eKtab
EN ع
ظاهرة التبادل اللغوي في العربية
اقرأ عينة مجانية

ظاهرة التبادل اللغوي في العربية

بقلم د. عاطف طالب الرفوع

صفحة 1

الإهداء

إِلَى والِدَيَّ العَزِيزَيْنِ، بِرَّاً وإِحْسَانَاً.

إِلَى رفيقةِ الدَّربِ أُمِّ رَزَان.

إلى ابنتي الغاليةِ رزان.

إِلى إِخْوَانِي وأَخَوَاتِي الأَعِزَّاءِ.

إلَى الشُّموعِ المنيرةِ الَّتي تحترقُ لتنيرَ الدُّروبَ بالعلمِ والأدبِ.

صفحة 2

تمهيد

تناولتْ هذهِ الدِّراسةُ ظاهرةَ التَّبادلِ اللُّغويِّ في العربيَّةِ، ويُقْصَدُ بالتَّبادلِ أنْ تحلَّ صيغةٌ أوْ كلمةٌ محلَّ صيغةٍ أوْ كلمةٍ أخرى فتؤدِّي عملَها ودورَها الوظيفيَّ في السِّياقِ، وكذلك الحالُ بالنِّسبةِ للصِّيغةِ أوْ الكلمةِ الأخرى؛ فالصِّيغتانِ أو الكلمتانِ تتبادلانِ الأدوارَ، فكلٌّ منْهُمَا تقومُ بوظيفةِ الأخرى منْ بابِ التَّبادلِ .

وهذهِ الظَّاهرةُ تشيعُ في مصادرِ اللُّغةِ بوفرةٍ، وتشتملُ على مسائلَ نحْويَّةٍ وصرفيَّةٍ، إلا أنَّ القدماءَ لمْ يُفْرِدُوا لها كتاباً خاصَّاً، بلْ عالجوها في ثنايا مصنَّفاتِهِم، وقدْ عبَّرُوا عنها بطرائقَ مختلفةٍ كالحملِ على المعنى، والإنابةِ أوْ النِّيابةِ، وإجراءِ اللَّفظِ مجرى غيرِهِ، والبدلِ، والتَّقارضِ، وتقارضِ اللَّفظينِ، والتَّعاورِ، والمضارعةِ أو المشابهةِ، وغيرِ ذلك .

وقدْ سارَ المحدثون على نهجِ القدماءِ فلمْ يفردُوا لها مصنَّفاً يعنى بجمعِ مسائلِها، بلْ بثُّوا مسائلَها في ثنايا مؤلَّفاتِهم المختلفةِ، ولكنْ معَ نهايةِ الرُّبعِ الأخيرِ منْ القرنِ العشرينِ قامَ دفعُ الله عبدِ الله سليمانُ بنشرِ بحثَيْنِ مستقلَيْنِ متخصِّصَيْنِ تناولَ فيهِما بعضاً منْ مظاهرِ التَّبادُلِ .

وقدْ قامتْ هذهِ الدِّراسةُ على الوصفِ والتَّحليلِ، وتقصِّي المظاهرِ والمسائلِ النَّحويَّةِ والصَّرفيَّةِ الَّتي وقعَ بينَهَا التَّبادُلُ، وذكرِ الآراءِ والتَّوجيهاتِ النَّحويَّةِ والصَّرفيَّةِ الَّتي يُلْتَمَسُ فيها الجودةُ وإحكامُ الصَّنعةِ النَّحويَّةِ والصَّرفيَّةِ؛ معتمداً على أُمَّاتِ الكتبِ اللُّغويَّةِ والنَّحويَّةِ الأصولِ، وبعضِ كتبِ علومِ القرآنِ والتَّفسيرِ .

صفحة 3

المقدمة

الحمدُ لله عددَ خلقِهِ، ومِدادَ كلماتِهِ، ورِضا نفسِهِ، وزِنَةَ عرشِهِ، الحمدُ لله حمداً يليقُ بجلالِهِ وعظيمِ سلطانِهِ، الحمدُ لله على نعمائِهِ وآلائِهِ، والشُّكرُ الدَّائمُ على ما أولى وأفضلَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خيرِ الأنامِ، وومبدِّدِ الجهلِ وغياهبِ الظلامِ، صلاةً وسلاماً دائمينِ ما تعاقبَ اللَّيلُ والنَّهارُ. وبعدُ:

إنَّ العربَ أهلُ لُغةٍ وفصاحةٍ وبيانٍ، تصرَّفُوا في فنونِ الكلامِِ المختلفةِ نظماً ونثراً، فأحسنُوا القولَ والبيانَ، فكانَ منْ مِيْزَاتِ العربيَّةِ أنَّهُم وضعُوا الألفاظَ مواضعَ بعضِها، منْ بابِ التَّبادلِ والتَّقارضِ، فقامَ كلُّ لفظٍ مقامَ الآخرِ، وأدَّى دورَهُ الوظيفيَّ في السِّياقِ، فاكتسبتْ العربيَّةُ بذلك سَعَةً ومرونةً في التَّعبيرِ والأداءِ، وقدْ تمثَّلَ القرآنُ العظيمُ هذا النَّوعَ منْ التَّعبيرِ فجاءتْ آياتٌ وافرةٌ قدْ وضعتْ فيها الألفاظُ موضعَ بعضِها.

وعمدَ النُّحاةُ قديماً وحديثاً إلى دراسةِ هذهِ الأنماطِ اللُّغويَّةِ وتحليلِها، فبثُّوها في ثنايا مؤلَّفاتِهِم، وأفردُوا لها أبواباً وفصولاً، ودرسوها تحتَ تسمياتٍ وعناوينَ مختلفةٍ.

إنَّ هذهِ الظَّاهرةَ تشيعُ في مصادرِ اللُّغةِ لا سيَّما المصادرُ النَّحْويَّةُ والصَّرفيَّةُ شيوعاً وافراً، وتتناثرُ مسائلُها ومظاهرُها في تلك المصادرِ تناثراً يصعبُ على الباحثِ الوقوفُ عليها والبحثُ عنها، وهي ظاهرةٌ تشتملُ على مسائلَ نحْويَّةٍ وصرفيَّةٍ وصوتيَّةٍ، وقدْ عبَّرَ عنها العلماءُ بطرائقَ مختلفةٍ كالحملِ على المعنى، والإنابةِ أوْ النِّيابةِ، ووضعِ كذا مكانَ كذا، وإجراءِ اللَّفظِ مجرى غيرِهِ، والتَّقارضِ، وتقارضِ اللَّفظينِ، والتَّعاورِ، والمضارعةِ أوْ المشابهةِ، والبدلِ، والتَّبادلِ، وغيرِ ذلك.

ودفعَنِي شيوعُ المسائلِ الَّتي تدورُ في فلكِ هذهِ الظَّاهرةِ وعدمُ وجودِ دراسةٍ مستقلةٍ تجمعُ مظاهرَها وتصنِّفُها إلى البحثِ في هذه المسألةِ واختيارِها موضوعاً لرسالتِي للحصول على درجةِ الدَّكتوراه، وأتطلعُ إلى أنْ تكونَ هذه الدِّراسةُ مصدراً للباحثينَ في تعرُّفِ مسائِلِها ومظاهرِها، وأنْ تُرْفِدَ المكتبةَ العربيَّةَ ببحثٍ يزيلُ ما اعترَى هذهِ الظَّاهرةَ منْ الإهمالِ والتَّناسي، ويجعلُها في متناولِ الباحثينَ بيسرٍ وسهولةٍ .

لعلَّ جَمْعَ مظاهرِ التَّبادلِ اللُّغويِّ على سعتِها وتناثرِ مسائلِها في الدَّرسِ اللُّغويِّ في بحثٍ واحدٍ يستقصي جميعَ مسائلِها يمثِّلُ واحداً منْ أهمِّ نتائجِ هذهِ الدِّراسةِ المتخصِّصةِ الَّتي تتناولُ هذه الظَّاهرةَ في العربيَّةِ تناولاً شاملاً منهجيَّاً يَكْشِفُ جميعَ المظاهرِ والمسائلِ الَّتي تندرجُ تحتَها.

لقدْ أشارتْ مصادرُ اللُّغةِ العربيَّةِ القديمةِ إلى مظاهرَ كثيرةٍ للتَّبادلِ ووقوعِ الألفاظِ موضعَ بعضِها، لكنَّ دراستَهُم لها لمْ تكنْ متخصِّصةً، فلمْ يُفْرِدْ لها القدماءُ كتاباً مستقلاً يجمعُ شتاتَها ويقرِّبُ بعيدَها، فبعضُ العلماءِ أشارَ إلى بعضِ مسائلِ هذهِ الظَّاهرةِ إشارةً مقتضبةً موجزةً، ذاكراً بعضَ الأنماطِ الَّتي وضعتْ فيها الألفاظُ موضعَ بعضِها، وقسمٌ آخرُ توسَّعَ في معالجتِها فأفردَ لمسائِلِها أبواباً وفصولاً في ثنايا مؤلَّفاتِهِم.

وقدْ سارَ المحدثونَ على نهجِ القدماءِ فلمْ يفردُوا لها مؤلَّفاً خاصَّاً، وإِنَّمَا جاءتْ مسائلُ التَّبادلِ وقضاياهُ مبثوثةً في مصنَّفاتِهِم تحتَ الأبوابِ النَّحْويَّةِ والصَّرفيَّةِ المختلفةِ، ولكنْ معَ نهايةِ الرُّبعِ الأخيرِ منْ القرنِ العشرين أصبحتْ هذه القضيةُ ظاهرةً بارزةً تحتَ مصطلحِ (التَّبادلِ اللُّغويِّ) إذْ قامَ دفعُ الله عبدِ الله سليمانُ بنشرِ بحثَيْنِ مستقلَيْنِ متخصِّصَيْنِ تحتَ عنوانِ (ظاهرةِ التَّبادلِ) وهما:

البحثُ الأوَّلُ: ظاهرةُ التَّبادلِ اللُّغويِّ بينَ المصدرِ واسمَي الفاعلِ والمفعولِ، حيثُ نُشِرَ هذا البحثُ في مجلةِ جامعةِ الملكِ سعود عامَ ( 1409هـ/ 1989م).

البحثُ الثَّاني: ظاهرةُ التَّبادلِ بينَ المفردِ والمثنَّى والجمعِ، حيثُ نُشِرَ هذا البحثُ في مجلةِ جامعةِ الملكِ سعود عامَ ( 1410هـ/ 1990م)، وقدْ جاءَ بعدهُ باحثونَ آخرونَ عالجُوا بعضاً منْ مظاهرِ هذهِ المسألةِ.

وتصبو هذهِ الدِّراسةُ إلى تحقيقِ الأهدافِ الآتيةِ:

1- تأصيلِ ظاهرةِ التَّبادلِ في الدِّرسِ اللُّغويِّ.

2- استقصاءِ المسائلِ اللُّغويَّةِ الَّتي يُمْكِنُ أنْ تحملَ على ظاهرةِ التَّبادُلِ، وتبويبِها وتنسيقِها في دراسةٍ شاملةٍ بجميعِ مظاهرِها.

3- تعرُّفِ مفهومِها، وجهودِ النُّحاةِ في دراستِها، ومسوغاتِها، ودواعي المصيرِ إليها، ودلالاتِها في العربيَّةِ.

4- تحليلِ المظاهرِ والمسائلِ الَّتي تخضعُ لهذهِ الظَّاهرةِ تحليلاً وافياً، للكشفِ عنْ أثرِها في الدَّرسِ اللُّغويِّ .

5- توضيحِ العلاقةِ بينَ هذهِ الظَّاهرةِ وما يتَّصلُ بها منْ مصطلحاتٍ كـ: التَّناوبِ والمضارعةِ أو المشابهةِ والتَّعاورِ والتَّقارضِ وغيرِ ذلك منْ التَّعبيراتِ الَّتي استعملَها العلماءُ في الإشارةِ إلى مظاهرِها.

6- رفدِ المكتبةِ العربيَّةِ بدراسةٍ شاملةٍ لهذهِ الظَّاهرةِ تكونُ مرجعاً لكلِّ مَنْ يبحثُ في مسائلِها وتَكْفِيْهِمْ عناءَ البحثِ عنها في المصادرِ والمراجعِ اللُّغويَّةِ.

صفحة 4

وقدْ قامَ منهجُ الدِّراسةِ على استقصاءِ ما يُمْكِنُ أنْ يحملَ على ظاهرةِ التَّبادلِ في الدَّرسِ النَّحْويِّ والصَّرفيِّ، وتبويبِ المسائلِ وتصنيفِها تَبَعاً للموضوعِ، وتحليلِها تحليلاً يقومُ على الكشفِ عنْ أسبابِ التَّبادلِ، وبيانِ مظاهرِهِ وأنماطِهِ، فهي دراسةٌ وصفيَّةٌ تحليليَّةٌ تقومُ على الوصفِ والتَّحليلِ والتَّوجيهِ، وذكرِ الآراءِ والتَّخريجاتِ النَّحويَّةِ والصَّرفيَّةِ الَّتي يُلْتَمَسُ فيها الجودةُ وإِحكامُ الصَّنعةِ النَّحويَّةِ والصَّرفيَّةِ.

وقدْ جاءتْ هذهِ الدِّراسةُ في ثلاثةِ فصولٍ وخاتمةٍ، على النَّحوِ الآتي:

الفصلُ الأوَّلُ: تمَّ فيه التَّمهيدُ لظاهرةِ التَّبادلِ اللُّغويِّ، وبيانُ المعنى اللُّغويِّ والاصطلاحيِّ، ومعالجةُ بعضِ المصطلحاتِ والألفاظِ الدَّالَّةِ على مفهومِ التَّبادلِ، كالتَّعاوُرِ والبدلِ وتقارضِ اللَّفظين والإنابةِ أوْ النِّيابةِ، وذكرُ الفُرُوقِ بينَ ظاهرةِ التَّبادلِ وظاهرةِ الإنابةِ أوْ النِّيابةِ، وعُنِيَ هذا الفصلُ أيضاً بالكشفِ عنْ جهودِ العلماءِ القدماءِ والمحدثين ودورِهِم في دراسةِ التَّبادلِ اللُّغويِّ .

الفصلُ الثَّاني: ويعنى بدراسةِ وتحليلِ المظاهرِ والمسائلِ النَّحْويَّةِ الَّتي حملتْ على التَّبادلِ، ومنْ هذه المظاهرِ والمسائلِ: التَّبادُلُ اللُّغويُّ بينَ المذكَّرِ والمؤنَّثِ، والتَّبادلُ اللّغويُّ بينَ (غير) و(إلا)، والتَّبادلُ اللُّغويُّ بينَ (لمْ) و(لنْ وأخواتِها)، والتَّبادلُ اللُّغويُّ بينَ (ما) النَّافيةِ و(ليسَ)، والتَّبادلُ اللُّغويُّ بينَ (إذا) و(متى)، وغيرُها منْ المسائلِ.

الفصلُ الثَّالثُ: ويعنى بدراسةِ وتحليلِ المظاهرِ والمسائلِ الصَّرفيَّةِِ الَّتي حُمِلَتْ على التَّبادلِ، ومنْ هذه المظاهرِ والمسائلِ: التَّبادلُ بينَ المفردِ والمثنَّى والجمعِ، والتَّبادلُ اللُّغويُّ في بابِ الجمعِ (جمعِ التَّكسيرِ)، والتَّبادُلُ اللُّغويُّ بينَ اسمِ الفاعلِ واسمِ المفعولِ والمصدرِ، والتَّبادلُ بينَ (أفعلَ) في التَّعجُّبِ و(أفعلِ) التَّفضيلِ.

وخُتِمَتْ هذهِ الدِّراسةُ بخاتمةٍ ذكرتُ فيها بعضاً منْ النَّتائجِ الَّتي تمَّ التَّوصُّلُ إليها.

وقدْ زوَّدتْ هذه الدِّراسةُ بقائمةِ ملاحقَ تحتوي على خمسةِ فهارسَ فنيَّةٍ، وهي:

1- فِهْرِسُ الآياتِ القرآنيَّةِ الكريمةِ.

2- فِهْرِسُ الأحاديثِ النَّبويَّةِ الشَّريفةِ.

3- فِهْرِسُ الأمثالِ العربيَّةِ.

4- فِهْرِسُ الأشعارِ العربيَّةِ.

5- فِهْرِسُ الأرجازِ العربيَّةِ.

وقدْ اعتمدتْ هذهِ الدِّراسةُ على الكتبِ اللُّغويَّةِِ والنَّحويَّةِ الأصولِ وبعضِ كتبِ علومِ القرآنِ والتَّفسيرِ، وقدْ أفردتُ لها فِهْرِساً خاصَّاً في ثبتِ المصادرِ والمراجعِ.

وفي الختامِ أحمدُ اللهَ حمدَ الشَّاكرينَ أنْ يسَّرَ لي طريقَ العلمِ، وأسألُهُ أنْ يجعلَ هذا العملَ خالصاً لوجهِهِ وطريقاً إلى جنَّتِهِ، وأسألُهُ التَّوفيقَ والسَّدادَ، وسُبْحانَ مَنْ اختصَّ نفسَهُ بالكمالِ والإتقانِ، ونفاهُمَا عنْ البشرِ.

صفحة 5

1.1 التمهيد

الحمدُ لله حمداً يليقُ بجلالِهِ وكبريائِهِ وعظيمِ نعمائِهِ وامتنانِهِ، الحمدُ لله القائلِ في كتابِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [يوسف:2].

لقدْ أودعتْ اللُّغةُ العربيَّةُ منْ الدُّررِ والكمائنِ والأسرارِ ما تعي الألبابُ الإحاطةَ بِهِ، فمنْ تعمَّقَ في العربيَّةِ، وسبرَ غورَها، حتماً سوفَ يجدُها بحراً عميقاً يحفلُ بالدُّررِ واللآلِئ، ومنْ بينِ هذِهِ الدُّررِ الَّتي استوقفتني (ظاهرةُ التَّبادلِ اللُّغويُّ في اللُّغةِ العربيَّةِ)، حيثُ جعلْتُها قلادةً لدراسةِ الدَّكتوراه.

تميزتْ اللُّغةُ العربيَّةُ، واكتسبتْ قيمةً عاليةً بينَ اللُّغاتِ بما توافرَ فيها منْ مِيْزَاتٍ وخصائصَ أسلوبيَّةٍ وبيانيَّةٍ قدْ لا تتوافرُ في غيرِها منْ اللُّغاتِ، فهي منْ أخصبِ اللُّغاتِ وأغناها، وأفصحِها ألفاظاً وتراكيبَ، وأجملِها بياناً، وأعذبِها شعراً.

وإلى جانبِ تميُّزِها في الصِّفاتِ الجماليَّةِ والبيانيَّةِ فهي تمتازُ بكثرةِ ألفاظِها وتراكيبِها على الرَّغمِ مِمَّا فقدتْهُ بسببِ تشاغلِ العربِ، يقولُ عمرُ بنُ الخطابِ t : «كانَ الشِّعرُ علمَ قومٍ لمْ يكنْ لهُمْ علمٌ أصحُّ مِنْهُ، فجاءَ الإسلامُ، فتشاغلتْ عنهُ العربُ، وتشاغلوا بالجهادِ وغزوِ فارسَ والرُّومِ، ولهتْ عنْ الشِّعرِ وروايتِهِ، فلمَّا كَثُرَ الإسلامُ، وجاءتْ الفتوحُ، واطمأنتْ العربُ بالأمصارِ، راجعوا روايةَ الشِّعرِ، فلمْ يؤولوا إلى ديوانٍ مدوَّنٍ ولا كتابٍ مكتوبٍ، وألَّفُوا ذلك وقدْ هلكَ منْ العربِ منْ هلكَ بالموتِ والقتلِ، فحفظوا أقلَّ ذلك، وذهبَ عليهِمْ مِنْهُ كثيرٌ»([1]).

وقالَ يونسُ بنُ حبيبٍ: قالَ أبو عمرِو بنُ العلاءِ: «ما انتهى إليكم ممَّا قالتْ العربُ إلا أقلُّهُ، ولو جاءَكم وافراً لجاءَكم علمٌ وشعرٌ كثيرٌ»([2]).

ومنْ أهمِّ مِيْزَاتِ ومكوناتِ اللُّغةِ العربيَّةِ النَّحوُ؛ النَّحوُ الَّذي ينتظمُها وَفْقَ منظومةٍ منْ القواعدِ والمعاييرِ والأسسِ الَّتي تشيدُ لغةً فصيحةً جَزْلَةً بليغةً. قالَ ابنُ جنِّيٍّ معرِّفاً النَّحوَ: «هو انتحاءُ سَمْتِ كلامِ العربِ، في تصرُّفِهِ مِنْ إعرابٍ وغيرِهِ، كالتَّثنيةِ والجمعِ والتَّحقيرِ والتَّكسيرِ والإضافةِ والنَّسبِ والتَّركيبِ وغيرِ ذلك؛ لِيلحقَ مَنْ ليسَ مِنْ أهلِ اللُّغةِ العربيَّةِ بأهلِها في الفصاحةِ، فينطقَ بها وإنْ لمْ يكنْ مِنْهُمْ، وإنْ شذَّ بعضُهُمْ رُدَّ بِهِ إليها»([3]).

وللنَّحْوِ ِمنزلةٌ رفيعةٌ، ومكانةٌ جليلةٌ بينَ علومِ اللُّغةِ العربيَّةِ، فهو دليلٌ ناصعٌ على عبقريَّةِ منْ استنبطَهُ، وحدَّ حدودَهُ، ووضَّحَ معالمَهُ، وقدْ أقرَّ المستشرقُ الألمانيُّ (دي بور) بمكانةِ هذا النَّحوِ وفضلِهِ قائلاً: «اعلمْ أنَّ النَّحوَ أثرٌ رائعٌ منْ آثارِ العقلِ العربيِّ لِمَا فيه منْ دقَّةٍ في الملاحظةِ، ونشاطٍ في جمعِ ما تفرَّقَ، وهو لهذا يحملُ المتأمِّلَ فيه على تقديرِهِ، ويحقُّ للعربِ أنْ يفخروا بِهِ»([4]).

وإلى جانبِ النَّحوِ مكانةً وقَدْرَاً يقفُ الصَّرفُ أو التَّصريفُ، حيثُ جاءَ في اللُّغةِ؛ الصَّرفُ: هو الوَزْنُ، والتَّصْرِيفُ: اشْتِقاقُ الكلامِ بَعْضِهِ منْ بَعْضٍ. وتَصْرِيْفُ الرِّيَاحِ والسُّيُولِ والخُيُولِ: إجْرَاؤها منْ وَجْهٍ إلى وَجْهٍ أوْ تحويلُها منْ حالٍ إلى حالٍ([5]).

أمَّا معناهُ الاصطلاحيُّ فقدْ ذكرَ ابنُ القُبَيْصيِّ (ت: 626هـ) أنَّ التَّصريفَ «أنْ تأتيَ إلى الكلمةِ الواحدةِ الَّتي حروفُها كلُّها أصولٌ فتتصرَّفَ فيها بزيادةٍ، أوْ نقصانٍ، أوْ نقلٍ منْ زمانٍ إلى زمانٍ»([6])، وذكرَ أيضاً ابنُ مالكٍ (ت: 672هـ) أنَّ التَّصريفَ: «علمٌ يتعلَّقُ بِبِنْيةِ الكلمةِ، وما لحروفِها منْ زيادةٍ وأصالةٍ وصِحَّةٍ واعتلالٍ وشبهِ ذلك»([7]).

إنَّ النَّحوَ والصَّرفَ أو التَّصريفَ يتعاضدانِ، ويندمجان جنباً إلى جنبٍ، ويشكِّلان لُبَّ اللُّغةِ العربيَّةِ وجوهرَها، بهما يقوَّمُ اللِّسانُ، ويحلو البيانُ، وجاءَ في شرحِ المِراحِ للعينيِّ: «اعلمْ أنَّ الصَّرفَ أمُّ العلومِ، والنَّحْوَ أبوها»([8]).

ومنْ الظَّواهرِ النَّحويَّةِ والصَّرفيَّةِ الَّتي انتشرتْ مسائلُها وقضاياها وصورُها في مصنَّفاتِ ومؤلَّفاتِ العلماءِ والباحثينَ قديماً وحديثاً ظاهرةُ التَّبادلِ اللُّغويِّ لا سيَّما في الأحكامِ النَّحويَّةِ والتَّصريفيَّةِ، حيثُ سَتُعْنَى هذهِ الدِّراسةُ ببيانِها، وإماطةِ اللِّثامِ عنْ مسائلِها، واستقصاءِ آراءِ العلماءِ فيها، وأثرِها في إغناءِ العربيَّةِ، وإبرازِ دورِها في الكشفِ عنْ سَعَةِ اللِّسانِ العربيِّ - إنْ شاءَ اللهُ -.

صفحة 6

2.1 التبادل اللغوي

ظاهرةٌ نحويَّةٌ وصرفيَّةٌ، لها أبعادٌ دلاليَّةٌ وبلاغيَّةٌ، حيثُ انبرَى لها علماءُ اللُّغةِ، فَذَخَرَتْ مؤلَّفاتُهُمْ بمعالجةِ مسائلِها، وهذهِ الظَّاهرةُ ملمحٌ منْ الملامحِ الدَّالَّةِ على مرونةِ اللُّغةِ العربيَّةِ، وسَعَةِ التَّصرُّفِ فيها، وتكشفُ عنْ الدَّورِ الوظيفيِّ للَّفظةِ في التَّعاورِ على الدَّلالةِ والإفصاحِ عنْ المعاني.

1.2.1المعنى اللغوي

الأصلُ في الإبدالِ جعلُ شيءٍ مكانَ شيءٍ آخرَ([9])، واستبدلَ الشَّيءَ بغيرِهِ وتبدَّلَهُ إذا أخذَ مكانَهُ، والمبادلةُ: التَّبادلُ([10]).

قالَ اللَّيثُ: استبدلَ ثوباً مكانَ ثوبٍ، وأخاً مكانَ أخٍ ونحو ذلك المُبادلةُ([11]).

قالَ أبو العباسِ أحمدُ بنُ يحيى ثعلبٌ: قالَ الفرَّاءُ: قالَ: أبدلتُ الخاتمَ بالحلقةِ إذا نحيتَ هذا وجعلتَ هذا مكانَهُ، وقالَ: وحقيقتُهُ أنَّ التَّبديلَ تغييرُ الصُّورةِ إلى صورةٍ أخرى.

بناءً على ما تقدَّمَ في معاجمِ اللُّغةِ نستطيعُ القولَ إنَّ التَّبادلَ هو جعلُ شيءٍ مكانَ شيءٍ آخرَ، وكذلك المبادلةُ.

2.2.1 المعنى الاصطلاحي

جهدتُ في التَّقصِّي والبحثِ في مصنَّفاتِ القدماءِ فلمْ أجدْ تعريفاً يوضِّحُ ماهيَّةَ التَّبادلِ، ويحدِّدُ دلالتَهُ.

أمَّا عندَ المحدثينَ فإنَّ هذا المصطلحَ قليلُ الشُّيُوعِ لا نكادُ نجدُ لهُ إلا تحديدينِ يوضَّحانِ ماهيَّتَهُ أوْ مدلولَهُ:

الأوَّلُ: عرَّف دفعُ الله سليمانُ هذا المصطلحَ. فقالَ: «ونعني بالتَّبادلِ: تناوبُ الأحكامِ النَّحْويَّةِ بأنْ يأخذَ شيءٌ حكمَ شيءٍ آخرَ أوْ معنىً منْ معانيه أوْ علامةً منْ علاماتِهِ، وينطبقُ ذلك بالنِّسبةِ للشَّيءِ الثَّاني؛ فيأخذُ منْ الأوَّلِ كلَّ ما يتَّصلُ بِهِ»([12]) .

الثَّاني: عرَّفَ مجموعةٌ منْ الباحثين تبادلَ الصِّيغِ بأنَّهُ: إحلالُ صيغةٍ نحويَّةٍ محلَّ صيغةٍ أخرى، مثالُ ذلك قولُهُ تعالى: ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [النحل:1]، حيثُ جيءَ بالفعلِ الماضي (أتى) بدلَ الفعلِ المضارعِ (يأتي) أوْ (سيأتي)، وذلك لتحقُّقِ وقوعِ أمرِ الله تعالى([13]).

نلمحُ أنَّ هنالك اتِّفاقاً واضحاً بينَ ما جاءَ في معاجمِ اللُّغةِ وما ذُكِرَ في التَّحديدينِ السَّابقَيْنِ؛ وبناءً عليه نستطيعُ القولَ إنَّ التَّبادلَ هو: أنْ تحلَّ صيغةٌ أوْ كلمةٌ محلَّ صيغةٍ أوْ كلمةٍ أخرى فتؤدِّي عملَها ودورَها الوظيفيَّ في السِّياقِ، وكذلك الحالُ بالنِّسبة للصِّيغةِ أو الكلمةِ الأخرى؛ أي: أنَّ الصِّيغتينِ أوْ الكلمتينِ تتبادلانِ الأدوارَ والمهامَ، فكلٌّ منهما تقومُ بوظيفةِ الأخرى منْ بابِ التَّبادلِ.

صفحة 7

3.1 المصطلحات والألفاظ الدالة على مفهوم التبادل

1.3.1 التعاور

أوَّلُ منْ ذكرَ هذا المصطلحَ منْ أصحابِ المعاجمِ أبو منصورٍ الأزهريُّ (ت: 370هـ) في تهذيبِ اللُّغةِ تحتَ مادةِ (عَورَ). قالَ: قالَ ابنُ الأعرابيِّ: التَّعاوُرُ والاعتوارُ هو أنْ يكونَ هذا مكانَ هذا، وهذا مكانَ هذا([14]).

وعندَ تقصِّي كُتُبِ اللُّغةِ وجدتُ أنَّ السُّيوطيَّ هو أوَّلُ منْ استخدمَهُ ووظَّفَهُ في كتابِهِ (المزهرِ)، حيثُ جاءَ فيه قولُهُم: نَشزتْ المرأةُ ونَشصتْ ونَشستْ، ويقولُ السُّيوطيُّ: ونظيرُ هذهِ الأحرفِ الثَّلاثةِ -أعني الزَّايَ والسِّينَ والصَّادَ- في التَّعاورِ: التَّاءُ والدَّالُ والطَّاءُ([15]).

ومعنى نصِّ السُّيوطيِّ أنَّ هذهِ الأحرفَ الثَّلاثةَ - الزَّايَ والسِّينَ والصَّادَ - تقعُ موقعَ بعضِها كما أنّ التَّاءَ والدَّالَ والطَّاءَ تقعُ موقعَ بعضِها؛ فهذه الحروفُ تتبادلُ معَ بعضِها وتحلُّ محلَّ بعضِها منْ بابِ التَّبادلِ بينَ الحروفِ، وبناءً عليه فالتَّعاورُ والتَّبادلُ مصطلحانِ مترادفانِ يدلانِ على مفهومٍ واحدٍ وهذا ما يؤكِّدُهُ المعنى اللُّغويُّ أيضاً، إلا أنَّ مصطلحَ التَّعاورِ مصطلحٌ نادرٌ لمْ يردْ لَهُ ذكرٌ إلا عندَ الأزهريِّ وبعضِ أصحابِ المعاجمِ والسُّيوطيِّ.

2.3.1 البدل

البدلُ مصطلحٌ وبابٌ نحْويٌّ شائعٌ في مصنَّفاتِ اللُّغةِ، ولكنَّ ابنَ عصفورٍ وظَّفَهُ في كتابِهِ (ضرائرِ الشِّعرِ) توظيفاً مغايراً، فمنْ خلالِ المسائلِ الَّتي صنَّفَها تحتَهُ وجدْناهُ لمْ يَقْصِدْ بِهِ البدلَ النَّحويَّ؛ بلْ إنَّ ما ذكرَهُ تحتَ هذا المصطلحِ منْ مسائلَ وأمثلةٍ يوحي بأنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ ظواهرَ متعدِّدةً لا سيَّما ظاهرةُ التَّبادلِ اللُّغويِّ الَّتي تقدَّمَ تعريفُها، وسوفَ يأتي تفصيلُ القولِ في هذهِ المسألةِ تحتَ عنوانِ (التَّبادلِ اللُّغويِّ عندَ ابنِ عصفورٍ) في الصَّفحاتِ القادمةِ منْ هذا الفصلِ.

2.3.1 تقارض اللفظين

ذكرَ هذا المصطلحَ ابنُ هشامٍ الأنصاريُّ (ت: 761هـ) في مغني اللَّبيبِ، حيثُ قالَ: ومـنْ ملحِ كلامِهِم تقارضُ اللَّفظينِ في الأحكامِ، ومنْ أمثلةِ ذلك: إعطاءُ (غير) حكمَ (إلا) في الاستثناءِ بها نحو قولِهِ تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء:95] فيمنْ نصبَ (غير)، وإعطاءُ (إلا) حكمَ (غير) في الوصفِ بها([16]) نحـو قولِهِ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء:22]، وهنالك أمثلةٌ كثيرةٌ ساقَها ابنُ هشامٍ على التَّقارضِ سوفَ ندرسُها في بابٍ آخرَ؛ كالتَّقارضِ بينَ (أنْ) المصدريَّةِ و(ما) المصدريَّةِ، وبينَ (إنْ) الشَّرطيَّةِ و(لو)، وبينَ (إذا) و(متى)، وبينَ (لمْ) الجازمةِ و(لنْ) النَّاصبةِ .

وقدْ سبقتْ الإشارةُ إلى مصطلحِ (التَّقارضِ) عندَ كلٍّ منْ الزَّمخشريِّ (ت: 538هـ)، وابنِ يعيشَ (ت: 643هـ) في مَعْرِضِ حديثهِما عنْ (غير) و(إلا) وعملِهِما. قالَ الزَّمخشريُّ: اعلمْ أنَّ (إلا) و(غيراً) يتقارضانِ ما لكلِّ واحدٍ منهما، فالَّذي لـ(غير) في أصلِهِ أنْ يكونَ وصفاً يمسُّهُ إعرابُ ما قبلَهُ...، ثُمَّ دخلَ على (إلا) في الاستثناءِ، وقدْ دخلَ عليه (إلا) في الوصفيَّةِ([17]). وقالَ ابنُ يعيشَ موضِّحاً مقالةَ الزَّمخشريِّ: يتقارضانِ ما لكلِّ واحدٍ منهما، يعني أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يستعيرُ منْ الآخرِ حكماً هو أخصُّ بِهِ، فحكمُ (غير) الَّذي هو مختصٌّ بِهِ الوصفيَّةُ، والاستثناءُ فيه عارِضٌ مُعارٌ منْ (إلا)، وقدْ حملُوا (إلا) على (غير) في الوصفيَّةِ فوصفوا بها([18]).

وعرَّفَ بسيوني التَّقارضَ بأنَّهُ منْ القرْضِ: وهو السَّلَفُ، فكلُّ لفظٍ يقترضُ منْ الآخرِ حكمَهُ؛ فـ(إلا): حرفٌ، و(غير): اسمٌ، ولكنْ قدْ يتقارضُ اللَّفظانِ؛ فتُعطى (غير) حكمَ (إلا) في الاستثناءِ بها، وتُعطى (إلا) حكمَ (غير) في الوصفِ بِها([19]).

وبناءً على ما ذُكِرَ فإِنَّ المقصودَ بتقارضِ اللَّفظينِ الَّذي ذكرَهُ ابنُ هشامٍ، أوْ بالتَّقارضِ كما ذكرَ الزَّمخشريُّ وابنُ يعيشَ منْ قبلُ هو أنْ يتبادلَ أوْ يتقارضَ لفظانِ في بعضِ الأحكامِ والوظائفِ، بحيثُ يأخذُ كلُّ واحدٍ منهما حكمَ الآخرِ، ويقومُ بوظيفتِهِ وعملِهِ، وقدْ ذكرَ ابنُ يعيشَ أنَّ التَّقارضَ يعني أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يستعيرُ منْ الآخرِ حكماً هو أخصُّ بِهِ...، وهذهِ اللَّفظةُ تتَّفقُ في الدَّلالةِ معَ مصطلحِ التَّعاورِ، وبناءً على هذا فإنَّ التَّعاورَ والتَّقارضَ والتَّبادلَ مصطلحاتٌ قدْ تتَّفقُ في الدَّلالةِ على هذهِ الظَّاهرةِ اللُّغويَّةِ.

3.3.1 الإنابة أو النيابة

الإنابةُ مصدرٌ للفعلِ الرُّباعيِّ (أنابَ)، والنِّيابةُ مصدرٌ للفعـلِ الثُّـلاثيِّ (نابَ)، وجاءَ في معاجمِ اللُّغةِ تحتَ مادَّةِ (نَابَ) و(نَوَبَ): نابَ عنِّي فلانٌ يَنُوبُ نَوْباً ومَناباً أَيْ: قامَ مقامِي؛ ونابَ عَنِّي في هذا الأَمْرِ نيابةً؛ إذا قامَ مقامَك. ونابَ الشَّيءُ عنْ الشَّيءِ، يَنُوبُ: قامَ مَقامَهُ؛ وأَنَبْتُهُ أَنا عنه. وناوَبَهُ: عاقَبَهُ. ونابَ فلانٌ إِلى الله تعالى، وأَنابَ إِليه إِنابةً، فهو مُنِيبٌ: أَقْبَلَ وتابَ، ورجَعَ إِلى الطَّاعةِ؛ وقيلَ: نابَ لَزِمَ الطَّاعةَ، وأَنابَ: تابَ ورجَعَ. والإِنابةُ: الرُّجوعُ إِلى الله بالتَّوبةِ([20]).

أمَّا مفهومُهما الاصطلاحيُّ أو النَّحويُّ فهما يدلانِ على مفهومٍ واحدٍ إلى حدٍّ ما. يقولُ مصطفى شعبان المصريُّ: «وهما لفظانِ شائعانِ في النَّحوِ العربيِّ، ليسَ بينَهُما فرقٌ عندَ النُّحاةِ فهما يستخدمانِ بمعنى واحدٍ، ويمكنُ أنْ يدلَّ كلٌّ منهما على الآخرِ، فتارةً يقولُ النُّحاةُ: إنابةً، وتارةً أخرى يقولون: نيابةً»([21]) .

عرَّفَ الباحثُ محمد سمير اللَّبديُّ النِّيابةَ بأنَّها: «إقامةُ شيءٍ مقامَ شيءٍ آخرَ»([22]). وَعُرِّفَتْ أيضاً بأنَّها: «أنْ يقعَ اللََّفظُ موقعاً ليسَ لَهُ بجهةِ الأصالةِ، فيقومَ مقامَ ما خلفَهُ في العملِ، أوْ الموقعِ الإعرابيِّ، أوْ الإفادةِ أوْ الوظيفةِ في الجملةِ»([23]).

وعرَّفَ مصطفى شعبان المصريُّ الإنابةَ بأنَّها: «إقامةُ عنصرٍ أوْ أكثرَ مقامَ عنصرٍ آخرَ، أوْ أكثرَ منْ عنصرٍ داخلَ التَّركيبِ، فيأخذُ حكمَهُ الوظيفيَّ، أوْ يكتفى بأنْ ينوبَ عنه معنىً أوْ لفظاً»([24]).

نلاحظُ أنَّ المفاهيمَ الَّتي وضعَها الدَّارسون للتَّبادلِ والإنابةِ أو النِّيابةِ متقاربةٌ فهي تدلُّ على إقامةِ صيغةٍ أوْ شيءٍ مقامَ شيءٍ آخرَ، ولكنَّهُما يفترقان في أمورٍ عديدةٍ كما سنوضِّحُ هذا.

صفحة 8

4.1 الفرق بين ظاهرة التبادل وظاهرة الإنابة أو النيابة

ظاهرةُ الإنابةِ أو النِّيابةِ ظاهرةٌ واسعةٌ متعددةٌ الجوانبِ يشملُ تأثيرُها أقسامَ الكلمِ كافَّةً، أمَّا ظاهرةُ التَّبادلِ فهي أقلُّ انتشاراً وأقلُّ مسائلَ، ومجالُ وقوعِها ضيقٌ مقارنةً معَ ظاهرةِ الإنابةِ أو النِّيابةِ.

وظاهرةُ الإنابةِ أو النِّيابةِ عَرَفَها النُّحاةُ الأوائلُ وذكرُوها في مصنَّفاتِهِم كقولِ ابنِ هشامٍ في إنابةِ الضَّمائرِ المنفصلةِ. يقولُ: «إنابةُ ضميرٍ عنْ ضميرٍ إنَّمَا ثَبَتَ في المنفصلِ نحو: ما أنا كأنتَ، ولا أنتَ كأنا»([25]). وقولُهُ أيضاً: «وقدْ أسلفنا أنَّ النِّيابةَ إنَّمَا وقعتْ في الضَّمائرِ المنفصلةِ لشبهِها في استقلالِها بالأسماءِ الظَّاهرةِ»([26]).

أمَّا ظاهرةُ التَّبادلِ فلمْ أجدْ هذا المصطلحَ في مصنَّفاتِ القدماءِ، وأوَّلُ منْ ذكرَهُ وجعلَهُ ظاهرةً لُغويَّةً دفعُ الله سليمانُ وهو منْ الباحثينَ المحدثينَ .

وظاهرةُ الإنابةِ أوْ النِّيابةِ تدلُّ على أنْ تقومَ صيغةٌ أوْ لفظةٌ مقامَ صيغةٍ أوْ لفظةٍ أخرى، ولا يشترطُ في الصِّيغةِ الثَّانيةِ أو اللَّفظةِ الأخرى أنْ تقعَ موقعَ الصِّيغةِ الأولى أو اللَّفظةِ الأولى، وهذا الفارقُ الجوهريُّ والأساسيُّ هو الَّذي غفلَ عنه معظمُ الباحثينَ المحدثينَ ممَّا جعلَهُم يَخْلِطُون بينَ مسائلِ الإنابةِ أو النِّيابةِ ومسائلِ التَّبادلِ؛ فظاهرةُ التَّبادلِ يشترطُ فيها التَّبادلُ بينَ الصِّيغتينِ أو الشَّيئينِ، فكلا الصِّيغتينِ تقومُ مقامَ الأخرى وتأخذُ وظيفتَها وعملَها، أمَّا ظاهرةُ الإنابةِ أو النِّيابةِ فلا يشترطُ فيها وقوعُ التَّبادلِ أبداً، بلْ إنَّ التَّبادلَ لا يقعُ بينَ الصِّيغتينِ، وإذا وقعَ التَّبادلُ فإنَّنا إذنْ لنْ ندرجَ المسألةَ تحتَ ظاهرةِ الإنابةِ أو النِّيابةِ بلْ ندرجُها تحتَ ظاهرةِ التَّبادلِ، ومنْ المسائلِ الَّتي توضِّحُ الفرقَ بينَ هاتينِ الظَّاهرتينِ مسألةُ وضعِ المفردِ موضعَ الجمعِ، ووضعِ الجمعِ موضعَ المفردِ، فهذه المسألةُ منْ بابِ التَّبادلِ؛ لأنَّ كلاً منْ المفردِ والجمعِ يقومُ مقامَ الآخرِ ويؤدِّي دورَهُ الوظيفيَّ، ومنْ المسائلِ على الإنابةِ أو النِّيابةِ مسألةُ الإنابةِ في بابِ الفاعلِ؛ فينوبُ عنْ الفاعلِ بعدَ حذفِهِ المفعولُ بِهِ نحو: فُهِمَ الدَّرسُ، والمصدرُ نحو: فُهِمَ فَهْمٌ صحيحٌ، والظَّرفُ نحو: صيمَ رمضانُ، والجارُّ والمجرورُ نحو: أُسِفَ عليهِ، فلا تبادلَ هنا يقعُ بينَ الفاعلِ وبينَ المفعولِ والمصدرِ والظَّرفِ والجارِّ والمجرورِ؛ بلْ إنابةٌ أوْ نيابةٌ.

صفحة 9

5.1 جهود العلماء القدماء في دراسة التبادل اللغوي

بعدَ تتبُّعي لظاهرةِ التَّبادلِ اللُّغويِّ في مصنَّفاتِ القدماءِ فإنَّنِي لمْ أجدْ أحداً منْ العلماءِ أفردَ لهذهِ الظَّاهرةِ دراسةً، أوْ وضعَ لها تعريفاً أوْ تحديداً يوضِّحُ ماهيَّتَها؛ ومعَ ذلك لا نكادُ نجدُ مصنَّفاً أوْ مؤلَّفاً قديماً يخلو منْ مسائلِ التَّبادلِ اللُّغويِّ أوْ مظاهرِهِ، فالعلماءُ القدماءُ لمْ يبوبوا مسائلَ التَّبادلِ ومظاهرَهُ تحتَ هذا المصطلحِ، وإنَّما جاءتْ مسائلُهُ ومظاهرُهُ مبثوثةً في ثنايا كتبِهِم، فَمِنْهُمْ مَنْ توسَّعَ في دراستِهِ ومعالجتِهِِ وذكرَ صوراً كثيرةً ومختلفةً منْ مسائلِ التَّبادلِ ومظاهرِهِ، ومِنْهُمْ منْ أوجزَ في دراستِهِ ومعالجتِهِ وذكرَ صوراً قليلةً على التَّبادلِ، ومنْ أبرزِ العلماءِ القدماءِ الَّذينَ تحدَّثُوا عنْ مسائلِ التَّبادلِ اللُّغويِّ ومظاهرِهِ: سيبويهِ (ت:180هـ)، والمبرِّدُ (ت: 285هـ)، وابنُ السَّراجِ (ت:316هـ)، وأبو عليٍّ الفارسيُّ (ت: 377هـ)، وابنُ جنِّيٍّ (ت: 392هـ)، وأحمدُ بنُ فارسٍ (ت: 395هـ)، وأبو منصورٍ الجبَّانُ (ت: 416هـ)، وأبو القاسمِ المغربيُّ (ت: 418هـ)، والهرويُّ (ت: 415/ 433هـ)، وأبو منصورٍ الثَّعالبيُّ (ت: 429هـ)، وابنُ المؤدِّبِ ( توفي في القرنِ الرابعِ للهجرة)، والجرجانيُّ (ت: 471أوْ474هـ)، والشَّنتمريُّ (ت: 476هـ)، والبطَلَيوسيُّ (ت:521هـ)، والزَّمخشريُّ (ت: 538هـ)، وابنُ الشَّجريِّ (ت: 542هـ)، وابنُ هشامٍ اللَّخميُّ (ت: 577هـ)، وأبو عليٍّ القيسيُّ (ت: 567هـ)، والعُكْبَريُّ (ت: 616هـ)، وابنُ يعيشَ (ت: 643هـ)، وابنُ عصفورٍ (ت: 669هـ)، وأبو الخيرِ تقيُّ الدَّينِ اليمنيُّ النَّحويُّ (ت: 680هـ)، وابنُ مالكٍ الأندلسيُّ (ت: 672هـ)، وابنُ النَّاظمِ (ت: 686هـ)، وابنُ أبي الرَّبيعِ السَّبتيُّ (ت: 688هـ)، وأبو حيانٍ الأندلسيُّ (ت: 745هـ)، والمراديُّ (ت: 749هـ)، وابنُ هشامٍ الأنصاريُّ (ت: 761هـ)، وابنُ عقيلٍ (ت: 769هـ)، والزَّركشيُّ (ت: 794هـ)، والدَّمامينيُّ (ت: 828هـ)، وبدرُ الدِّينِ العينيُّ (ت: 855هـ)، والأشمونيُّ (ت: 900هـ)، والسُّيوطيُّ (ت: 911هـ)، والبغداديُّ (ت: 1093هـ)، وغيرُهُمْ.

1.5.1 جهود أبرز العلماء القدماء الذين توسعوا في معالجة مسائل التبادل اللغوي

1.1.5.1 التبادل اللغوي عند سيبويه 180هـ:

لمْ يُفْرِدْ سيبويهِ لظاهرةِ التَّبادلِ باباً أوْ فصلاً مستقلاًً، وإنَّما نجدُ المسائلَ الَّتي ذكرَها في كتابِهِ جاءتْ ضمنَ مسائلَ أخرى، وقدْ ذكرَ صوراً مختلفةً تقعُ تحتَ ظاهرةِ التَّبادلِ، ومنْ المسائلِ الَّتي جاءتْ في الكتابِ:

1- وضعُ المفردِ موضعَ الجمعِ: يقولُ سيبويهِ: «وليسَ بمستنكرٍ في كلامِهِم أنْ يكونَ اللَّفظُ واحداً والمعنى جميعٌ»([27]).

2- إعطاءُ المذكَّرِ حكمَ المؤنَّثِ. قالَ عمرُ بنُ أبي ربيعةَ منْ الطَّويلِ:

فَكانَ مِجَنِّي دونَ مَنْ كُنْتُ أَتَّقي

ثَلاثُ شُخوصٍ كاعِبانِ وَمُعصِـرُ([28])

قالَ سيبويهِ: أنَّثَ الشَّخصَ إذْ كانَ في معنى أنثى([29])؛ لذلك جاءَ العددُ مذكَّراً.

3- مجيءُ المصدرِ بمعنى فاعلٍ. قالَ سيبويهِ: «ويقعُ على الفاعلِ، وذلك قولُكَ: يومٌ غمٌّ، ورجلٌ نومٌ؛ إنَّمَا تريدُ: النَّائمَ والغامَّ»([30]).

2.1.5.1 التبادل اللغوي عند ابن جني 392هـ:

لمْ يخصصْ ابنُ جنِّيٍّ باباً للحديثِ عنْ مسائلِ التَّبادلِ، إذْْ جاءتْ مسائلُ التَّبادلِ منثورةً في طيَّاتِ مؤلَّفاتِهِ العديدةِ، إلا أنَّهُ توسَّعَ في ذكرِ المسائلِ الَّتي تقعُ تحتَ ظاهرةِ التَّبادلِ لا سيَّما تحتَ بابِ (الحملِ على المعنى)، ومنْ المسائلِ الَّتي جاءتْ في مصنَّفاتِهِ:

1- تأنيثُ المذكَّرِ، وتذكيرُ المؤنَّثِ، وتصوُّرُ معنى الواحدِ في الجماعةِ، والجماعةِ في الواحدِ. يقولُ ابنُ جنِّيٍّ في بابِ الحملِ على المعنى: «اعلمْ أنَّ هذا الشَّرحَ غورٌ منْ العربيَّةِ بعيدٌ، ومذهبٌ نازحٌ فسيحٌ قدْ وردَ بِهِ القرآنُ وفصيحُ الكلامِ منثوراً ومنظوماً؛ كتأنيثِ المذكَّرِ، وتذكيرِ المؤنَّثِ وتصوُّرِ معنى الواحدِ في الجماعةِ، والجماعةِ في الواحدِ...» ([31]).

2- مجيءُ فاعلٍ بمعنى مفعولٍ: ومنْ الأمثلةِ الَّتي ضربَها ابنُ جنِّيٍّ قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:6]، أيْ: بمعنى مدفوقٍ([32]).

صفحة 10

3- مجيءُ المصدرِ بمعنى مفعولٍ، والعكسُ. يقولُ ابنُ جنِّيٍّ: «وقدْ أُوقعَ المصدرُ موقعَ المفعولِ؛ كضربِ الأميرِ، ونسجِ اليمنِ»([33])، أيْ كـ: مضروبِ ومنسوجِ. ويقولُ أيضاً: «وقدْ أُوقعَ أيضاً صورةُ المفعولِ على المصدرِ كالمعقولِ والمجلودِ والمعسورِ والميسورِ والمحسورِِ»([34]).

4- وضعُ الماضي موقعَ المستقبلِ. تقولُ: أعزَّك اللهُ وأطالَ بقاءَك؛ فتأتي بلفظِ الماضي ومعناهُ الاستقبالُ([35])، نحو قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ﴾ [الروم:51]، فقالَ الخليلُ: معناهُ ليظلُّنَّ؛ فأوقعَ الماضي موقعَ المستقبلِ([36]).

3.1.5.1التبادل اللغوي عند ابن فارس في كتابه الصاحبي 395هـ:

بناءً على ما جاءَ في كتابِ (الصَّاحبيِّ) نستطيعُ القولَ إِنَّ ابنَ فارسٍ هو أوَّلُ مَنْ بسطَ القولَ في مسائلِ التَّبادلِ وقضاياهُ بسطاً موسَّعاً، حيثُ أفردَ لمظاهرِ التَّبادلِ حيزاً كبيراً في كتابِهِ، وجعلَ لَهُ أبواباً؛ ومنها ما يأتي:

1- بابُ العمومِ والخصوصِ وتحتَهُ العامُّ الَّذي يرادُ بهِ الخاصُّ، والخاصُّ الَّذي يرادُ بِهِ العامُّ. قالَ ابنُ فارسٍ: وأمَّا العامُّ الَّذي يرادُ بِهِ الخاصُّ فكقولِهِ - جلَّ ثناؤهُ - حكايةً عنْ موسى : ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأعراف:143]، ولمْ يُرِدْ كلَّ المؤمنينَ؛ لأنَّ الأنبياءَ قبلَهُ قدْ كانُوا مؤمنينَ، ومثلُهُ كثيرٌ، ومِنْهُ قولُهُ تعالى أيضا: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات:14]، وإنَّما قالَهُ فريقٌ مِنْهُمْ.

وأمَّا الخاصُّ الَّذي يرادُ بِهِ العامُّ فكقولِهِ - جلَّ ثناؤهُ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [الأحزاب:1]، الخطابُ لَهُ ﷺ والمرادُ النَّاسُ جميعاً([37]).

2- بابُ الواحدِ يرادُ بِهِ الجمعُ.

3- بابُ الجمعِ يرادُ بِهِ واحدٌ واثنانِ.

4- بابُ مخاطبةِ الواحدِ بلفظِ الجمعِ.

5- بابُ الشَّيئينِ ينسبُ الفعلُ إليهما وهو لأحدِهما.

6- بابُ نسبةِ الفعلِ إلى أحدِ اثنين وهو لهما.

7- بابُ الفعلِ يأتي بلفظِ الماضي وهو مستقبلٌ، وبلفظِ المستقبلِ وهو ماضٍ.

8- بابُ المفعولِ بلفظِ الفاعلِ، والفاعلِ يأتي بلفظِ المفعولِ([38]).

4.1.5.1 التبادل اللغوي عن أبي منصور الثعالبي 429هـ:

عالجَ الثَّعالبيُّ مسائلَ التَّبادلِ ومظاهرَهُ علاجاً موسَّعاً، والتقى معَ ابنِ فارسٍ في كثيرٍ منْ القضايا الَّتي عالجَها، وقدْ ذكرَ الثّعالبيُّ فصولاً عديدةً تقعُ تحتَ ظاهرةِ التَّبادلِ؛ ومنْ الفصولِ الَّتي ذكرَها وعالجَها:

1- فصلٌ في إقامةِ الواحدِ مقامَ الجمعِ .

2- فصلٌ في الجمعِ يرادُ بهِ الواحدُ .

3- فصلٌ في أمرِ الواحدِ بلفظِ أمرِ الاثنينِ.

4- فصلٌ في إجراءِ الاثنينِ مجرى الجمعِ.

5- فصلٌ في الفعلِ يأتي بلفظِ الماضي وهو مستقبلٌ، وبلفظِ المستقبلِ وهو ماضٍ.

6- فصلٌ في المفعولِ يأتي بلفظِ الفاعلِ.

7- فصلٌ في الفاعلِ يأتي بلفظِ المفعولِ.

8- فصلٌ في إقامةِ الاسمِ والمصدرِ مقامَ الفاعلِ والمفعولِ.

9- فصلٌ في تذكيرِ المؤنَّثِ، وتأنيثِ المذكَّرِ في الجمعِ.

10- فصلٌ في حملِ اللَّفظِ على المعنى في تذكيرِ المؤنَّثِ، وتأنيثِ المذكَّرِ([39]).

5.1.5.1 التبادل اللغوي عند ابن عصفور 669هـ:

عالجَ ابنُ عصفورٍ بعضَ مسائلِ التَّبادلِ تحتَ (فصلِ البدلِ)، إذ قسَّمَ هذا الفصلَ إلى أربعةِ أقسامٍ كبيرةٍ، وهي: إبدالُ الحركةِ منْ الحركةِ، وإبدالُ الحرفِ منْ الحرفِ، وإبدالُ الكلمةِ منْ الكلمةِ، وإبدالُ الحكمِ منْ الحكمِ، حيثُ تحدَّثَ عنْ مسائلَ مختلفةٍ منْ التَّبادلِ تحتَ القسمينِ الأخيرينِ، ومنْ هذه المسائلِ ما يأتي:

أ - إبدالُ كلمةٍ منْ كلمةٍ، وَمِنْهُ:

1- وضعُ المفردِ موضعَ التَّثنيةِ([40]).

2- وضعُ المفردِ موضعَ الجمعِ.

3- وضعُ التَّثنيةِ موضعَ المفردِ.

4- وضعُ التَّثنيةِ موضعَ الجمعِ.

5- وضعُ الجمعِ موضعَ المفردِ.

6- وضعُ الجمعِ موضعَ التَّثنيةِ.

7- وضعُ ضميرِ الرَّفعِ المنفصلِ موضعَ ضميرِ النَّصبِ المنفصلِ.

8- وضعُ ضميرِ الرَّفعِ المنفصلِ موضعَ ضميرِ الرَّفعِ المتَّصلِ.

9- وضعُ ضميرِ النَّصبِ المنفصلِ موضعَ ضميرِ النَّصبِ المتَّصلِ.

10- وضعُ ضميرِ النَّصبِ المتَّصلِ موضعَ ضميرِ النَّصبِ المنفصلِ.

ب- إبدالُ الحكمِ منْ الحكمِ، وَمِنْهُ:

1- تأنيثُ المذكَّرِ.

2- تذكيرُ المؤنَّثِ([41]).

إنَّ مصطلحَ البدلِ الَّذي ذكرَهُ ابنُ عصفورٍ ووظَّفهُ في كتابِهِ (ضرائرِ الشِّعرِ) لا يُعْنَى بِهِ مصطلحُ (البدلِ النَّحويِّ) المتداولِ في معظمِ كتبِ النَّحوِ، بلْ هو مصطلحٌ واسعٌ متعدِّدُ الجوانبِ كما يتَّضحُ منْ المسائلِ الَّتي ذكرَها تحتَ أقسامِهِ الأربعةِ، فبعضُ المسائلِ الَّتي ذكرَها يُمْكِنُ تصنيفُها تحتَ ظاهرةِ (الإنابةِ) أوْ (النِّيابةِ)، وقسمٌ منها يُمْكِنُ تصنيفُها تحتَ ظاهرةِ (التَّبادلِ اللُّغويِّ) لا سيَّما ما جاءَ في الفصلينِ الأخيرينِ، وهناك مسائلُ كثيرةٌ يُمْكِنُ تصنيفُها تحتَ ظواهرَ مختلفةٍ، وبالتَّالي نستطيعُ القولَ إنَّ مصطلحَ (البدلِ) الَّذي وظَّفَهُ ابنُ عصفورٍ يشملُ مصطلحَ التَّبادلِ اللُّغويِّ أوْ أنَّهُ في بعضِ جوانبِهِ ومسائلِهِ قدْ يُقْصَدُ بِهِ التَّبادلُ اللُّغويُّ الَّذي تقدَّمَ تعريفُهُ؛ لأنَّهُ ذكرَ كثيراً منْ مسائلِ التَّبادلِ اللُّغويِّ تحتَهُ، وبناءً على هذا فَيُمْكِنُ أنْ يُعَدَّ ما ذكرَهُ ابنُ عصفورٍ أوَّلَ إشارةٍ صريحةٍ لظاهرةِ التَّبادلِ اللُّغويِّ لا سيَّما وأنَّ التَّقاربَ بينَهُما كبيرٌ سواء في المصطلحِ أمْ في المسائلِ الَّتي عالَجَها.