eKtab
EN ع
ظاهرة الترخيم في الدرس اللغوي
اقرأ عينة مجانية

ظاهرة الترخيم في الدرس اللغوي

بقلم د. أحمد عطية السعودي

صفحة 1

الإهداء

أُهدي ثواب هذا الجهد اليانع إلى والديّ رحمة الله وبركاته عليهما، فهو بعضُ غرسِهما، وكسبٌ من كسبِهما، ولساني يلهجُ بالدّعاء لهما:"رَبِّ ارحَمْهُما كَما رَبّياني صَغيراً"

صفحة 2

المقدمة

الحمدُ لله الذي علّم بالقلم، علّمَ الإنسانَ ما لم يعلم، وأفضلُ التحية والإكرام على هادي الأنام محمّد بن عبد الله، وعلى آلهِ الأطهار، وأصحابِه الأبرار، وبعد؛

فلقد شرّف اللهُ سبحانه وتعالى لغتَنا العربيّة أيّما تشريف؛ إذ أنزلَ بها كتابَه الكريم الذي "لا يأتيهِ الباطلُ مِنْ يينِ يديه ولا مِنْ خَلْفِه، تنزيلٌ مِنْ حكيمٍ حَميد".

وجعلَ مُعجزةَ نبيّه الكريم عقليّة بيانيّة، فحباها من روائع البيان، ولطائفِ الأسرار، وجوامعِ الكَلِم، وغرائر الحِكَم، ما لا نظيرَ له في لغات العالمين.

وجلّلها بالجمالِ الباهر، وملأها بالمحاسنِ والمحامد، وجعلها مفتاحاً لدينِه في الدّنيا، ولغةً لعبادِه في جنّات النّعيم:

إنّ الذي ملأ اللّغاتِ محاسناً

جعلَ الجمالَ وسرَّهُ في الضَّادِ!

وأعلى شأنَها فأصبحتْ لغةَ العقيدة ِوالحضارة بعد أنْ كانت لغةَ البداوة، تتكلّمها قبائل متفرقة في صحراء قاحلة، وحِرار مستقرة، وفجاج عميقة، ومفاوز شاسعة، لا ينبتُ على أديمها إلاّ الأثل والسّدر، والشّيخ والعَرعر، والحَنْظل والحَرمل.

وقد غدت العربيّة بهذا الدّين المتين لغةَ العلوم والآداب والفنون، ودخلتْ مع طلائع الفتح الإسلاميّ إلى القلوب والبيوت، وانتصرتْ على كثير من اللغات السّائدة في ذلك الزّمان.

والعربيةُ اليوم لغةٌ حيّة قوية، تتبوأ مكانةً مرموقة في العالم العربيّ والإسلاميّ، ويتكلّمها نحو ثلاثمائة مليون أو يزيدون، وهم أشدّ ما يكونون حرصاً عليها، وحبّاً لها، وتقديراً لعلمائها وأهلِها.

وقد تفرّعت عن هذه اللغة الشّريفة علومٌ كثيرة، منها علم النّحْو الذي يُعدّ من أجلّ العلوم وأشرفها، وأعظمها أجراً؛ لأنّه سببٌ لفهم المعنى، والوقوف على المراد من القول، ولأنّه أساسٌ لعلمي التفسير والحديث؛ إذ لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يتكلّم في كلامِ الله سبحانه، وكلامِ رسوله حتى يكونَ مُلمّاً بالعربية؛ لأنَّ النحو هو الباب الموصل إلى سائر العلوم، ومَنْ حواه صار الفهمُ في يده:

ومَنْ حَوى النَّحْو صارَ الفهمُ في يدِه

طوعاً يحلّ بهِ ما ضمّتِ الكتبُ!

صفحة 3

وتكونُ للنحويّ مكانة في مجالس العلم، فيصيرُ بين الناس كالهلال، وتصيرُ ألفاظُه كالدّرر:

إنّما النحويُّ في مجلسِه

كهلالٍ لاحَ من بينِ الشُّرفْ

تخرجُ اللفظةُ من فيه كما

تخرجُ الدرّةُ من بينِ الصّدفْ([1])!

وقد كانت عناية العلماء القدامى بالنحو عنايةً فائقة؛ إذ كانوا يحضّون على طلبه، ولا يكرمون مَنْ يلحن، ولا يعدّونه عربيّاً خالصاً.

وعلمُ النحو قديم النشأة، كثير المسائل والأبواب، عالجه النحاة قديماً، وطبخوه حتى أنضجوه، فقيل فيه إنّه: "نضجَ حتى احترق"!

أولية النحو، وبواعث وَضْعه:

اختلف العلماء في أول من رسم النحو، فقال بعضهم: هو أبو الأسود الدؤلي، وقيل: هو نصر بن عاصم، وقيل: بل عبد الرحمن بن هرمز، وأكثر الناس على أنّه أبو الأسود الدؤلي.([2])

وقد تعددت بواعث وضع النحو العربي، فكان من أهمها:([3])

- حرص المسلمين الشّديد على تلاوة آيات القران الكريم تلاوةً صحيحة خالية من اللحن الذي شاع على الألسنة نتيجةً لاختلاط العرب بغيرهم من الأمم التي دخلت في الإسلام.

- اعتزاز العرب بلغتهم اعتزازاً عظيماً مما جعلهم يخشون عليها من الفساد ممن امتزجوا بالأعاجم، ويخشون عليها من الذوبان في اللغات الأعجمية.

- حاجة الشعوب المستعربة لمن يرسمُ لها أوضاع العربية في إعرابها وتصريفها حتى تتمثلها تمثلاً سليماً، وتتقن النطق بأساليبها نطقاً صحيحاً.

- رقي العقل العربي، ونمو طاقته الذهنية نمواً أعدّه للنهوض برصد الظواهر اللغوية، ووضع القوانين النحوية الجامعة.

صفحة 4

جَرَيان العربية على الفطرة

كان العرب في جاهليتهم، وفي العهود الإسلامية الأولى ينطقون العربية سليقةً، ويجرون فيها على الفطرة والطبع دون معاناة، ولا مكابدة، ولا إجالة فكر، ولا استعانة، كما وصفهم الجاحظ بأنهم "كانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلامُ الجيد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر، وله أقهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه في البيان أرفع، وخطباؤهم للكلام أوجد، والكلامُ عليه أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقر إلى تحفّظ، ويحتاج إلى تدارس".([4])

وقد أصبحت العربية صفة راسخةً في نفوسهم، وملَكة ماثلة يستمدون منها قدرتهم العقلية في تناول أعمالهم بحذق ومهارة ([5]).

ولما فسدت الألسنة، وانتشر اللحن، وُضع النحو، فأجاد فيه النحاة، واختلفوا في كثير من مسائله، وألّفوا فيه المصنفات، ونظموا في قواعده آلاف الأبيات، وظهرت المدارس النحوية.

وكان من بين الأبواب التي طرقها النحاة، فأكثروا فيها الآراء باب النداء الذي حظيت إحدى ظواهره باهتمامهم، ففصّلوا فيها المسائل، وتلك هي ظاهرة الترخيم.

الترخيم في كلام العرب:

الترخيم ظاهرة شائعة في كلام العرب شعراً ونثراً، تعبّر عن المضمون الاجتماعي المتمثّل في التواصل بين الناس في المواقف المختلفة، وذلك بأسلوب الخطاب المباشر.

وقد اهتم النحاة بالشواهد الشعرية لهذه الظاهرة؛ لأنّ عناية العرب كانت منصبةً على الشّعر؛ إذ هو ديوانهم، وعنوان رقيهم الأدبي، وخلاصة فصاحتهم، ويمثل حياتهم خير تمثيل، وفيه معاني كلامهم، وهو سهل الضبط، ميسور الحفظ؛ لما يشتمل عليه من الإيقاع المطرب، والوزن المعجب، والموسيقى الساحرة، والألفاظ الراقية. وفي هذا المعنى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "أيها الناس، عليكم بديوانكم شعر الجاهلية؛ فإن فيه تفسير كتاباكم، ومعاني كلامكم"([6]).

ولكن دراسة النحاة لهذه الظاهرة تحتاج إلى نظرة جديدة تحقّق التواصل اللغوي بين الناطقين بالعربية بأيسر طريقة؛ إذ الهدف هو البيان والإفصاح، وليس التعقيد والتعمية.

ومما نلاحظه على دراسة هذه الظاهرة عند النحاة ما يلي:

1- اهتمامهم بالشّواهد الشّعرية بصورة كبيرة، مع أنّ الشعر هو جزء من الإبداع الأدبي لدى أهل اللغة، ولا يمثّل اللغة كلّها.

2- اهتمامهم بالقياس، وإهمالهم لما يخالفه، حتى لو كان مسموعاً عند العرب، وقواعدُهم الدالة على هذا الأمر مشهورة متواترة وهي قولهم: "يُحفظ ولا يُقاس عليه".

3- تشعّب آرائهم، وتعدد اختلافاتهم في المسألة الواحدة؛ مما يزيد من عناء المتعلم في تتبع الآراء والإلمام بتلك الاختلافات، والإحاطة بهذا القدر الكبير من المسائل، وتلك مُعضلة تواجه أبناء العربية في هذا الزمان، كما تواجه كثيراً من الأعاجم الراغبين في تعلّم العربية.

من أجل ذلك تغدو الحاجة ماسة إلى دراسة هذه الظاهرة في مظانّها في أمّات النحو دراسةً علمية، تهدف إلى جمعها وتبويبها، وتقديم شواهدها بصورة أدبية مشرقة، والوقوف على درجة استعمالها في العصر الراهن؛ لنتمكن من بناء منهج سويّ على أسس مدروسة، نفيدُ به أبناء العربية الذين تقطّعت بينهم وبين لغتهم الأسباب، ونفيد الراغبين في تعلّم العربية من أبناء الأمم الناطقة باللغات الحية.

ونحن أحوج إلى الإفادة من تجارب الأمم المتقدمة في تعليم لغاتها، وتقديم نَحْوها بأسلس الطرائق، وفق دراسات تربوية جادة؛ مما جعل كثيراً من تلك اللغات تجد لها موضعاً في كل بقعة من العالم، كما هو الحال بالنسبة للغة الإنجليزية.

نضّرَ الله وجهَ كلّ عامل من أجل هذه اللغة الشريفة، وبلّغه منازلَ المقرّبين الأخيار، وأيّده بروحِ القُدس؛ فإنّ حربَ هذا الزّمان هي حربُ لُغات وأقلام وأفكار!

والله الهادي إلى سواء السّبيل.

د. أحمد عطية السعودي

صفحة 5

المبحث الأول :مفهوم الترخيم

أوردتْ معاجمُ اللغة عدّة معانٍ لمادة (رَخَم) جاء فيها:

"رَخَمَ الكلامُ والصوتُ رَخْماً، ورَخم رَخامة، فهو رَخِم: لانَ وسَهُل. وأرْخَمت النعامةُ والدجاجة على بيضها، ورَخَمتْهُ: حضنته. ورَخّم الشّيء: سهلّه وليّنه. ورَخِمت المرأةُ ولدَها تَرْخَمُه: لاعبته. وألقت عليه رَخْمَها ورَخْمَتْها: أي عطفتها، قال أبو النَّجْم:

مُدلّل يَشْتُمنا ونَرْخَمُه

أطيب شيْ نَسْمُهُ ومَلْثَمُه!

والرَّخَم: المحبة والإشفاق. والرَّخيم: الحسَن الكلام. ورجل رَخِم: أي ضعيف الصوت، وكلام رَخِم: أي رقيق. والرَّخامَة: لين حسن في منطق النساء. ورَخُمَت الجارية فهي رخيمة الصوت، إذا كانت سهلة النطق، قال قيس بن ذريح:

رَبْعاً لواضحةِ الجبين عزيرةٍ

كالشمسِ إذا طلعتْ رَخيم المنطقِ!

والرُّخام حجر أبيض سهل رخو. والرُّخامى: الرّيح اللينة.([7])

والترخيم هو ترقيق الصوت، وقد استشهد النحاة بقول ذي الرّمة:

لها بَشَر مثل الحرير ومَنْطِقٌ

رخيمُ الحواشي: لا هُراء ولا نَزْرُ ([8])

أي رقيق الحواشي. والبَشَر: ظاهر الجلد. والمنطق: الكلام. والهُراء: الكثير غير المفيد. النّزر: القليل. والمعنى: يصفُها بنعومة الجلد وملاسته، وبعذوبة كلامها، وبرقّة حديثها، فلا هو بالكثير المُمل، ولا بالقليل المُخلّ. ([9])

وقد حكى الأصمعي أنَّ الخليل الفراهيدي أخذ عنه معنى الترخيم فقال: "أخذ عني الخليل معنى الترخيم، وذلك أنّه لقيني فقال لي: ما تسمّي العرب السّــهل من الكلام؟ فقلت له: العرب تقول: جارية رخيمة إذا كانت سهلة المنطق. فعمل باب الترخــيم على هذا".([10])

ونجد من خلال ما أوردته معاجم اللغة عن مادة (رخم) أنها تعني:

الليونة، والسّهولة والرخاوة، والرقة والضّعف، والحسن والعذوبة، كما أنَّ كلّ ما اشتق من مادة (رخم) يدلّ على التسهيل والتليين: فالريح اللينة تسمى: (الرّخامى)، والحجر الأبيض السّهل الرخو يسمّى (الرّخام)، والكلام الحسن أو الرقيق، أو الصّوت العَذْب يسمى: (الترخيم)، وحَضْن النعامة أو الدجاجة بيضها يسمى (الترخيم) لما فيه من المحبة والليونة.

صفحة 6

وملاعبة المرأة ولدها تسمى (الترخيم)، لما فيها من الحبّ والرحمة، والعطف ودفء العاطفة، وما يصاحبها من الغناء والرقص والمناغاة.

وقد كان العرب يستحبّون الصوت العذب، والكلامَ الحسَن بما فطروا عليه من سلامة السليقة، وحبّ الفصاحة، وعذوبة النطق، وكانوا يستمتعون أيّما استمتاع بإنشاد الشعراء في الأسواق الأدبية، وكان من بين هؤلاء الشّعراء أعشى قيس الذي لُقّب (بصنّاجة العرب) لروعة إنشاده، ورخامة صوته، وصلاحية شعره للتغنّي به.

والصّوت الحسن الرّخيم مُحبّب في الإسلام، وقد وردت أحاديث نبوية تحثّ على وجوب تحسين الصوت بالقرآن:

- عن أبي موسى رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال له: "يا أبا موسى، لقد أوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود".([11]) ذلك لجمال صوته في ترتيل القران وتجويده.

- وجاء في الحديث الصحيح: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغّنى بالقـرآن"([12]). وجاء أيضاً: "زيّنوا القرآن بأصواتكم". ([13])

- وفي حديث مالك بن دينار: "بلغنا أنَّ الله تبارك وتعالى يقولُ لداود يومَ القيامة يا داود، مجّدني بذلك الصوت الحَسن الرَخيم". وهو الرقيق الشّجي الطيّب النغمة.

العلاقة بين الترخيم اللغوي والترخيم الاصطلاحي

ثمة علاقة جلية بين الترخيم اللغوي والترخيم الاصطلاحي أشار إليها ابن منظور بقوله: "الترخيم: التليين، ومنه الترخيم في الأسماء؛ لأنهم إنما يحذفون أواخرها؛ ليسهلوا النطق بها. وقيل: الترخيم: الحذف، ومنه ترخيم الاسم في النداء، وهو أنْ يُحذف من آخره حرف، أو أكثر، كقولك إذا ناديتَ مالكاً: يا مالِ. سمّي ترخيماً لتليين المنادى صوته بحذف الحرف.([14])

وورد في شرح الجمل الكبرى لابن هشام الأنصاري ما يفسّر هذه العلاقة: "معنى الترخيم الرقة والحلاوة، يقال: جارية رخيمة الكلام، إذا كان كلامُها رقيقاً حلواً مختصراً سهلاً، فلذلك سمّي الاسم المنادى إذا حذفتَ منه آخره حتى خفّ وحلا ترخيماً. ([15])

ويظهر من كلام ابن منظور وابن هشام الأنصاري أنَّ علاقة الترخيم اللغوي بالترخيم الاصطلاحي تقومُ على أساس أنّ من معاني الترخيم اللغوي:

- التليين، وترخيم الأسماء غايته تسهيل النطق بها وتليينها.

- الحذف، وترخيم الأسماء يقوم على حذف آخرها، وتليين المنادي صوته لهذا الحذف.

- الرقة والحلاوة، وترخيم الأسماء فيه تخفيف لترقّ على اللسان، وتحلو في السمع بعد حسن الاختصار، ودقة الاختزال.

الترخيم في اصطلاح النحاة:

تناولَ عدد من النحاة باب الترخيم، وعرّفوه تعريفات متعددة، ومن أبرز هؤلاء:

سيبويه (180هـ): يقول: "حذف أواخر الأسماء المفردة تخفيفاً، كما حذفوا غير ذلك من كلامهم تخفيفاً".([16])

ابن السّراج (316 هـ): "الترخيم حذف أواخر الأسماء المفردة الأعلام تحفيفاً، ولا يكون ذلك إلا في النداء، إلا أن يُضطر شاعر". ([17])

الزَّجاجي (340 هـ): " الترخيم: حذف أواخر الأسماء الأعلام في النداء خاصة تخفيفاً" ([18]) .

ابن جنّي ( 392 هـ): "الترخيم: حذف يلحق أواخر الأسماء المضمومة في النداء تخفيفاً".([19])

الصيمري ( من نحاة ق4 هـ ): " اعلم أنَّ الترخيم: حذف أواخر الأسماء الأعلام المفردة، ولا يكون إلا في النداء؛ لأنه موضع تغيير إلا أن يضطر شاعر، فيرخم في غير النداء".( [20])

عبد القاهر الجرجاني (471 هـ): "الترخيم: حذف أواخر الأسماء المفردة المعرّفة في النداء".([21])

الزمخشري (538 هـ): "الترخيم حذف في آخر الاسم على سبيل الاعتباط.([22]) أي من غير علة مُوجبة من قولهم: اعتبط البعير: إذا مات من غير علة". ([23])

ابن الدّهان (569 هـ): "حذف أواخر الأسماء المعرفة العَلمية المبنية الزائدة على ثلاثة أحرف". ([24])

ابن مالك (672 هـ): الترخيم عند ابن مالك هو حذف آخر المنادى كما جاء في ألفيته:

"ترخيما احذف آخرَ المنادى

كيا "سُعا" فيمَنْ دعا سُعادا"([25])

ابن عقيل (769 هـ): "الترخيم: حذف أواخر الكلم في النداء نحو: يا "سُعا".([26])

الفرخان ( منتصف ق 7 هـ ): "الترخيم أن يسقط من آخر المنادى إذا كان علماً غير مضاف وعلى أكثر من ثلاثة أحرف، وأكثر ما يكون الترخيم في الأسماء الغالبة التي يكثر استعمالها" ([27]).

ابن هشام الأنصاري (761 هـ): "حذف آخر المنادى تخفيفاً". ([28])

ويعرّفه أيضاً بقوله: "حذف أعجاز المناديات لغير علة، وهذه تسمية قديمة".([29])

الجرجاني (816 هـ ): "الترخيم: حذف آخر الاسم تخفيفاً".([30])

السيوطي (911 هـ): "الترخيم: حذف آخر الاسم باطراد".([31])

الأشموني (929 هـ): "حذف بعض الكلمة على وجه مخصوص".([32])

الفاكهي (972هـ): "حذف بعض كلمة حقيقة كان ذلك البعض، أو مجازاً على وجه مخصوص"([33]) .

خالد الأزهري (905 هـأ): "حذف بعض الكلمة على وجه مخصوص".([34])

المقارنة بين تعريفات الترخيم:

من خلال المقارنة بين تعريفات الترخيم المتعددة يمكننا أن نستخلص أنها تتفق في الأمور التالية:

1- تأكيد النحاة أنّ معنى الترخيم الاصطلاحي هو الحذف، أي: حذف حرف، أو حرفين، أو كلمة برأسها، أو كلمة وحرف. ولذا بدأت كل التعريفات بكلمة حذف عند جميع النحاة.

2- أنه حذف في أواخر الأسماء؛ لأن الحذف إن كان في غير أواخر الأسماء، فلا يسمّى ترخيماً عند النحاة، ولهذا أجمعت التعريفات على أنَّ الترخيم هو: (حذف أواخر الأسماء).

3- أنّ هذا الحذف في أواخر الأسماء يكون من غير علة موجبة للحذف كما نرى في تعريف الزمخشري، وابن هشام الأنصاري.

4- أنَّ هذا الحذف للترخيم يكون على وجه مخصوص، وشروط معينة أسهب في شرحها النحاة.

5- أنّ غرض الترخيم الأساسي هو التخفيف، كما ورد في جميع تعريفات النحاة.

6- أنّ لفظة الترخيم تختصّ بالنداء بمجرد سماعها؛ وذلك لكثرته في كلام العرب، ولقلة ترخيم الضرورة، وترخيم التصغير، وقد نصّ النحاة على أنّ الترخيم هو حذف آخر المنادى.

صفحة 7

المبحث الثاني :أغراض الترخيم

بيّن علماء العربية علّة الترخيم في كلام العرب، وذكروا أغراضه التي يؤديها، تلك التي تعدّ من أهم سمات البيان الباهر الذي يأخذ بمجامع القلوب، ويستحوذ على مكامن الشعور.

وأغراض الترخيم في كلام العرب هي:

أولا: التخفيف:

وقد ورد ذكرُه في تعريفات النحاة السابقة، ونصّوا عليه صراحة، واعتبروه الغرض الرئيس للترخيم في اللسان العربي.([35]) وذلك لأنّ حذف أواخر الكَلم في النداء يجعل الأسلوب في التخاطب ميسوراً، والكلام مُستحسناً مأنوساً.

ولكثرة استعمال النداء في حياة العرب لجأوا إلى التخفيف والحذف منه فحذفوا:

أ- فعل النداء: وقدّروه ( أنادي، أو أدعو)، تقول : يا زيد، أي أدعو: زيداً.

فحذف الفعل أدعو، وأُنيب ( يا) عنه. ([36])

ب- حرف النداء: قال عزّ وجلّ: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ﴾ [يوسف:29] والتقدير: يا يوسف.

وحذف حرف النداء ليس على إطلاقه، فلا يجوز حذفه مع الأسماء المبهمات والنكرات لإبهامها، ولا يقال: (هذا أقبل)، وأنت تريد: (يا هذا، أقبل). )[37](

ج- حذف المنادى: وذلك في مواطن القرب المعنوي والمادي، وكثيراً ما يرد حذفه مع:

(رُبّ) و( ليت): قال تعالى: ﴿ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [النساء:73].

قال الشاعر:

فيا رُبَّ يومٍ قد لهوتُ وليلةٍ

بآنسةٍ كأنّها خطُّ تمثالِ!)[38](

د- حذف آخر المنادى: وهو الترخيم. فيقولون: أفاطمُ. يا (سُعا). يا (ثُبَ). يا (حارِ) في: فاطمة، وسعاد، وثُبَة، وحارث.

قال الشاعر:

أفاطمُ مهلاً بعضَ هذا التدللِ

وإنْ كنتِ قد أزمعْتِ صَرْماً فأجملي!)[39](

وقد علّل النحاة ومنهم سيبويه السبب في كثرة التخفيف في أسلوب النداء بقوله:

" وإنّما فعلوا هذا بالنداء لكثرته في كلامهم؛ ولأنَ أول الكلام أبداً النداء، إلا أنْ تدعه استغناء بإقبال المخاطب عليك، فهو أول كلّ كلام لك به تعطف المكّلم عليه، فلما كَثُر، وكان الأول في كلّ موضع حذفوا منه تخفيفاً؛ لأنهم مما يغيّرون الأكثر في كلامهم".)[40](

ويُفهم من كلام سيبويه أنَّ كثرة الاستعمال تقتضي التخفيف والحذف في أسلوب النداء؛ لأنه شائع في لغة العرب.

صفحة 8

ويقول الأعلم الشنتمري في تفسير كلام سيبويه:

"ومعنى هذا أنَّ المتكلم إذا تكلّم فلا بدّ من مخاطب يخاطبه بكلامه الذي يتكلّم به، فيقول له: يا فلان، كان الأمر كذا وكذا، وإنْ كان المخاطب مُقبلاً عليه جاز أنْ يدعَ يا فلان".)[41](

وكذلك تقتضي الضرورة الشعرية التخفيف في بعض الكلمات؛ ليستقيم الوزن، ويحسن الأداء.

كما أنَّ ترخيم التصغير يقوم أساساً على التخفيف والتسهيل، فيقال مثلا في تصغير مِعْطف: مُعَيْطف. حامد: حُوميد. وتُصغّر للترخيم على: عُطَيف. وحُمَيد.

وهذا الحذف بتجريد الكلمة من زوائدها يؤدي إلى الترقيق والتليين؛ لأنَّ في حذف الزائد تسهيلاً للكلمة بتقليل لفظها، وهو معنى الترخيم لغة.)[42](

ومن دواعي الترخيم ما يستدعيه المقام، فقد روي أنّه قيل لابن عباس أنَّ ابن مسعود قرأ:

﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ﴾ [الزخرف:77]. فقال: "ما كان أشغل أهل النار عن الترخيم". )[43](

ويرى ابن هشام الأنصاري أنَّ الترخيم يكون في الضيق، كما يكون في السعة، فقد روي عن بعضهم "أنَّ الذي حسَّن الترخيم هنا أنَّ فيه الإشارة إلى أنهم يقتطعون بعض الاسم، لضعفهم عن إتمامه".)[44](

أما أبو الفتح عثمان بن جني فيكشف عن سرّ جديد في ترخيم أهل النار لاسم (مالك) في قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ﴾ وقراءة مَنْ قرأ: (ونادوا يا مالِ).

قال ابن جني: "هذا المذهب المألوف في الترخيم إلا أنّ فيه في هذا الموضع سرّاً جديداً، وذلك أنَّهم لِعظم ما هم عليه ضَعُفت قواهم، وذلّت أنفسهم، وصَغُر كلامهم، فكان هذا موضع الاختصار ضرورة عليه، ووقوفاً دون تجـاوزه إلى ما يستعمله المالك لقوله، القـادر على التصرّف في منطقه" )[45]( .

وأقول: إنَّ تعليل ابن جني هذا لطيف مقبول، لو أنَّ أهل النار يقولون كلمة واحدة: (يا مَالِ)، ولكنهم يقولون جملة كاملة: (ليقضِ علينا ربُّك)، فكيف ضعفوا عن كلمة، ولم يضعفوا عن جملة؟! ولماذا يضعفون عن إتمام اسم (مالك)، ولا يضعفون في قولهم( ليقض) أو (علينا) أو (ربّك) ؟!

ثم إنَّ الترخيم لم يرد عن العرب إلا في حال السَّعة، ومواطن اللين والمداعبة، والغزل والصّبابة، وذا ما جعل ابن عباس يتعجّب لمّا سمع قراءة مَنْ قرأ: "ونادوا يا مالِ" بقوله: "ما كان أشغل أهل النار عن الترخيم"! )[46](

ولعلَّ ابن عباس قد نظر إلى معنى الترخيم اللغوي الذي يعني الحذف والتليين، والرقة والحلاوة، بينما نظر ابن جني إلى معنى الترخيم الاصطلاحي الذي يعني: "حذف أواخر الأسماء المفردة الأعلام تخفيفاً ".

ثانياً: الرغبة في الإيجاز والاختصار، وقد روي عن بعضهم قوله: "البلاغة هي الإيجاز".

ثالثا: القصد إلى سرعة الفراغ من الكلمة للإفضاء إلى المقصود، وفي هذا تأكيد على ضرورة إيصال المعنى بأقل عدد من الحروف.

رابعاً: تنويع الكلام وتحليته، وتحسينه وتلوينه.

ذلك لأنَّ العربي البليغ يحرص على اللفظ اللائق الذي يؤدي إلى المعنى الرائق.

خامساً: الإيناس بالتغيير، فالمنادى يتغيّر بالنداء، والترخيم تغيير، والتغيير يؤنس بالتغيير.([47] )

صفحة 9

أولا: ترخيم المنادى

وهو أكثر الأنواع الثلاثة شيوعاً واستعمالاً في كلام العرب، وقد حظي باهتمام النحاة، فعقدوا له الأبواب، وفصّلوا فيه المسائل، حتى صارت لفظة (الترخيم) تدل على ترخيم المنادى دون الالتفات إلى النوعين الآخرين.

واشترط النحاة في ترخيم المنادى أن تجتمع فيه ثمانية شروط، إذا نقـص منها شرط امتنع الترخيم.

والأسماء المؤنثة القابلة للترخيم قسمان:

1- المختوم بتاء التأنيث التي تقلب عند الوقف هاء مثل: فاطمة.

2- المجرد من تاء التأنيث مثل: سعاد.

كما ذكر النحاة أنواع الحذف في المنادى المرخّم ومن ذلك: حذف حرف، وحذف حرفين، وحذف كلمة برأسها، وحذف كلمة وحرف.

ونصّوا على أنَّ للترخيم لغتين مشهورتين هما: لغة مَنْ ينتظر: أي مَنْ (ينوي) المحذوف مثل: يا حارِ. في نداء: يا حارث/ يا فاطمَ. في نداء: يا فاطمة.

ولغة مَنْ لا ينتظر: أو لغة التمام، أو لغة مَنْ لا ينوي المحذوف مثل: يا حارُ/ يا فاطمُ.

وذكروا شواهد كثيرة على هاتين اللغتين، وسوف نفصّل فيهما القول في الفصل الذي يلي.

صفحة 10

ثانياً: ترخيم التصغير

وهو تصغير للاسم بعد تجريده من الزوائد التي تكون فيه، حيث تسهّل الكلمة بتقليل لفظها.

والغرض منه كالغرض من الترخيم الأصلي، وقد يكون الدافع إليه: التودد، أو التدلل، أو الضرورة الشعرية. وهذا النوع قليل غير شائع في كلام العرب.

وقد ذكر النحاة شرطين لتصغير الأسماء تصغير ترخيم وهما: أن يكون الاسم المراد تصغيره مزيداً. وأن تكون الزيادة الصالحة للبقاء في تصغير غير الترخيم.

كما يقوم هذا التصغير على صيغتين هما: صيغة فُعَيل، وصيغة فُعَيعِل.

وسيأتي الحديث عن هذا النوع لاحقاً.