eKtab
EN ع
تهافت الأصولية
اقرأ عينة مجانية

تهافت الأصولية

بقلم شاكر النابلسي

صفحة 1
فاتحة الكتاب
 
-1-
 
الأصولية، هي المولود العزيز للسلفية والسلفية الجهادية· ولذا، فقد بدأنا فصول هذا الكتاب، بتعريف السلفية والحديث عنها، لكي ننتهي إلى الأصولية في الباب الثاني·
برزت الأصوليات الدينية السماوية والأرضية على السواء، بشكل واضح ومؤثر، في تشكيل العالم من جديد، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وخاصة الأصولية الدينية الإسلامية، التي كان لها اليد الطولى، في كارثة الحادي عشر من سبتمبر 2001·
فتنظيم القاعدة الديني السلفي الجهادي، الذي أصبح أصولياً فيما بعد، كان المنفِّذ لهذه الكارثة، باعتراف زعيمه أسامة بن لادن· ونجم عن ذلك، انشغال الفكر، والبحث، والإعلام الغربي، بتفاصيل هذه السلفية والأصولية، ونبش كل الماضي السلفي/الأصولي الديني في الإسلام· وكان هذا الحال في العالم العربي ولو جزئياً، وخاصة في مصر ودول الخليج، حيث تمَّ التركيز على أبحاث السلفية والأصولية الدينية الإسلامية، وتجلياتها عبر العصور، ومستقبل السلفية/الأصولية، التي تقف صلبةً الآن، صلابة الحجر، وليس ثبات الشجر المتجدد كل عام، في وجه الليبرالية، والتنوير، والعَلْمانية·
صفحة 2
-2-
ورغم أن السلفية/الأصولية الدينية الإسلامية، تلعب دوراً ثقافياً، وسياسياً، واجتماعياً، خطيراً، وكبيراً، في تشكيل، أو في إعادة تشكيل العالم العربي، إلا أن الدراسات العلمية والتاريخية الأكاديمية العربية والإسلامية، ظلت قاصرة عمّا قام به الغرب، ويقوم به، لدراسة هذه الظاهرة التاريخية، دراسةً علميةً منهجيةً دقيقة·
ففي أمريكا - مثالاً لا حصراً - قررت الأكاديمية الأمريكية للعلوم والآداب، منح جامعة شيكاغو الشهيرة ، مليون دولار، لدراسة الأصوليات في العالم، بحيث تُصدر مجلدات، تتحدث عن كل الأصوليات· ولا شك - كما قال المفكر المصري مراد وهبه- في أن العالم العربي في غيبوبة عن هذه الأجزاء· ومن الضروري قراءة هذه المجلدات، خصوصاً أنه لا توجد أصولية في هذا العالم، تنفرد بنفسها، في منطقة معينة من العالم·
صفحة 3
-3-
 
شنَّت السلفية/الأصولية الدينية الإسلامية، في الحاضر والماضي القريب، حملات تشويه، وقدح، وشتم، على كل من تعرّض لها بالنقد السلبي· وحاولت بكل قوة، أن تربط بين السلفية/الأصولية الدينية الإسلامية، وبين الدين الإسلامي نفسه، لكي ترمي أعداءها بالكفر الإلحادي، والكفر الشركي(1)، والزندقة·
وعلينا أن نُبيّن بشكل واضح، أن هناك فرقاً كبيراً بين الدين الإسلامي، والسلفية/الأصولية الدينية الإسلامية· ومن هذه الفروق:
1- أن الدين - افتراضاً - من صنع الله ورسوله، متجسداً بالقرآن والحديث، في حين أن السلفية/الأصولية الدينية من صُنع البشر (الفقهاء، وعلماء الدين، والمخيال الشعبي، والعادات، والأعراف، والتقاليد·· الخ)· وهذه السلفية/الأصولية، هي التي ينصبُّ عليها نقد المفكرين الليبراليين، والعلمانيين، والتنويريين·
2- أن الدين بالقرآن والأحاديث النبوية، هو الدين الإسلامي· وما أُضيف له من فقه الفقهاء وتفسيراتهم، في مختلف العصور، تمّت إضافته لأسباب سياسية، واقتصادية، واجتماعية، متغيّرة بتغير العصور· ويقول المفكر والشاعر الباكستاني المعروف محمد إقبال: إن تراثنا في معظمه كُتب في ظروف مشبوهة
3- من خلال فقه الفقهاء ذاك، نشأت السلفية/الأصولية الدينية الإسلامية، التي اعتبرت كل معارضة لها، أو رفض لأفكارها، هو معارضة للدين الإسلامي، ورفض له·
4- السلفية/الأصولية الدينية الإسلامية، عارضت في ناحية من نواحي النصوص المقدسة من قرآن وسنة· فبينما تحثُّ النصوص المقدسة على التفكير، والتدبير، والتأمل في خلق الله، تنصُّ السلفية/الأصولية الدينية الإسلامية على عدم النظر في النصوص المقدسة بمنطق العقل والتأويل· وتعتبر أن لا باطن في هذه النصوص، ولا مجاز فيها·
5- تُركَّز السلفية/الأصولية الدينية الإسلامية على النصوص المقدسة، من قرآن وحديث شريف، ولكن على ما قيل وجاء في المرحلة المدينية؛ وهي مرحلة استعمال القوة والسيف في نشر الدين، ومحاربة الكفَّار (قريش وأنصارها) حرباً مكشوفة، {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} (الحج: 39) وهي أول آية أذن فيها الله تعالى، بالقتال، ونزلت في المدينة· ونزلت هذه الآية، بسبب شكوى الصحابة في مكة والمدينة من أذى الكفار، وعدم استطاعتهم رد عدوانهم بالقوة، لأن الرسول لم يكن قد أُمر بالقتال، من قبل، إلى أن نزلت هذه الآية· وذلك على عكس ما كان عليه الإسلام الروحي/الصوفي النقي في مكة المكرمة، قبل الهجرة النبوية إلى المدينة· فكان الإسلام الروحي/الصوفي هو إسلام الفترة المكية· وكان الإسلام المادي/السيفوي هو إسلام الفترة المدينية، وهو الذي يُدرّس في معظم أنحاء العالم العربي والإسلامي، من قبل السلفية/الأصولية الإسلامية، التي تشارك مشاركة فعلية في وضع مناهج التدريس، وتقوم بالتدريس كذلك، وتدريب المعلمين الآخرين على تعاليم السلفية/الأصولية الإسلامية؛ أي التدريس ضمن خصائص معينة، ونسق فكري محدد· فهي تعتمد علي حرفية النص الديني؛ أي عدم إعمال العقل في النص الديني، ومعارضة النظريات العلمية التي يتوهم السلفي/الأصولي أياً كان، أنها ضد العقيدة، بالإضافة إلى المقاومة الشرسة للعَلْمانية، والتنوير، والليبرالية·
6- تُركِّز نصوص الدين المقدسة، على ضرورة وجود العقل الناقد، لكي يتوالد منه العقل المبدع· في حين أن فكر السلفية/الأصولية الدينية الإسلامية، يُركِّز على ضرورة منهاج الإتباع لا الابتداع· وبذلك، فهي تدعو، وتسعى إلى تدمير العقل المبدع، حيث يختفي الإبداع من الأمة، كما هو حالنا اليوم· وتصبح الأمة أمة التلقين والتدوين، لا أمة الخلق والإبداع·
7- الأصوليات جميعها ذات مُطلقات، وأحكام نقدية، وحلول مطلقة، فلا تقبل الحوار، والحلول الخياريّة الأخرى· فإما هذا وإما فلا· ولا يحدها حدٌّ، ولا سد· في حين، أن نصوص الدين، وخاصة في موضوع المعاملات، جاءت لتناسب مجتمع مميز، كان قائماً في ذلك الوقت، منذ 15 قرناً· وهذا ما تدعو إليه العَلْمانية، ذات الأحكام والحلول النسبية·
8- وأخيراً، تعارض السلفية/الأصولية الدينية في الأديان كافة الإصلاح الديني· وبالنسبة للدين الإسلامي، فإن سيّد قطب - مثالاً لا حصراً - يعارض الإصلاح الديني والتنوير، ويطلق على الإصلاح الديني المرض العقلي المُسمى بـ الفصام النكد (مرض عقلي معناه عزلة المريض عن الواقع)·
صفحة 4
-4-
 
إذن، لماذا هذا الكتاب؟
ولماذا هذا البحث عن السلفية/الأصولية الإسلامية؟
وما هو خطر هذه السلفية/الأصولية على الدين والواقع العربي، حاضراً ، ومستقبلاً؟
يتمثل خطر السلفية/الأصولية الإسلامية على الحاضر والمستقبل العربي، في المخاطر المنظورة، والواقعية التالية:
1- الإيمان المطلق بالحقائق المطلقة(2)، ومنع النقاش، والجدل، والإبداع الفكري فيها· وفي هذا تكبيل تام، للنشاط الفكري، والاجتهاد، وازدهار الرأي الآخر· فالحقيقة المطلقة، مرتبطة دائماً بالعقائد الدينية، وليس بالأفكار· فالأفكار تغيير، أما العقائد الدينية فهي عابرة للتاريخ، لا تتغير، ولا تتبدل·
2- ارتباط ظاهرة الإرهاب بالسلفية/الأصولية الدينية· واعتبار السلفية/الأصولية الدينية هي الثدي الدافئ المُرضع لأفكار عناصر مليشيات السلفية الجهادية· وعندما تُطبَّق العَلْمانية في العالم العربي، فسينتهي الإرهاب كتحصيل حاصل· فنحن نعلم - ومن واقع نهايات القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين - أن وتيرة الإرهاب قد ارتفعت في هاتين الفترتين مع بروز السلفية/الأصولية الدينية في هاتين الفترتين أيضاً· كما نلاحظ أن من يغذي ميليشيات الإرهاب فكرياً ودينياً في العالم العربي، هي السلفية/الأصولية الدينية، التي تُعدّ الخط الثاني للإرهاب·
3- عزل ومنع العقل من العمل في النص الديني· وهذا موجود في سائر الأصوليات الدينية السماوية والأرضية عموماً، مما دفع الإرهابيين إلى قتل كل من يحاول إعمال العقل في النصوص الدينية، على مختلف أشكالها وطوائفها، باعتبار أن من يحاول إعمال العقل في النص الديني، يُعدُّ كافراً، وزنديقاً·
4- السلفية/الأصولية الدينية، ضد التجديد، وضد الإبداع والتنوير، بل هي ضد الحضارة بصفة عامة· وفي رأي بعض المحللين والمفكرين كمراد وهبة، فإن استهداف برجي نيويورك، فيما حدث في 11 سبتمبر 2001، هو تدمير لقمة الثورة العلمية والتكنولوجيا· لأن البرج التوأم، به نحو 29 % من حجم التجارة الحرَّة، التي هيقلب الثورة العلمية والتكنولوجيا الآن؛ لأن التجارة الاليكترونية، تقلّص المسافات الزمنية والمكانية· فتدمير هذا البناء، ليس تدميراً موجهاً لأمريكا، بل هو موجه ضد الحضارة· فأولئك، الذين دمروا البرج التوأم، هم أعداء الحضارة، فلو كان هذا البرج موجوداً في مكان آخر غير أميركا، لتمَّ تدميره(3)·
5- من المعروف جيداً، أن السلفية/الأصولية الدينية (التفكير المطلق) ضد العَلْمانية(4) (التفكير النسبي)، والتي هي ببساطة فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية؛ أي فصل الكنيسة أو المسجد عن قصور الحكم، كما هي الحال في أوروبا وأمريكا الآن· والسلفية/الأصولية الدينية، تحارب هذا الفصل، محاربة شديدة وعنيفة، لكي لا يتمَّ حرمان رجال الدين من سلطاتهم السياسية، والمالية، والاجتماعية، والثقافية، التي يتمتعون بها، وتضعهم في مقدمة الصفوف، وصدر المجالس· ولتظل كل تفاصيل الحياة ومجرياتها في يد رجال الدين وقراراتهم الصغيرة والكبيرة (الفتاوى الدينية على الطالعة والنازلة)، كما نلاحظ ذلك في بعض الدول العربية، وخاصة دول الخليج العربي· ولهذا نرى، ويرى معنا كوكبة من المفكرين العرب، أن الصراع الحقيقي في العالم العربي، ليس بين السلفية/الأصولية الدينية والديمقراطية، ولكنه صراع بين السلفية/الأصولية الدينية والعَلْمانية·
6- تسعى السلفية/الأصولية الدينية الإسلامية إلى السلطة، كما كان الحال في الأصولية المسيحية واليهودية· وهذه السلطة، تمارس حقها في إدانة المفكرين والعقلانيين، الذين يحاولون تفسير النصوص الدينية المقدسة، على عكس ما فسره فقهاء السلفية/الأصولية الدينية· وتكون أحكامهم في بعض الأحيان نافذة المفعول، بما فيها حدُّالقتل· فقتلت السلفية/الأصولية الدينية المفكر المصري فرج فوده، وحاولت قتل نجيب محفوظ في مصر· وقتلت حسين مروة، ومهدي عامل في لبنان· وشنقت محمود طه (غاندي السودان) في السودان· وكفَّرت، وأهدرت دماء مئات من المفكرين، والشعراء، والكُتّاب(5)·
صفحة 5
-5-
 
وأخيراً، لقد اتبعنا في هذا الكتاب أسلوباً، وهو الإكثار من العناوين، لمضامين مركَّزة ومباشرة· وقد لجأنا إلى هذا الأسلوب، بعد أن لمسنا ضجر القارىء السيّار، والمتخصص على السواء، ورغبته في الملخَّص المفيد، دون إغراقه في المتاهات الفكرية، التي أصبحت ثقيلة عليه، في عصر السرعة الخارقة الذي يعيشه، وفي عصر ثورة الاتصالات والانترنت· والغاية من هذا كله هو الوصول إلى أكبر عدد من القراء، وعدم حصر هذا البحث بالنُخب المتخصصة فقط·
صفحة 6
في السلفية
 
جذور السلفية وأنواعها
 
 
-1-
السلفية هي الثدي المُرضع للأصولية·
ظهرت السلفية في القرن الثامن عشر في مجتمعات تقليدية، صحراوية وبدوية، شبه بدائية في الجزيرة العربية· وكان أحد أبرز أعلامها الرئيسيين الشيخ السلفي محمد بن الوهاب(1703-1792م)، الذي أسس المذهب الوهابي السلفي في الجزيرة العربية· ولم يقتصر انتشار الوهابية على الجزيرة العربية وخاصة في السعودية وقطر، وإنما انتشر بعد ذلك في سوريا، ومصر، والمغرب العربي·
 
-2-
شهد العالم العربي في القرنين التاسع عشر والعشرين، أربعة أنواع من السلفية، تميزت بمواقعها الجغرافية· وكانت كل واحدة تختلف عن الأخرى، في طروحاتها ومفاهيمها· وهذه السلفيات الأربع هي:
1· السلفية الشامية، التي نشأت في بلاد الشام
وكانت هذه السلفية، تعني التخلّف، والعودة إلى الماضي المناقض للحاضر· وكان شعار هذه السلفية العودة إلى الجذور· كما كان هدفها استنساخ تجارب الماضي وتطبيقها على الحاضر· وناصرت هذه السلفية الدولة العثمانية· ونادت باستمرار الخلافة الإسلامية، نكاية بالمسيحيين العَلْمانيين في مصر وبلاد الشام· وتحفَّظت هذه السلفية على الحداثة· ولا شك، في أن هذه السلفية، ساعدت على قيام مجموعة من الأحزاب السياسية الإسلامية، كانت امتداداً للأحزاب السياسية الإسلامية المصرية، كحركة الإخوان المسلمين، وحزب التحرير الإسلامي، وغيرهما·
2· السلفية المصرية
كانت هذه السلفية تعني العودة إلى التراث والتمسك به، مع عدم رفض المعاصرة· وكان شعار هذه السلفية الاستنارة بالتراث· كما كان هدفها محاربة الأفكار التنويرية التي جاءت من أوروبا· وناصرت هذه السلفية الدولة العثمانية، ونادت باستمرار الخلافة الإسلامية، نكاية بالاحتلال البريطاني لمصر· وحاربت هذه السلفية الحداثة، وأفكارها· وبفضلها تحقق قيام مجموعة من الأحزاب السياسية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، ثم مجموعات كبيرة من الجماعات الإسلامية الإرهابية، التي تكاثرت وتنوعت في النصف الثاني من القرن العشرين·
صفحة 7
3· السلفية الخليجية، التي نشأت في الخليج العربي
كانت هذه السلفية تعني العودة إلى سيرة السلف، مع التحفظ على المعاصرة· وكان شعارها إحياء التراث· أما هدفها فكان القضاء على الخرافات، والطقوس، والعادات السيئة· وناصبت هذه السلفية العداء للدولة العثمانية، وثارت عليها، وعدَّتها عدوة للدين الصحيح الخالي من الخرافات· وحققت هذه السلفية، قيام كيان سياسي ديني سلفي بقيادة آل سعود، وكانت بذلك أول حركة دينية استطاعت أن تحقق أهدافها السياسية كاملة، وتنشر دعوتها الدينية - السياسية خارج منطقة منشأها(6)،وهي المملكة العربية السعودية· ولم تعرف هذه السلفية- نتيجة انغلاقها الجغرافي والتاريخي - الحداثة، ولم تتصدَ لها بشكل شرس إلا في الربع الأخير من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين· وكان أبرز هذه التصديات ما صدر في السعودية من كتب وأشرطة من قبل الأصوليين، أشهرها كتاب الأصولي عوض القرني (الحداثة في ميزان الإسلام، 1988) وكتاب سعيد الغامدي المجزرة (الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها، 2003 ) في أجزائه الثلاثة (2317 صفحة) الذي نال عليه درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف، من جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض· وفي هذا الكتاب يُكرر الغامدي ما قاله الباحث السلفي عوض القرني منذ 17 سنة، من أن دعاة الحداثة وكتابها وشعراءها ومفكريها في العالم هم كفرة، يجوز قتلهم· وأن أقوالهم وأعمالهم وعقائدهم التي أذاعوها توجب الحكم عليهم بالردة، وترفع عصمة الدم عنهم· إلا أنهم في الأجواء السياسية العَلْمانية المستوردةمن الغرب، أذاعوا كل ما في صدورهم العفنة من كفر وإلحاد، في معاندة للدين، وأحكامه، وشرائعه، وعلمائه، ودعاته.(7)
ويُقرن المؤلف بين الحداثة والعَلْمانية، التي هي في رأيه سموم فكرية، ومفاهيم ضلالية، وخمور فكرية وأنَّ من ينتمون لهذه الأفكار، همهم ترويج أصناف الزيف، و ضربت عليهم عماية الجهل ويتابع المؤلف قائلاً: مما يزيد الأمر سوءاً، أن هؤلاء الممسوخين، لهم نفوذ صارخ في أجهزة التوجيه والإعلام، في كثير من بلاد المسلمين· ولا شغل لهم، إلا نقل النفايات البشرية، أو المماحكة فيما فرغ الشرع المعصوم من تقريره، وإثباته· وقضيتهم الكبرى استيراد الآراء النظرية المتناقضة، وتخدير إحساس الأمة، بآلاف الدواوين، والمسرحيات، والرسوم، والمقالات النقدية، وغير النقدية، من خلال الإثارة، والجاذبية، والمتعة الفنية، في الشعر، والرواية، والقصة، وتهريج المسرح، وأصباغ الرسوم، ومن خلال صناعة النجوم.(8)
4. السلفية المغاربية، في المغرب العربي
كانت هذه السلفية تعني الرجوع إلى سيرة السلف الصالح، وليس الرجوع إلى الوراء· وكان شعارها هو التحديث، وهدفها محاربة الاستعمار والاستبداد في آن واحد· ولم يكن لها علاقة أو موقف من الدولة العثمانية، لعدم خضوعها السياسي المباشر للباب العالي· وتبنَّت هذه السلفية الحداثة بتحفظ· وناضلت ضد الاستعمار الفرنسي نضالاً بطولياً مُسلحاً وطويلاً· واستطاعت أن تحصل لبلادها على الاستقلال· وكانت بالتالي نموذجاً للسلفية الإسلامية، التي أخذت بالتحديث من جهة، ونالت الاستقلال السياسي من جهة أخرى·
صفحة 8
الفروق بين السلفية والأصولية
 
-1-
يخلط كثير من القراء، وبعض الكُتَّاب بين السلفية والسلفيين وبين الأصولية والأصوليين· ويعدون السلفية أصولية، والأصولية سلفية· ربما كان هذا الخلط جائزاً وصحيحاً في الماضي، وقبل نشوء الأصولية التي جاءت بعد السلفية· فالسلفية تاريخياً، أسبق من الأصولية· والأصولية لم تُعرف بوجهها الآن، إلا مع ظهور الإسلام السياسي، في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين· فالإسلام السياسي، هو الأصولية· ومن المضحك، أن نجد بعض الكتاب يقولون لك مثلاً: إن الإسلام السياسي والأصولية، كذا وكذا والصحيح علمياً وتاريخاً أن يقولوا لك مثلاً:
إن الإسلام السياسي، أو الأصولية كذا وكذا
 
-2-
فما هي أوجه الاختلاف والائتلاف بين السلفية والأصولية؟
1- ظهرت السلفية في القرن الثامن عشر، في مجتمعات تقليدية، صحراوية وبدوية، شبه بدائية في الجزيرة العربية، كما سبق وقلنا قبل قليل· وانتشرت بدايةً في النواحي الريفية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ثم في الأرياف الهندية، وكان فقيهها الأول هناك شاه ولي الله· ووصلت إلى بلاد الشام في القرن العشرين، وانتشرت في الأرياف والأطراف، حيث التديّن الشعبي· وفي الأحياء الشعبية العشوائية داخل المدن، وخاصة في سوريا·
بينما نشأت الأصولية، مع ظهور الإخوان المسلمين 1928، وفي مجتمعات مدينية تقرأ، وتكتب، وتتابع ما يجري في العالم· وكان أول انتشارها في مصر، وبلاد الشام·
2-السلفية دعوة دينية اجتماعية، تركِّز اهتمامها على نبذ التقاليد والأعراف والشعائر، التي تعدّها جاهلية، كزيارات القبور، والإيمان بالأولياء، والسحر، والتنجيم، والتعاويذ، والشعوذة، والتصوف الشعبي، وتقديس الموتى، وبعض مظاهر الطبيعة· وتسعى في هذا إلى تطهير الدين والتوحيد من الشرك والوثنية، والعودة إلى الإسلام الأول الصافي· في حين أن الأصولية الدينية، تعدّ دعوة دينية سياسية، هدفها الأقصى إقامة الخلافة الإسلامية والدولة الإسلامية· ولهذا السبب اصطدمت الأصولية مع الأنظمة العربية، ومثالها الواضح صدام الإخوان المسلمين مع عهد عبد الناصر في الخمسينات والستينات من القرن العشرين، كما اصطدمت دموياً، مع عهد حافظ الأسد في 1982·
3- الأصولية تؤمن بالحداثة، ولكن حداثتها الخاصة بها، تعني وتكمُن في السعي لإقامة دولة الخلافة الإسلامية· والأصوليون حاذقون في معرفة كيفية التفاف سُنِّة الرسول على سُنَّة التاريخ، وبالتالي تتيح لهم هذه السُنَّة الاندماج في حداثة، لا تكون مجرد ظاهرة مستوردة منالخارج، كما يرى السلفيون، بل حداثة نابعة من المجتمع الإسلامي.(9)
بينما تُعادي السلفية - وخاصة آباؤها الأوائل - الحداثة بكل أشكالها، وترمي الحداثيين بالإلحاد، والكفر برب العباد، لأنها لم تعرف الحداثة، ولم تصطدم بها· وليس للسلفية هدف سياسي يتجلّى بإقامة الدولة أو الخلافة الإسلامية· بل إن هدف السلفية الأساسي متواضع جداً بالقياس لأهداف الأصوليين· فهدف السلفية إقامة مجتمع خالٍ من البدع، وعدم تقديس الأولياء، والزعماء السياسيين، والعودة إلى البساطة في السلوك الإسلامي، وتطهير المجتمع من الخرافات، والكرامات، والسحر، والتنجيم، والشعوذة التي جاء بها التصوف الشعبي·
والسلفية تنادي بالعودة إلى الكتاب والسُنّة، وإلغاء كل ما علق بالدين الشعبي من تقاليد، وعادات، وأعراف· وظهر داخل السلفية، فيما بعد تياران:
تيار تقليدي، يرفض أي تجديد، وينتمي إلى أحد مذاهب الفقه الأربعة (الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنبلية)، وهو يتعامل بالشريعة من وجهة نظر أخلاقية بالدرجة الأولى، ويرتبط في بعض الحالات بالتصوف الشعبي·
والثاني تيار إصلاحي ينتقد التقاليد، والعادات، والتدين الشعبي، والصوفية الشعبية الاحتفالية، وزيارة القبور، والاحتفالات الدينية المختلفة كالمولد النبوي، ورأس السنة الهجرية، وموالد الصحابة والأولياء، والعودة إلى النصوص المقدسة والمؤسسة·
4- برز في عصر النهضة المبكرة، ما سمّاه بعض الباحثين كمحمد عمارة بالسلفية العقلانية المستنيرة، والتي كانت تتمثل بجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وعبد الرحمن الكواكبي، وعبد الحميـد باديس وغيرهم· ولا ندري بادئ ذي بدء، كيف تمَّ تركيب هذه التسمية من محمد عمارة·
صفحة 9
فكيف تستقيم السلفية مع العقلانية، هذا أولاً؟
وثانياً، كيف تستقيم السلفية مع الاستنارة؟
أما هؤلاء السلفيون العقلانيون المستنيرون - حسب تصنيف محمد عمارة - فقد كانت لهم مسالكهم، وطرائقهم في التقدم، والتي تتلخص فيما يلي:
- أخذُ الدين من منابعه الأولى النقية، وليس من فكر العصـور الوسطى، ومتونها، وحواشيها·
- لا بُدّ من إصلاح المؤسسات التعليمية الدينية إذا أردنا التجديد والإصلاح الديني·
- إدخال العلوم الوضعية والطبيعية، في مناهج المؤسسات التعليمية الدينية·(10)
- اعتبار الإنسان من أكبر أسرار هذا الكون· وأنه هو القـادر - بعقله - على استجلاء ما غمُضَ واستكشاف ما جَهُلَ·
- نقض الحلف غير المكتوب بين رجال الدين - وخاصـة من المتصوفة - وبين السلطة· وهو ما كان قائماً في العهد العثماني، حيث اعتُبر السلطـان ظل الله على الأرض وسيفه المشرع على رقاب العباد وهذا بالطبع لا يعني فصل الدين عن الدولة، بقدر ما يعني عدم استخدام الدين لمصالح الطبقات الحاكمة، ومبرراً لاستغلالها، وبطشها، واستبدادها·
- لا سلطة لأحد من رجال الدين، أو رجال السلطة على الدين· وسلطة رجال الدين، ورجال السلطة السياسية ما هي إلا سلطة مدنية، وليست دينية·
- إن العِرق ليس هو الرباط القومي· كما أن الدين ليس هو الجامعـة القومية· وأن العروبة هي محصلة أقوام، وأجناس مختلفة، وأديان متفرقة أصبحوا - بالمعنى الحضاري - عرباً· وأن العرب بحضارتهـم وليسوا بعِرقهم، أو بدينهم،(11) تأييداً لقول الرسول: إن العربية ليست بأحـدكم من أب أو أم
ومن خلال ذلك، يتبين بأن هؤلاء المفكرين كانوا عقـلاء ومستنيرين، ولم يكونوا سلفيين· وكانت التسمية اللائقة بهم هي الإسلاميون العقلانيون المستنيرون فقط، دون إلحاقهم بالسلفية· ذلك أن السلفية تعني في كثير من الأحيان الجمود، والقيود، والانغلاق، والارتزاق· كما أنها تعني في كثير من الأحيـان إخضاع حياة الخلف لأحكام السلف وهو ما لم يُرده هؤلاء المفكرون، وإن كان معظم هؤلاء من رجال الدين أصلاً، وممن يرددون دائماً أقوالاً وسيراً من السلف· ولكن هؤلاء لم يحاولـوا أن يخضعوا كثيراً حياة الخلف لأحكـام السلف·
5- كان السلفيون في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، من الناس البسطاء الذين لم يعرفوا الحضارة الغربية، ولم يحتكوا بها نتيجة لظروف تاريخية، ومكانية، وزمنية خاصة· كما لم يطلعوا على إنجازات الفكر الأوروبي، وعصر التنوير·
في حين أن الأصوليين وعلى رأسهم سيّد قطب، وأبو الأعلى المودودي، كانوا على علاقة وثيقة بالفكر الغربي· وزار قطب أمريكا في عام 1948 ، ومكث فيها مدة عامين، في بعثة تعليمية· كذلك، فأغلب قيادات الأصوليين، لا تتشكل من رجال دين بقدر، ما تتشكل من تخصصات علمية وفكرية (ما عدا إيران)· لذا، لا تتورع الأصولية عن اغتيال رجال الدين المتحالفين مع السلطة القائمة· فاغتالوا الشيخ محمد الذهبي وزير الأوقاف المصري، عام 1977، واغتالوا الشيخ محمد المصري، مدير أوقاف حلب عام 1979· ويلاحظ أوليفيه روا أنوالحركات الأصولية بما فيها حركة الإخوان المسلمين، لم تتشكل من رجال دين، وإنما تشكلت خارج هيئة العلماء، وبعيداً عن كبريات الجامعات الدينية كالأزهر.(12)
صفحة 10
وعندما سقطت الخلافة الإسلامية في تركيا، عام 1924 لم يهتم لهذا الحدث السلفيون· بل إن السلفيين، كانوا على خلاف شديد مع الخلافة الإسلامية، التي سيّرت عليهم الجيوش في نجد والحجاز، وحاولت الاستيلاء عليهما· ولكن السلفيين - وكانوا يُسمّون بـ الإخوان أيضاً في ذلك الوقت - حاربوهم وصدّوهم· في حين أن الأصوليين حزنوا جداً على سقوط الخلافة·
ويقول بعض المؤرخين، إن قيام جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 ، كان رداً على سقوط الخلافة في 1924· ولذا، سارع الإخوان بالاشتراك مع الشيخ مصطفى المراغي (شيخ الأزهر آنذاك) إلى تنصيب الملك فؤاد خليفة للمسلمين· ولكنهم فشلوا· فأعادوا الكرّة مع الملك فاروق· ولكنهم فشلوا أيضاً، لأن مقاومة الليبراليين بقيادة الحزب الدستوري المصري، في ذلك الوقت مع حزب الوفد العَلْماني، كانت قوية·
6-عُني الأصوليون بالمنظمات، والروابط، والجماعات، والتجمعات الحزبية، والعمل السياسي الجماعي، وكل ما من شأنه أن يصبح قوة فاعلة، لقيام الدولة الإسلامية· وهم من أنشأ رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، ومعظم أعضائها كانوا من جماعة الإخوان المسلمين وكل هذا، من أجل أن يُقرّبهم من إقامة الخلافة الإسلامية، واستلام السلطة· فهدفهم سياسي بالدرجة الأولى والأخيرة· في حين أن السلفيين لم يهتموا بالسياسة، بقدر ما اهتموا بإعادة الدين إلى ينابيعه الأولى، وإبعاده عن السياسة· ويلاحظ هنا، أن السلفيين أقرب من الأصوليين إلى العَلْمانية، بما تعني فصل الدين عن الدولة· كما أن الدولة في نظر السلفيين، مجرد أداة، غير ذات قيمة·
7- تُعنى الأصولية بالشروح والتفاسير السابقة، ولا ترغب في فتح باب الاجتهاد الذي أُغلق منذ قرون طويلة· في حين، تنادي السلفية، بفتح باب الاجتهاد، ولا تعتبر الشروح والتفاسير السابقة· وكان سبب مطلب السلفية لفتح باب الاجتهاد، للحد من استئثار العلماء بالنصالديني· فالسلفيون كالأصوليين ليسوا علماء دين في الأصل.(13)
8- تُعنى الأصولية بالحاضر والمستقبل عناية كبيرة، وهذه العناية تعود إلى الهدف السياسي الرئيسي للأصولية· في حين أن السلفية تُعنى بالحاضر في الدرجة الأولى لتخليصه من شوائب الماضي المليء بالخرافات، والكرامات، والتهويمات، الصوفية الشعبية· وعناية الأصولية بالحاضر والمستقبل، متأتية في ناحية من النواحي، باعتبارها أن المجتمع الإسلامي التقليدي القديم قد زال، وحلَّ محلّه التحديث، والتغريب، والكفر، والطاغوت، وعلينا أن نتصدى لهذا كله، لإقامة المجتمع الإسلامي الأصيل، على أنقاض المجتمع القائم الملوث· والأصولية في هذا، حركة جذرية راديكالية، تشبه في بعض وجوهها الحركات والدعوات اليسارية الحديثة الراديكالية· لذا، سريعاً ما ظهر أن الدعوة الأصولية، تُشكِّل انشقاقاً في داخل الإسلام على خلاف السلفية، التي نشأت كفرقة أو مذهب في داخل الإسلام، لتطهيره من الشرك، والمعتقدات الجاهلية السابقة عليه، جاعلة من الوحدانية، وماهية التوحد، والإسلام الصافي، همَّها الأول والأخير.(14)
وعلى هذا الأساس، يمكننا اعتبار السلفية، مظهراً أخيراً من مظاهر العصر الإسلامي الكلاسيكي، وتخضع للآليات نفسها، التي كانت تخضع لها حركات التجديد، في الإسلام القديم·
9- تهتم الأصولية اهتماماً شديداً بالثورة السياسية، والشريعة، وقضية المرأة· فيرى الأصوليون، أن لا وسيلة لعودة المجتمع الإسلامي، وإقامة الدولة الإسلامية (حيث لا تقوم الدولة الإسلامية إلا بقيام المجتمع الإسلامي) إلا بعمل اجتماعي وسياسي، خارج المساجد، ودور العبادة·
في حين أن السلفية، نتيجة لعدم خبراتها السياسية، وعدم طمعها في كرسي الحكم، لا تقيم وزناً للناحية السياسية، وتركِّز اهتمامها على تنقية الدين من شوائب التديّن الشعبي، وحصر الدعوة داخل المساجد، ودور العبادة· أما فيما يتعلق بالحدود الشرعية والمرأة، فنرى أن الأصولية أقل إلحاحاً على تطبيق الحدود الشرعية، كما هو الحال مع الإخوان المسلمين في مصر والأردن وسوريا والمغرب وغيرها، وهم يرون وجوب أسلمة المجتمع أولاً، قبل المطالبة بتطبيق الحدود الشرعية· فالإسلام بالنسبة للأصولية هو أكثر من مجرد تطبيق للشريعة، والحدود الشرعية· فهو أيديولوجية كاملة وشاملة· في حين أن السلفية مهتمة جداً بالحدود الشرعية، وتُلحُّ على تطبيقها، كما هو حالهم في السعودية، لأنهم يرون في هذا التطبيق، الطريق إلى أسلمة المجتمع· وبذا، فالأصولية تفترض أسلمة المجتمع قبل تطبيق الشريعة، بينما تقول السلفية بتطبيق الشريعة من أجل أسلمة المجتمع· وأما بالنسبة للمرأة، فنرى أن الأصولية لا اعتراض لها على تعليم وعمل المرأة، كما هو حال الإخوان المسلمين من عمل المرأة، في معظم أنحاء الوطن العربي، في حين أن السلفية تعترض على تعليم وعمل المرأة، وكان موقفهم موقف الرافض - مثالاً لا حصراً - من فتح مدارس للبنات في السعودية عام 1962·