والصراع الديموقراطي إلى جانب إطلاق ديناميات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية من أجل مقاومة الثقافات الحصرية والمغلقة وعدم استثارتها بالقمع والإلغاء.

وتظل مسألة السلطة الأكثر خطورة، فإما أن تقوم على التداول السلمي وضمان حقوق الناس وحرياتهم أو تقوم على الاحتكار. وفي كل مرة تعجز أي سلطة عن استيعاب التطور الاجتماعي وفتح الآفاق له نكون في حال تصادم. والسلطة أكثر تشعباً من فكرة «الأمن» و«البوليس». هي موجودة في صميم العلاقات بين الأفراد والجماعات والمصالح ويمكنها أن تتجلى في صورة الغلبة السياسية أو في صورة الامتيازات والسيطرة على رموز المجتمع ونواصيه المتعددة. فالطائفية ليست بالضرورة سلطة مادية غالبة بين جماعتين أو أكثر، بل هي كذلك ذات رمزية قوية التأثير في تظهير محاسن فئة ومساوئ أخرى، أو في إظهار الفروقات المختلفة وإعطائها معانيَ سلبية أو إيجابية.

تلعب الطقوس والرموز العبادية وأشكال التدين والولاء وكأنها علائم متعدية على العصبيات الأخرى. في مجتمع تعددي أو متنوع هناك حاجة دائمة لقوننة وضبط سلوكيات الأفراد والجماعات وإلزامها التقيد بنظام عام يراعي حدود القبول المتبادل ويخلق روح الاحترام للآخر وحق الاختلاف له ومعه. فلا يُدار مبنى مشترك واحد متعدد المنازل بحرية مطلقة، فكيف تُدار دول وأوطان بثقافة الإلغاء المتبادل أو الإنكار المتبادل؟ هكذا مثلاً نص الدستور اللبناني على حرية الاعتقاد واحترام الدولة لجميع الأديان والمذاهب وحرية إقامة الشعائر الدينية وحمايتها شرط أن لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام.

كان اللبنانيون يمارسون شعائرهم في بيئاتهم يشاركهم الآخرون ويتمتعون في هذه الشراكة. وكان في المسيحي شيء من الإسلام، وفي المسلم شيء من المسيحية وهلمجراً. لكن تحول الثقافة الدينية إلى الشاشات وعجز الدولة عن تطبيق القانون حوّل الأمر إلى حفلات مبارزة وتحد، وإلى استخدام المنابر الإعلامية وسائل للتحريض والمشاحنات والتجاوز على مشاعر الآخرين. وإذا شئنا إحصاء هذه التجاوزات فلا نحصيها، حتى صار كل ديك على شاشته يصيح. نريد الدولة لذلك بلا عقيدة، ولكن نريدها حامية «للنظام العام». فلو كان الضمير وحده يصلح لإدارة المجتمعات لما اخترع الناس الدولة. نريد الدولة بسلطتها القوية ولكن لا نريدها سلطة لا يحكمها قانون ولا تعطي شرعيتها عدالة. هذه الدولة هي التي يمكن أن تنقذنا من احتمالات الوقوع في مهاوي التوحش مجرد أن نتخلى عن مرجعيتها.

22/1/2013

صفحة 10

من أزمة النظام إلى أزمة العيش المشترك

لم يتفق اللبنانيون يوماً حول مفهوم الطائفية حتى يتفقوا على كيفية إلغائها، وبالأصل على ضرورة إلغائها. كان اليمين اللبناني، المسيحي والمسلم، يعتبر الطائفية شكلاً من أشكال تنظيم العلاقة بين ثقافتين سياسيتين، وشراكة في السلطة تمنع هيمنة فريق على آخر بسبب نشأة الكيان اللبناني على دمج جبل المتصرفية مع ولاية بيروت والأقضية الأربعة. خلا المادة 95 من دستور 1926 التي تنص على عدالة المشاركة في الحكومة والوظائف العامة مع حفظ النظام العام والمصلحة العامة، ليس في الدستور أي قيد طائفي. الدستور لم ينشئ الطائفية ولم يكن في مقدوره تجاهلها. الطرف المسلم في معادلة دستور 1926 هو الذي طالب بالمادة 95 وليس الطرف المسيحي، ثم انعكست الآية بعد الاستقلال، بسبب التوازن الديموغرافي والاجتماعي والسياسي المستجد. تحوّلت الطائفية من شراكة إلى تضاد، ومن هيمنة إلى هيمنة مضادة. فلا المسيحيون أنتجوا دولة وطنية مدنية، ولا المسلمون ساعدوا على إنتاجها.

حين انفجرت الحرب الأهلية عام 1975 كان طرفاها الرئيسيان، المسيحية السياسية والإسلام السياسي، ولم تكن القوى العلمانية أو المدنية القومية أو اليسارية طرفاً أساسياً فيها. وحين طرحت «الحركة الوطنية» برنامجها للتغيير الديموقراطي وفي أساسه «إلغاء الطائفية السياسية» كانت تحمل مطالب الإسلام السياسي على شيء من الحداثة ومن التحسينات للنظام التي ظهرت في البرنامج، كالزواج المدني الاختياري والتمثيل النسبي والمجلس الدستوري.

وبعد حرب السنتين أصبح برنامج «الحركة الوطنية» يدعو إلى إقامة «التوازن الوطني» أي التسوية السياسية الطائفية مع تحسين موقع الشريك المسلم في المعادلة. في تلك اللحظة انتهى مشروع إلغاء الطائفية السياسية لمصلحة البحث عن «طائفية عادلة».

لم يسقط الشعار من التداول بل سقطت القوى التي حملت الشعار وأدت تطورات الحرب إلى إلغاء ما بقي من تأثير للأحزاب المدنية أو العلمانية. في هذا المسار تجذرت الطائفية في النظام والمجتمع حتى بلغنا المرحلة الراهنة من وجود أحزاب دينية وحركات دينية تهيمن على طوائفها وتجعل من الحديث عن إلغاء طائفية النظام كذبة مكشوفة. وفي كل يوم يمر في هذه الظروف الإقليمية التي تتصف بصعود الإسلام السياسي يتعمّق خيار القوى السياسية في الاتجاه الطائفي وليس العكس.

وحين خرج الشباب اللبناني بتأثير مناخ «الربيع العربي» يطالب «بإسقاط النظام الطائفي ورموزه» كان يصرخ في واد، لأن «شرعية النظام الطائفي» كانت تتقوّى من هذا المناخ، ولأن المشكلة لم تعد في النظام السياسي فقط، بل في الواقع الشعبي المنجرف خلف التيارات الدينية، ولأن الطائفية صارت بعد عقود من تجربة الحرب ونظام ما بعد «الطائف» ظاهرة شمولية وشاملة مختلف نواحي الحياة الاجتماعية.

لا يفاجئنا الشباب اللبناني وهو يصرخ ضد الطائفية ويريد إسقاطها بتظاهرة، بل يفاجئنا جيل الحرب وتفاجئنا النخبة الثقافية وهي تريد معالجة الطائفية بالتبشير العلماني أو التحريض على مساوئها، أو باقتراح إجراءات تفصيلية صغيرة وكأنها بذلك تخترق الجدار السميك الذي بناه المجتمع بكل مكوّناته. فلا الزواج المدني ولا الزواج المختلط ولا إزالة القيد الطائفي عن وثائق الأحوال الشخصية ولا منح المرأة حق إعطاء جنسيتها لأولادها ولا انتخاب المغتربين ولا حق الانتخاب في سن الثامنة عشرة ولا النسبية في نظام الانتخاب ولا الكثير مثل هذه الوصفات تعالج المسألة الطائفية ولا تؤمن العيش المشترك ولا الاستقرار ولا طبعاً الديموقراطية. هذه إجراءات مهمة وضرورية لكنها ليست جواباً كافياً.

اكتشفنا مراراً وتكراراً في لبنان أن المجتمع أقوى من الدولة. لذلك نرى أن تغيير الدستور وتغيير القانون وتغيير السلطة أو الحكومة أو البرلمان لا يغيّر المجتمع. سرعان ما نجد أنفسنا أمام الحاجة إلى تسويات سياسية لحفظ الاستقرار وأمن الناس وبشروط أسوأ. أضعنا الكثير من الوقت في محاولة إسقاط رغباتنا على الواقع واستخدام إيديولوجياتنا فوق الواقع. الإيديولوجيات منظومات فكرية جاهزة وهي غير أحلام التغيير. التغيير ضرورة للخروج من مأزق حياتنا العادية كبشر وأهم متطلباتها السلم الأهلي والاستقرار.

المشكلة اليوم أن أطراف السلطة لا يتحاورون وأطراف التغيير كذلك. يتمترس أطراف المجتمع المدني عند آرائهم ومطالبهم وكأن فعل التغيير مرهون لهذه الآراء والمطالب وليس إلى ميزان القوى الاجتماعي والسياسي. ما نحتاجه أن تتواضع النخب الثقافية وأن تتحاور في مشروع الإنقاذ والتغيير. ما نحتاجه حركة سياسية شعبية ذات جذور في مصالح الناس ذات برنامج تفكيكي للعصبيات الطائفية. ما نحتاجه هو فرض جدول أعمال مختلف على اللبنانيين لا ينطلق من طروحات الأطراف السلطوية. ما نحتاجه حزب الدولة وحزب الدستور. ما نحتاجه هو الاعتراف المتبادل بين مصالح الجماعات الطائفية والمجتمع المدني. فهل تنتج النخب الثقافية هذا المشروع، هذه الرؤية، هذا البرنامج العملي، أم تظل تردد شعارات الماضي دون طائل؟

26/1/2013