صفحة 1
تقديم
من أين يستمد الشيء هويته، من الاسم ذي الوظيفة والدلالة، أم من المعنى، الذي يحتمل الالتباس، والاختلاف، والتأويل، وإعادة التأويل، فلا يعود حصره ممكناً، فكل كشف عنه يحمل معنى ولا معنى.هكذا نحن إزاء الحداثة والعقلانية العلمية وما بعدها، إزاء العالمية والعولمة، إزاء ثورة الاتصالات والمعلومات والأرقام، والتقنيات المتخطية للعوالم، إزاء أنماط السلوك والتفكير والمعرفة والاعتقاد والثقافة والديمقراطية والفوضى اللا متناهية والتفكيك والهيمنة والارتداد والصدام والحوار، والاختراق والتبني، والقبول وعدم القبول والعقل ونفي العقل،... إزاء التعقيدات والتشابك والتذرير والالتباس والتحول في العلاقات بين المجتمعات والدول، إزاء الواقع الجديد الذي أنتجته الأزمة المالية العالمية وأنتجه تصدع الليبرالية الحديثة.
بموازاة ذلك ينبغي النظر إلى التراكمات العلمية والمعرفية المنتجة في المراحل الزمانية، والمكانية كافة، من قِبل الناس، وفي كل المستويات الحياتية، إذ لم يعد بإمكان منطق الإلغاء تغييب أيّ كان فرداً أم مجتمعاً أم دولة عن التاريخ مثلما فعل مع الهنود الحمر، سواء استخدم القهر أدواته المباشرة لشن الحروب، مثلما حصل على فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان... أو بوساطة أدوات غير مباشرة كاستخدام منظرين وكُتّاب ومبشرين ودعاة حرية وعملاء وقتلة مأجورين وحكام متسلطين.
في القرن العشرين وكذلك في الواحد والعشرين، استمر التضييق على العقل المتعدد النشاطات والمجالات والمعاقلات، وتواصل انكماش أدواره وضمورها، وهذا ما أدّى في حالات عديدة إلى انطواء تكويناته على نفسها والدخول في زمن مغالبة السلطة على غير صعيد.
منذ الثورة الصناعية والغربي يستخدمنا وقوداً لناره، ونحن نجود بدمائنا ومياهنا وأرضنا ونفطنا، لإضرام نار الحداد الغربي، الذي ما زال يتعامل معنا على أننا مستوردون تابعون، ويحاصرنا بقوة الآلة في لبنان وفلسطين وسوريا والعراق والخليج والسودان والصومال... إلخ.
بعد قتله اللَّه في نفسه، عمل الغربي بمقولة نيتشه La Mort de Dieu، وقلب القِيم الإنسانية، والموازين الأخلاقية، واستخدم كل أدواته ووسائطه التي سوغتها غاياته، ليحول مجتمعه إلى مجتمع التقنيات المتطورة، مجتمع العلم والعولمة والمال، مستفيداً ومستغلاً كل التجارب البشرية المعرفية والعلمية والسياسية.
ونحن العرب، وإن كان اللَّه معنا (مثلما ندعي)، ما زلنا حتى اليوم بين أخذ ورد حول إمكانيات إنتاج حداثتنا، وهل ينبغي لنا ذلك قبل الدخول في العولمة؟ ونسينا أننا أنتجناها قبل قرون عديدة تلت تأسيس دولة الإسلام في المدينة المنورة زمن الرسول الأعظم محمد بن عبد اللَّه (ص).
ونسأل أنفسنا هنا، هل صحيح الأخذ بالنموذج الغربي وتطبيقه؟ فيما نداء عقل العقل يقول لنا إن عقلنا العلمي قادر على أن يكون مرجع ذاته، فهل سنبقى عرضة لسلطات التفكيك والتذرير في عالم ذري استنساخي؟
لقد سبقنا ابن رشد والفارابي والخوارزمي وجعفر الصادق وابن الهيثم وابن سينا وغيرهم، إلى رؤية معرفية وفقهية وثقافية تداخلت في ثناياها دورة الاجتماع العامة، كانت تنبه وتشير وتساعد على بناء السياسيات المتغايرة التي أفضت إلى ترسيخ خطوط انتظام وحراك متعدد في المجتمع، وبناه الثقافية والسياسية، ونحن أغلقنا عقلنا ووضعناه في خانة المتهم، وفرضنا القيود عليه، وحمَّلنا مسائلنا المعرفية الكثير من التلبيس والالتباس في تعابيرها الاجتماعية والاعتقادية والسياسية والدينية والقومية، حتى بات السؤال القرآني ﮋ ﮭ ﮮﮊ، موجهاً بقوة إلينا في كل لحظة وفي كل مكان.
زكي جمعة
صفحة 2
الفصل الأول
تمهيد
تدريجاً ومنذ أن كان الإنسان على الأرض، وبدأ تعاقب السنوات، أخذنا نحن البشر ننشئ معرفتنا بأنفسنا وبالأشياء التي حولنا ونستخدمها بأشكال مختلفة، ولا نزال نبحث في ما لا نعرفه وعما لا نعرفه، فعرفنا شيئاً وغابت عنا أشياء.مما ساهم في مكث الذات البشرية بين نور المعرفة والعلم والفهم وظلام الجهل، بين الحقائق الجوهرية والمقبولة والمعلنة، بين الصواب والخطأ، وغاصت في متاهة الارتباك في مساحات زمانية ساهمت وتساهم في إعادة إنتاجها وصوغها على نحو ما.
العودة إلى الذات وخصوصاً العربية ووضعها على بساط البحث، لا تغفل أنها تخضع ذاتها في كل مرة للبحث، وأنها تبحث عن الحقيقة الجوهرية لذاتها، غير أن ذلك لا يعني تماماً أنها قادرة على الوصول إليها، وإذا وصلت قد لا تكون قادرة على الغوص على جوهرها وفهمها.
ففي كل مرة يجري فيها البحث نجدنا أمام حجاب جديد، تحتجب خلفه الذات، عن وعي وإدراك أو من غير وعي وغير إدراك، أو عن بداهة، وتتعامل من خلفه مع ذاتها ومع الآخر، تقرأه وتراه مرآة لها، أحياناً، وترفضه أحياناً أخرى، وتثور عليه وتحاكمه. كل ذلك يؤسس لارتباكها وعدم استقرارها. في حاضرها وفي تداخل الصور والمخيالات عن ماضيها وتاريخها، وقلقها بشأن مستقبلها، فهي تعيش وهم السلف، ومشكلة المعاصرة، وهي ضائعة في البحث عن هويتها، وحقيقة انتمائها. وصدقيته ووعيها هذا الانتماء وعدمه؛ ففي حين يتشكل لديها وهم في العثور على حقيقتها وانتمائها ومرجعيتها يتشكل لديها نقطة شك في كل ذلك.
فهل يعني ذلك قصوراً في الإدراك والفهم؟ أم أن عملية الإدراك والفهم تصطدم بالتوهيمات المختلفة المصدر؟
هذا سؤال يتيح البحث عن حقيقة ما هي عليه الذات العربية اليوم؟ من توهيم والتباس في علاقتها مع ذاتها ومع الآخر، وكبت وانحباس وقهر وإفقار أنتج ما أنتج في تونس ومصر بدايات العام 2011م، ويتيح كذلك وضع ذاتها موضوعاً للبحث والقراءة، من خلال استعادتها واستحضارها بعيداً عن أوهام الأنا.
وبخلاف ما هو شائع عن الأنا، التي ترد مقابل (Ego) المفردة اللاتينية الرائجة في الاستعمال الفلسفي وعلم النفس التحليلي، والمترجمة إلى الفرنسية ب ـ (Je) وإنكليزية بـ (I) مقابل أنا المتكلم. فالأنا هي إناء، ووعاء ومستوعب الذات، الذي يمنعها من ممارسة ذاتها ووعيها، ويحجبها في ظهورها ويظهر من خلف حجابها»[1].
فالأنا بما هي عليه من وعاء للذات تجعلها في غفلة وتحيلها لاحقاً من اللواحق، فتصبح مبهمة أو محتجبة. ويدفعنا هذا إلى السؤال عن إمكانيات وعي الذات؟ وكيف يدرك الفرد ذاته؟ وكيف تدرك الجماعة ذاتها؟ خصوصاً إذا كان الموضوع لا يُعطى في ذاته ولا يُعقل بذاته من دون ذات «ولا ذات تستقل بذاتها عن الموضوع أو تدرك بمعزل عنه، بل ثمة تكوين وتبادل بين الذات والموضوع على نحو ما يجعل من غير الممكن التفكير في أحدهما دون الآخر»[2].
وفقاً لذلك ينبغي جعل الذات العربية موضوعاً للدراسة بذاته، ليصبح التبادل هنا بين الذات وذاتها لتبعثها متحررة من كل أوهام الحجب والإكراه، التي تشترط قراءتها، لأن الذات موجودة بذاتها، والموجود في وجوده ينبسط أمامنا ويحضر في النور والعلن، مثلما ينسحب وينحجب في لحظة إشراقه وانتشاره، وهكذا هي الذات العربية المعاصرة.
صفحة 3
1 ـ نقد الوعي: ما الوعي؟
الوعي هو صوت داخلي يدفعنا إلى مقاربة الأمر والشعور به وبوجوده وفهمه على نحو ما، وهو وجدان الأمر الدال على حقيقته أو على وجه أو أوجه من حقيقته، وهو الانتباه وفعل الإدراك وحصيلة نظر العقل في الأفكار والمعاني والمفاهيم، التي ينتجها الإنسان في معاناته واختباراته، وهو الموجود لذاته، هو المعرفة التي هي فعل حصول الذات ووعيها لذاتها وإدراكها الآخر.الوعي هو علاقة الذات بذاتها، ومعرفتها لها، من خلال قراءتها بعيداً عن الأوهام، قراءة تؤدي إلى وعيها ذاتها وعياً معرفيّاً من دون أن يكون ذلك مجرد تصور أو رسم تصويري للحقيقة، على نحو ثبوتي يقيني، باعتبارها الواقع عينه مثلما جوهره، إذ للحقيقة التي ندركها أو نقبلها مستويات عديدة من الوجود منها:
ـ الوجود في العبارة، يتبدى في الكلام ومن خلال اللسان، وهذا النوع من الوجود له معانٍ عديدة أيضاً وبالتالي فهو متعدد الدلالات.
ـ الوجود في الذهن، كيف ندرك ونفهم ما نسمع وما نرى وما نحس، وكيف نفسّر ونحلل، وكذلك فإن هذا الوجود يأخذ أبعاداً عديدة.
ـ الوجود في الأعيان على مستوى الوجود العيني والمادي. وتتعلق تلك المستويات بعضها ببعض وهي شرط وجود ذاتها.
والوجود في العبارة ناتج من رؤية مباشرة أحياناً أو قبول، أدى إلى انطباع في الذهن، ورسم تصور ومثلما أن الانطباع ناتج من رؤية مباشرة أو قبول يُعبّر عنه باللفظ والتعبير، فالرؤية المباشرة تُنتج الانطباع وبالتالي العبارة، وهكذا يتولد شرط وجود الأول وجود الثاني والثالث مثلما أن شرط وجود الثاني وجود الأول والثالث وهكذا فإن شرط وجود الثالث هو وجود الأول والثاني.
إن الحديث عن الوعي هو حديث عن الفحص والنظر والتفسير والجدال والتأويل والتحليل والمعرفة والفهم وخلع الدلالات ورسم الانطباعات، وممارسة الذات، والانفتاح على العلاقة بالكون وعناصره، ونسج العلاقة بالوجود التي تتحقق من خلالها ذات الإنسان بأنماط وإيقاعات مختلفة.
فالمرءُ يُقيِّم علاقته بذاته عبر جسده ورغباته وعبر معرفته وعمله وسلوكه وما يحتاج إليه وما يريد وعبر النظر إلى السلطة ومعاييرها وأدواتها... إلخ، بمعنى آخر عبر تمفصل ذاته مع محيطها.
لذا يمكن الحديث والقول إن الوعي هو وعي فردي ووعي جماعي:
1 ـ الوعي الفردي: هو تعلم قواعد جديدة في التفكير وانفتاح العقل على آفاق، والوقوف على معانٍ لم يقف عندها من قبل، إنه وعي بذاته مغاير لما كان يعرفه المرء سابقاً،
2 ـ الوعي الجمعي: هو الرأي العام المشترك بين أفراد الجماعة، هو النسق الاعتقادي والشعوري المتعيّن اجتماعياً، المتولّد من تجربة الناس وعيشهم وتبادلهم المصالح والمنافع وتقـديـرها والتحرك تجاههـا، لغويـاً أو تنظيميـاً، ولو بعـد حين (مثال ثورة مصر على حسني مبارك في الأسبوع الأخيـر من كانون الثاني 2011م. وقبلها ثورة تونس على زين العابدين بن علي في النصف الأول من كانون الثاني 2011م).
ـ ما الرأي العام؟
الرأي العام موجود مجهول، يؤسس ويتولّد مع الخبر والحدث الذي ينتشر ذكره بين الناس، لكنه لا يُعلم ولا يُعرف إلا بالمبادرة إلى مراقبته وقياسه من خلال استطلاع للرأي أو استفتاء أو انتخابات أو تحرك مباشر لمجموع الناس مثل التظاهر والاعتصام... إلخ. مثال ثورة اليمن على الرئيس علي عبد اللَّه صالح، أو الاحتجاج في إيرلندا منتصف أيار 2011 على زيارة ملكة بريطانيا إليها.
يؤسس الرأي العام أو الرأي الجمعي، اعتباراً على الحدث أو الواقعة، وتأسيسه لا يحصل بقرار يتخذ ولا يتم بفعل عمل منظم، إنما هو فعل استيلاد ذاتي، يتكوّن عند الجماعة في عملية تفاعل تخاطرية بين أفراد المجتمع الواحد، وهو فعل المعرفة الجماعية والوعي والإدراك الجماعي.
يولد الرأي العام في اللاوعي الجمعي للجماعة، بشكل اتجاهات تسيطر عليه، إزاء مشكلة ما، وسط جمهور تربط بين أعضائه مصالح مشتركة، من خلال حالة من التخاطر تنتج من مؤثرات عديدة أهمها ثلاثة هي:
1 ـ التقاليد والأعراف.
2 ـ وحدة الذاكرة الجماعية.
3 ـ البنية المحيطة.
وما تبقى من عناصر وعوامل فهي تتصل إما بالمصالح السياسية أو الثقافية والفكرية وإما بالمصالح الاجتماعية والمعيشية للجماعة.
إن بروز الرأي العام، والتعرف إليه بأنه عملية تخاطرية تنتج عن مؤثرات ترتبط بحركة المجتمع الجماعية، يجعل منه ملازماً طبيعياً لوجود مجتمع حيوي تتمظر فيه أجواء التغيير والوضوح خصوصاً إنه مجتمع لديه منظومة من القِيم والعادات والتقاليد والأعراف تؤلف بين الأفراد نسيجاً من العلاقات الاجتماعية الأخرى وتجعل تمظهر الرأي والتعبير فيه مغايراً، فيختلف الرأي العام بذلك، اختلافاً كبيراً بين سائر المجتمعات، (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)[3].
واختلاف القِيم والعادات والأعراف والمعايير والتقاليد بين المجتمعات يجعل لكل منها مستوى في الوعي الجمعي بطريقة مختلفة للأمور عن المجتمعات الأخرى، إذ إن الوعي الجمعي أو الرأي العام بمثابة حالة دائمة فكرية وغير فكرية في الوقت عينه للاستجابة بسلوك معيّن لنمط معين.
وهو شعور يتأسس لدى الجماعة، تدرك من خلاله مصالحها، وتصوغها في برامج عمل أو في نظرية ضمن رؤية محددة.
ويتأسس لدى الأفراد بلا وعي حتى تختص طريقة الرؤية عينها عند وعي شيء ما، فيرادف بذلك الاستلهام.
صفحة 4
2 ـ الوعي الممكن والوعي المقبول
إن وهم التمايز المستند إلى رؤية واعتقاد أو المستوحى من تصور للذات والآخر، يضع الفرد أمام ضرورة البحث عن ذاته في الواقع المعيش، الذي يتيح عادة إمكانيات التفاعل والتبادل والاندماج والتواصل والتثاقف... إلخ. وبالضرورة فإن الفرد مهما كانت ثقافته أو الاعتقاد الذي يرتبط به أو يميل إليه، فإنه يتجه عادة نحو تحقيق الذات بطريقة من الطرائق، وهذا ما يعتبر بداهة.«لقد اعتقد يونغ أن الإنسان مهما كانت ثقافته التي ينتمي إليها، ينحو نحو تحقيق الذات»[4]. ولكن بأية وسيلة تتحقق الذات؟ وهل يوفّر ذلك وعياً للفرد عن ذاته وعن الآخر؟
يبدو لنا أن تحقيق الذات هنا، هو من قبيل الوعي الذي يحققه الفرد في إطار الجماعة وفي ظل الظروف التي يعيشها، إذ يتمكن من معرفة المحيط وتحديد مكانته ودوره فيه أو يعمل على منحه واكتسابه دوراً ومكانة، وبذلك يتحقق لديه وعي أو جزء من وعي الانتماء إلى الجماعة ووعي أو جزء من وعي لذاته، وفي هذه الحال يكون الفرد أمام أمر من أمرين: إما أن يقبل بما هو قائم أو بما وصل إليه ويصبح وعيه لذاته ولجماعته وللآخر مقبولاً لديه، بقبوله ضمن الجماعة.
وإما أن يرفض الواقع مع وعيه له، ويمارس بخلاف ما ينبغي أو يطلب منه اجتماعياً وثقافياً، وبذلك يصبح وعيه لذاته وللواقع المجتمعي غير مقبول، وفي الحالين فهو أمام وعي ممكن، تمكن من خلال المدة التي قضاها داخل الجماعة. ويتحول إلى وعي غير ممكن للواقع المجتمعي حين مغادرته جسدياً أو فكرياً أو نفسياً للجماعة، وبذلك تصبح مواقفه منها غير مستندة إلى وعيه لها بل هي مستندة إلى أمور أخرى.
يؤدي وعي الأفراد لأهمية انتمائهم إلى الجماعة عادة إلى اتساقها أكثر، ذلك أن الأدوار الموزعة على الأعضاء والوظائف التي يتولونها ستدار بفعالية أكثر، وهذا ما يعطيها أهميتها الاجتماعية والثقافية، ويجعلها مساهمة في عمليات التغيير والتطور الحضاري والاجتماعي.
وإذا كان الانتماء إلى الجماعة يتحدد عموماً في ثلاث مسائل:
1 ـ أن يكون الفرد منتسباً عضوياً وفكرياً وثقافياً، ومرتبطاً بالنص الأهلي المحلي.
2 ـ أن يكون لديه الاستعداد الكامل للقيام بدوره الاجتماعي والتفاعل مع الآخرين.
3 ـ أن يثق بالمعايير الاجتماعية التي يشترك فيها ضمن الجماعة الواحدة، وينخرط في منظومة تلقي وانصياع لمجموعة المبادئ والقِيم والتقاليد والأعراف السائدة.
فإن الاتصال والتواصل اللذين ينشآن بين الأفراد داخل الجماعة بفعل هذا الانتماء، وبينهم وبين الجماعة، يتيحان للاتجاهات الفكرية والثقافية والدينية والرؤى أن تصبح معروفة ومفهومة أكثر، وهذا ما يسهل تحديد الاستجابات المختلفة بوضوح أكبر، ويؤدي بالتالي إلى التفاعل والنمو والتعرّف إلى كثير مما لدى الأفراد والجماعات، بما يساهم في ازدياد عمليات الترابط والاتساق داخل الجماعة، وتركيز القِيم الأعراف وتقوية النص المحلي.
تؤدي الثقافة في هذه العملية دوراً أساساً وتسهم بفعالية في أعمال التغيير الاجتماعي وتطور العادات والتقاليد والقِيم والأعراف السائدة وبلورة الوعي في مستوى الممكن والمقبول، ونعني بالثقافة هنا، تلك المشتركات المركبة من الاجتماعي والديني والسياسي...، والمعبر عنها في الطقوس والعادات والتقاليد والأعراف وفي الممارسات والسلوك في دورة الحياة اليومية للأفراد والجماعات.
هنا تفريق بين الثقافي الآحاديّ المفهوم والمنشأ والعقيدة والاتجاه والثقافي الأكثر إمكانية للاستجابة للطروحات المتنوعة والمتعددة ولكل محاور ومناقش وما غير أو مختلف.
يمارس الثقافي الآحادي المفهوم عادة في الاجتماعي والديني والسياسي في إطار الوحدة الاجتماعية الضيقة. مثل القبيلة أو العشيرة أو الفخذ، وتتوزع فيها الوظائف والأدوار وفقاً لقاعدة آحادية أبوية وعادة تنقل السلطة وراثياً أيضاً، وتضيق معها حدود المعرفة والمعرفة بالغير أو التعرُّف إليه، وتمارس ضمنها الأفكار بعيداً عن التحاور والتعارف والتماهي.
فيما يمارس الثقافي الأكثر إمكانية، أعمال التعارف والتثاقف والتفاكر والتماهي والحوار والاندماج وأداء الواجبات وقبول الحقوق في موازاة الممارسات الطقوسية والعبادية.
دلالياً نقصد بالثقافي الآحادي، المنتمي إلى مجال واحد وحيد مقصور على بنية ثقافية آحادية، وبنية اجتماعية آحادية، وأنه بهذا يرغب في أن يكون لاعباً في الاجتماعي والسياسي والاقتصادي... إلخ، وفق رؤيته ومفهومه أما الثقافي الأكثر إمكانية فهو الرغبة في الاندماج وتأدية الأدوار وفق أسس التعارف والتبادل والقبول.
والانتقال من الثقافي الآحادي إلى الثقافي الأكثر إمكانية، سلوكياً، يعادل فلسفياً الانتقال من الجزئي إلى الكلي، ومن وعي إلى وعي أوسع وأشمل، ومن إمكان إلى إمكان أكثر قبولاً وقبولاً أكثر إمكاناً.
صفحة 5
3 ـ الذات وذاتها
أيهما الأصل وأيهما الفرع؟ هل الذات هي الأصل وذاتها هي الفرع؟ أم العكس هو الصحيح؟الكلام على الذات وذاتها هو كلام على الأصل وجوهره مثلما هو كلام على الأصل والفرع، والفرع وأصله، فهل تدرك ذاتنا ذاتها؟ الواضح أن ذاتنا العربية تعاني في تعاملها مع ذاتها، أو في محاولة تعاملها، إذ بدا ولسنوات طويلة قبل الانتصار في لبنان على إسرائيل وقبل الثورات التي بدأت من تونس ومصر، أنها لا تُدرك ذاتها ولا ذاتها تفهمها، ولذلك فهي تعاملت معها بالمخاتلة والحجب، فما كان المطلوب للتعارف والفهم بين الذات وجوهرها؟
إن الكلام على الأصل والجوهر يبدو هو الأقرب إلى جعل الذات تبحث عن استكشاف ذاتها والتعرّف إليها والتعارف معها، ودفعها باتجاه الخلق والإبداع والفعل والبناء والتحول من موقع المتأثر إلى موقع المؤثر والمقرر في مجريات أمورنا وأحوالنا وأحداثنا وأفكارنا وخطابنا وما نريد ونرغب في أن يكون عليه مستقبلنا ومستقبل أولادنا.
ليس ثمة شك أن الأصل ينتج أصليته ويؤسسها، وكل أصل هو إعادة تأسيس وتأصيل، والأصل يخفي أصليته وأصوله، تماماً مثلما الفرع، والفرع هو الأصولي ولا معنى لفرع ولا وجود له من دون أصل، إذ هو مسوغ وجوده، ولكنه من غير المؤكد أن الأصل هو الذي يحدد عملية تطور الأصلية والأصولية، وتقدمها، ولا هو متفق عليه أنه يأسرها ويسجنها، وإنما من الممكن القول بأن عدم فهم الأصل للأصولية، وإن كان منتجها، وعدم فهم الأصولية للأصل، وإن كانت هي نتاجه، يؤدي إلى سجن الواحد للآخر ومنعه من التطور والتقدم والخلق والإبداع والبناء والفعل، فيصبح بذلك الأصل أسيراً للأصولية وهي أسيرة له.
إن ذاتنا تظهر أمامنا في كل مرة، وهي تحجب عنا ماهيتها وجوهرها، إنها تظهر أنويتها وأنانيتها وتحجب إياها وجوهرها. ولا يمكن انكشافها وظهور حقيقتها إلا بسقوط الحجاب الحاجب لها، ولا يكون ذلك إلا بإرادة الوعي، لضرورات حريتنا ومساواتنا وعدالتنا وإنسانيتنا وحقنا في الحياة، بانسجام وارتقاء، وكرامة، ذلك أن الذات لا تتكشف إلا بصفتها إرادة موضوعية تعي أهمية وجودها وفاعليتها.
إن وعي الذات لذاتها والأصل لأصليته وأصوليته، وعياً معرفياً وعلمياً ونقدياً وفهمياً وموضوعياً وعملياً، يجعل من المستبعد ولوج أحدهما تحت سلطة الآخر، وسلطة من يتسلّط عليه بإكراهاته وشروطه وقمعه وتوهيماته وحجبه، وينشأ بذلك ممارسة التبادل التطوري والمعرفي والتغييري والإبداعي، بما يدفع إلى كل الأعمال الإبداعية والإنشائية والتأثير والتأثر من دون وصاية أو حجب.
بمعنى آخر إن هذا الوعي يجعل ذاتنا متحررة من سلطة الآخر ووطأته واختراقه ووصايته وتحكمه بها وبخياراته يجعلها ذاتاً مدركة عارفة؛ ويفرض عليها تغيير موضوعها لتصبح هي الموضوع والذات معاً.
عندئذ يمكن القول بإمكان إطلاق خطاب آخر، خطاب مبني على موضوع هو الذات، المدركة حقيقة واقعها وشروط هذه الحقيقة، ومتطلباتها، العارفة كيف تعمل لبناء مستقبلها بالتعاون مع الآخر، والاستفادة من تجاربه وتجاربها، أو بمواجهته وممانعته «ذات قادرة على الحياة والتعامل مع الآخر من منطق التوازن الذي يحفظ هويتها، ويقدم لها أرضاً تتجذر فيها وتنمو فوقها، عندها يمكن لهذه الذات أن تأخذ وتعطي وتحدد مشروع مستقبلها»[5].
هنا بإمكان الذات أن تطلق خطاباً يخصها دون ضغوط وإحراج وإملاء وتنصيص، خطاباً يعبّر عن وعيها وفهمها للواقع وضرورة تطويره، وإنمائه وتحسينه بما يتلاءم وتطلعاتها.
صفحة 6
4 ـ وعي الآخر
إن مسألة وعي الآخر تصبح حاضرة بمجرد وعي الذات لذاتها، إذ إن تغيير الذات لموضوعها لتصبح هي الموضوع والذات في آن، يجعلها ذاتاً متحررة من وطأة الآخر، وبذلك يصبح الآخر، أيضاً، موضوعاً بذاته وتتعامل معه على هذا الأساس.بهذا نصبح أمام فكّ ارتباط، وتتحول علاقة الذات بالآخر، إلى علاقة وعي ومعرفة، وتبادل وتثاقف وتحاور، لا سلطة فيها للذات على الآخر، أو للآخر على الذات.
إن هذا الوعي لا يتحقق إلا بإرادة الوعي عند الذات، وبالتالي بصوغ الموقف المناسب الذي يؤدي إلى إلغاء الارتباك الواقعة فيه حين تعاملها مع ذاتها ومع الآخر.
وبدون إرادة الوعي ليس بالإمكان تحقيق وعي الذات للآخر وتبقى على ما هي عليه من شلل ناتج مما تعانيه، وهذا ما كان جلياً وواضحاً في ذاتنا العربية، التي وقعت في فخ النظام العربي منذ عدة عقود، وباتت أسيرة الشلل والارتباك، غير قادرة على الظهور بعيداً عن الوهم والتخيل المتلازمين مع انعدام الثقة.
لقد أكد الحراك العربي الذي قاده الشبان بدءاً من كانون الثاني 2011م، أن إرادة الوعي وتظهيره وإعلان الموقف المنسجم مع هذا الوعي وتجسيده يحرر الذات المرتبكة من كل قيودها ويعطيها مساحة للتحرك واستعادة الثقة. قبل الثورتين التونسية والمصرية بداية 2011م، وباستثناء ما كان من المقاومة في لبنان وفلسطين والممانعة والصمود في سوريا كانت الذات العربية مقيدة، بقيود السلطان، سلطان الحاكم المحتاج إلى الدعم الأميركي لتثبيت حكمه وبقائه والمستعد لتقديم كل شيء من أجل ذلك، وسلطان المحكوم الذي جرى توهيمه وعُمل على تجهيله وإفقاره في آن، وجعله خارج التاريخ.
وفي تقديمه كتاب «مجتمع اللادولة» يرى محمد حسين دكروب «أن إرادة التغيير عند الذات هي أمام خيارين: إما أن تلتحق هذه الإرادة إيجابياً عبر انخراطها العضوي في الثقافة التي يختزنها المجتمع الأهلي بالنص الأهلي بتواصله مع التاريخ...، وإما أن تحجب هذه الإرادة عن فعل الانخراط لما يفرضه على الذات من تخلٍ عن الهوس السلطوي، الكامن بداخلها، مكرسة بالتالي جهدها الأقصى في البحث داخل «مزبلة التاريخ الأوروبيّ»[6].
مع أن دكروب يرغب في عودة الذات إلى الثقافة العربية التي يختزنها المجتمع الأهلي بالنص المحلي المتواصل، مع التاريخ، غير أنه يغفل عن قصد أو غير قصد أن العودة الكلاسيكية والتراثية التقليدية، تجعل الذات مسجونة في إطار تاريخي تراثي وتوارثي، وهذا ما يدعونا إلى القول إن العودة يجب أن تكون عودة إلى وعي الذات ووعي الآخر، وليس رفضه وإجراء القطيعة معه، وعي الواقع بموضوعية والتعامل معه.
يتضح من التجربة العربية المعاصرة التي استمرت على الأقل حتى حدود العام 2000م. بدءاً بتحقيق الانتصارات الفعلية للمقاومة الوطنية والإسلامية اللبنانية على إسرائيل وبلوغ ذروة الانتصارات في حرب تموز 2006م. وفي حرب غزة 2008م. إن الذات العربية عانت عدم وعي ذاتها، والتحاقها اللاواعي بالتاريخ وبالآخر. بما جعلها فريسة سهلة للغرب المتسلط الذي قبض على نفط الخليج بقواعده العسكرية فيه، واحتل العراق وأسس محوراً عربياً مهادناً وموافقاً على مشروع الصلح مع إسرائيل، وكذلك فقد باتت أيضاً، فريسة سهلة لأفكار ومواقف وخطابات، التحقت بها أو أقامت القطيعة معها، مثلما جاء في خطاب حسن حنفي، الذي فصل على نحو قاطع بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية[7]، ومثلما فعل بعض الذين خاضوا ضد كل شيء باسم الإسلام وبعض طوائفه ومذاهبه، وهذا ما كان يؤدي إلى الانغلاق على الذات والوقوع في وهم الأنا.
غاب عن هؤلاء أن الحضارات بقدر ما تتنافى وتتعارض فهي تتراسل وتتفاعل وتتواصل وتتبادل، ولكن تواصلها هذا إذا لم ينشأ عن فعل الوعي الواحد للآخر يبقى محفوفاً بالأخطار، وإن عدم الوعي يؤدي إلى تسلط حضارة على أخرى، وفرض هيمنتها عليها، والعمل على إلغائها مثلما حصل مع الهنود الحمر في أميركا.
ما نحاول الوصول إليه هو وعي الذات لذاتها ووعي الذات للآخر، وهذا يتطلب عودة إلى الذات وفهمها ومعرفتها، وبدون ذلك تبقى الذات مرتبكة واقعة في فخ الحجب والاستبعاد والاستعباد، وهذا ما ينبغي وعيه عربياً لاستكمال خطوات شبان تونس ومصر والمقاومين في لبنان وفلسطين.
صفحة 7
5 ـ احتجاب الذات وابتداع الآخر
احتجاب الذات وابتداع الآخر، الأول تنتج الثانية، والثانية تكرس الأولى، وتعيد إنتاجها والسيطرة عليها، فاحتجاب الشيء عن نفسه يؤدي إلى بروز شيء آخر إلى نفسه. والآخر هذا يعمل على تسليط أفكار وأوهام ومفاهيم وزعزعة الثقة، وجعل البديل حاضراً، ليصبح المقياس والمتشبه به.أيضاً، حين يحتجب الشيء يظهر في اللحظة نفسها ويترافق الظهور مع انحجاب الأصل، وهكذا يدوم الشيء بوصفه ظهوراً وانحجاباً في آن، وانحجاب الأصل يعني انحجاب العلة، وهذا يعني انحجاب الشيء عن ذاته بما يسمح ببروز الآخر. وهذا يؤدي إلى احتجاب أصل الشيء وهو شرط الإمكان، وعلة وجوده، إذ العلة هي الأصل، واحتجاب الأصل يعني عدم إدراك الشيء بذاته ولذاته، ويتيح بروز الآخر إعادة الإنتاج والتأصيل، ويعني ذلك الإمساك بالذات وجعلها مرهونة بالسبيل الآخر الذي يعطيها وجوداً آخر له دلالاته. فلا يعود ظهور الشيء ظهوراً بذاته ومظهراً لغيره، أي إنه لم يعد موجوداً حقيقياً جوهرياً، فالوجود الحقيقي ظاهر بذاته، بجميع أنحاء الظهور ومظهر لغيره وبه تظهر الماهيات وبه ومعه وفيه[8]، فلا يعود يعرف إلا بما هو عليه، فتصبح حقيقته غير مألوفة لاحتجابها التام، ويصبح المألوف ما يظهر منه وفيه، أي ما يظهر من تجلي الآخر فيه.
ويؤدي احتجاب الذات بهذا المعنى، إلى ابتداع الآخر فلا نعود ندركها إلاّ من خلال تجلي الآخر وانعكاسه بها، ولكن هذا لا يعني زوالها، بل هي موجودة من تلقاء ذاتها وبذاتها، فالوجود هو الأظهر بذاته من تلقاء ذاته، وهو يصدر عن الجاعل ولا يختفي إلا بامتناع الجاعل عن إظهاره، مثل وقوع الأضواء على القوابل وانعكاس الظلال، لكننا لا ندرك منه إلا الأشد ظهوراً بالنسبة إلينا، وبهذا فإن انحجاب الذات بذاتها وعنا، وظهور الآخر فيها يجعلنا لا ندرك إلا صورة الآخر الظاهر لنا، وبذلك تنحجب عنا حقيقتها الموجودة.
هكذا هي ذاتنا العربية، تظهر وراء حجاب، وراء تجلي الآخر فيها، الذي يحاول طبعها بصورته، وانكشافها مجدداً وظهور حقيقتها وذاتها، لا يحصل إلا بسقوط الحاجب الذي لا يكون إلا بإرادة الوعي، وهذا يعني النظر والتأمل لذاتنا على نحو ما، وجعلها موضوعاً للنظر والفحص والتأمل والتفكير، وبهذا فإننا نلتحم بها، ونعود إليها للكشف عنها وإعادة الكشف هي بمثابة إعادة بناء الذات واستنهاض الوعي.
والتفكير في ذاتنا يكون بموازاة قراءة تاريخها المخصوص وعدم التفكير في الذات هو إغفال للتاريخ وإنكار له، وإنكار التاريخ خروج منه ومن زمنه وفعله الحضاري والثقافي.
ومن ينكر التاريخ ينكره المستقبل ويلفظه، ويجعله باحثاً في تاريخ الآخر، وثقافته، مكرساً نفسه لإعادة إنتاج نصه من أجل إيجاد مفصل يجعل من تاريخه ملحقاً بالتاريخ الشمولي العام.
وإدراك الذات لذاتها ليس سهلاً، مثلما، يصعب إلى حد الاستحالة إن لم يكن مستحيلاً إدراك العقل لنفسه. إذ إن نظر العقل في نفسه ضرب من التأمل والتوهم والحدس والتخيل، ونظر الذات في ذاتها يُعَدّ أيضاً، تأملاً ووهماً وحدساً وتخيّلاً، لأنه لا يدرك حقيقة الموجود إلا في إدراك جاعله، ولا يدرك الجاعل إلا في إدراك ماهيته، وهنا المشكلة أو السؤال، كيف تدرك ماهية الجاعل للذات؟ أي ماهية الخالق، نحن لا ندرك الخالق إلاّ بالتأمل، والتأمل يأتي بالحدس، والحدس مرتبط بالتخيل، والتخيل لا يؤدي إلى الوعي بجوهره، فنصبح أمام ضرورة تقديم البرهان والحاجة إليه بالعودة إلى استقراء النصوص وتصفح وقائع التاريخ، فنقيم الأدلة ونسوق الحجج.
أو أننا نسوق أنفسنا إلى التوحد مع الخالق لنشعر به حضوراً في وعينا لذاتنا، وهنا سؤال آخر، كيف يحصل أن نسوق أنفسنا إلى التوحد مع الخالق؟
إذاً نحن أمام أكثر من مشكلة، منها ما يتمثل في مسألة إدراك الذات لذاتها، وهذه تجدر بنا أن نحاول التفكير فيها بموازاة قراءة تاريخها واستحضارها ووضعها على طاولة البحث. إذ إن أغفال هذا الأمر يجعلها تظن أن لذاتها شأناً متعالياً فوق البحث والدراسة ولا متعالي إلا المتنزه والمتنزه هو اللَّه، وذاتنا قابلة للحدوث والفيضان والتولد وهي بذلك قابلة للاستعادة والبحث والدراسة. وهذا بالتحديد ما يجعلنا أو ينبغي أن يجعلنا وبعد أن حققنا الانتصار على إسرائيل في العام 2000م وانسحبت من لبنان وبعد انتصار تموز 2006م. وبعد انتصار غزة 2008م وبعد نجاح الثورة التونسية والثورة المصرية بتخطي أولى العقبات وهي خلع الرؤوساء مبارك وزين العابدين بن علي، وبعدما سيأتي أن نقف لنقرأ بتمعن وتفكّر سورة النصر في القرآن الكريم(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)(وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا)(فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)[9].
إن تصور الذات متعالية يؤدي بها إلى الحجب والغياب والاختفاء وراء معتقدات وأوهام لا تقرب الواقع، تؤدي إلى احتجابها عن ذاتها، والوقوع في الارتباك وعدم الاستقرار، لتعيش على الوهم وعدم الثقة والبحث عن البديل، بما يؤدي إلى ابتداع الآخر فيها.
صفحة 8
الفصل الثاني
ما قبل الحداثة إلى ما بعدها
1 ـ تجديد الأساطيريُسلم الكثير من الناس بأن العالم يقفز مسرعاً ويمارس مهمته في تغيير النظرة إلى الكون[10] والوجود. وهذا ما ينقلنا بسرعة كبيرة إلى عالم ما بعد الحداثة والتفكيك، المليء مجدداً بالأساطير، إلى النظام العالمي الذي يسعى إلى تفكيك وتذرير المفاهيم والأفكار والقِيم والشعوب والبلدان على نطاق واسع.
هناك مفصل أساسي عاشه العالم الغربي اعتباراً من القرن السابع عشر، حين حرر العقل الفلسفي من هيمنة العقل اللاهوتي، بعد مواجهة بين الفكر العلمي المدني والفكر الديني الكنسي، لم يكن ذلك إلا صورة انقلابية في تاريخ الفكر، أميت فيها اللَّه مجازياً واعتبارياً، ونقلت أوروبا من عصر إلى عصر آخر، وانتقل معها العالم بعدما التحق بها إلى مرحلة جديدة.
ربما أعطى هذا الانقلابُ الإنسان في الغرب إمكانية أن يكون له معياريته الخاصة، منحته استقلالية عن معيارية تحكمت به طوال قرون، وبالتالي فإن مكانة هذا الإنسان اختلفت كلياً عما كانت عليه في القرون الوسطى، فلم تعد خصوصية الإنسان تتمثل في انفصاله التام عن المخلوقات الطبيعية، إلا في موقعه الوجودي ولا في وعيه الإنساني، إذ كان على الحداثة أن تعبر به إلى مبدأ السببية المعممة في انقلاب فعلي يجعل منه جزءاً من الوجود الطبيعي العام، فيصبح موضوعاً للعلم، ويغدو ممثلاً للحقيقة التي تكمن في ميدان العلوم البحتة وتنزع وراء الوعي.
لكن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن الإنسان أصبح يقبض على الحقيقة أو أنه بات يدير العالم بمنتهى العقلانية، بل إن هناك مساحة أوسع للاوعي تتحكم في حركته العامة وتقبض عليه.
وُلِد عقل التنوير في مجتمع أوروبي كان يعيش حالاً من «الهيمنة اللاهوتية» القائمة على المزاج الذي يوفر اللحمة والتناسق، إذ يؤدي الفكر الكنسي دوراً في تحديد موقع الإنسان في الوجود، وفي دور الوعي الإنساني، هذه الولادة حصلت في مجتمع وجد أنه بحاجة إلى مفاهيم جديدة تديره، تضخ فيه روحية جديدة، تقرأ فيه الشكل الإلهي بوصفه شكلاً إنسانياً غير مباشر، تقرأ فيه العقل اللاهوتي أو «الفكر الكنسي» بوصفه عقلاً إنسانياً، فكان على «الفكر العلمي» أن يتصدى «للفكر الديني»، أو «الكنسي» في محاولة مستميتة لتعميم السببية العلمية، وتثبيت العلم الإنساني ضد الوعي الإنساني.
بعد أن استكمل أدواته وسوّغ ضرورات وجوده، ظهر العقل التنويري، عقلاً أدوايتاً انتهازياً بارداً، بدءاً من الثورة الصناعية إلى ظهور هتلر وأفوله إلى ستالين وإلى إنشاء الكيان العنصري (إسرائيل) في قلب العالم العربي والإسلامي، إلى إنشاء دولة عنصرية في إفريقيا (إفريقيا الجنوبية) إلى مراحل الاستعمار القديم والجديد، بأشكاله المختلفة، إلى حروب البلقان وأفغانستان والسودان وحروب الخليج واحتلال العراق، وحروب إسرائيل على فلسطين ولبنان وسوريا، إلى العنف الثقافي والاجتماعي والاقتصادي الممارس ضد الفقراء، إلى الأزمة المالية التي تعصف بالعالم وانهيار المؤسسات المالية والصناعية الكبرى، أعاد هذا العقل إنتاج الاستبداد والغرق في الظلام الذي ساد القرون الوسطى وفي أثناء الحملات الصليبية على الشرق (الدوران في حلقة التاريخ).
لم يكن هذا الأمر مجرد انحراف أو هفوة، كما يحاول محمد أركون[11] أن يقول: بقدر ما هو انتقال من مستوى تأكيد السيطرة والنفاذ إلى ما وراء حدود رسم الأزمنة التاريخية الظاهرة للشعوب الأخرى، إلى مستوى تأكيد وجود عقل له خاصيته الفيزيولوجية الوظيفية، وإمكانياته في امتلاك القدرة على إعادة صوغ التاريخ البشري برمّته، وتأكيد تفوقه وقدسيته الرمزية من خلال ما يفرضه على المجتمعات البشرية في النظرة التاريخية الفيزيولوجية، التي تجعل الإنسان وليد تطور طبيعي.
هنا ينبغي قول شيئين اثنين:
الأول: هو أن تقنيات التجهيل المعرفي[12] التي استخدمها العقل الغربي لحمل الناس على الخروج من الديني، من خلال إيجاد نظرة جديدة إلى حقيقة الإنسان، هي في أساسها تقنيات استلابية تعامل فيها الحقيقة مثل فردوس مفقود، تمثله قِيم الفكر الفيزيولوجي والاستنارة، وفي هذا عودة إلى معاملة الحقيقة بعقل غيبي ما ورائي، ومنطق آحادي، بوصفها زمناً ينبغي التقدم نحوه، وبذلك يغدو هذا العقل استمراراً لعقل أسطوري سابق، أباح استخدام الغيبي من خلال الدنيوي، لرسم المنظومة الحياتية في وعي الناس.
الثاني: إن الانتقال من الحداثة إلى ما بعدها إلى التفكيكية مع عقل كهذا يتم مرة أخرى باستبعاد عقول الآخرين، وحضاراتهم من ساحة الحضارة العالمية، وإقصائها من التاريخ.
وهذا ما يجعل من المهم معرفة كيف أن عملية الانتقال هذه تمت وتتم مع أساطير جديدة؟ حصلت عملية الانتقال، باستعادة الأدوار التي كانت سائدة في القرون الوسطى، وفي مرحلة الثورة الصناعية والحداثة، بعناوين وشعارات جديدة للنهوض بأدوار ومبانٍ جديدة يجري استبدالها تبعاً لضرورات المرحلة، فمثلاً كان لا بدَّ لصدام الحضارات الذي تحدث عنه صموئيل هنتنغتون تعبيراً عن آراء وأفكار كثر، أن يأتي جورج بوش الابن ويقود حروب المحافظين الجدد على قرقعات الآلة الأميركية، ثم جرى استبداله بباراك حسين أوباما، الأفريقي الأصل والمسلم الأصل، الذي عليه أن يقود الحروب بصورة أكثر نعومة وقرقعة قليلة للآلة الأميركية، لتعميم مبدأ التفكيك والتذرير وبالتحديد في عالم العرب.
في سياق هذه المقاربة، السؤال الأبرز هو أين العرب؟ أين يذهبون بعقلهم التاريخاني المبني في التاريخ الاعتقادي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والعلمي، وحتى الفلسفي؟ في مقابل ما يمارسه الغرب.
وهل حقاً أن ابن رشد آخر العقلانيين العرب؟ ولم ينجح العرب حتى القرن الواحد والعشرين في إنتاج عقلاء جدد؟ كيف سيواجه العرب مرحلة التفكيكية، بعدما فشلوا في الحداثة والعولمة؟ كيف سيواجهون قضاياهم الكبرى، وخلافاتهم وصراعاتهم؟ أسئلة كثيرة تتراكم أمام النظام العربي والثوار العرب والمثقفين العرب والمجتمع العربي كله.
لا وهم أن كل عقلانية تحمل في طياتها أوهاماً وخيالات وأساطير، فأين أوهام العرب وخيالاتهم وأساطيرهم؟
صفحة 9
2 ـ العقل العربي إشكالية الموقع والدور
تفيد المقدمات الآنفة الذكر في كشف وتعيين الدور الذي أداه العقل الغربي المتصل والمتواصل منذ ما قبل الحداثة إلى ما بعدها، لجهة ما انطوى عليه من رؤى وقوى اجتماعية احتضنت فاعلية سياسية متميزة.وتدفع المقدمات عينها باتجاه الأسئلة الآتية: ما الذي فعله العقل العربي في هذه المرحلة؟ وما الذي يمكن أن يفعله الآن في مرحلة ما بعد العولمة، مرحلة التفكيكية الحديثة؟ وكيف يمكن الكشف عن موقعه ودوره في ما يجري من تبدلات وتحولات في عالم اليوم التذيري؟ وبعدما انقلب المشهد العربي بدءاً من تونس ومصر.
هذه الأسئلة يستتبعها سؤال آخر هو: هل نعرِّض أنفسنا لأسئلة لا نستطيع الإجابة عنها؟
في مقاربة قضايا تتصل بالعقل العربي، أو في مقاربة العقل العربي بالتحديد، هل نحن أمام عقل أراد أن يقبع في الظلام الدامس، لكون الظلام في الأمثال العربية يستر العيوب؟ هل هو الخوف من المجهول؟ أم ماذا؟ وبالتحديد فإن هذه الأسئلة وغيرها تدور في أذهاننا بعدما حصل في تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن وسوريا وفلسطين ولبنان والسودان والأردن والعراق وفي سائر العالم العربي، مشاهد مغايرة بعضها عن بعض.
أمام هذا الواقع قد نندفع مثل غيرنا، باتجاه محاولة بلورة رؤية خاصة في مواجهة آراء الآخرين وطروحاتهم، ونوجه الاتهامات في كل الاتجاهات، أو قد نميل إلى إحدى وجهات النظر، وربما نذهب إلى حدود بعيدة وباتجاهٍ آخر في محاولة ترمي إلى التحرر من محددات مكانة العقل العربي الوجودية كافة.
ويترتب على ذلك مسؤوليات عامة وأخرى خاصة، وذلك لاعتبارات شتى، ولكن، قبلَ الدخول في هذا الاتجاه أو ذاك، أو حتى التوجه بطريقة مختلفة في مقاربة العقل العربي، ينبغي التنبه أولاً إلى أن ثمة ناظماً للأشياء في حياة المجتمعات، يتوسع باطراد، إلى حدٍ يكاد ينظم أدقَّ التفاصيل في الحياة الفردية والجمعية.
إننا هنا أمام مشكلة تطال كل العقل الإنساني، في بنية المعرفة والثروة والسيطرة والسياسة والثقافة وعلاقات السلطة، فما يجري في عالمنا يدل على أخلاقية نفعية، مصلحية ومادية، هي مرآة التعاطي مع الآخر، أياً يكن دينه أو جنسه أو جنسيته.
كل ذلك يعيد وبدون تردد، الحديث عن دور الفكر في ما يجري وفي ما هي علاقتنا بالواقع، وحيلتنا لصنع حقيقتنا، فالفكر نطام، وممارسة نحتاج إلى إعادة تفكير، ونقد يتيح لنا مواجهة الواقع، بعيداً عن أوهامنا.
بموازاة هذا الكلام، أحياناً وبالتداخل معه أحياناً أخرى، نلحظ ولادة سياق جديد في المجتمع العربي، يحمل فرادته، باعتبار طبيعة القوى داخل هذا المجتمع من جهة، وعلاقاتنا بدورة الاجتماع العامة من جهة أخرى، ينطوي هذا السياق على حوافز ودلالات خاصة، تشير إلى عمق الفضاء الثقافي والأخلاقي على اختلاف أوجهه في مباني المجتمع، تجعله يتحرك بكل أطيافه في دول وأقطار العرب لتغيير واقعها المعيش.
يعيدنا هذا الكلام إلى طرق أبواب الخطاب، وما يحمله من إرادة خاصة، وما يهدف إليه من تعميم مفاهيمه وتوسيع سيطرته، في محاولة لحيازة مساحة أكبر وأوسع في مباني المجتمع العامة، قد تؤدي إلى الصدام والتصادم مع غيره من الخطابات التي ترمي إلى أغراض مماثلة.
إن ذلك يُظهر لنا بعض ما يجري في المجتمع العربي، الذي يستمر بالبحث في حقيقة ما يقال وفي أحقيته، بما يكشف أمامنا ما أصيب به نظام الدلالات المستخدم في لغة الخطاب ـ التي تحاول جاهدة إعادة إنتاج الأمة ـ من انتكاسات، أدّت إلى ما أدَّت إليه من واقع الحال.
ليس سهلاً أن نخاطب أنفسنا بهذه اللغة، لكن ماذا حصدنا من كلامنا على مآثر وتواريخ وفتوحات سالفة، وقد توقفنا ومنذ أمد عن إنتاج دورة حياتنا، فيما الآخر يبني نظامه المعرفي القائم على السيطرة والتفرد والاستغلال، ونحن نسوق أنفسنا باتجاهه.
لا شك في أن الكشف عن خطايانا يساهم في تصحيح مسارنا، لكن كيف؟
هنا تنشأ إشكالية معرفية ـ فلسفية جديدة، قوامها الرهان على استعدادنا الفكري، لكي نفكر؟؟؟....
صفحة 10
3 ـ تجديد النقد والتحرر من الوهم
تفضي مواجهة وقائع الأمور في مجتمعنا، إلى بروز مسألة المقدس والمدنس، الديني والدنيوي، اللاهوت والناسوت، وكيف تتعامل معها البنى الاجتماعية على وجه الخصوص.كثيراً ما يمارس السلوك الاجتماعي انتهاكات أساسها جهل الذات بمقدساتها تارة، وبمقدسات الآخر تارة أخرى، هذه القضية الاختلالية في السلوك، تؤدي إلى بروز واقعية ذات توجهات تؤسس لخطوط حراك متعددة المرجعيات، فيما تغلق الأبواب أمام الحوارات، وتنغلق الجماعات على ذاتها في متحدات كينونية، يتبارى أسيادها في ادِّعاء الانفتاح والتعارف والتفاعل والقبول وتبادل وجهات النظر.
انشغل أسلافنا بتنوع العقول وتعددها، بتعدد فضاءات الرؤية ومناخاتها، في محاولة إطلاق فلسفة كانت بمثابة حدث داخلي، غير مستورد، بل نشأ في أمة تسعى إلى تحقيق مثالها العيني التاريخي، بدءاً من دولة المدينة ـ دولة النبي محمد (ص) ـ فتلازم بذلك تاريخية فلسفتها مع تاريخية مثالها، هذا الأمر، لم يستطع أحد منعه من الحضور مأثوراً حضارياً، رغم محاولة الآخر إنكار هذه الفلسفة وهذا التاريخ، وزرع هذا الإنكار وسط جمهور لا يستهان به من المتغربين، وهذا ما أفض إلى بروز عقل التباسي ضيق، متعارضٍ ومتصادمٍ مع مشروعية التاريخ والفلسفة، في زمان تاريخي جزئي قوامه مبدأ المنفعة.
مع بداية منتصف القرن العشرين، وفي نهاياته مع القرن الواحد والعشرين، برزت إشكالية كبرى في المجتمع العربي، توحي أن مبدأ نصرة الأمة لم يعد المعيار الذي يُجمع عليه العقل العربي ـ خذ مثالاً على ذلك، ردود الفعل العربية على خطاب رئيس وزراء العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو حول يهودية كيان إسرائيل وإنهاء القضية الفلسطينية، بتاريخ 15/6/2009 ـ وسادت معايير متعددة ناظمة لحركة اجتماعية، تحتاج إلى مساحات واسعة داخل بنى الاجتماع العربي، مرّت قرون طويلة قبل أن يصل إلى هذا المستوى من الالتباس، إن ما حصل كان ضرباً من الوهم والانبهار بالعلمي والسياسي المستند إلى العقل الاعتقادي والآتي من جارتنا أوروبا ومن أميركا، فيما بوركيو في معجمه Dictionaire Critique de la Sociolgie يصرّ على أن الحداثة الأوروبية و«العقل العلمي» الأوروبي كان لهما مصدران أساسيان: الأول عربي والثاني يوناني.
لا بدَّ، هنا، من الإشارة إلى أن المنطق الذي اعتمده «العقل العلمي» الغربي للخروج من القرون الوسطى وهيمنة «الفكر الكنسي» إلى مرحلة الحداثة، وفي تعميق مصادره؛ تمثل في توفير قوى ذاتية تسمح بتعاظم مركز قوته، وسلطانه، وتحرره فعلاً من القيود والضوابط التي كان من الممكن أن تجعله مستلباً أو أسيراً لعقدة انتمائه إلى مصادر تفرض سلطتها عليه.
إشارتنا هذه جاءت لتوضح، أن ما قام به العقل الغربي، أعطاه مجالاً أوسع وحريةً أكبر للاستقلالية، وفرض نفسه على الآخرين، ومنهم العقل الغربي، الذي حاول في عصر النهضة استرجاع المفقود من مأثور الأمة، في محاولة لإحياء مشروعها، عبر عدة أدوار، هذه القضية محورية، وفيها أدوار لا تزال ملتبسة حتى الآن.
يقول بعضهم إن ابن رشد كان آخر العقلاء العرب، وحتى الآن يكتفي الكُتّاب العرب ـ معظمهم ـ بتجديد نشر المنشور، وإعادة خط المخطوط، من المأثور الفلسفي العربي، ولم يستطع هؤلاء الإفلات من سلطة العقل الغربي، فبعدما استطاع العقل العربي الإفلات من سجن الخلافة العثمانية، عاد هؤلاء ليقعوا ويوقعوه في أوهام تفوّق العقل الغربي وتقنياته، وهيمنته السياسية والاقتصادية، فيما يحاول آخرون إظهار بوادر استقلال أو إستقالة من سلطان الاستعمار، وعقله الاستغلالي، من خلال وضعهم لنا أمام عقل زاخر بروحية الصراع والتصدي والتحدي.
لا وهم عندنا في أن تغني العربي بمآثره الفكرية والفلسفية وابتكاراته الثقافية والحضارية، وفتوحاته الواسعة، لن يغنيه عن التفكير الفعلي بواقعه الراهن، بل يحتم عليه حتى يظل أميناً لإبداعاته السابقة العقلانية التاريخية، أن يكون حاضراً الآن في معركة إعادة إنتاج العالم بقواه وعلاقاته ولغاته ورموزه وأدواته ووسائطه.
وفي استعادة وقائع أثرت في استمرارية تقدم العقل العربي وتطوّره، بعدما كان الفكر الفلسفي داخل السياق العربي قد خطا خطوات نحو تشكل عقلانية تتجاوز التراث، هذه الخطوات كانت حدثاً داخلياً نشأ في ذات الأمة. لكن الفكر الذي كان يهدف إلى إيجاد استقلالية العقل الذاتية وتأمين مسؤوليته الفكرية الكاملة، صدم أمام النكبة التي حصلت لابن رشد سنة 1195م. والتي وجهت ضربة قاسية وقوية، تفسر ما حدث لاحقاً من ارتحال نحو الغرب واعتباره نموذجاً، فلم تعد إمكانية تكرار التجربة ذاتها حاضرة، وأصبح الخوف مستحكماً من تكرار النكبة، فكبت من كبت وارتحل من ارتحل.
هنا الصراحة والشفافية شرطان ملازمان لكل حديث عن السياق العربي وإمكانيات هذا السياق، فهل نستطيع هنا أن نسأل العربي، إن كان يريد امتلاك عقل استقلالي ذاتي المباني؟ أم يريده ملحقاً بغيره من العقول؟...
الإجابة عن هذا السؤال تقودنا قبل الوصول إليه، إلى القول إن الإنسان العربي اليوم هو أمام ثلاثة عوالم، لكل منها هويته ومركز استقطابه:
الأول: العالم الديني بكل مآثره وتصوراته، وتشظياته.
الثاني: العالم الفلسفي بتوهيماته الإنسانية التي تبث هنا وهناك.
الثالث: هو العالم المتشكل بمعرفته الرقمية والآيل إلى الانهيار بالمعرفة الرقمية، أيضاً.
في الواقع، العالم يمضي مسرعاً دون انتظار، وهو يخضع لتحولات وتقلبات القِيم، والمفاهيم، والشروعات، والأولويات، ونحن لا نزال نخضع لأوهام، والمطلوب هو فتح المجال لنشوء ممارسات معرفية تتلقف ما ساد، وتنتج فلسفة نشطة فعّالة، مشاركة في فهم الواقع الحي والمتغير، في سبيل ذلك ينبغي فتح حقول ومجالات أمام عمليات الاشتغال الفكري واستثمار التراكم المعرفي، وتحويله إلى آلية تسرِّع في المشاركة والمساهمة، في خلق مساحات أوسع في العالم لإنسان أكثر تقدماً وتطوراً.
ليس لأحد هنا أن ينكر التفاوت في الثروة والمعرفة والقوة، بين الغرب وبقية العالم، وليس لأحد أن يغفل كبوة العقل العربي وجواده، وكبوة الجواد الأوروبي حاضراً، في مقابل عولمة والآن تفكيكية يقودها الأميركي، وثورة تقنية ورقمية تنتج تآكل الحدود بين الدول، هذا الواقع لا يمكن رفضه، من خلال التظاهرات مثلما حصل ويحصل في أوروبا وأميركا الشمالية وأميركا اللاتينية كلما انعقد مؤتمر الدول الكبرى، أو بالرفض السلبي والانجرار الصامت خلف ما يحصل، فالرفض ينبغي أن يبدأ بابتكار المعادلات الوجودية وتظهيرها، وكذلك الصيغ الحضارية، بعد القيام بعملية قطع معرفي واعٍ، مع الميت من موروثنا، ووصل الحي منه، في عملية إجرائية تحتاج إلى مساحة معرفية داخل تاريخنا الحي المعاصر، ولا يقتصر ذلك على إسقاط الأنظمة الديكتاتورية بالثورات الشعبية بل استمرار هذه الثورات في المستويات الفكرية والمعرفية والعلمية وتحفيز الشبان للالتحاق بها.