eKtab
EN ع
ثادريميس
اقرأ عينة مجانية

ثادريميس

بقلم سليم بركات

صفحة 1
الفجر الرابع
 
امتلأت العراءاتُ، حول الهضاب الثماني في أرض ثارُوْسْ، بالجثث· تخاطفتِ العقبانُ اللحومَ الممزَّقةَ، وتهارشتِ الكلابُ فوق الأجساد· لاصوتَ آخر غير صوت الحيوان، في استجابة قلبه لنداءِ الدم، تجرَّأَ أن يمكثَ واضحاً في المشهد المُعْتصَر من عنقود الموت· المطرُ، نفسُهُ، الذي حوَّل الأرض، في العراكِ، إلى أنفاسٍ طينٍ، بدا مُنْهكاً، خائراً، ذا هطولٍ أخرس·
 
اقترب كلب من شخصين جاثيين، متعانقين، يسند أحدهما الآخر فلا يسقطان· كانا ساكنيْنِ، متصلِّبين، ممرّغيْن في الوحل كأنما يرتديانه· دار الكلب من حولهما، فوق سيقان الموتى وصدورهم، فصوَّتتْ تحت أقدامه دروعٌ متلامسةٌ سَرَتْ نبضةُ المعدن منها إلى الشخصين فأصدرا أنيناً· انفصلا· فتحا عيونهما في إِعياءٍ ثقيل· تنفَّسا من فميهما·
 
مااسمُك؟، تمتم أحدُهما· شدَّ راحتَه على مقبض فأسه· أترى؟ منذ الفجر ونحن معاً، في دائرة الوحل هذه· اخبرْني باسمك
 
ماذا ستفعل باسمي إنْ أخذْتَهُ معك؟· أنت راحلٌ، قال الآخر· تحسَّس بيده الطينَ باحثاً عن فأسه·
 
ابتسم الشخص الأول من فم صبغَه بعض الدم: أتظنني سأرحل قبلك؟ فأسي في يدي· فأسُك ليست في يدك· سقطت منك قبل إغفاءتنا هذه من الإعياء رفع ذراعه قليلاً·
 
نظر الآخر إلى الذراع التي تحرّكت: هذا الارتفاع لا يكفي لتسديد ضربةٍ إلاّ إلى فخذيك·هيّي· ارفعْها أكثر، قال متهكماً·
 
تراخت ذراعُ الشخص الأول· لم تكن دورة الدم المسدودةُ برمل التعب في جسده كافيةً لإبرام حركةٍ تليق بضربة فأس· تمتم الآخر: اسمي مِينَاذِي· تستطيع أن تأخذه معك الآن وعاد يتحرّى فأسه المفقودة·
 
اسمي دِيَامِيْنْ قال الأول·
 
أنحن الناجيان الوحيدان، حتى هذه اللحظة يا ديامين؟، ساءله ميناذي، مديراً وجهه، في ثقلٍ حجريّ، على الجهات·
صفحة 2
لم تنجُ أنتَ، بعدُ· فأسي في يدي يا ميناذي· سأستعيد عضلةَ الموت المتراخية في ذراعي هذه· سأعير الموتَ ذراعي هذه· لم تنجُ بعدْ، قال ديامين لاهثاً·
 
تلمّس ميناذي جثتين من حوله يتقرّى سلاحاً مّا· تهدّلت كتفاهُ يأساً: سأنتظر ضربتك يا ديامين· سيكون يأسك أشدّ من يأسي الآن في صحبة هذه الكلاب الجائعة· ستتنفس الجثثَ لا الهواء
 
لم أقتلك بعد، يا ميناذي· لستُ يائساً يأسك بعدُ يا ميناذي· سأعثر لك على فأسٍ، أو نصل حَربةٍ، وسأهبك الوقتَ، الذي يكفيك ويكفيني لنعيد إلى ضربات المحاربينَ أملَ النهاية الفاخر كخصيَتَيْ هذا الـ قال ديامين، وانتشل حفنةً من الوحل رماها بيده المرهقة صوب الكلب المقترب منهما، فلم يكترث به الكلب· تنفّس من فمه المبتلِّ بالمطر· دار ببصره على الجثث الأقرب· تحت ساق الميت، الذي على يسارك، شيءٌ مّا، يا ميناذي· اسحَبْهُ
 
سحب ميناذي حربةً قصيرة من تحت ساق الميت· مسح النصلَ براحته المُتْعَبة، فوجد النصلَ مكسوراً· ضحك ضحكةً مختنقة: لن يكفيني هذا النصل لقتلك أسقَطَ الحربةَ من يده: اقترِب يا ديامين· ساعضّك من وريد رقبتك، فمال عليه ديامين: عُضّني، قال·
 
في الفجر الرابع للحرب حول هضاب أرض ثاروس الثماني، كانت المصادفةُ المتقَشّرة كالبصلة تحت الفؤوس قد أظهرت لُبّها للمحاربَيْن، ديامين وميناذي· اختَرَقا الصفوف فتواجها جائعينِ إلى حساءِ القَدَر الناضج· ظنَّ كلٌّ منهما، بالتقدير القويِّ لبراعتيهما في استنطاق الفؤوس، أنه سيُنهي غريمَه باستدارةٍ عليه، كالفراشة، من صدره إلى ظهره، بعد ضربة أو ضربتينِ مُرْهِقَتَيْنِ على الترس أولاً، ثم يشقُّ سلسلةَ العظام الأربعة من العمود الفقري، تحت الرقبة، بين الترقوتين· لاأحد ينجو إن غارت شفرةُ الفأس إلى النخاع هناك: حريقٌ صاعقٌ يتلوه الشللُ·
 
دارا، أحدهما حول الآخر، كفراشتين· تقعَّر ترساهما من الضربات، وتشوَّشتِ النقوشُ في الصفيح السميك· داخ المعدنُ· داختْ ذراعاهما، وكاد يُغمى على المكان، في الساعة التي تلت الظهيرة·
 
لم يكن باقياً من المتحاربيْن الأعداء غيرُ بضعة صفوف قصيرة من الفريقين، في الفجر الرابع· طحنتِ الجموعُ الجموعَ على الجانبين· اخترقتِ الصفوفُ الصفوفَ، على الجانبين، حتى بلغتِ النساءَ، والدوابَ، والأطفال، فمزَّقتهم الفؤوس· كان دأبُ المتحاربيْنَ، في الأنحاء المترامية حتى الفراغ الذي يلي الفراغَ من أرض ثاروس، أن يصحبوا أهلهم أجمعين، ودوابهم، إلى ساحات الحرب، فلا تعود النجاةُ ممكنةً إلاَّ بالفوز· وإذْ عاين ميناذي الجهات بعينيه الغريقتين في وحل أعماقه ووحل أجفانه، أدرك أن لا أحد، سواهما، يُبدي حراكاً، من تخوم كروم العنب حتى الأسوار القائمة على قمم الهضاب· هو لايعرف كيف اخترق بصرُه ستارةَ المطر، والتفَّ من حول بساتين الزيتون الكثيفة، ثم بلغ سفوح الهضاب الثماني المرصوفة رصفاً بالموتى· قلبُه المتناثر في هاوية يقينه ردَّد صدى الفزع الأخير: لا أحد· مال على ديامين: أتكفي أسناني لقطع وريدك؟ رفع أصابعَه الموحلة إلى فمه· تقرَّى بها أسنانَه: عندي ثغراتٌ في فكِّي· أريد سلاحاً
 
أأعطيك فأسي، أم أجد لك ماتقتلني به؟، قال ديامين· اتَّكأَ على فأسه، ونهض مترنِّحاً· نظر من عليائه إلى وجه ميناذي المخضَّب بالوحل· أغمض ميناذي عينيه كأنه ينتظر ضربةَ المعدن الأخيرة: ها استعَدْتَ عضلةَ الموت غيرَ مُرهقَةٍ، في ذراعك، ياديامين، قال· فتح عينيه على صوت نباحٍ مختنق: أضربتَ الكلبَ؟، تمتم·
صفحة 3
جرَّ الكلبُ، الذي كان يحوم حولهما، نَفْسَه المثلومةَ مبتعداً ينزف الدمُ من خاصرته· واكبتْه بضع كلماتٍ من ديامين: لم نمت بعد انحنى· التقط حربةً من بين الجثث· قدَّمها إلى ميناذي·
 
قهقه ميناذي فتناثر بعضُ الوحل عن لحيته القصيرة: أترى التماثيلَ التي نهبتموها من مجالس علمائنا الولاة؟ عليك أن تلتفت إلى الوراء لتراها
 
دار ديامين على نفسه، ممسكاً بالحربة والفأس كُلاًّ في يدٍ: تسعة تماثيل كانت تتقدم، بحركاتها الثقيلة، من منعطفٍ أسفلَ الهضبة الثانية، متفاديةً أن تدوس الجثث· أحدها ضخم لامرأة واضحٌ معدنُها البرونز· إثنان نحاسيان، ملتمعان· ستٌّةٌ حجرٌ·
 
ثَادْرِيْمِيْسْ، نادى ديامين بصوتٍ استجمعه متخلخلاً، فتوقفت التماثيلُ برهةً· استدارت إليه بثقل معادنها، ثم عادت إلى سيرها في اتجاه الشمال· لماذا تحمل ثادريميس، على كتفها، اللوحَ الذي نحتتْ هيكلي عليه إحدى عشرة مرة؟· أنت تعرف ثادريميس، ياميناذي؟
 
أعرفُها تمتم ميناذي، وأطلق زفيراً· لماذا نهبتم تماثيلَ مجالسنا؟، قال الرجل الجالس على ركبتيه·
 
سألناكم تمثالاً واحداً، فسخرتم منا، ياميناذي· سألناكم أن تعطونا تمثالاً· ألم تكفكم هباتُنا من زيت أرض ثاروس، وزبيب أرض ثاروس، وجعة الشعير من أرض ثاروس؟، قال ديامين، فردَّ ميناذي: طلبتم التمثالَ النحاتَ، لاسواه· لماذا لاتصنعون تماثيل في أرضكم؟ لديكم المعدنُ الحجرُ، والمعدنُ النحاسُ، والمعدنُ الهواء ابتسم من فمه المدمى: أنت، نَفْسُك، تشبه تمثالاً في قناع الطين عليك· لقد نحتَكَ الهواءُ ياديامين
 
لو أعطيتمونا··، قال ديامين، فقاطعه ميناذي: لماذا كان علينا أن نَهِبَكُم تمثالاً؟
 
تمثال واحدٌ كان كافياً أن يوفِّرَ علينا وعليكم هذه النهاية، قال ديامين، فطأطأَ ميناذي: تصنعون نهاياتٍ متقنةً كهذه، لكنكم لاتصنعون تمثالاً رفع وجهه إلى ديامين المنتصب: نادِ ثادريميس البرونزَ· نادِ لامِيْنَا، سيلوبو، النحاسيِّيْن· نادِ أهْفَافا، نِينارديس، نيذريو، مِيْدِيْكْسَا، سِيْسْ، رُوْسَالو، الحجرية· إنها راحلةٌ، ياديامين
 
ثادريميس، تمتم ديامين بصوتٍ فيه نَوْحٌ أخرس· نادى: ثادريميس، فالتفت تمثالُ المرأةِ البرونز إليه· أرختِ المرأةُ ذراعَها عن اللوح الحجري المستطيل، المحمول فوق كتفها اليسرى· تهاوى اللوحُ الثقيل من علوِّ سبع أذرع متهشِّماً، في الوحل المُدمى· رفرفت فراشةُ الرّنين الحجريّ في قلب ديامين· صرخ مرتعشاً: ثادريميس قهقه ميناذي· اتّكأ على ذراعيه ثم استقام: لم أعرف أن في أرضكم شجر كينا نظر إلى دغلٍ متقطِّع الكثافة قرب إحدى الهضاب·
 
أكان تغيَّر شيءٌ ما، يا ميناذي، لو عرفت أن في أرضنا شجر كينا؟، سأله ديامين· فهزّ ميناذي رأسه: لا خيال لشجر الكينا، قال· حدّق إليه ديامين بعينين يائستين· مدّ إليه الحربةَ: سأريك خيالَ الكينا استدار استدارةً ثقيلةً على ميناذي، وهوى بالفأس عليه فأصابه بين الكتف والعنق· ترنَّح ميناذي· نفر دمٌ من تحت طوق درعه الموحل· أصدر شخيراً مختنقاً من فمه· مدَّ ذراعه إلى ديامين فأمسك شفرة الفأس· قبض عليها· شدَّ غريمَه بآخر ما في عضله من رمق العَصَب، وطعنه بالحربة تحت إبطه الأيسر· مَالا أحدُهما في اتجاه الآخر· تعانقا، ثم انهارا جاثييْنِ·
 
تنفَّس المطر·
 
بخطىً بطيئة عبرتِ التماثيلُ السُّهْبَ المعشبَ، شمالاً، ثم توارت خلف صفوف الكروم الفاصلة ـ كشكٍّ خفيفٍ ـ بين معاقل الأرض ومعاقل السماء·
صفحة 4
صريرُ اللسانِ المعدنيِّ
 
دخل الرسول القادم من أرض ثاروس إلى القلعة الطين، من بوَّابتها الحجرية، المتشعبة المداخل كالمتاهة· تنفَّس هواءَ أرض هِيْكو ـ محميّةِ الروح الصلبة، آخر منابت العمران على تخوم جبال كُوْرْبِيْن السوداء، ذوات السلاسل اللامتناهية الموصودة، حيث لاقيامةَ لبشرٍ بعد ذلك، ولانَفَس لحيوانٍ، ولانماءَ لزرع· اخترق الساحةَ الكبيرة ساحةَ السوق المحاط بأبراجٍ مستديرة، واطئة، مسقوفة بأخشاب تظلِّل الحاناتِ المكشوفة، ومجالس المقايضات الثمينة بين الخاصَّة من حذَّاقِ شِرى المعادن، المستخرجة من مناجم جبل رِيْنْدُو، ذي الوساوس المعروفة عند الحفَّاريْن بعَرَق الزئبق·
 
لم يكن الرسول جَاجِيْلْيُو متعباً من عناءِ السفر على جواده الأخضر العينين· لقد نام ليلته، منذ المغيب حتى الصباح، قرب سور القلعة، بعد عشاء من الخبز، والعسل، وبعض الزيتون· أراد أن يبدو نضراً، غيرَ مرهَقٍ، قبل دخوله أسواق هيكو، مسترشداً، من الساحة هناك، بالقباب الثلاث الحمراء، التي تعلو سرايا الحاكم القاضي ميناذي· جاور ثُلَّةَ الحرس المسترخية بلا تحسُّبٍ حتى ظنَّ أن في مستطاعه دخول السرايا بلا استئذانٍ، لكنه آثر سلوكَ الرُّسُل في مهمَّاتهم· ترجَّل عن جواده· أراهُم خَتْم قاضي الأرض التي قَدِم منها: عندي كلماتٌ من المؤتَمَنِ على جلال تراب ثاروس إلى المؤتَمَنِ على جلال تراب هيكو، قال، فقاده اثنان، بجواده، عبر سُرادقٍ طويل من عرائش شجر البوغانفيلي البرتقالي، والأرجواني·
 
كان السرايا مليئاً، من الداخل، بحشود متفرقة، تتجادل بلاغضب في شؤون عرائضها، ومسائل اختصاصاتها، وأحوال البنود الموجبة لحلِّ خلافٍ أو تقييد خلافٍ حتى ينظر فيه الفقهاءُ قبل رفعها إلى ميناذي· نفخ أحدُ المرافقيْنِ في بوق خفيض الصوت، لكن صداه بَسَط رهافةَ الخفيِّ الصامت على رهافة الظاهر الصاخب: عندنا ضيف من ثاروس، قال النافخ في البوق، فمرَّت كلماتُه كنحل شجر الأكاسيا بين الرؤوس حتى حطَّت على يد القاضي الموشومة برسمٍ لزهرة المنثور وقمرٍ هلالٍ· نهض القاضي الطويل، الزاهدُ الهيئة، عن الأرض المفروشة بكليمٍ أزرقِ النقوش· أقلتَ أرضَ ثاروس؟ كيف تذكَّرنا القاضي يُوْرَابَات الحصيف؟ مَن الرسولُ؟ تقدَّمْ
 
تقدّم جاجيليو النحيل في سرواله الطويل، الواسع كشراعٍ· خَفَقَ معطفُه الجلدُ غير المدبوغ جيداً· سبقته كلماته ويده الممدودة: هذا خَتْمُ المُؤْتَمَن على أرض ثاروس· أنا رسوله بدا عجولاً· ابتسم ميناذي: أهلاً بك رسولاً· تعال، فعاجله جاجيليو بحركة الصوتِ اللامدرّبة على التمهيد: أين التماثيل؟
 
اختلطت إشارة يده بحركة عينيه· عمّ صمتٌ صاخبُ الفضول· نطق ميناذي وهو يلجم تسارع المعاني المُرْبِكةِ قليلاً: أأكلت شيئاً، أيها الرسول؟، فردّ جاجيليو، الممسك برسن جواده: من يأكل خبزاً مغموساً في زيت ثاروس لا يجوع أربعة أيام، لديّ يومان، بَعْدُ، لأجوعَ نظر إلى جواده: أأنت جائع؟ رعى العشبَ قرب سوركم· عشبٌ مدرَّب
 
مدرَّبٌ على ماذا؟، ساءله ميناذي مستغرباً، فردّ جاجيليو:
 
ـ على الإصغاء إلى قلب جوادي·
 
وما به قلب جوادك، أيها الرسول؟، ساءله ميناذي بصوتِ الحيرة في تقدير التورية على لسان الرجل الممسك برسن جواده· ردَّ جاجيليو: قلبه قلب السهول تلفَّت من حوله· غمغم: أين التماثيل؟
صفحة 5
سادت الهمهمات بين الحشد المحيط بميناذي· طغى عليها صريرٌ معدنيٌّ بارد· ارتفع جسد تمثال برونزـ تمثالِ امرأة كان جالساً، في الأرجح، قرب منصّةٍ عالية لم ينتبه إليها جاجيليو· رنَّ لسانُ التمثال في جوف الفم إذ نطقَ: ما لك وما للتماثيل، أيها الرسول؟
 
تبلبل جاجيليو· حمحم جواده قليلاً وارتبك· تقدّمت المرأة البرونز، العالية سبعَ أذرع· سرى صدى خطواتها الثقيلة في أرض السرايا فمسَّ قدميَّ الرسول· تحركت عيناها في محجريهما· أصدرتا صريراً·
 
حدّق جاجيليو، متردداً، إلى عينيها الكتيمتين الخاليتين من نقش البؤبؤ والحدقة كما في العيون· رفع ختمَ قاضي ثاروس كأنما يريها إشارةً لم يُحسن رسْمها بالكلمات· أيقظه من بلبلته وتردّده صوتُ ميناذي: حيَّرْتنا قليلاً، أيها الرسول، لم تقُل اسمك، ولم تحدّد غرضَ قدومك، ماذا تريد من التماثيل؟
 
تدحرجتْ كلماتٌ لها طقطقةٌ حجرية، كأنما نطقت أرضُ السرايا نَفْسُها: أتريدُ زوجةً من سلالتنا؟، قال تمثالٌ لا يجاوز ذراعاً، خرج من بين سيقان الواقفين· دقَّ بيده، في حركةٍ باردةٍ، على صدره· جلودنا رقيقةٌ كعيني جوادك، قال، فضحك البعض ضحكاً خافتاً· كمَّموا أفواههم براحاتِهم لا يريدون أن يبدر منهم ما يشبه استخفافاً· وبَّخ ميناذي التمثالَ برقَّة: تمهَّل أيها المخلوق سِيْلُوْبُو· هذا رسول القاضي يورابات
 
تحسَّس جاجيليو فأسه المتدليةَ على خاصرته، وهو يحدِّق إلى التمثال النُّحاسيِّ، القصيرـ تمثالِ رجلٍ بلحية، وخوذة، ودرعٍ يغطي هيكله برمَّته· تمتم بلسانٍ ثقيل: اسمي جاجيليو· أنا هنا أطلب، باسم القاضي يورابات، تمثالاً يؤنسُ مجلسَ الولاة، ويكون بهيجاً في عيون أولادِ أرضِ ثاروس
 
غمغم الحشدُ الواقف· تأمل ميناذي الطويلُ الجسم، ذو المعطف الأحمر المطرَّز بخيوطٍ سوداء، الرسولَ جاجيليو· تكلَّمَ: هلاَّ أخذ أحدٌ عن ضيفنا جواده؟، فهرول من أخذ رسنَ الحيوان من يد الرجل النحيل· استدار إلى تمثال المرأة البرونز، المنتصبة في ثوبٍ من الزرد يغطيها حتى الركبتين: لم يأتنا أحدٌ من قبل، يطلب تمثالاً، يا ثادريميس، ابنةُ الصُّلْب المجوَّف كطبائع الناطقين· بمَ تفسّرين هذا؟، لم ينتظر جوابها· نظر إلى الرسول: أَطَلَبَ القاضي يورابات تمثالاً، أيها السيد جاجيليو؟
 
لديكم تمثالٌ نحَّاتٌ، قال جاجيليو بلسانٍ عجولٍ· طلب القاضي التمثالَ النّحّاتَ
 
سرى الصدى البارد من خطوات المرأة البرونز، إذ تقدَّمت، إلى قدميِّ الرسول العصبيِّ الوجه· نطقتْ، فخرجت الكلماتُ مصحوبةً بصرير اللسان المعدنِ: أنا التمثالُ النَّحَّاتُ في أرض هيكو جاورَتْهُ فبدتْ كبرجٍ· مالتْ بوجهها عليه: ذاكرتكَ ذاكرةُ الظلّ· أنت لا يُنْحَتُ لك رسمٌ· أأنتم بلا قلقٍ في أرض ثاروس، أيها الرسول جاجيليو؟
 
خلا وجه جاجيليو من أي نزوعٍ إلى فهم التوريات· قلَّبَ بصرَه بين وجه المرأة البرونز والختم الذي في راحته· تكلّم بغتةً: أين جوادي؟
 
إنه ينعمُ برفقة جيادنا الآن، أيها الرسول جاجيليو، قال ميناذي·
صفحة 6
كيف أصحب هذا التمثال الضخم؟ ماذا لو حاولتْ ثاد··· أن تهرب؟، قال جاجيليو متلعثماً، فقهقه الحشدُ من حوله· تكلم ميناذي مَرِحاً: أوثِقْها، أيها الرسول· اسْحَلْها من خلفك فوق الصخور· اغْوِها بلسانِ الدّاهيةِ اللَّعوب فيك فربما تعلَّق قلبُها بك، والعاشقةُ لا تهربُ، أيها الرسول جاجيليو رفع وجهه إلى ثادريميس: لماذا يطلب قاضي ثاروس يدكِ، أيتها الآنسة؟، قال بصوتِ الدُّعابة·
 
الفضول، أيها القاضي ميناذي· إنه الفضول، الذي سيغدو مللاً· وسيغدو المللُ شكّاً· وسيغدو الشكُّ يقيناً· وسيغدو اليقينُ اشتغالاً، من جديد، على إعادة ترتيب اليقين القَلِق· أنتم خلائقُ الخوف ـ أيها القاضي ميناذي ـ محترفو تدبير الخوف، بفضولٍ أو من دونه، قالت ثادريميس بصوتٍ جافٍّ ذي صدىً معدنيٍّ في كهف حنجرتها·
 
ألا ترين أيتها الآنسة ثادريميس، أنك تستعذبين الأجوبةَ المطحونة؟، ساءلها ميناذي، فردَّ تمثالُ المرأة البرونز: مطحونةٌ ككلّ شيءٍ آخر في علوم خلائق الخوف ـ نوعِكم، أيها القاضي ميناذي
 
غمغم الحشدُ الواقف جمْعاً جمعاً· دقَّ شيخٌ على فخذ التمثال بأصبعه فسُمِعَ الصدى في جوفه: الذي أنشأكِ صبَّاً في قالب الصلصال كان أخرس، أيتها الآنسة ثادريميس· وها نسمع منك خيالَهُ الناطقَ، قال، فاقترب منه التمثالُ النُّحاسيُّ سيلوبو· تكلّم بلسان الجوهر الخشن فيه: لو قرعتُ بيدي على عظامك، أيها الشيخ كوْدِيْرُو، أيَّ صدىً أسمع غيرَ الصدى المعذَّب لخيالك؟، والتفت إلى الرسول جاجيليو: أرأيت تمثالاً من قبل؟، ساءله، فردّ جاجيليو:
 
ـ لا·
 
أتناوَلْتَ وجبةَ عشاءٍ دسم مع تمثال؟، قال سيلوبو بصوته المعدنيِّ، فقاطعه ميناذي: قال لك إنه لم يرَ تمثالاً
 
أقامرتَ مع تمثال؟، قال سيلوبو للرسول جاجيليو المنحني عليه برأسه، فعاد ميناذي إلى مقاطعته: كفاك عبثاً، ياسيلوبو ثم وضع يده على كتف الرسول: إبقَ الليلةَ هنا· تعشَّ مع سيلوبو ضحك الحشد· ماذا تتعشى، ياسيلوبو؟، قال أحد الواقفين· استطرد ميناذي: قامِرْ بجوادك ضدَّ سيلوبو· سيخسر· هو يخسر أبداً· ستربح وزنَكَ نُحاساً
 
مااللعبة؟، سأله جاجيليو في فضول·
 
تأمَّله القاضي ميناذي· رفع وجهه إلى ثادريميس برهةً، ثم عاد ببصره، من جديد، إلى وجه الرسول: إنْ عُدتَ إلى القاضي يورابات معافىً غداً احملْ إليه كلماتي القليلة هذه: سنقايض أرضَ هيكو وتماثيلَها بأرض ثاروس· نحملُ نساءَنا، وأطفالنا، ودوابنا، ومُؤَنَنا، إلى ثاروس، وتحملون أنتم نساءَكم، وأطفالكم، ومُؤَنَكم إلى هيكو· التماثيل ستبقى هنا، لكم، وتطلَّع من حوله بعينين فيهما مَرَحٌ: أنسيتُ شيئاً؟
 
ترقرق الصوتُ المعدنيُّ هامساً من حنجرة ثادريميس: سيحمل القاضي ميناذي حنينَه إلى هيكو معه· فلْيحملِ القاضي يورابات معه حنينَه إلى ثاروس .