صفحة 1
ذاكرة الأوراق الآثمة
كان رذاذ الزمن يتساقط فوق عقارب الساعة التي تزيّن مِعْصَم يدها ببطء، يتماهى مع خطواتها أثناء اجتيازِها لشوارعَ الحيّ الذي تقطن فيه. أو كما تحب هي أن تسمّيها دائماً بالأزقة. كان مركب سيرها يتجه نحو الشارع العام قاصداً مقرّ الجمعية الكائن في وسط المدينة حيث كانت تعمل: إنها الثامنة إلا ربعاً.لم تكن زينة قد حملت ساعة يدها ولا نظرت إليها حتى، منذ عشرة أيام خلت، أي طيلة فترة الإجازة المَرَضية التي قضتها في المنزل ترتاح من عناء عملية جراحية في ذقنها استأصلت فيها ورماً كان قد أقلق راحتها منذ ما يناهز الشهرين، وذلك لاعتبار وحيد ألا وهو: الزمن. هذا المصطلح الهش كان بالنسبة إليها متوحداً مع ضرورة تناولها الأدوية المضادة للالتهاب بعد الطعام مباشرة، وفقط كلما أحست بأنياب الجوع تنهش معدتها.
هي متمردة على إرشادات الطبيب وتوصياته، خصوصاً في ما يتعلق بوضعية النوم داخل السرير: «النوم بطريقة الاستلقاء على الظهر! فلا تتقلّبي كثيراً؛ لأن الجرح ما زال حديثاً وقد يفتح مجدداً» بينما كان جوابها على الدوام ابتسامة ماكرة تبدو عليها علامات الهُزء والاستخفاف.
كانت توجيهات الطبيب بالنسبة إليها أكثر إزعاجاً من السير في أزقة هذا الحي الذي انتقلت للعيش فيه منذ بضعة أشهر، على الرغم من طرقاته الضيقة التي هي أشبه ما تكون بأقنية للصرف الصحي. إذ تتناثر فيها رُقَعُ اليابسة، فلا يمكن اجتيازها إلّا بوثبة (شاطر)، دون أن تخلو في أحيان كثيرة من التبلُّل، وليس لك إلّا أن تسلّم بقدر الغرق في أحواضها العكرة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى أسطح المنازل؛ إذ إنّها متلاصقة كأنها في حالة عشق دائم لفضول سرقة أسرار من يعيش تحتها، والاشتراك في أصوات حيواتهم الخاصة، بينما تتمايل حبال الغسيل على هيئة مَعرضٍ دائم لثياب تزيِّن الشوارع بألوان لا تختلف كثيراً عن شعارات سياسية ورايات حزبية موزعة هنا وهناك.
كلام الطبيب له صفة الإلزام. تبعات تجاوُزِه آنية لا يمكن الهروب منها ولا إغفالها. أما هذا الحيّ المسمى بــــ(الجناح) فليس هناك أسهل من تخدير النفس في حال انتابتها موجات من الضيق بل إذا ما تآكلتها مساحة الروح داخل الجسد بفعل ازدحام أزقته. فالنوم أو إدمان العمل، كلاهما كان بالنسبة إلى زينة ابتعاداً عن حُفر المستنقعات التي تنقر وجه الطرقات المرقعة بإسفلت نافر، أو بإسمنت قد رُصف بفوضوية فزاد من بشاعتها.
وصلت زينة أخيراً إلى زاوية الطريق العام. فوقفت تنتظر سيارة أجرة لكي تقلّها إلى عملها في اليوم الأول بعد الإجازة. وكانت قد اجتازت منعطفاتٍ ثلاثة غير عابئة بمنظر أسلاك الكهرباء المتشابكة في فضاءات الشوارع الضيقة والتي تكاد تحجُب نور السماء عن ذلك الحيّ البائس، وغير آبهةٍ كذلك لألوان الجدران غير المتناسقة فيما بينها. إنما الشيء الوحيد الذي لفتها في ذلك الصباح خلال مَسِيرها نحو الشارع العام، كان رائحة الهواء الذي حسبته منفلتاً من داخل البيوت المتخمة بأرواح ساكنيها المتمردة على كآبة المكان والزمان.
«للهواء في الأحياء الفقيرة رائحة ساخنة تعيد إلى الأذهان مشاهد المعتقلات وغرف التعذيب التي تُعرض في الأفلام وتفتح الذاكرة أيضاً على أقبية السجون والحصون المذكورة في كتب التاريخ وفي أساطير القرون الوسطى».
استيقظت زينة في ذلك اليوم على وَقْع رنّات هاتفها الجوّال، الذي يتحول في بعض أوجه استعمالاته إلى مُنبّه. لكنها وقبل أن تفتح غطاء عينيها وتطلق خيوط بصرها خلف موجودات الغرفة، تذكرت أمرين اثنين وَرَدا على شاشة وعيها بالتزامن: ذقنها وسقف الغرفة. لذلك كان لا بد لها في بداية الأمر من أن تتحسس ذقنها المتعافي حديثاً من قُبلات المِبْضع الجارحة. فمرّرَتْ أنامل يدها اليمنى فوقه وكأنها تطمئن إلى أن حقل القطب الذي حصد الطبيب أثلامه باحتراف مهني لافت ما زال موجوداً في مكانه: «لموضع الجرح مذاق خاص تصل نكهته إلى أسفل اللسان، فلا يكف عن العبث به مُحاولاً اكتشاف تجويفاته وتعرُّجاته داخل الفك السُّفلي بفضول لا ينتهي سوى بالنعاس».
صفحة 2
أما بالنسبة إلى سقف الغرفة الذي أتتْ الرطوبة على وجهه من دون شفقة ولا رحمة على مرّ السنين، حتى تدلّتْ قشور الطلاء منه يمنةً ويسرةً على هيئة مَشَانق تعلّقتْ فيها جثث الطلاء العفنة، بانتظار من يزيلها، فقد كان لزاماً على زينة وعادة لها في كل صباح، أن تستدير داخل فراشها وتولّي وجهها ذات اليمين أو ذات الشمال تفادياً لرؤية وجهه العجوز، الشبيه بهيئة أسير حربٍ شوّهتْ شظايا القذائف الطائشة هامته، فانسلخت جلدة رأسه عن عظام الجمجمة، لكنه بقي حيًّا ينتظر أهدابه حتى تنبت من جديد، أو كأنه في لونه الرمادي المائل نحو الأبيض، مصاب بمرض جلدي خطير، فبات لا يحتمل ارتداء ثيابه أبداً، فخلعها ومشى عارياً وسط الطريق العام من دون اكتراث أن يراه أحد ولا مراعاةٍ لحياء ولا عيب.
كانت زينة تعتبر سقف الغرفة كوجهها: كِلاهُما بحاجة إلى مساحيق التجميل حتى يعود إليه رونق الحياة مجدداً، ولكي يتآلف أيضاً مع منطق الجمال. هذه الكلمة التي اعتادت زينة على التودد إليها والانحناء أمام محرابها باستمرار؛ إذ إنّها بلا شك تعي جيداً سرّ جمالها ومبعث جاذبيتها، ولكنّ شراسة العملية الجراحية التي خضعت لها مؤخّراً قلَّصت من هامش ثقتها بنفسها إلى حدوده الدنيا وأَنْسَتْها الطريقة التي تعشق فيها النحلة رحيق الأزهار».
في ذلك الصباح بقيت زينة ممدَّدة في سريرها لبرهة، استسلمت خلالها لأذرُع الكسل التي قيّدت جسدها وراحت تسبح في عالم الأحلام الذي لا تذكر منه شيئاً. فهي لم تحلم منذ مدة طويلة إلَّا ما ندر. ثم قلبت بعد ذلك عينيها داخل الجفون، فارتسمت غمزة التعب على وجنيتها بفعل انكماش الشفتين المرهقتين من مجاورة الذقن وفكها السُّفلي، موضع الجرح.
لم يكن طلاء السقف المهترىء ليختلف كثيراً عن باقي محتويات الغرفة. فالأثاث قديم جدًّا تصدر عنه زقزقة خاصة كلما لمسه أو ارتطم به أحد سهواً. حتى إنّك لَتَحْسَبُه سينطق بلغة تركية غير ذات عِوجٍ تحاكي تاريخ ميلاده.بينما رُصّعت أرض الغرفة برخام نُقشت فوقه رسوماتُ أزهارٍ وأقمارٍ وما إلى ذلك من زخرفات قديمة، كانت تبعث في نفس زينة شعوراً دائماً بالكآبة يعتصر فؤادها حزناً وغمًّا. في تلك الفترة الصباحية كانت زينة ابنة الخمسة والعشرين ربيعاً وحيدة في المنزل كالعادة؛ فوالدها يعمل ليلاً سائقاً لسيارة أجرة، يستغل ساعات الصباح الأولى لكي يصطاد العمّال وصغار الموظفين من الضواحي حيث يعيشون، ثم يرميهم بعد ذلك في أحضان المدينة حيث يعملون، وذلك قبل أن يعود إلى المنزل، فينام طيلة ساعات النهار، لكي يستعيد في المساء مزاجيته الخاصة المستعصية على فهم ابنته زينة. وهكذا هي دورة أيامه فلا يحيد عنها منذ زمن بعيد.
لم يكن الشعور بالوحدة أمراً غريباً على زينة، الشابة المُجازة في العلوم الاجتماعية. لا سيما وأنها كانت تدرك جيداً ماهية الأصفاد التي تعيشها حيوانات السيرك داخل أقفاصها. لذلك فقد بَنَتْ لنفسها عالمها الخاص، وانعزلت داخل حدود جدران غرفتها، وفي جُنَيْنة عملها أيضاً كمرشدة اجتماعية في جمعية تأهيل المكفوفين.
في ذلك الصباح وقفت عند حافّة الرصيف قبالة البحر وكأنها سفينة ترسو بهدوء في ميناء مهجور، تنتظر هبوب الرياح لكي تعاود الإبحار من جديد وتمخر عباب اليمّ على غير هُدًى ومن دون أن تعرف أي وجهة قد يمّمتْ. وأنيستُها الوحيدة كانت أناقتها، التي قد تبَدَّتْ في جسدٍ نحيف يحاكي لِيْن الخيزران في رشاقته التي تأخذ بالألباب، هي بلا شك متأنقة على الدوام، فلا ترضى بغير ارتسام البدر على وجنتيها تزيّناً وتبرُّجاً وتوهُّجاً.
بدءًا بمساحيق التجميل وصولاً إلى آخر صيحات الأزياء في أذن راتبها الشهري المتواضع نسبيًّا. ولكنّ أناقة ثيابها المعهودة لم تكن لتخفي في تلك الساعة شراع وجهها المزركش بابتسامة صفراء، كعلامة فارقة تعكس ازدواجية الواقع الذي تعيشه زينة وتخبىء في الوقت نفسه يأساً يلفظ آخر ومضات الطموح الوثّاب، قبل الاستسلام لسيل الحياة الجارف.
كانت زينة تعتبر سقف الغرفة كوجهها: كِلاهُما بحاجة إلى مساحيق التجميل حتى يعود إليه رونق الحياة مجدداً، ولكي يتآلف أيضاً مع منطق الجمال. هذه الكلمة التي اعتادت زينة على التودد إليها والانحناء أمام محرابها باستمرار؛ إذ إنّها بلا شك تعي جيداً سرّ جمالها ومبعث جاذبيتها، ولكنّ شراسة العملية الجراحية التي خضعت لها مؤخّراً قلَّصت من هامش ثقتها بنفسها إلى حدوده الدنيا وأَنْسَتْها الطريقة التي تعشق فيها النحلة رحيق الأزهار».
في ذلك الصباح بقيت زينة ممدَّدة في سريرها لبرهة، استسلمت خلالها لأذرُع الكسل التي قيّدت جسدها وراحت تسبح في عالم الأحلام الذي لا تذكر منه شيئاً. فهي لم تحلم منذ مدة طويلة إلَّا ما ندر. ثم قلبت بعد ذلك عينيها داخل الجفون، فارتسمت غمزة التعب على وجنيتها بفعل انكماش الشفتين المرهقتين من مجاورة الذقن وفكها السُّفلي، موضع الجرح.
لم يكن طلاء السقف المهترىء ليختلف كثيراً عن باقي محتويات الغرفة. فالأثاث قديم جدًّا تصدر عنه زقزقة خاصة كلما لمسه أو ارتطم به أحد سهواً. حتى إنّك لَتَحْسَبُه سينطق بلغة تركية غير ذات عِوجٍ تحاكي تاريخ ميلاده.بينما رُصّعت أرض الغرفة برخام نُقشت فوقه رسوماتُ أزهارٍ وأقمارٍ وما إلى ذلك من زخرفات قديمة، كانت تبعث في نفس زينة شعوراً دائماً بالكآبة يعتصر فؤادها حزناً وغمًّا. في تلك الفترة الصباحية كانت زينة ابنة الخمسة والعشرين ربيعاً وحيدة في المنزل كالعادة؛ فوالدها يعمل ليلاً سائقاً لسيارة أجرة، يستغل ساعات الصباح الأولى لكي يصطاد العمّال وصغار الموظفين من الضواحي حيث يعيشون، ثم يرميهم بعد ذلك في أحضان المدينة حيث يعملون، وذلك قبل أن يعود إلى المنزل، فينام طيلة ساعات النهار، لكي يستعيد في المساء مزاجيته الخاصة المستعصية على فهم ابنته زينة. وهكذا هي دورة أيامه فلا يحيد عنها منذ زمن بعيد.
لم يكن الشعور بالوحدة أمراً غريباً على زينة، الشابة المُجازة في العلوم الاجتماعية. لا سيما وأنها كانت تدرك جيداً ماهية الأصفاد التي تعيشها حيوانات السيرك داخل أقفاصها. لذلك فقد بَنَتْ لنفسها عالمها الخاص، وانعزلت داخل حدود جدران غرفتها، وفي جُنَيْنة عملها أيضاً كمرشدة اجتماعية في جمعية تأهيل المكفوفين.
في ذلك الصباح وقفت عند حافّة الرصيف قبالة البحر وكأنها سفينة ترسو بهدوء في ميناء مهجور، تنتظر هبوب الرياح لكي تعاود الإبحار من جديد وتمخر عباب اليمّ على غير هُدًى ومن دون أن تعرف أي وجهة قد يمّمتْ. وأنيستُها الوحيدة كانت أناقتها، التي قد تبَدَّتْ في جسدٍ نحيف يحاكي لِيْن الخيزران في رشاقته التي تأخذ بالألباب، هي بلا شك متأنقة على الدوام، فلا ترضى بغير ارتسام البدر على وجنتيها تزيّناً وتبرُّجاً وتوهُّجاً.
بدءًا بمساحيق التجميل وصولاً إلى آخر صيحات الأزياء في أذن راتبها الشهري المتواضع نسبيًّا. ولكنّ أناقة ثيابها المعهودة لم تكن لتخفي في تلك الساعة شراع وجهها المزركش بابتسامة صفراء، كعلامة فارقة تعكس ازدواجية الواقع الذي تعيشه زينة وتخبىء في الوقت نفسه يأساً يلفظ آخر ومضات الطموح الوثّاب، قبل الاستسلام لسيل الحياة الجارف.
صفحة 3
لم يطل انتظارها عند رصيف الطريق العام كثيراً، فسرعان ما استقلت أول سيارة أجرة مرّت بها واستوت بغنجٍ فوق مقعدها الخلفي تراقب سُبْحة الحياة ودوران حلقاتها المبعثرة من خلف النافذة. كما أنه لم يغب عن بال زينة أبداً إعادة ترتيب لفافة الشاش الأبيض فوق ذقنها الجريح بين الفينة والأخرى إلى أن بلغت مقر الجمعية. فترجّلت من السيارة على وقع عزف توحّد العقارب في ساعة يدها: إنّها الساعة الثامنة.
كانت ساعات العمل الأولى تمثّل دعوة لها لحضور مسرحية تعرض فصولها تباعاً كل يوم، منذ أكثر من سنتين ونصف. فلبَّتها زينة مكرهةً بعد أن أحضرت معها كل ما يستلزمه هذا العرض لأداء ناجح لأدوار التأقلم مع أحداثٍ كانت قد غابت عنها منذ فترة. فقد كان لزاماً عليها أن تخلع قناع الابتسامة الأصفر، منذ لحظة دخولها ردهة الجمعية، وتستبدله بآخر يمضغ غزل الوردة للندى. خصوصاً عندما انهمرت على مسامعها تحيات الزملاء كالمطر خلال شهر شباط، فتزاحمت زخّات التأهيل بها مع عبارات الترحيب بعودتها سالمة حتى لامست قيثارة روحها فقامت زينة تعزف على وتر الشوق الكاذب لهم تارة ولمكتبها ومجريات العمل فيه تارة أخرى، لحن التهذيب المصطنع.
لمدّة عشرة أيام كانت زينة قد ابتعدت عن أجواء العمل، فارتاحت من تزاحُم الوجوه ومن فوضى الأصوات وصخبها التي تتبخّر في فضاءات الجمعية طيلة فترة الدوام، لا سيما نقاشات زملائها التي كانت تجتاح حرصها على تواصل مهني محدود معهم تفرضه طبيعة العمل. فالفصل بين عالَمَيْ الزمالة والصداقة وتدٌ جوهري في بناء حياة زينة الغارقة في بركانٍ كان قد أعلن عن بدء ثورته منذ زمن قريب.
أول ما قامت به زينة في يومها الأول كان إعادة ترتيب الأشياء المتكومة فوق طاولة مكتبها بشكل عبثي: رزمة الأقلام، وأدوات القرطاسية... كل شيء انتصب في مكانه المعتاد كالسابق... إلى أن وصلت أخيراً إلى مغلَّف بُنّي اللَّون تبينت من رائحة الكلمات المتراصفة فوق جديته.. أنه مِلَفُّ الحالة الأولى التي يجب أن تدرسها بعد عودتها من أحضان إجازتها.
فسرعان ما أمسكته بيديها ثم شدّت عليه برفق، حتى أحسّت ببرد الكلمات يسري بين أناملها ببطء، لا سيما حين أخرجت محتوياته وشرعت تتصفح الأوراق سريعاً. دقائق مرّت قبل أن يقطع عليها انشغالها في دراسة الملف صوتُ رئيسة الجمعية يسبقها من خلف الباب. بينما تناقلت دوائر الهواء المبعثرة داخل الغرفة أصداء الكلمات إلى أُذُني زينة، فوقفت على الفور تستقبل سونيا رئيستها في العمل بذراعين مفتوحتين على قدر الاحترام المتبادل بينهما. وبدأت حفلة التقبيل لكن بحذر شديد مخافة الاقتراب من الجرح حديث العهد
حمداً لله على سلامتك. آمل أنك قد شفيت تماماً!!.
رمّمت زينة جدار كلماتها من دون أن تحرك فكها كثيراً، ثم احتضنت ببطن كفّها ذقنها المكفن بالشاش الأبيض قبل أن تنفرج شفتاها بابتسامة متوسطة الاتساع: شكراً. «ما زال هناك بعض الألم ولكن ليس هذا بالأمر الخطير». ثم تركت بعد ذلك أجنحة الشفقة تخفق فوق وجهها بوداعة حينما سألتها عن الحالة التي تضمّنها الملف.
إنها حالة صعبة للغاية ومعقدة.
ربما اطّلعْتِ على بعض التفاصيل قبل دخولي؟
ليس كثيراً. إنما قرأت القدر الكافي لكي أعرف مدى صعوبة الوضع الذي يعاني منه مدرّس الرياضيات هذا.
صحيح لكنه ليس مدرّس رياضيات عاديًّا يا زينة. فهو بالإضافة إلى عشقه للأرقام وأشكال الهندسة نهاراً، فإنه يقضي ساعات طوالاً من الليل في مرسمه بين الريشة والزيت. إنه فنان. والمعضلة لا تكمن في ابتعاده عن مهنته كمدرّسٍ فحسب، إنما تتوسع دائرة الحزن لديه لتشمل أيضاً فقدانه القدرة على التأقلم مع الريشة مجدداً؛ وذلك لأنه يعي تماماً فقدانه بصره بشكل نهائي.
كان لوقع حديث سونيا نبرة مبطنة برنّة آمرة؛ الأمر الذي دفع زينة إلى تدوين الملاحظات حول غسّان: عمره، والمهنة، والوضع العائلي، باهتمام بالغ لفت انتباه رئيستها في العمل؛ لنشاطها المتجدد، فأثنت عليها قبل أن تتابع شرح حيثيات الحالة موضوع الدرس. في الوقت الذي لم تَنْسَ فيه زينة أن تقطّب شواطىء حاجبيها فوق يمّ جبينها المنبسط فوق مساحة بعيدة نسبيًّا عن أنفها المنحني بزاوية خفيفة.
كانت ساعات العمل الأولى تمثّل دعوة لها لحضور مسرحية تعرض فصولها تباعاً كل يوم، منذ أكثر من سنتين ونصف. فلبَّتها زينة مكرهةً بعد أن أحضرت معها كل ما يستلزمه هذا العرض لأداء ناجح لأدوار التأقلم مع أحداثٍ كانت قد غابت عنها منذ فترة. فقد كان لزاماً عليها أن تخلع قناع الابتسامة الأصفر، منذ لحظة دخولها ردهة الجمعية، وتستبدله بآخر يمضغ غزل الوردة للندى. خصوصاً عندما انهمرت على مسامعها تحيات الزملاء كالمطر خلال شهر شباط، فتزاحمت زخّات التأهيل بها مع عبارات الترحيب بعودتها سالمة حتى لامست قيثارة روحها فقامت زينة تعزف على وتر الشوق الكاذب لهم تارة ولمكتبها ومجريات العمل فيه تارة أخرى، لحن التهذيب المصطنع.
لمدّة عشرة أيام كانت زينة قد ابتعدت عن أجواء العمل، فارتاحت من تزاحُم الوجوه ومن فوضى الأصوات وصخبها التي تتبخّر في فضاءات الجمعية طيلة فترة الدوام، لا سيما نقاشات زملائها التي كانت تجتاح حرصها على تواصل مهني محدود معهم تفرضه طبيعة العمل. فالفصل بين عالَمَيْ الزمالة والصداقة وتدٌ جوهري في بناء حياة زينة الغارقة في بركانٍ كان قد أعلن عن بدء ثورته منذ زمن قريب.
أول ما قامت به زينة في يومها الأول كان إعادة ترتيب الأشياء المتكومة فوق طاولة مكتبها بشكل عبثي: رزمة الأقلام، وأدوات القرطاسية... كل شيء انتصب في مكانه المعتاد كالسابق... إلى أن وصلت أخيراً إلى مغلَّف بُنّي اللَّون تبينت من رائحة الكلمات المتراصفة فوق جديته.. أنه مِلَفُّ الحالة الأولى التي يجب أن تدرسها بعد عودتها من أحضان إجازتها.
فسرعان ما أمسكته بيديها ثم شدّت عليه برفق، حتى أحسّت ببرد الكلمات يسري بين أناملها ببطء، لا سيما حين أخرجت محتوياته وشرعت تتصفح الأوراق سريعاً. دقائق مرّت قبل أن يقطع عليها انشغالها في دراسة الملف صوتُ رئيسة الجمعية يسبقها من خلف الباب. بينما تناقلت دوائر الهواء المبعثرة داخل الغرفة أصداء الكلمات إلى أُذُني زينة، فوقفت على الفور تستقبل سونيا رئيستها في العمل بذراعين مفتوحتين على قدر الاحترام المتبادل بينهما. وبدأت حفلة التقبيل لكن بحذر شديد مخافة الاقتراب من الجرح حديث العهد
حمداً لله على سلامتك. آمل أنك قد شفيت تماماً!!.
رمّمت زينة جدار كلماتها من دون أن تحرك فكها كثيراً، ثم احتضنت ببطن كفّها ذقنها المكفن بالشاش الأبيض قبل أن تنفرج شفتاها بابتسامة متوسطة الاتساع: شكراً. «ما زال هناك بعض الألم ولكن ليس هذا بالأمر الخطير». ثم تركت بعد ذلك أجنحة الشفقة تخفق فوق وجهها بوداعة حينما سألتها عن الحالة التي تضمّنها الملف.
إنها حالة صعبة للغاية ومعقدة.
ربما اطّلعْتِ على بعض التفاصيل قبل دخولي؟
ليس كثيراً. إنما قرأت القدر الكافي لكي أعرف مدى صعوبة الوضع الذي يعاني منه مدرّس الرياضيات هذا.
صحيح لكنه ليس مدرّس رياضيات عاديًّا يا زينة. فهو بالإضافة إلى عشقه للأرقام وأشكال الهندسة نهاراً، فإنه يقضي ساعات طوالاً من الليل في مرسمه بين الريشة والزيت. إنه فنان. والمعضلة لا تكمن في ابتعاده عن مهنته كمدرّسٍ فحسب، إنما تتوسع دائرة الحزن لديه لتشمل أيضاً فقدانه القدرة على التأقلم مع الريشة مجدداً؛ وذلك لأنه يعي تماماً فقدانه بصره بشكل نهائي.
كان لوقع حديث سونيا نبرة مبطنة برنّة آمرة؛ الأمر الذي دفع زينة إلى تدوين الملاحظات حول غسّان: عمره، والمهنة، والوضع العائلي، باهتمام بالغ لفت انتباه رئيستها في العمل؛ لنشاطها المتجدد، فأثنت عليها قبل أن تتابع شرح حيثيات الحالة موضوع الدرس. في الوقت الذي لم تَنْسَ فيه زينة أن تقطّب شواطىء حاجبيها فوق يمّ جبينها المنبسط فوق مساحة بعيدة نسبيًّا عن أنفها المنحني بزاوية خفيفة.
صفحة 4
ذلك أن لموجة التجهم صفة بارزة لدى زينة، خصوصاً أثناء ساعات عملها. فهو دلالة منها على الحيوية والجدِيّة في التعاطي مع ديناميكية العمل؛ مما يجعلها تفرض على الآخرين أن يحيطوها بهالة من الاحترام، وتأسرهم بنظرتها الثابتة في وقار وجهها، وذلك من دون بذل أي جهد أو عناية بالغة من قبلها.
استمرت زينة تدوّن العناوين العريضة لوضعية غسّان. وتتبادل في الوقت نفسه أطراف الحديث مع سونيا إلى أن اكتملت لديها بعض أجزاء الصورة: مدرّس رياضيات يعشق مهنته، فنان في السادسة والثلاثين من عمره، متزوج من مدرّسة اللغة الإسبانية التي تعمل في معهد ثربانتس لنشر الثقافة الإسبانية حول العالم. وله ابنة في السابعة من عمرها...
هذه المعلومات الأولية التي عرضتْها سونيا في حضرة زينة المرشدة الاجتماعية، أنهتها بتوصية شفهية قبل أن تغادر الغرفة عائدةً إلى مكتبها: «إن أمر هذا المدرّس يهمّني جدًّا يا زينة! ولديه عائلة وأنا على يقين من قدرتك محاكاة روحه وعقله من أجل إعادته مجدّداً إلى الضوء. فالملف مكتمل أمامك، بدءاً من المستند الذي يتحدث عن وقائع حادث السير، مروراً بحكم المحكمة الذي وزَّع نسب المسؤوليات بين المتداعين وصولاً إلى تقرير الطبيب النفسي».
كان كلام سونيا عن العائلة قد أثار في نفس زينة موجة عارمة من المشاعر والأحاسيس، التي سرعان ما تغلبت عليها فنفضت عن وجهها غبار الفضول وشرعت على الفور تستعرض مستندات المغلف أمامها بصمت مغطّى بالحزن البارد.
لم تكن حالة غسّان غريبة عنها البتّة، فقد تعاملت في السابق مع حالات أكثر منها صعوبةً وأشد تعقيداً. ولكنّ لهذه المستندات التي تتأرجح بين أناملها وزن خاص، كما أن لها أيضاً نكهة مميّزة أثارت فيها سُبْحةً من التساؤلات المُرصّعة بالفضول، خصوصاً عندما قرأت رقم التعويض الذي حكمت له به المحكمة، من جرّاء الضرر الذي أصابه نتيجة فقدانه بصره، هو رقم كبير أخذ بعين الاعتبار الضرر المعنوي والنفسي، ولَحَظ أيضاً حرمانه من متعة الرسم ومشاغبات الريشة ليلاً. هذا بالإضافة إلى المبلغ الضخم الذي دفعته له شركة التأمين بسبب الحادث.
باتت زينة تعي مع أي حالة اجتماعية تتعامل: إنها عائلة فاحشة الثراء. وعلى الفور تحرك عقرب الفضول لديها مجدداً وقام بلسعها، فأخذت تبحث داخل المغلف عن صورة لغسّان. كانت تريد أن ترسم في مخيلتها إطاراً عاماً عنه، لكنها لم تُوفّق بعد جهد في العثور على صورة له قبل وصوله إلى مكتبها بعد ثلاث ساعات. فموعده معها بحسب ما أخبرتها سونيا كان عند الحادية عشرة قبل الظهر. وقد أزعجها عدم العثور على صورة له، فأحست بخيبة الأمل تعمل تأنيباً وتعذيباً في داخلها من دون توقُّف؛ ربما لأن الأرقام تتكلم لغةً لا يفقه معناها إلا ذوو الحاجات والجاحدون بكنز القناعة أيضاً، وما أكثرهم!.
كم جميل أن يكون المرء موضع حسد الآخرين خلال مشيته، وفي تأنقه ومقنياته أيضاً.. بل أينما كان ، سواء أكان يمشي في الشارع أم كان يجلس في مقهى يشرب القهوة، أو حتى بمجرد أن يعلم ما يضمره له الناس من حسد وغيرة بينما هو مستلقٍ فوق أريكته يتلذّذ، إلى قهوته، بنشوة النصر على الدوام؛ إذ يُعَدُّ ذلك دليلاً على تميُّزه وتمايزه عن السائد من نماذج الحياة. هذا الشعور صامت ملتهب ليل نهار ومن دون توقف، خصوصاً عند من يتباهى بهدوء ماكرٍ خالٍ من الصخب برفاه التملُّك على أنواعه، المادية منها والاجتماعية: «لديه عائلة، أليس هذا النوع من الملك مبعث غنى ومدعاة فخرٍ» يجرّ خلفه جملة عربات ثقيلة محملة بمشاعر الحسد التي تصل إلى محطةٍ اسمها أُبُوَّةٌ مشبعة بعطر الطفولة الباسمة؟؟.
تأملت زينة وجهة عقارب الساعة في رحلتها نحو الموعد المنتظر بعد أن سحبت نفسها سريعاً من حوارها مع الذات. ثم عادت إلى قراءة الأوراق المعروضة أمامها مجدداً تستعرض كل مستند على حدة بدقة متناهية وتلملم حصاد اليوم الأول من العمل بعد ابتعاد مؤقت عن أجوائه الملبدة بغيومٍ مهمتها ترطيب جفاف التربة المسماة: البصر.
استمرت زينة تدوّن العناوين العريضة لوضعية غسّان. وتتبادل في الوقت نفسه أطراف الحديث مع سونيا إلى أن اكتملت لديها بعض أجزاء الصورة: مدرّس رياضيات يعشق مهنته، فنان في السادسة والثلاثين من عمره، متزوج من مدرّسة اللغة الإسبانية التي تعمل في معهد ثربانتس لنشر الثقافة الإسبانية حول العالم. وله ابنة في السابعة من عمرها...
هذه المعلومات الأولية التي عرضتْها سونيا في حضرة زينة المرشدة الاجتماعية، أنهتها بتوصية شفهية قبل أن تغادر الغرفة عائدةً إلى مكتبها: «إن أمر هذا المدرّس يهمّني جدًّا يا زينة! ولديه عائلة وأنا على يقين من قدرتك محاكاة روحه وعقله من أجل إعادته مجدّداً إلى الضوء. فالملف مكتمل أمامك، بدءاً من المستند الذي يتحدث عن وقائع حادث السير، مروراً بحكم المحكمة الذي وزَّع نسب المسؤوليات بين المتداعين وصولاً إلى تقرير الطبيب النفسي».
كان كلام سونيا عن العائلة قد أثار في نفس زينة موجة عارمة من المشاعر والأحاسيس، التي سرعان ما تغلبت عليها فنفضت عن وجهها غبار الفضول وشرعت على الفور تستعرض مستندات المغلف أمامها بصمت مغطّى بالحزن البارد.
لم تكن حالة غسّان غريبة عنها البتّة، فقد تعاملت في السابق مع حالات أكثر منها صعوبةً وأشد تعقيداً. ولكنّ لهذه المستندات التي تتأرجح بين أناملها وزن خاص، كما أن لها أيضاً نكهة مميّزة أثارت فيها سُبْحةً من التساؤلات المُرصّعة بالفضول، خصوصاً عندما قرأت رقم التعويض الذي حكمت له به المحكمة، من جرّاء الضرر الذي أصابه نتيجة فقدانه بصره، هو رقم كبير أخذ بعين الاعتبار الضرر المعنوي والنفسي، ولَحَظ أيضاً حرمانه من متعة الرسم ومشاغبات الريشة ليلاً. هذا بالإضافة إلى المبلغ الضخم الذي دفعته له شركة التأمين بسبب الحادث.
باتت زينة تعي مع أي حالة اجتماعية تتعامل: إنها عائلة فاحشة الثراء. وعلى الفور تحرك عقرب الفضول لديها مجدداً وقام بلسعها، فأخذت تبحث داخل المغلف عن صورة لغسّان. كانت تريد أن ترسم في مخيلتها إطاراً عاماً عنه، لكنها لم تُوفّق بعد جهد في العثور على صورة له قبل وصوله إلى مكتبها بعد ثلاث ساعات. فموعده معها بحسب ما أخبرتها سونيا كان عند الحادية عشرة قبل الظهر. وقد أزعجها عدم العثور على صورة له، فأحست بخيبة الأمل تعمل تأنيباً وتعذيباً في داخلها من دون توقُّف؛ ربما لأن الأرقام تتكلم لغةً لا يفقه معناها إلا ذوو الحاجات والجاحدون بكنز القناعة أيضاً، وما أكثرهم!.
كم جميل أن يكون المرء موضع حسد الآخرين خلال مشيته، وفي تأنقه ومقنياته أيضاً.. بل أينما كان ، سواء أكان يمشي في الشارع أم كان يجلس في مقهى يشرب القهوة، أو حتى بمجرد أن يعلم ما يضمره له الناس من حسد وغيرة بينما هو مستلقٍ فوق أريكته يتلذّذ، إلى قهوته، بنشوة النصر على الدوام؛ إذ يُعَدُّ ذلك دليلاً على تميُّزه وتمايزه عن السائد من نماذج الحياة. هذا الشعور صامت ملتهب ليل نهار ومن دون توقف، خصوصاً عند من يتباهى بهدوء ماكرٍ خالٍ من الصخب برفاه التملُّك على أنواعه، المادية منها والاجتماعية: «لديه عائلة، أليس هذا النوع من الملك مبعث غنى ومدعاة فخرٍ» يجرّ خلفه جملة عربات ثقيلة محملة بمشاعر الحسد التي تصل إلى محطةٍ اسمها أُبُوَّةٌ مشبعة بعطر الطفولة الباسمة؟؟.
تأملت زينة وجهة عقارب الساعة في رحلتها نحو الموعد المنتظر بعد أن سحبت نفسها سريعاً من حوارها مع الذات. ثم عادت إلى قراءة الأوراق المعروضة أمامها مجدداً تستعرض كل مستند على حدة بدقة متناهية وتلملم حصاد اليوم الأول من العمل بعد ابتعاد مؤقت عن أجوائه الملبدة بغيومٍ مهمتها ترطيب جفاف التربة المسماة: البصر.
صفحة 5
اقتربت عقارب الساعة في يدها من الموعد، فازداد فضولها عبثاً بأعصابها، إلى درجةٍ اتجهت فيها عضلة القلب ناحية الأوتار المشدودة من أجل أن تنقر عليها أسرار التوتر، فتغنيه إرباكاً على الرغم من ثقتها العمياء بقدرتها على الرقص وسط حلقات النار الحارقة. ولكن سرعان ما تلاشى ضباب التوتر عندما سمعت جرس الباب الخارجي للجمعية يهتف مُعلِناً وصول أحدهم.
كانت زينة تتعامل مع الحالات الاجتماعية التي تواكبها على أنها ألغاز، لكل واحد منها سرُّه الذي يتوجب عليها كشف طلاسمه ومن ثم العبث به حتى تنحلّ عُقَدُه، فتقوم بخلعه من مكانه حيث يرقد في قعر بئر اسمها النفس البشرية. ولتعمد بعد ذلك إلى رشّه فوق زوايا الأرصفة حيث تختبىء الحياة خلف هتافات المارّة بصمت وحذر.
أليست غاوية ترقُّب تهوى التحديق في لوحةٍ اسمُها الشارع من خلف نافذة مكتبها فتسرح بخيالها بعيداً كلما لمعت أمامها روح أحد المارة فتشتم رائحة انقسامها ما بين ضجيج الشارع وصراخ جسده؟؟.
«لقد وصل الأستاذ غسّان برفقة زوجته». اقتحم صوت عاملة الهاتف إذن زينة يخبرها بوصول من كانت تنتظرهما.. ثمَّ تلقّفت طلب زينة بأن ينتظرا بعض الوقت داخل الردهة الخارجية ريثما تجهز لاستقبالهم.
لطالما اعتمدت زينة هذا الأسلوب في التعاطي مع الموعد الأول؛ لأنه باعتقادها يخدم هدفين اثنين: أحدهما شخصي، باعتبار أنه يزيد من حالة الشوق للقائها مع كل ما يتضمنه هذا الشوق من تعظيم لهالتها وهدف مهني من شأنه أن يزيد من القدرة على الصبر والتحمل لدى من ينتظر لقاءها.
عشر دقائق أمضتها زينة في مكتبها تتظاهر بالانشغال في إعداد ملف الأستاذ غسّان قبل أن يدخل وزوجته إلى غرفتها. وقد خطر لها آنئذٍ أن تهزّ قدمها اليسرى تراقب أثرها على تموجات الهواء الراكدة في الغرفة. فتحريك القدم اليسرى بالنسبة إليها كان مداعبة لِشَفَتَي الثقة بالنفس وملاطفةً للغرور أيضاً، لا سيما وأنها كانت من هُواة الاستمتاع بمشاهدة «الأنا» تتأرجح قُبالتها في المرآة كل صباح. حتى باتت تستأنس في لَعْق شفتيها باعتبار ذلك علامة الرضى عن النفس، وتفخر بانتحال صفة الملكة التي تختال في مِشيتها واثقة الخُطى.
ولكنها في تلك اللحظة كانت قد أدركت جيداً أن المدرّس الكفيف هو أيضاً سيد مهذّب، يقدّس كما يبدو لها مذبح الوقت ويحترم دقة الموعد. ربما كان قد اكتشف قيمة الانتظار في يوم من الأيام، وتعلم أبجدية الصبر حتى بات محترفاً في قراءة الفواصل والنقاط المتأرجحة فوق خط الزمن. اجتاحتها تلك الأفكار دفعة واحدة، لكنها سرعان ما قامت بتنظيمها في قالب من التآمر على ما يسمى بالتخطيط، ورسم حبكة الاستراتيجية. هذه المعرفة لا تأتي بالتعلم ولا بتصفُّح سُود الصحائف ولا حتى بالخبرة فقط. إنما تنبت في حقل الفطرة البشرية بما يطلق عليه عُرْفاً مصطلح الدهاء. وربما هذا هو سبب فخرها واعتزازها بنتائج عملها في فك ستائر الظلام عن حالات كثيرة كانت قد تعاملت معها على الرغم من اختفاء الشمس نهائيًّا خلف الشفق. فهي غالباً ما كانت تردّد على مسامع زملائها الجملة التالية: «التواصل مع العقل والإحساس هو من أصعب أنواع المهن إذا ما اعتبرنا الإرشاد الاجتماعي مهنةً لها سلوكياتها وقواعدها الخاصة بها». وتذكر مرّة أنها كانت قد أرسلت رسالة إلى عنوانها البريدي كتبت فيها جملة واحدة فقط: «إن التعامل مع مزاجية الإحساس تُحتّم علينا اللجوء إلى مزاجية العقل».
كان الهدوء يخيّم على أجواء الغرفة وكأنه، في استنفاره الدائم هذا، يحاول صدّ أمواج الصخب العاتية التي تسعى جاهدة إلى أن تتسرب إلى الداخل آتيةً من الشارع الرابض خلف النافذة. فالصخب والهدوء مَدٌّ وَجَزْرٌ يلوّنان جدول الحياة في هذا الجزء المظلم من المدينة بلونٍ اجتمعت فيه كل الألوان. الضاحية! تحت جناح هذا المصطلح كانت تعيش زينة مع والدها في منزل قديم ينزوي في آخر ممرّ ضيق، يحتضن بوابةً سوداء قد نقر الصدأ ما تبقى من وجهها بعدما نهشتْ مخالبُ الحرب الأهلية بعضاً من صفيحها، ومزّقتْه شظايا الانشطار بين الإخوة في الوطن الواحد!.
«الجناح»! وعلى الرغم من التصاق هندسته العشوائية، سواء من حيث تبعثُر منازله بين طرقات موزعة في الأحياء على مبدأ العرف، أو في بُناه التحتية الموضوعة للضواحي. إلّا أن الميزة التي تختلف فيها هذه البقعة الفقيرة من العالم عن باقي الأحياء الشعبية المعدمة أنها اسم على غير مسمى، فهو حي الجناح الذي يطل برأسه على شاطىء البحر، ويعانق في الوقت نفسه لفائف التبغ وأبخرتها المتصاعدة من أرقى المطاعم والمقاهي وسط المدينة. إنه بعبارة أدقّ «اللوحة الشعبية المعلّقة على حائط البرجوازية بخطأ غير مقصود». لم تكن جدران المنزل الذي تسكنه عائلة زينة المؤلفة من أب وابنة، مسترسلةً في ألحان السعادة ولا حتّى مُبتدئةً في تعلُّم دروسها.
فالمنزل من حيث الشكل كان عبارة عن لوحة مهترئة لبناء قديم، جدرانهُ عالية مبنية من الحجر الرملي الأصفر، يلبس من الداخل قشرة الطلاء الأبيض الباهت بفعل الزمن، بينما يُميّزه من الخارج شحوبُ اللون الأصفر وكأنه ذراع رجل مصاب بداء السل يحتضر وحيداً في الصحراء من دون علاج. أمّا سقفُ المنزل فهو عُقدة زينة الوجودية؛ إذ تجتمع في زواياه كُتَلٌ من خيوط العنكبوت المُشبعة بالغبار، كما تتدلى من جَنَباته وفي وسطه وُرَيقاتُ الطلاء الجاف بفعل الرطوبة.
كانت زينة تتعامل مع الحالات الاجتماعية التي تواكبها على أنها ألغاز، لكل واحد منها سرُّه الذي يتوجب عليها كشف طلاسمه ومن ثم العبث به حتى تنحلّ عُقَدُه، فتقوم بخلعه من مكانه حيث يرقد في قعر بئر اسمها النفس البشرية. ولتعمد بعد ذلك إلى رشّه فوق زوايا الأرصفة حيث تختبىء الحياة خلف هتافات المارّة بصمت وحذر.
أليست غاوية ترقُّب تهوى التحديق في لوحةٍ اسمُها الشارع من خلف نافذة مكتبها فتسرح بخيالها بعيداً كلما لمعت أمامها روح أحد المارة فتشتم رائحة انقسامها ما بين ضجيج الشارع وصراخ جسده؟؟.
«لقد وصل الأستاذ غسّان برفقة زوجته». اقتحم صوت عاملة الهاتف إذن زينة يخبرها بوصول من كانت تنتظرهما.. ثمَّ تلقّفت طلب زينة بأن ينتظرا بعض الوقت داخل الردهة الخارجية ريثما تجهز لاستقبالهم.
لطالما اعتمدت زينة هذا الأسلوب في التعاطي مع الموعد الأول؛ لأنه باعتقادها يخدم هدفين اثنين: أحدهما شخصي، باعتبار أنه يزيد من حالة الشوق للقائها مع كل ما يتضمنه هذا الشوق من تعظيم لهالتها وهدف مهني من شأنه أن يزيد من القدرة على الصبر والتحمل لدى من ينتظر لقاءها.
عشر دقائق أمضتها زينة في مكتبها تتظاهر بالانشغال في إعداد ملف الأستاذ غسّان قبل أن يدخل وزوجته إلى غرفتها. وقد خطر لها آنئذٍ أن تهزّ قدمها اليسرى تراقب أثرها على تموجات الهواء الراكدة في الغرفة. فتحريك القدم اليسرى بالنسبة إليها كان مداعبة لِشَفَتَي الثقة بالنفس وملاطفةً للغرور أيضاً، لا سيما وأنها كانت من هُواة الاستمتاع بمشاهدة «الأنا» تتأرجح قُبالتها في المرآة كل صباح. حتى باتت تستأنس في لَعْق شفتيها باعتبار ذلك علامة الرضى عن النفس، وتفخر بانتحال صفة الملكة التي تختال في مِشيتها واثقة الخُطى.
ولكنها في تلك اللحظة كانت قد أدركت جيداً أن المدرّس الكفيف هو أيضاً سيد مهذّب، يقدّس كما يبدو لها مذبح الوقت ويحترم دقة الموعد. ربما كان قد اكتشف قيمة الانتظار في يوم من الأيام، وتعلم أبجدية الصبر حتى بات محترفاً في قراءة الفواصل والنقاط المتأرجحة فوق خط الزمن. اجتاحتها تلك الأفكار دفعة واحدة، لكنها سرعان ما قامت بتنظيمها في قالب من التآمر على ما يسمى بالتخطيط، ورسم حبكة الاستراتيجية. هذه المعرفة لا تأتي بالتعلم ولا بتصفُّح سُود الصحائف ولا حتى بالخبرة فقط. إنما تنبت في حقل الفطرة البشرية بما يطلق عليه عُرْفاً مصطلح الدهاء. وربما هذا هو سبب فخرها واعتزازها بنتائج عملها في فك ستائر الظلام عن حالات كثيرة كانت قد تعاملت معها على الرغم من اختفاء الشمس نهائيًّا خلف الشفق. فهي غالباً ما كانت تردّد على مسامع زملائها الجملة التالية: «التواصل مع العقل والإحساس هو من أصعب أنواع المهن إذا ما اعتبرنا الإرشاد الاجتماعي مهنةً لها سلوكياتها وقواعدها الخاصة بها». وتذكر مرّة أنها كانت قد أرسلت رسالة إلى عنوانها البريدي كتبت فيها جملة واحدة فقط: «إن التعامل مع مزاجية الإحساس تُحتّم علينا اللجوء إلى مزاجية العقل».
كان الهدوء يخيّم على أجواء الغرفة وكأنه، في استنفاره الدائم هذا، يحاول صدّ أمواج الصخب العاتية التي تسعى جاهدة إلى أن تتسرب إلى الداخل آتيةً من الشارع الرابض خلف النافذة. فالصخب والهدوء مَدٌّ وَجَزْرٌ يلوّنان جدول الحياة في هذا الجزء المظلم من المدينة بلونٍ اجتمعت فيه كل الألوان. الضاحية! تحت جناح هذا المصطلح كانت تعيش زينة مع والدها في منزل قديم ينزوي في آخر ممرّ ضيق، يحتضن بوابةً سوداء قد نقر الصدأ ما تبقى من وجهها بعدما نهشتْ مخالبُ الحرب الأهلية بعضاً من صفيحها، ومزّقتْه شظايا الانشطار بين الإخوة في الوطن الواحد!.
«الجناح»! وعلى الرغم من التصاق هندسته العشوائية، سواء من حيث تبعثُر منازله بين طرقات موزعة في الأحياء على مبدأ العرف، أو في بُناه التحتية الموضوعة للضواحي. إلّا أن الميزة التي تختلف فيها هذه البقعة الفقيرة من العالم عن باقي الأحياء الشعبية المعدمة أنها اسم على غير مسمى، فهو حي الجناح الذي يطل برأسه على شاطىء البحر، ويعانق في الوقت نفسه لفائف التبغ وأبخرتها المتصاعدة من أرقى المطاعم والمقاهي وسط المدينة. إنه بعبارة أدقّ «اللوحة الشعبية المعلّقة على حائط البرجوازية بخطأ غير مقصود». لم تكن جدران المنزل الذي تسكنه عائلة زينة المؤلفة من أب وابنة، مسترسلةً في ألحان السعادة ولا حتّى مُبتدئةً في تعلُّم دروسها.
فالمنزل من حيث الشكل كان عبارة عن لوحة مهترئة لبناء قديم، جدرانهُ عالية مبنية من الحجر الرملي الأصفر، يلبس من الداخل قشرة الطلاء الأبيض الباهت بفعل الزمن، بينما يُميّزه من الخارج شحوبُ اللون الأصفر وكأنه ذراع رجل مصاب بداء السل يحتضر وحيداً في الصحراء من دون علاج. أمّا سقفُ المنزل فهو عُقدة زينة الوجودية؛ إذ تجتمع في زواياه كُتَلٌ من خيوط العنكبوت المُشبعة بالغبار، كما تتدلى من جَنَباته وفي وسطه وُرَيقاتُ الطلاء الجاف بفعل الرطوبة.
صفحة 6
أحسّت زينة في تلك الليلة بأن قلبها يخفق من معدتها، لا سيما وأن أحداث يومها الأول في عملها بعد الإجازة، قد ضخّ فيها سيلاً من المشاعر الجديدة جعلها تتحسَّس طعماً مختلفاً للهواء الذي يزور رئتيها، فكأنّه غير الهواء الذي اعتادت استنشاقه من قبل.
فألقتْ على نفسها، قبل أن تبدأ الكتابة على دفتر يومياتها، سؤالاً يحمل في طيّاته الإجابة الضمنية على مقصد صاحبه: «هل استبدل البحر مُلُوحته بذكرياتي حتى أتت الرطوبة هذه الليلة على شكل أمل أو انشغالٍ بفضولٍ قد يغير مجرى العفن الذي يأسرني داخل تياره العنيف؟؟».
انفعالات زينة هذه ترجمت نفسها تمرُّداً على القلم الذي كانت تحمله. فَرَمَتْهُ من يدها بسرعة. ثم أودعت الدفتر في حضن الطاولة الخشبية المركونة بجانب سريرها، قبل أن ترتمي هي في أحضان الفراش بانتظار ولوج الليل قِسمه الثالث أو الأخير.
المسافة ما بين النوم والاستلقاء بضعُ رعشات من استرخاء خافت عبر طريق الوصول إليها مشاكسات اللسان والجرح التي استمرت إلى ما قبل عتبة النوم بقليل حينها تداركت زينة انفلاش رغبتها في السفر إلى عالم الوسادة، فأمسكت قلمها مجدداً لكي تُوقف الرحلة بقوة الرغبة الجامحة في الكتابة.ثم هزَّته بضع مرات بإصرارٍ كأنّها تدعوه إلى قراءة شفتيها على مسامع الورقة، في ظل هدوءٍ لم يقطعه سوى مُوَاء قِطَّةٍ بين الحين والآخر أو جَلَبَةٌ متقطعة في الخارج، أغلب الظن أنها كانت ناتجة عن عراك بين قطعان الجرذان وأكياس النفايات، تلك المجسّمات التي يخالها المرء للوهلة الأولى مَعْلَماً من معالم الحي السياحية التي تميّزه عن باقي أجزاء المدينة.
همس القسم الثالث من الليل في أذن الغرفة صفير السكون معلناً وصوله. هذا الجزء من الزمن، تحيا فيه زينة ككاتبة تدوّن مذكراتها وأبرز محطات يومها السابق بشغف. لذلك نهضت مسرعةً من فراشها ونزعت ملابسها عنها مكتفيةً بأقل الممكن منها، ثم علقّت صورة والدتها فوق الجدار المقابل لسريرها قبل أن تتدلّى مُستلقيةً على ظهرها فوق وسادةٍ تعكس أطرافها أضواء الفانوس المصلوب على جسد النافذة المغلقة منذ زمن. وكل شيء مغلق في غرفة زينة ما عدا ذاكرتها التي تدفع بمخيلتها إلى الارتواء من جفاف اللون الأصفر المهيمن على أجواء الغرفة.
كان انكماش البصر ينسحب فقط على إطار الصورة المذهّب فوق الجدار قبالتها، حيث مسرح نشاط الذاكرة المتخمة بالصور. الإطار فقط وليس ما يحتضنه من رسمٍ لوالدتها، تلك المرأة التي هجرت منزلها وزوجها بعد ولادة ابنتها بعام واحد فقط، مُخلّفةً وراءها زوجاً مفجوعاً من أثر الصدمة وابنةً رضيعة لا حول لها سوى البكاء جوعاً فوق السرير، حيث ترقد الآن مُكَبَّلةً بأسلاك فولاذية من الغضب والحزن.
كانت تلك الليلة بالنسبة إلى زينة مشهداً آخر من فصول المسرحية التي تجهل حتى الآن من يوزع الأدوار فيها. فإرادة المؤدّين في اختيار حواراتهم غير موجودة البتّة. فبدا لها التمثيل ارتجاليًّا ومن دون جمهور يصفق للبطل إذا ما مات أو انتصر.
وحده السكون كان شاهداً على إيماءات الحناجر. أما صورة والدتها فكانت هي الرابط الوحيد بين الحوار الصامت من جهة، ونظرات الممثلين وحركات أجسادهم من جهة ثانية. ولكن أبرز ما كان يميز تلك الليلة هو اعتلاء ممثّلين جدد خشبة المسرح: المدرّس الكفيف وزوجته، والشابة الجميلة ذات الشعر المتدلّي فوق كتفيها شبه العاريين بقوالب اللون الأسود الداكن، محاكياً في سواده ليلاً ربيعيًّا لا يعرف أُنْسه إلّا العاشقون.عند هذه الصورة استرسلت زينة في تساؤلاتها: «لماذا كل هذا العري؟؟ هل هو على سبيل التعوّد أم هو خريف النفس الحزينة؟؟ هل تساقطت أكفّ الأشجار فوق تربة بشرتها؟؟ فكان لها وخز الصفعات الهادئة الموشحة بنكهة الاستسلام لحتمية الموت؟؟».
كان لا بد لأنامل تلك الليلة من أن تتحسس ببطء دفتر مذكراتها، أو ذلك الكهف الذي تدفن فيه زينة أنياب النهار كلما مزّقت روحها بشراسة. فكتبت بدفء وحيوية عن كل ما لطم سَمْعها وخدش زجاج بصرها فوصفت حذاء المدرّس الأسود بلمعانه المنسجم مع اسم العائلة التجارية التي ينتمي إليها: «لا شك في أن عائلة الحذاء هذه ذات سمعة طيبة، ولها شهرة عالمية واسعة، فرضت تناسق أناقة الزوجين مع روائح عطرهما. فالأناقة هي سرُّ المصالحة مع الذات في بعض الأحيان. وفي أوقات معينة تكون رماداً يُخفي لهيب النفس غير المطمئنة، وليس غريباً اعتبارها المفتاح الذهبي لتبني فلسفة الإعجاب بصاحبها، ومن ثم لتنشطر داخل مساحته النفسية بمرح.
أليس الشكل هو المعيار الأول لقبول الأشياء، ومن ثم تأتي مناقشة جوهره في مرحلة لاحقة؟؟ هذه الومضات القانونية التي كان يطلقها على قالب سمعها عشيقُها السابق المحامي ميشال. حيث كان يقول باستمرار: «الشكل هو أول ما يسأل عنه القاضي عند بدء المحاكمة. وفي حالة النفي تبدأ مدرجات الأساس تحتشد بنقاشاتٍ حادّة، هي ما يعوّل عليه أولاً وأخيراً في الكسب أو الخسارة. وكتبت أيضاً: «التعود فضيلة الجبان وسمة الاستقرار الأساسية؛ لذلك أجده شجاعاً... غسّان لم يعتد على حزام الظلمة بعد، ولم يتأقلم مع ستائرها السوداء التي لن تفتح من الداخل أبداً. ربما استسلم لأيادي زوجته في تنسيق أناقة ملابسه من دون أن يلمس هو مساحة الضوء ولكنه متمرد لا يتقبل الحياة من خلف صناعة التخيل البتّة. لذلك أتى إلى الجمعية طالباً المعرفة».
درجت زينة على تدوين جزيئات الموعد الأول. فكتبت بكلمات تحمل أصوات مضامينها: غضبُ غسّان ونبرته التي يبحث عن متلقٍّ لها، وقدرته المذهلة على سرد وقائع الحادث في ذلك اليوم المشؤوم من حياته: «أقراط الموز كانت آخر ما شاهدته قبل الاصطدام بمؤخرة شاحنة محملة بالفاكهة. بعد ذلك كان الظلام. ثم سمعت كلمات كأنها صفير آلة بخارية فهمتُ منها أنني في المستشفى. رائحة اليود والأدوية المحيطة جعلتني أتأكد من أنني ما زلت على قيد الحياة؛ فالموت كما أعرف لا رائحة له ولا طعم. وفي ظل غياب تقنيات استشعار الحواس سألت عن زوجتي وابنتي قبل أن أشتم رائحة بكائهما بالقرب مني، فما زلت أذكر أن ابنتي مروة كانت تداعب راحة يدي وتهمس في أذني: أحبك يا أبي... لا تَمُتْ».
فألقتْ على نفسها، قبل أن تبدأ الكتابة على دفتر يومياتها، سؤالاً يحمل في طيّاته الإجابة الضمنية على مقصد صاحبه: «هل استبدل البحر مُلُوحته بذكرياتي حتى أتت الرطوبة هذه الليلة على شكل أمل أو انشغالٍ بفضولٍ قد يغير مجرى العفن الذي يأسرني داخل تياره العنيف؟؟».
انفعالات زينة هذه ترجمت نفسها تمرُّداً على القلم الذي كانت تحمله. فَرَمَتْهُ من يدها بسرعة. ثم أودعت الدفتر في حضن الطاولة الخشبية المركونة بجانب سريرها، قبل أن ترتمي هي في أحضان الفراش بانتظار ولوج الليل قِسمه الثالث أو الأخير.
المسافة ما بين النوم والاستلقاء بضعُ رعشات من استرخاء خافت عبر طريق الوصول إليها مشاكسات اللسان والجرح التي استمرت إلى ما قبل عتبة النوم بقليل حينها تداركت زينة انفلاش رغبتها في السفر إلى عالم الوسادة، فأمسكت قلمها مجدداً لكي تُوقف الرحلة بقوة الرغبة الجامحة في الكتابة.ثم هزَّته بضع مرات بإصرارٍ كأنّها تدعوه إلى قراءة شفتيها على مسامع الورقة، في ظل هدوءٍ لم يقطعه سوى مُوَاء قِطَّةٍ بين الحين والآخر أو جَلَبَةٌ متقطعة في الخارج، أغلب الظن أنها كانت ناتجة عن عراك بين قطعان الجرذان وأكياس النفايات، تلك المجسّمات التي يخالها المرء للوهلة الأولى مَعْلَماً من معالم الحي السياحية التي تميّزه عن باقي أجزاء المدينة.
همس القسم الثالث من الليل في أذن الغرفة صفير السكون معلناً وصوله. هذا الجزء من الزمن، تحيا فيه زينة ككاتبة تدوّن مذكراتها وأبرز محطات يومها السابق بشغف. لذلك نهضت مسرعةً من فراشها ونزعت ملابسها عنها مكتفيةً بأقل الممكن منها، ثم علقّت صورة والدتها فوق الجدار المقابل لسريرها قبل أن تتدلّى مُستلقيةً على ظهرها فوق وسادةٍ تعكس أطرافها أضواء الفانوس المصلوب على جسد النافذة المغلقة منذ زمن. وكل شيء مغلق في غرفة زينة ما عدا ذاكرتها التي تدفع بمخيلتها إلى الارتواء من جفاف اللون الأصفر المهيمن على أجواء الغرفة.
كان انكماش البصر ينسحب فقط على إطار الصورة المذهّب فوق الجدار قبالتها، حيث مسرح نشاط الذاكرة المتخمة بالصور. الإطار فقط وليس ما يحتضنه من رسمٍ لوالدتها، تلك المرأة التي هجرت منزلها وزوجها بعد ولادة ابنتها بعام واحد فقط، مُخلّفةً وراءها زوجاً مفجوعاً من أثر الصدمة وابنةً رضيعة لا حول لها سوى البكاء جوعاً فوق السرير، حيث ترقد الآن مُكَبَّلةً بأسلاك فولاذية من الغضب والحزن.
كانت تلك الليلة بالنسبة إلى زينة مشهداً آخر من فصول المسرحية التي تجهل حتى الآن من يوزع الأدوار فيها. فإرادة المؤدّين في اختيار حواراتهم غير موجودة البتّة. فبدا لها التمثيل ارتجاليًّا ومن دون جمهور يصفق للبطل إذا ما مات أو انتصر.
وحده السكون كان شاهداً على إيماءات الحناجر. أما صورة والدتها فكانت هي الرابط الوحيد بين الحوار الصامت من جهة، ونظرات الممثلين وحركات أجسادهم من جهة ثانية. ولكن أبرز ما كان يميز تلك الليلة هو اعتلاء ممثّلين جدد خشبة المسرح: المدرّس الكفيف وزوجته، والشابة الجميلة ذات الشعر المتدلّي فوق كتفيها شبه العاريين بقوالب اللون الأسود الداكن، محاكياً في سواده ليلاً ربيعيًّا لا يعرف أُنْسه إلّا العاشقون.عند هذه الصورة استرسلت زينة في تساؤلاتها: «لماذا كل هذا العري؟؟ هل هو على سبيل التعوّد أم هو خريف النفس الحزينة؟؟ هل تساقطت أكفّ الأشجار فوق تربة بشرتها؟؟ فكان لها وخز الصفعات الهادئة الموشحة بنكهة الاستسلام لحتمية الموت؟؟».
كان لا بد لأنامل تلك الليلة من أن تتحسس ببطء دفتر مذكراتها، أو ذلك الكهف الذي تدفن فيه زينة أنياب النهار كلما مزّقت روحها بشراسة. فكتبت بدفء وحيوية عن كل ما لطم سَمْعها وخدش زجاج بصرها فوصفت حذاء المدرّس الأسود بلمعانه المنسجم مع اسم العائلة التجارية التي ينتمي إليها: «لا شك في أن عائلة الحذاء هذه ذات سمعة طيبة، ولها شهرة عالمية واسعة، فرضت تناسق أناقة الزوجين مع روائح عطرهما. فالأناقة هي سرُّ المصالحة مع الذات في بعض الأحيان. وفي أوقات معينة تكون رماداً يُخفي لهيب النفس غير المطمئنة، وليس غريباً اعتبارها المفتاح الذهبي لتبني فلسفة الإعجاب بصاحبها، ومن ثم لتنشطر داخل مساحته النفسية بمرح.
أليس الشكل هو المعيار الأول لقبول الأشياء، ومن ثم تأتي مناقشة جوهره في مرحلة لاحقة؟؟ هذه الومضات القانونية التي كان يطلقها على قالب سمعها عشيقُها السابق المحامي ميشال. حيث كان يقول باستمرار: «الشكل هو أول ما يسأل عنه القاضي عند بدء المحاكمة. وفي حالة النفي تبدأ مدرجات الأساس تحتشد بنقاشاتٍ حادّة، هي ما يعوّل عليه أولاً وأخيراً في الكسب أو الخسارة. وكتبت أيضاً: «التعود فضيلة الجبان وسمة الاستقرار الأساسية؛ لذلك أجده شجاعاً... غسّان لم يعتد على حزام الظلمة بعد، ولم يتأقلم مع ستائرها السوداء التي لن تفتح من الداخل أبداً. ربما استسلم لأيادي زوجته في تنسيق أناقة ملابسه من دون أن يلمس هو مساحة الضوء ولكنه متمرد لا يتقبل الحياة من خلف صناعة التخيل البتّة. لذلك أتى إلى الجمعية طالباً المعرفة».
درجت زينة على تدوين جزيئات الموعد الأول. فكتبت بكلمات تحمل أصوات مضامينها: غضبُ غسّان ونبرته التي يبحث عن متلقٍّ لها، وقدرته المذهلة على سرد وقائع الحادث في ذلك اليوم المشؤوم من حياته: «أقراط الموز كانت آخر ما شاهدته قبل الاصطدام بمؤخرة شاحنة محملة بالفاكهة. بعد ذلك كان الظلام. ثم سمعت كلمات كأنها صفير آلة بخارية فهمتُ منها أنني في المستشفى. رائحة اليود والأدوية المحيطة جعلتني أتأكد من أنني ما زلت على قيد الحياة؛ فالموت كما أعرف لا رائحة له ولا طعم. وفي ظل غياب تقنيات استشعار الحواس سألت عن زوجتي وابنتي قبل أن أشتم رائحة بكائهما بالقرب مني، فما زلت أذكر أن ابنتي مروة كانت تداعب راحة يدي وتهمس في أذني: أحبك يا أبي... لا تَمُتْ».
صفحة 7
كأنّ غسّان بهذه الاعترافات يسعى لإشراك زينة في الوحدة التي يعاني منها والكامنة وراء جفنيه باعتبارها صاحبة رأي وخبرة في منعطفات هذا العالم الجديد بالنسبة إليه، أو ربما كان يحاول أن يُثبت قدرته على تخيُّل الأشياء وتذكُّرها. خصوصاً أنه في حضرة من يتوجب عليها الاستماع إلى أنينه الداخلي.. لا سيما وأنه كان يسمع فحيح القلم في يدها ينفث حِبْره فوق ورقةٍ أغلب الظن بالنسبة إليه أنها كانت بيضاء.
فالقلم هو حضرة الراوي والمترجم أيضاً. كان يرسل كلّ ما يُدوّنه إلى مخيلة زينة النائية جدًّا عن توقعات غسّان وزوجته، تلك المخيلة المتخمة بغضبٍ سلخ حبكة التدمير من أسفل أناها وألصقها بحيز إرادتها.
بوعي وإصرار كانت زينة تريد كشف المستور والسعي بخفاء خلف خطوط البصر، لكي تحُوك من هناك شعوذتها: بطاقة ممغنطة عنوانها الوحيد جدلية السلب والإقناع. أما خطوتها الأولى فكانت الاستطلاع عن كثب.
«الشعر خفيف مبعثر في مقدمة الرأس لا شك في أن بصلات شعره كانت قد خنقتها آثار القطب، ووزعت ما تبقى منها على ما يشبه حرف الضمة أو الواو. بينما كانت نوافذ نظارته السوداء تشق سرداباً طويلاً من الحزن حول خديه الباهتين، فأضفى على وجهه وقاراً أجوف... إشارات التجهم ضخّمت من معالم العمل الجراحي فوق جبهته، وقادَتْه صعوداً. أما الشفتان، فالعليا مشطوبةٌ من وسطها وكأنها رسم لمفتاح قد أقفل قمقم الحنجرة على ماردٍ اسمه الصمت بينما تدلَّت السفلى قليلاً، فوق الذقن بفوضى اتكالية فاضحة».
كانت أجنحة الحَرّ تخفق بحماسة بين جدران الغرفة الصغيرة. فبللت جبين زينة بغشاء من الرطوبة ما لبثت أن مسحَتْه بمنديلها، قبل أن تُخرج ما في صدرها من تأفف بزفيرٍ هادر. ولم تكن تدري ما هو السرّ الذي يجعلها تتعرق كثيراً عندما تشرع في الكتابة، خصوصاً عندما تتقدم في تقطير الحبر على شفتي الورقة أمامها. هل هو الانفعال؟. سألت نفسها. أم هو رذاذ الماضي ينثر نفسه فوق ملاءة الروح مجدداً؟ ربما الانفراد مع الذات وتأمُّل صورة والدتها المعلقة قبالتها على الحائط هُما ما يعيث خراباً في أقنية التهوئة الروحية لديها فتتلبَّد سماء أحاسيسها بالغمام الأسود الداكن، لكي تسبح بعد ذلك عواصف الغضب في يمّ روحها، حتى تستثير أمواجه، فترمي بصقيعها فوق شواطىء جبينها تعرّقاً بارداً سرعان ما يجفّ، تاركاً خلفه خيوطاً غَلَبَ عليها طعم الملح الأبيض قد بدت وكأنها حدود طبيعية لسواقي الانفعال الجافة.
لم تعد زينة تحتمل البقاء أسيرة الحِبر والورقة على الدوام. ولكنها في الوقت عينه لا تطيق الانطلاق في فوضى التراكمات النفسية وانبعاثاتها نحو مركز التفكير. فالكلمة بالنسبة إليها باتت أصفاداً تغلل ذاكرتها، وتسوقهاإلى راحة بطعم العدم. أمّا الحَرُّ، هذه الليلة بالذات، فلم يعد يطاق؛ وإذْ كانت الأولوية عندها لجسدها، لذلك فقد انسلخت عن جِلدها، وخلعت الفسيفساء التي كانت ترتديها تحت مسميات مختلفة ورمتها داخل الغرفة كيفما اتفق وخَبْطَ عشواء. ثم حدّثت نفسها قائلةً: «ربما هذه العادة قد ورثتها عن والدتي»!.
عند هذه الفاصلة الزمنية بالتحديد رفعت زينة رأسها وراحت تتأمل صورة أمها المعلَّقة على الحائط. نظرت في عيني والدتها مليًّا. وحدَّقت بتقاسيم الوجه مطولاً... اليأس هو الشيء الوحيد الذي تبيَّنَتْه من نظراتها وبين غضون جبينها. لماذا تراها كل يوم بوجه مختلف؟؟ لعل الصورة أيضاً تبدّل أقنعتها، وتتماشى مع روح العصر المتخفية أمام مفهوم الحاجة؟؟.
في تلك الليلة، لم تستطع زينة أن تتماشى وملكة التهيؤات التي زارتها على حين غرّة، على الرغم من إصرارها على متابعة الكتابة. فسارعت إلى حمل القلم وأخذت تكتب بجوار الجملة الأخيرة: «الحزن يستسلم لأنامل الغضب لكي تعجن طحين التمرد... بصوت مستقيم ومتوازن يسبح في فضاء السمع بطريقة هادئة وبوتيرة واحدة. فالاستقرار الداخلي بات يرتكز لديه على سلم رياضي مبني على قاعدة حسابية ألا وهي دمار خلايا البصر: «إذن أنا أعمى إلى الأبد!»، والزوجة تبكي. كان الهامش الذي خصّصته زينة للكتابة عن الزوجة صغيراً جدًّا، فاقتصرت كلماتها على ما يلي: «كانت تذرف الدموع بصمت وتتقيأ تأوهاتها داخل حنجرة المنديل وكأنها تستخدم كاتماً للصوت وللمشاعر... الفاجعة تكمن في تذكُّر الحادث وفي إعادة سرد وقائعه عشرات المرات.. إنه آخر حدث شاهده في عالم الضوء قبل أن تأتي تشكيلاته التي صاغها القدر لترميه داخل زاوية مظلمة قد كُتبت فوقها عبارات لا يمكن لأحد قراءتها من شدة الظلام».
سألته عن ابنته التي وجدت صورتها بين مستندات الملف أمامها.. وأرادت من خلال ذلك أن تستنفر كل ذرة من مشاعره، وتظهرها إلى العلن. وذلك من أجل أن تعرف مدى استعداده لمعانقة الحياة مجدداً ومدى قابلية شفتيه لحياكة الابتسامة شالاً أبيض يخلعه على كتفي الأُبوّة.
عند هذه الزاوية من اللقاء، اصطدمت زينة بعيني صقر جائع يريد التهام كلّ ما يجده أمامه لشدّة جُوعه: عناوين وإشارات أرسلها غسّان الكفيف من وجنتيه إلى الكون بأسره. فاحمرار الخدين وتلك الرجفة التي ساقتها شفتاه نحو ساقية الدموع قد عبّدا أمامها الطريق نحو وادي أو منجم العاطفة الذي لطالما حُرمت منه؛ فالطفل هو الوتد الذي يجمع زوايا الخيمة التي تظلل حياة الزوجين الجالسين قبالتها. وهو الأمل الذي من خلاله كان غسّان الأستاذ يبصر الحياة ويذرف الدموع أيضاً. فالمياه المالحة ليست من اختصاص البحار وحدها. بل هي الإجابة التي غالب غسّان نفسه من أجل تفاديها. لكن أوتار الروح سرعان ما عزفت لحناً حزيناً صدّع سدود المآقي. فانحدرت المناديل صعوداً نحو مسالك البكاء، لكي تُكفّنها وتُخفي آثارها الصامتة.
توقفت زينة عن الكتابة؛ فالتثاؤب زائر يأتي بلا موعد محدد إذ يطرق على جدار الوعي بقبضة معدنية لطالما تخيلتها على الدوام مطرقة نحاسية. وذلك باعتبار النحاس ناقلاً ممتازاً للطاقة، وهكذا هو النعاس أيضاً: تسرّب خطير لقوّة الوعي وطاقة الجسد. فما تلبث الأبدان أن تتراخى وتنحلّ قُواها وتنحني فوق وردةٍ تنتظر قطرات الندى لكي تعانق أحلام الوسادة من جديد.
لقد أخذها التثاؤب على حين غرّة، فآلمها تشدّق الفكَّين اللاإرادي. فأمسكت ذقنها المكفّن براحتيها وكأنها تسنده إلى وجهها مخافة أن يقع. لكنها وبحنكتها الموروثة، استطاعت تنظيم الألم وَدَفْعَهُ خارج طبقات أعصابها، أو بالأحرى، لقد احتالت عليه بحيلة تعلّمتْها من عمّتها التي تُوفّيَتْ منذ فترة وجيزة. لقد تذكرت كلامها: «ركّزي تفكيرك على أمر آخر بعيد جدًّا عن سبب الألم وموضعه».
فالقلم هو حضرة الراوي والمترجم أيضاً. كان يرسل كلّ ما يُدوّنه إلى مخيلة زينة النائية جدًّا عن توقعات غسّان وزوجته، تلك المخيلة المتخمة بغضبٍ سلخ حبكة التدمير من أسفل أناها وألصقها بحيز إرادتها.
بوعي وإصرار كانت زينة تريد كشف المستور والسعي بخفاء خلف خطوط البصر، لكي تحُوك من هناك شعوذتها: بطاقة ممغنطة عنوانها الوحيد جدلية السلب والإقناع. أما خطوتها الأولى فكانت الاستطلاع عن كثب.
«الشعر خفيف مبعثر في مقدمة الرأس لا شك في أن بصلات شعره كانت قد خنقتها آثار القطب، ووزعت ما تبقى منها على ما يشبه حرف الضمة أو الواو. بينما كانت نوافذ نظارته السوداء تشق سرداباً طويلاً من الحزن حول خديه الباهتين، فأضفى على وجهه وقاراً أجوف... إشارات التجهم ضخّمت من معالم العمل الجراحي فوق جبهته، وقادَتْه صعوداً. أما الشفتان، فالعليا مشطوبةٌ من وسطها وكأنها رسم لمفتاح قد أقفل قمقم الحنجرة على ماردٍ اسمه الصمت بينما تدلَّت السفلى قليلاً، فوق الذقن بفوضى اتكالية فاضحة».
كانت أجنحة الحَرّ تخفق بحماسة بين جدران الغرفة الصغيرة. فبللت جبين زينة بغشاء من الرطوبة ما لبثت أن مسحَتْه بمنديلها، قبل أن تُخرج ما في صدرها من تأفف بزفيرٍ هادر. ولم تكن تدري ما هو السرّ الذي يجعلها تتعرق كثيراً عندما تشرع في الكتابة، خصوصاً عندما تتقدم في تقطير الحبر على شفتي الورقة أمامها. هل هو الانفعال؟. سألت نفسها. أم هو رذاذ الماضي ينثر نفسه فوق ملاءة الروح مجدداً؟ ربما الانفراد مع الذات وتأمُّل صورة والدتها المعلقة قبالتها على الحائط هُما ما يعيث خراباً في أقنية التهوئة الروحية لديها فتتلبَّد سماء أحاسيسها بالغمام الأسود الداكن، لكي تسبح بعد ذلك عواصف الغضب في يمّ روحها، حتى تستثير أمواجه، فترمي بصقيعها فوق شواطىء جبينها تعرّقاً بارداً سرعان ما يجفّ، تاركاً خلفه خيوطاً غَلَبَ عليها طعم الملح الأبيض قد بدت وكأنها حدود طبيعية لسواقي الانفعال الجافة.
لم تعد زينة تحتمل البقاء أسيرة الحِبر والورقة على الدوام. ولكنها في الوقت عينه لا تطيق الانطلاق في فوضى التراكمات النفسية وانبعاثاتها نحو مركز التفكير. فالكلمة بالنسبة إليها باتت أصفاداً تغلل ذاكرتها، وتسوقهاإلى راحة بطعم العدم. أمّا الحَرُّ، هذه الليلة بالذات، فلم يعد يطاق؛ وإذْ كانت الأولوية عندها لجسدها، لذلك فقد انسلخت عن جِلدها، وخلعت الفسيفساء التي كانت ترتديها تحت مسميات مختلفة ورمتها داخل الغرفة كيفما اتفق وخَبْطَ عشواء. ثم حدّثت نفسها قائلةً: «ربما هذه العادة قد ورثتها عن والدتي»!.
عند هذه الفاصلة الزمنية بالتحديد رفعت زينة رأسها وراحت تتأمل صورة أمها المعلَّقة على الحائط. نظرت في عيني والدتها مليًّا. وحدَّقت بتقاسيم الوجه مطولاً... اليأس هو الشيء الوحيد الذي تبيَّنَتْه من نظراتها وبين غضون جبينها. لماذا تراها كل يوم بوجه مختلف؟؟ لعل الصورة أيضاً تبدّل أقنعتها، وتتماشى مع روح العصر المتخفية أمام مفهوم الحاجة؟؟.
في تلك الليلة، لم تستطع زينة أن تتماشى وملكة التهيؤات التي زارتها على حين غرّة، على الرغم من إصرارها على متابعة الكتابة. فسارعت إلى حمل القلم وأخذت تكتب بجوار الجملة الأخيرة: «الحزن يستسلم لأنامل الغضب لكي تعجن طحين التمرد... بصوت مستقيم ومتوازن يسبح في فضاء السمع بطريقة هادئة وبوتيرة واحدة. فالاستقرار الداخلي بات يرتكز لديه على سلم رياضي مبني على قاعدة حسابية ألا وهي دمار خلايا البصر: «إذن أنا أعمى إلى الأبد!»، والزوجة تبكي. كان الهامش الذي خصّصته زينة للكتابة عن الزوجة صغيراً جدًّا، فاقتصرت كلماتها على ما يلي: «كانت تذرف الدموع بصمت وتتقيأ تأوهاتها داخل حنجرة المنديل وكأنها تستخدم كاتماً للصوت وللمشاعر... الفاجعة تكمن في تذكُّر الحادث وفي إعادة سرد وقائعه عشرات المرات.. إنه آخر حدث شاهده في عالم الضوء قبل أن تأتي تشكيلاته التي صاغها القدر لترميه داخل زاوية مظلمة قد كُتبت فوقها عبارات لا يمكن لأحد قراءتها من شدة الظلام».
سألته عن ابنته التي وجدت صورتها بين مستندات الملف أمامها.. وأرادت من خلال ذلك أن تستنفر كل ذرة من مشاعره، وتظهرها إلى العلن. وذلك من أجل أن تعرف مدى استعداده لمعانقة الحياة مجدداً ومدى قابلية شفتيه لحياكة الابتسامة شالاً أبيض يخلعه على كتفي الأُبوّة.
عند هذه الزاوية من اللقاء، اصطدمت زينة بعيني صقر جائع يريد التهام كلّ ما يجده أمامه لشدّة جُوعه: عناوين وإشارات أرسلها غسّان الكفيف من وجنتيه إلى الكون بأسره. فاحمرار الخدين وتلك الرجفة التي ساقتها شفتاه نحو ساقية الدموع قد عبّدا أمامها الطريق نحو وادي أو منجم العاطفة الذي لطالما حُرمت منه؛ فالطفل هو الوتد الذي يجمع زوايا الخيمة التي تظلل حياة الزوجين الجالسين قبالتها. وهو الأمل الذي من خلاله كان غسّان الأستاذ يبصر الحياة ويذرف الدموع أيضاً. فالمياه المالحة ليست من اختصاص البحار وحدها. بل هي الإجابة التي غالب غسّان نفسه من أجل تفاديها. لكن أوتار الروح سرعان ما عزفت لحناً حزيناً صدّع سدود المآقي. فانحدرت المناديل صعوداً نحو مسالك البكاء، لكي تُكفّنها وتُخفي آثارها الصامتة.
توقفت زينة عن الكتابة؛ فالتثاؤب زائر يأتي بلا موعد محدد إذ يطرق على جدار الوعي بقبضة معدنية لطالما تخيلتها على الدوام مطرقة نحاسية. وذلك باعتبار النحاس ناقلاً ممتازاً للطاقة، وهكذا هو النعاس أيضاً: تسرّب خطير لقوّة الوعي وطاقة الجسد. فما تلبث الأبدان أن تتراخى وتنحلّ قُواها وتنحني فوق وردةٍ تنتظر قطرات الندى لكي تعانق أحلام الوسادة من جديد.
لقد أخذها التثاؤب على حين غرّة، فآلمها تشدّق الفكَّين اللاإرادي. فأمسكت ذقنها المكفّن براحتيها وكأنها تسنده إلى وجهها مخافة أن يقع. لكنها وبحنكتها الموروثة، استطاعت تنظيم الألم وَدَفْعَهُ خارج طبقات أعصابها، أو بالأحرى، لقد احتالت عليه بحيلة تعلّمتْها من عمّتها التي تُوفّيَتْ منذ فترة وجيزة. لقد تذكرت كلامها: «ركّزي تفكيرك على أمر آخر بعيد جدًّا عن سبب الألم وموضعه».
صفحة 8
النوم هو المكان الوحيد الذي تلجأ إليه زينة كلما أرادت الهرب. كانت تترك كل شيء خلفها، وتغوص داخل فراشها. وهناك في عالم الأحلام النادرة التي تزورها، تلتقي بصديقاتها وتمشي داخل قصرها الكبير كملكةٍ تصطف من حولها الوصيفات. وصولاً إلى حديقة القصر المزروعة بالورود والأزهار، وكان الحلم بالنسبة إلى زينة يمثّل أمنية جميلة تفقدها في عالم الواقع، لكنّ أحلامها كانت تنتهي بالصور المخيفة والمرعبة. أحلام زينة تنتهي بالكوابيس؛ إذ إنها غالباً ما تشاهد صورة والدها وهو مغطّى بالدماء من رأسه حتى أخمص قدميه. كانت تعرفه من العينين، أو كأنّ أحداً يهمس في أذنها قائلاً لها: أنه والدك.. يحمل بيده خصية ثور. أكثر من مرّة شاهدت هذه الصورة: والدها المضرّج بالدماء يحمل خصية عجل، ويقف عارياً أمام المرآة. ثم يبدأ بالصراخ والعويل... فتستفيق زينة!!.
وهنا ينتهي الخوف. فهي تعرف تماماً ماهية هذه المشاهد والأحلام، كما تعرف مسبِّباتها أيضاً، ولكنها عاجزة عن التخلص منها، خصوصاً من كل ما له علاقة بأسرتها الضائعة المفكَّكة، فوالدتها تزورها في عالم النوم أيضاً. ولكن أكثر ما كانت تذكره المطبخ؛ إذ ترى والدتها في زاويته تُعدّ طاولة الطعام. وعندما تفرغ من ذلك تنادي أسماءً لأناس لا تعرفهم. وما تزال زينة تذكر أنها كانت تبكي وتصرخ في الحلم: «أمي... أنا جائعة أيضاً».
وكم كانت ترغب في الجلوس بجانب الطاولة والاقتراب من والدتها. تجهد في البكاء والصراخ، ولكنها تبقى عاجزة عن الحركة. ويبقى صوتها ريح لا قرارة له في أذن أحد. وفي نهاية الأمر تنسى زينة كيف كان ينتهي هذا المشهد الذي اعتادت عليه زائراً لا يتركها منذ ثلاثة أشهر ربما تستمر بعض الأحلام في تكرار نفسها أمام عدسة النوم، فتصبح كأنها قطعة من أثاث الروح يفتقدها صاحبها إذا ما غابت عنه لمدة طويلة، أو إذا ما انتبه إلى عدم وجودها في ظلمة الليالي الحالكات. هذه هي الحال مع زينة وأحلامها، أو بالأصح مع مشاهداتها الليلية داخل عالم النوم: الحبيب، وسقف المنزل، وقصر الملكة، وفستانها الأبيض، ولون الورود. فرائحة الفاكهة، فضلاً عن مشهد والدها، ومطبخ والدتها... كل هذه كانت تعتبرها زينة متحفاً تنتقل فيه روحها، وتقف عند كل تمثال أو لوحة من رخام وضعت فيه تتأملها وتعيدها إلى خندق كانت مدفونة فيه في يوم من الأيام. لكنها بقيت تشتم رائحة التراب في هذا الخندق الكبير الذي ما زالت تحيا فيه حتى الآن واسمه: الحياة.
ذات المشهد يتكرّر، وفي نفس المكان. ربما السرير هو المتأنق الوحيد في هذه الغرفة، الغطاء الأبيض يزحف ببطء فوق بطن السرير الأجوف بمرور الزمن وينحني بغُنجٍ مُلامِساً رموش الرخام العتيق فوق أرض الغرفة.
كان القلم يخط أحداث اليوم الرابع فوق صفحاتٍ فقدت عُذْريتها عند أول كلمة كتبت. الركبتان متكوّرتان على شكل قمة جبل بهيّ الطلعة؛ فزينة تهوى الكتابة في السرير وتحت لهاث الضوء الأحمر الخافت. وكان الحرّ شلّالاً يقذف ملوحته فوق العنق وتحت الإبطين. وعند التقاء الساكنين أيضاً «الحر وطاقة الجسد وسكون منتصف الليل».
كتبت زينة هذه الليلة من دون أن تنظر في صورة والدتها. صحيح أنها قد علّقتها فوق الجدار المقابل للسرير، إلّا أن صورة الأستاذ الكفيف قد شغلتها هذه المرّة عن كلّ ما عداها، إذ كانت حاضرة بقوّة أمام سيف الكتابة وجدار الصفحة الخشن: «لقد أتى منفرداً هذه المرّة... يبدو أنه قد اعتاد على المكان، ويبدو أن حاسة الشم لديه قد لانت أمام صوتي أيضاً، فالثقة قد حفرت في وجه جداره الأسود خيطاً مشعًّا. جعله يعتمد على برنامج عمل معين. إنه اليوم الرابع من تلقّي الإرشادات. ومن الواضح أن الأستاذ كان يستجيب لنداءات الصنّارة ويبتلع الطعم أيضاً. الشوق، ومتعة السمع، والحنين إلى الملامسة شِباكُ صيدٍ حِبالُها متينة ومثبتة جيداً إلى الأعماق».
كان من عادة زينة أن تكتب سطورها من دون أن تعيد قراءتها مرة ثانية: فهي دائماً تتقيأ ما في جوفها من دون توقف.
«أناقته تذكرني بعُمَر المحامي، عشيقي السابق: الحذاء الأسود، حزام الخصر العريض، والقمصان البيضاء والزرقاء... إنه لشيء جميل أن تتأنّق الضحية أثناء دخولها القفص تحضيراً لافتراسها. الرجال صيد سهل في هذه الغابة التي يسمّيها أساتذتي في الجامعة المجتمع البشري، وأسميها أنا: الأدغال، خصوصاً وأنها لا تختلف عن مجتمع الحيوان سوى بهندسة الأشياء فقط. فالكهوف والصخور في مجتمع الإنسان لها شكل الأبنية والغرف. والمعادن أيضاً لها أشكال عجيبة، ولكن الفرق شاسع بين المجتمعين وذلك من ناحية واحدة فقط ألا وهي: الوضوح. فالاستغلال هنا له شكل تبادل السلع والمنافع تحت مسميات خادعة اسمها العقود. والالتزامات غالباً ما تترنح فوق بنود جزائية وغرامات إكراهية ومنح إرادات وإلقاء موجبات... أما الافتراس في عالم الحيوان، فإنه لا يحتاج إلى عقود تمهيدية ولا حتى إلى مفاوضات؛ باعتبار أن الحرب تبدأ منذ اللحظة الأولى للحاجة واللقاء. وليس الأمر كما هو عليه هنا، فالوحشية تتقنع بالدبلوماسية والابتسامات المزيفة، بينما يكون ضابطُ الإيقاع قاضياً أو مُحامياً يشرب من ذات الكأس الحمراء ولا يثمل من أقداح الدماء البتّة.. تحت ذريعة الإدمان على حب البقاء».
كان الضوء الأحمر الخافت ينعكس على جدران الغرفة ستاراً ينسدل فوق صورة والدة زينة، التي تراءت لها فجأة ضرساً كبيراً يلمع! نفضت زينة بصرها بسرعة أربكت فيها موجة التهيؤات التي اجتاحت شواطىء وعيها لوهلة. إنها المرة الأولى التي تشاهد فيها والدتها على هذا الشكل.
ابتسمت ثم حدّثت نفسها: «كان من المفترض أن أراها على شكل نابٍ». ثم مسّدت ركبتيها. العاريتين بيديها المتعرقتين. وأسندت رأسها إلى صدر وسادتين تحتضنان عاجيّ عُنُقها. ثم غابت خلف جفون التأملات المقفلة. تذكرت بعدها وجه المحامي ميشال، الذي التقت به صدفة في أروقة قصر العدل عندما كانت برفقة حدث ضرير أثناء جلسة محاكمة له في محكمة الأحداث في بعبدا. استحضرت صورة وجهه الذي له تقاسيم الذئب. النظرات حائرة ولا تقف عند زاوية العين البتّة.
وهنا ينتهي الخوف. فهي تعرف تماماً ماهية هذه المشاهد والأحلام، كما تعرف مسبِّباتها أيضاً، ولكنها عاجزة عن التخلص منها، خصوصاً من كل ما له علاقة بأسرتها الضائعة المفكَّكة، فوالدتها تزورها في عالم النوم أيضاً. ولكن أكثر ما كانت تذكره المطبخ؛ إذ ترى والدتها في زاويته تُعدّ طاولة الطعام. وعندما تفرغ من ذلك تنادي أسماءً لأناس لا تعرفهم. وما تزال زينة تذكر أنها كانت تبكي وتصرخ في الحلم: «أمي... أنا جائعة أيضاً».
وكم كانت ترغب في الجلوس بجانب الطاولة والاقتراب من والدتها. تجهد في البكاء والصراخ، ولكنها تبقى عاجزة عن الحركة. ويبقى صوتها ريح لا قرارة له في أذن أحد. وفي نهاية الأمر تنسى زينة كيف كان ينتهي هذا المشهد الذي اعتادت عليه زائراً لا يتركها منذ ثلاثة أشهر ربما تستمر بعض الأحلام في تكرار نفسها أمام عدسة النوم، فتصبح كأنها قطعة من أثاث الروح يفتقدها صاحبها إذا ما غابت عنه لمدة طويلة، أو إذا ما انتبه إلى عدم وجودها في ظلمة الليالي الحالكات. هذه هي الحال مع زينة وأحلامها، أو بالأصح مع مشاهداتها الليلية داخل عالم النوم: الحبيب، وسقف المنزل، وقصر الملكة، وفستانها الأبيض، ولون الورود. فرائحة الفاكهة، فضلاً عن مشهد والدها، ومطبخ والدتها... كل هذه كانت تعتبرها زينة متحفاً تنتقل فيه روحها، وتقف عند كل تمثال أو لوحة من رخام وضعت فيه تتأملها وتعيدها إلى خندق كانت مدفونة فيه في يوم من الأيام. لكنها بقيت تشتم رائحة التراب في هذا الخندق الكبير الذي ما زالت تحيا فيه حتى الآن واسمه: الحياة.
ذات المشهد يتكرّر، وفي نفس المكان. ربما السرير هو المتأنق الوحيد في هذه الغرفة، الغطاء الأبيض يزحف ببطء فوق بطن السرير الأجوف بمرور الزمن وينحني بغُنجٍ مُلامِساً رموش الرخام العتيق فوق أرض الغرفة.
كان القلم يخط أحداث اليوم الرابع فوق صفحاتٍ فقدت عُذْريتها عند أول كلمة كتبت. الركبتان متكوّرتان على شكل قمة جبل بهيّ الطلعة؛ فزينة تهوى الكتابة في السرير وتحت لهاث الضوء الأحمر الخافت. وكان الحرّ شلّالاً يقذف ملوحته فوق العنق وتحت الإبطين. وعند التقاء الساكنين أيضاً «الحر وطاقة الجسد وسكون منتصف الليل».
كتبت زينة هذه الليلة من دون أن تنظر في صورة والدتها. صحيح أنها قد علّقتها فوق الجدار المقابل للسرير، إلّا أن صورة الأستاذ الكفيف قد شغلتها هذه المرّة عن كلّ ما عداها، إذ كانت حاضرة بقوّة أمام سيف الكتابة وجدار الصفحة الخشن: «لقد أتى منفرداً هذه المرّة... يبدو أنه قد اعتاد على المكان، ويبدو أن حاسة الشم لديه قد لانت أمام صوتي أيضاً، فالثقة قد حفرت في وجه جداره الأسود خيطاً مشعًّا. جعله يعتمد على برنامج عمل معين. إنه اليوم الرابع من تلقّي الإرشادات. ومن الواضح أن الأستاذ كان يستجيب لنداءات الصنّارة ويبتلع الطعم أيضاً. الشوق، ومتعة السمع، والحنين إلى الملامسة شِباكُ صيدٍ حِبالُها متينة ومثبتة جيداً إلى الأعماق».
كان من عادة زينة أن تكتب سطورها من دون أن تعيد قراءتها مرة ثانية: فهي دائماً تتقيأ ما في جوفها من دون توقف.
«أناقته تذكرني بعُمَر المحامي، عشيقي السابق: الحذاء الأسود، حزام الخصر العريض، والقمصان البيضاء والزرقاء... إنه لشيء جميل أن تتأنّق الضحية أثناء دخولها القفص تحضيراً لافتراسها. الرجال صيد سهل في هذه الغابة التي يسمّيها أساتذتي في الجامعة المجتمع البشري، وأسميها أنا: الأدغال، خصوصاً وأنها لا تختلف عن مجتمع الحيوان سوى بهندسة الأشياء فقط. فالكهوف والصخور في مجتمع الإنسان لها شكل الأبنية والغرف. والمعادن أيضاً لها أشكال عجيبة، ولكن الفرق شاسع بين المجتمعين وذلك من ناحية واحدة فقط ألا وهي: الوضوح. فالاستغلال هنا له شكل تبادل السلع والمنافع تحت مسميات خادعة اسمها العقود. والالتزامات غالباً ما تترنح فوق بنود جزائية وغرامات إكراهية ومنح إرادات وإلقاء موجبات... أما الافتراس في عالم الحيوان، فإنه لا يحتاج إلى عقود تمهيدية ولا حتى إلى مفاوضات؛ باعتبار أن الحرب تبدأ منذ اللحظة الأولى للحاجة واللقاء. وليس الأمر كما هو عليه هنا، فالوحشية تتقنع بالدبلوماسية والابتسامات المزيفة، بينما يكون ضابطُ الإيقاع قاضياً أو مُحامياً يشرب من ذات الكأس الحمراء ولا يثمل من أقداح الدماء البتّة.. تحت ذريعة الإدمان على حب البقاء».
كان الضوء الأحمر الخافت ينعكس على جدران الغرفة ستاراً ينسدل فوق صورة والدة زينة، التي تراءت لها فجأة ضرساً كبيراً يلمع! نفضت زينة بصرها بسرعة أربكت فيها موجة التهيؤات التي اجتاحت شواطىء وعيها لوهلة. إنها المرة الأولى التي تشاهد فيها والدتها على هذا الشكل.
ابتسمت ثم حدّثت نفسها: «كان من المفترض أن أراها على شكل نابٍ». ثم مسّدت ركبتيها. العاريتين بيديها المتعرقتين. وأسندت رأسها إلى صدر وسادتين تحتضنان عاجيّ عُنُقها. ثم غابت خلف جفون التأملات المقفلة. تذكرت بعدها وجه المحامي ميشال، الذي التقت به صدفة في أروقة قصر العدل عندما كانت برفقة حدث ضرير أثناء جلسة محاكمة له في محكمة الأحداث في بعبدا. استحضرت صورة وجهه الذي له تقاسيم الذئب. النظرات حائرة ولا تقف عند زاوية العين البتّة.
صفحة 9
كان صوته عبارة عن مصنع من الإيحاءات يتجاوز في رأسماله خميرة السنوات الثلاثين التي تتشدق بها غضون جبهته المَلْساء.. أما ثوبه الأسود بطياته الأرستقراطية، فكان يتدلّى فوق خطواتٍ رصعتها دقات حذائه في الممر الطويل بإيقاع القوة والحزم؛ فالمحامون: شعار النبالة والفروسية. عند هذه الخاطرة. ارتسمت على شفتي زينة ابتسامة ساخرة.
«ميشال العاشق الجبان. كل شيء لديه كان معلباً ضمن استراتيجية معدّة سلفاً ومرصوفاً على لوائح عنوانها: «أقل الأضرار». تذكرت كيف اصطادته بسحرها وجاذبيتها لدى استفسارها إيّاه عن بعض النقاط القانونية، وكيف أنها سرقت بريق عينيه وحبسته داخل قفص إغواءاتها. كانت زينة يومها عبارة عن سنَّور أخّاذ للحسن والرقَّة والجمال إذ كانت في لباسها وفي غنجها ونبرة صوتها آلافاً من الأفخاخ والقنابل العنقودية التي انفجرت بعد أسبوع واحدٍ من اللقاء الأول وبعد أن تبادلا أرقام الهواتف عاشا فترة شبقٍ جنسيٍّ لا حدود له.
كان كالذئب في كل حركاته: مشيته العرجاء من دون مرض أو خلل عضوي، التواءة عنقه، وهدوءه، وكذلك أسلوبه في المرافعة، والتفافه حول وقائع الدعوى بالمراوغة...».
عادت زينة من رحلتها في عالم الماضي. وأخذت قلمها مجدداً وراحت تكتب فوق صفحاتها: «غسّان ليس ذئباً كميشال الذي يهوى ملفات الزواج والطلاق؛ فوجه غسّان يبدو على ملامحه وقار الأسد، وعنفوانه... الجبهة عريضة، الخدود ممتلئة بالعاطفة والكرم وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشفتين المكتنزتين فوق ذقن ضيق الحوض عليه في وسطه دمغةٌ سمراءُ. إنه الملك».
الانزلاق فوق منحدرات الروح جعل زينة تكتب بِنَهَمٍ عن حيثيات الأسبوع الأول. لقد وصفت كل شيء بدقة: «قليل الحركة، متنبّهٌ على الدوام. كانت حواسه عبارة عن رادار ينقل له إحداثيات الأمواج من حوله وكأنها شبكة مترابطة متصلة بغرفة عمليات اسمها الدماغ. يبدو في الظاهر كأنه يتدثر بالسكون، لكنه في الواقع كان عبارة عن شهابٍ تغلي حِمَمُه الملتهبة من الداخل، خصوصاً وأنه لم يكن قد رسم شيئاً منذ أشهر».
اقتصرت اللقاءات الأولى على اكتشاف كهوف الصوت من حوله. وكأنه تلمس تشققات جدرانها للتو، لقد بدأ زمن الابتكار والرسم الداخلي. بالنسبة إلى غسّان. فكان يرتب أشياء الغرفة وأثاثها كما شرحتها له زينة بدقة متناهية: المقاعد على يمين الباب، المكتب في الجهة المقابلة، الطاولة بعيدة قرابة المترين إلى يسار ستائر الغرفة بألوانها البُنّية...
كتبت زينة مسودة التقرير الأسبوعي الذي تنوي تقديمه إلى رئيسة الجمعية بعد يومين فبيّنت فيه وضعية غسّان الجديدة ومدى تجاوبه مع الإرشادات، لا سيما العصا البيضاء ودرجة تقبُّله رفقتها في أغلب الأوقات، وأموراً مهنية أخرى...
«إنه سريع التعلُّم، مُكْرَهٌ أخاك لا بطل. صحيح أن غضب الحالة المأساوية مستمر في نفسه، وأُوارُ حَنَقِه يشتدّ يوماً بعد يوم على حكم القدر عند كل حدث يصطدم به، إلّا أنّ واقعية المسائل الرياضية فرضت نفسها: مسألة حسابية، نتائجها السلبية مقرونة بالأعداد. فالقرار الأول الذي اتخذه في اليوم الثالث من زيارته اليومية إلى الجمعية أن يأتي منفرداً من دون صحبة زوجته كان يمثل الخطوة الأولى في طريقه إلى إعادة ترميم قدرته على مواجهة يوميات الحياة الصعبة».
«البناء. ما أجمل هذا المصطلح!!». لطالما كان ميشال يردّد على مسامعها هذه الكلمة باستمرار.
توقفت زينة عن الكتابة لبرهة سردت بصمتٍ خلالها وقائع تلك الليلة التي عاشت كل لحظة من لحظاتها مع عشيقها ميشال في منزله. لقد مارسا الحب حتى ساعات الصباح الأولى من ليلة الأحد. ثم شرح لها المحامي بعد ذلك وأثناء احتسائهما القهوةمعاً ماهية هذا المصطلح بالتحديد، وأهميته في الوجود.
فـــ «البناء يقابله الهدم، وهذا إما أن يكون تدميراً وإما تآكلاً بمرور الزمن». فالبناء بنظره هو تراكم للنجاح وصولاً إلى الهدف المنشود. وعلى هذا الأساس يبني هو لوائحه ومطالباته القانونية جميعها؛ لأن عمل المحامي هو جمعٌ للنقاط في هندسةٍ عِمادُها المنطق، وصولاً إلى الحكم. وهكذا هو البناء في الحياة. فالعمر تراكم للتجارب. وهندسة البناء هي مفهوم الخطأ والصواب في تفسير منطق الزمن،. وصولاً إلى مرحلة الحِكم. وللذّة بناؤها أيضاً؛ فهو تراكم للمتعة، وتصاعدها يبدأ في هندسة خاصة، اسمها الغريزة وصولاً إلى محطة مرحلية للنشوة والشبع والارتواء.
وهكذا هو غسّان؛ فقد كان يبني خطواته أيضاً على ثقة اسمها العصا، يتحسس بها امتداد اليدين والرجلين. لقد كانت سفيرة المسافات القصيرة بالنسبة إليه، يضعها جانباً كُلّما دخل الغرفة ليستبدل عصاه بيد زينة الدافئة.
«كانت يده تتعرَّق وترتجف كلما أمسكتُ بها وجرّرته إلى الكرسي حيث كان يجلس قبالتي. «أنا مسؤولة عن تنقلاتك» أليس كذلك؟ بينما كان هو يكتفي بالشكر فقط، والخجل يرشح من صوته جداولَ تغذّي احمرار خدّيه بالدفء. وأنا بِدَوْري كنت متيقنة من سوء نيته التي تفتحت أشواكها فوق سور الإرشادات التي يستمع إليها ويتلقفها بِنَهَم.
بدأت عودته إلى مسرح الحياة منذ أن تعلّق سَمْعُه فوق هاوية النغمة الجميلة، التي أتصنّعها له بِدَهَاءٍ أُنثوي باهر. ولا أبالغ إذا ما قلت إنّني عازفة ماهرة على أوتار الإثارة السمعية؛ فــــ«الأُذْنُ تعشق قبل العين أحياناً». وفي حالة الأستاذ غسّان هذه، عليه أن يعشقني بأذنيه فقط. لقد أضحى السمع بالنسبة إليه الباب الأول الذي تخرج منه روحه إلى العالم الخارجي. ومن ثم العصا البيضاء».
«ميشال العاشق الجبان. كل شيء لديه كان معلباً ضمن استراتيجية معدّة سلفاً ومرصوفاً على لوائح عنوانها: «أقل الأضرار». تذكرت كيف اصطادته بسحرها وجاذبيتها لدى استفسارها إيّاه عن بعض النقاط القانونية، وكيف أنها سرقت بريق عينيه وحبسته داخل قفص إغواءاتها. كانت زينة يومها عبارة عن سنَّور أخّاذ للحسن والرقَّة والجمال إذ كانت في لباسها وفي غنجها ونبرة صوتها آلافاً من الأفخاخ والقنابل العنقودية التي انفجرت بعد أسبوع واحدٍ من اللقاء الأول وبعد أن تبادلا أرقام الهواتف عاشا فترة شبقٍ جنسيٍّ لا حدود له.
كان كالذئب في كل حركاته: مشيته العرجاء من دون مرض أو خلل عضوي، التواءة عنقه، وهدوءه، وكذلك أسلوبه في المرافعة، والتفافه حول وقائع الدعوى بالمراوغة...».
عادت زينة من رحلتها في عالم الماضي. وأخذت قلمها مجدداً وراحت تكتب فوق صفحاتها: «غسّان ليس ذئباً كميشال الذي يهوى ملفات الزواج والطلاق؛ فوجه غسّان يبدو على ملامحه وقار الأسد، وعنفوانه... الجبهة عريضة، الخدود ممتلئة بالعاطفة والكرم وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشفتين المكتنزتين فوق ذقن ضيق الحوض عليه في وسطه دمغةٌ سمراءُ. إنه الملك».
الانزلاق فوق منحدرات الروح جعل زينة تكتب بِنَهَمٍ عن حيثيات الأسبوع الأول. لقد وصفت كل شيء بدقة: «قليل الحركة، متنبّهٌ على الدوام. كانت حواسه عبارة عن رادار ينقل له إحداثيات الأمواج من حوله وكأنها شبكة مترابطة متصلة بغرفة عمليات اسمها الدماغ. يبدو في الظاهر كأنه يتدثر بالسكون، لكنه في الواقع كان عبارة عن شهابٍ تغلي حِمَمُه الملتهبة من الداخل، خصوصاً وأنه لم يكن قد رسم شيئاً منذ أشهر».
اقتصرت اللقاءات الأولى على اكتشاف كهوف الصوت من حوله. وكأنه تلمس تشققات جدرانها للتو، لقد بدأ زمن الابتكار والرسم الداخلي. بالنسبة إلى غسّان. فكان يرتب أشياء الغرفة وأثاثها كما شرحتها له زينة بدقة متناهية: المقاعد على يمين الباب، المكتب في الجهة المقابلة، الطاولة بعيدة قرابة المترين إلى يسار ستائر الغرفة بألوانها البُنّية...
كتبت زينة مسودة التقرير الأسبوعي الذي تنوي تقديمه إلى رئيسة الجمعية بعد يومين فبيّنت فيه وضعية غسّان الجديدة ومدى تجاوبه مع الإرشادات، لا سيما العصا البيضاء ودرجة تقبُّله رفقتها في أغلب الأوقات، وأموراً مهنية أخرى...
«إنه سريع التعلُّم، مُكْرَهٌ أخاك لا بطل. صحيح أن غضب الحالة المأساوية مستمر في نفسه، وأُوارُ حَنَقِه يشتدّ يوماً بعد يوم على حكم القدر عند كل حدث يصطدم به، إلّا أنّ واقعية المسائل الرياضية فرضت نفسها: مسألة حسابية، نتائجها السلبية مقرونة بالأعداد. فالقرار الأول الذي اتخذه في اليوم الثالث من زيارته اليومية إلى الجمعية أن يأتي منفرداً من دون صحبة زوجته كان يمثل الخطوة الأولى في طريقه إلى إعادة ترميم قدرته على مواجهة يوميات الحياة الصعبة».
«البناء. ما أجمل هذا المصطلح!!». لطالما كان ميشال يردّد على مسامعها هذه الكلمة باستمرار.
توقفت زينة عن الكتابة لبرهة سردت بصمتٍ خلالها وقائع تلك الليلة التي عاشت كل لحظة من لحظاتها مع عشيقها ميشال في منزله. لقد مارسا الحب حتى ساعات الصباح الأولى من ليلة الأحد. ثم شرح لها المحامي بعد ذلك وأثناء احتسائهما القهوةمعاً ماهية هذا المصطلح بالتحديد، وأهميته في الوجود.
فـــ «البناء يقابله الهدم، وهذا إما أن يكون تدميراً وإما تآكلاً بمرور الزمن». فالبناء بنظره هو تراكم للنجاح وصولاً إلى الهدف المنشود. وعلى هذا الأساس يبني هو لوائحه ومطالباته القانونية جميعها؛ لأن عمل المحامي هو جمعٌ للنقاط في هندسةٍ عِمادُها المنطق، وصولاً إلى الحكم. وهكذا هو البناء في الحياة. فالعمر تراكم للتجارب. وهندسة البناء هي مفهوم الخطأ والصواب في تفسير منطق الزمن،. وصولاً إلى مرحلة الحِكم. وللذّة بناؤها أيضاً؛ فهو تراكم للمتعة، وتصاعدها يبدأ في هندسة خاصة، اسمها الغريزة وصولاً إلى محطة مرحلية للنشوة والشبع والارتواء.
وهكذا هو غسّان؛ فقد كان يبني خطواته أيضاً على ثقة اسمها العصا، يتحسس بها امتداد اليدين والرجلين. لقد كانت سفيرة المسافات القصيرة بالنسبة إليه، يضعها جانباً كُلّما دخل الغرفة ليستبدل عصاه بيد زينة الدافئة.
«كانت يده تتعرَّق وترتجف كلما أمسكتُ بها وجرّرته إلى الكرسي حيث كان يجلس قبالتي. «أنا مسؤولة عن تنقلاتك» أليس كذلك؟ بينما كان هو يكتفي بالشكر فقط، والخجل يرشح من صوته جداولَ تغذّي احمرار خدّيه بالدفء. وأنا بِدَوْري كنت متيقنة من سوء نيته التي تفتحت أشواكها فوق سور الإرشادات التي يستمع إليها ويتلقفها بِنَهَم.
بدأت عودته إلى مسرح الحياة منذ أن تعلّق سَمْعُه فوق هاوية النغمة الجميلة، التي أتصنّعها له بِدَهَاءٍ أُنثوي باهر. ولا أبالغ إذا ما قلت إنّني عازفة ماهرة على أوتار الإثارة السمعية؛ فــــ«الأُذْنُ تعشق قبل العين أحياناً». وفي حالة الأستاذ غسّان هذه، عليه أن يعشقني بأذنيه فقط. لقد أضحى السمع بالنسبة إليه الباب الأول الذي تخرج منه روحه إلى العالم الخارجي. ومن ثم العصا البيضاء».
صفحة 10
كان الأسبوع الأول بالنسبة إلى غسّان في الجمعية لا يعدو عن كونه تدرُّباً على التخلّص من نفاياتٍ تعرقل إعادة بنائه من جديد. فالكلام أصبح المتنفَّس الوحيد لأوجاعه الصامتة؛ لذلك كان يتحدث إلى زينة على شكل وصلات تبدأ في معزوفة صمت ثم تنتهي بالحنين إلى بصره وإلى لوحات الرسم أيضاً.
الريشة هي أكثر شيءٍ كان يشتهي مداعبته؛ إذ إنّه لم يرسم منذ الليلة التي سبقت وقوع الحادث».
نقلت زينة قدرة الأستاذ على ترتيب الزمن منذ تلك الليلة التي أمضاها في رسم سنابل القمح الشقراء. أخبرها عن مدى عشقه للقمح، فقد كانت السنبلة بنظره عبارة عن زاوية قائمة لغذاء البشر.. لقد سرد لها حكاية الشعوب القديمة معها وكيف أنهم قدّسوها بشرف.
هو بلا شك رجل متعلم، وصاحب أنامل مرنة في امتلاك الريشة. لقد أعجبها منظر يديه الواسعتين منذ اللقاء الأول. كما أنّها تخيلته يغرف من الحياة بكفَّين كبيرين يستطيعان أن يغوصا إلى العمق، ويلوّن لوحاته بأنامل تكورت فوق جسد الريشة.
«ملامسة اليد هي المفتاح الأول لإثارة الجسد. إنها كالنقر على باب الأحاسيس». عادت بها هذه الجملة إلى اللحظات التي كانت فيها إلى جانب عشيقها السابق. ولكنْ هذه المرة لم يكن ميشال، إنما كان مدحت المفتش في وزارة التربية الوطنية. وذلك عندما أقلّها في سيارته من الوزارة حيث كانت زينة تصدّق نسخةً عن شهادة الفلسفة العامة. هناك رمت شباكها؛ فكان صيدها الثمين: مدحت.
كان من المفترض به أن يوصلها إلى شارع قريب من منزلها أثناء عودته من عمله في الوزارة. لكن الحديث بينهما كان يمثّل البناء الفوقي الذي سرعان ما وجد له أساساً في حقل الغريزة.
كان مدحت جريئاً، لكنه لم يكن في حركته التي قام بها حينها يفتش عن شيء محدد على الرغم من أنه مفتش ممتاز في حياته المهنية.
لقد أمسك يدها بسرعة، ووضع راحته فوق أناملها قبل أن يتابع حديثه عن البطالة، التي يتكدس فوق حَلْمَتَيْها آلاف الشبان المتعطّشين لحليب الحياة. كانت تتوقع منه شجاعة في التحرش بها، خصوصاً وأن ملامح السنوات الأربعين تبدو بارزةً على وجهه وتُكلل هامته بشعر أسود داكن. وبأناقة تتلاءم مع رفاهية سيارته أيضاً، حصل ما كان يدور في خلدها وهي التي لم يخب ظنُّها يوماً في قدرة رجل على التحرش بامرأة.
فجأة أمسك يدها. فقابلتْه هي ببرودة الاستسلام الضمني.. لم تحرك يدها مطلقاً بعد أن أبقتها أسيرة الخبرة، فكانت مؤشراً على ولوج لاعب البورصة سوق الذهب بقوة. تذكرت دقات قلبها. وأحست وقتها أن قلبه يرقص في رؤوس أنامله: اليد، فالذراع، فالانسياق البطيء خلف اشتعال اللذّات.
كان مدحت كاذباً، فهو رجل متزوج وله أولاد. وقد أوهمها في البداية أنه أعزب يبذر الوقت في حقول الحياة وحيداً!.
«لطالما كان الكذب شعار الرجل الجبان والاحتيال هو السمة الغالبة لدى المتزوجين منهم». وافقته على تبديل وجهة السير المعدّة سلفاً. فكلاهما كان يعرف مسبقاً أنها سوف تتغير لتصبح محطة واحدة يقصدانها معاً. صعدا إلى الطابق الرابع ثم دخلا شقة سكنية فاخرة الأثاث. وقد أخبرها آنئذ أنها لأخيه التوأم، الذي يقضي إجازته مع عائلته في لندن.
لم تُعِرْ زينة الأمر اهتماماً بالغاً، إذ إنّها لا تصدّق دفء المعطف قبل أن تلبسه. لم تكذّبه حينها بل أرادت أن تصدّقه حتى رمق اللذة الأخير.
شقته السكينة بعيدة،. لديه أخ توأم، وعائلة وأولاد... لا بأس؛ فالكذب لا يكشفه إلّا الزمن. تمنت حينها لو أن حياتها تصبح حلقة في هذا المسلسل الذي بدأت تعيش أحداثه. أواني المطبخ، والجفصين الذي يبدو كأنه جرح يلتهب فوق تشققات جدران بيتها، أما الجيّد في الأمر الذي لفت انتباهها، فهو خلوّ السقف من المشانق كالتي تتدلّى من سقف غرفتها المشوّه؟!.
نظرت زينة إلى وجه الساعة، تصفحته ببطء، فكان يبكي دموع الثانية بعد منتصف الليل. لقد مضى على خلوتها وإيّاه ساعتان.
الحائط المقابل للسرير بقي غافياً على وسادة الضوء وفوق صورة والدتها.
أحست بالتعب يجتاح مفاصل ركبتيها فتمددت داخل السرير. احتضنته بوداعة استسلمت خلالها لحضن الوسادة دون أن تفكر في أي شيء ولا حتى في العدم. انتبهت فجأة إلى أن صوت قرقعة الأوراق يتعالى تحت نهديها بخجل. فتركت كل شيء على حاله، قبل أن يلثم سمعها صوت المحرك الهادر من بعيد.
لقد وصل والدها آتياً من وسط المدينة حيث تتواصل الحياة في الليل والنهار. فرافقت صوت المحرك حتى خمد خلف سكون الليل. ولكن هذه المرة خفت الصوت فجأة لتبدأ موجة أخرى لها رنّة الهمس. فأدركت أن والدها لن ينام وحده هذه الليلة؛ فالهوى يزفر أنفاسه على شكل قهقهات خافتة ملوَّنة برائحة التعرُّق والمجون.
الريشة هي أكثر شيءٍ كان يشتهي مداعبته؛ إذ إنّه لم يرسم منذ الليلة التي سبقت وقوع الحادث».
نقلت زينة قدرة الأستاذ على ترتيب الزمن منذ تلك الليلة التي أمضاها في رسم سنابل القمح الشقراء. أخبرها عن مدى عشقه للقمح، فقد كانت السنبلة بنظره عبارة عن زاوية قائمة لغذاء البشر.. لقد سرد لها حكاية الشعوب القديمة معها وكيف أنهم قدّسوها بشرف.
هو بلا شك رجل متعلم، وصاحب أنامل مرنة في امتلاك الريشة. لقد أعجبها منظر يديه الواسعتين منذ اللقاء الأول. كما أنّها تخيلته يغرف من الحياة بكفَّين كبيرين يستطيعان أن يغوصا إلى العمق، ويلوّن لوحاته بأنامل تكورت فوق جسد الريشة.
«ملامسة اليد هي المفتاح الأول لإثارة الجسد. إنها كالنقر على باب الأحاسيس». عادت بها هذه الجملة إلى اللحظات التي كانت فيها إلى جانب عشيقها السابق. ولكنْ هذه المرة لم يكن ميشال، إنما كان مدحت المفتش في وزارة التربية الوطنية. وذلك عندما أقلّها في سيارته من الوزارة حيث كانت زينة تصدّق نسخةً عن شهادة الفلسفة العامة. هناك رمت شباكها؛ فكان صيدها الثمين: مدحت.
كان من المفترض به أن يوصلها إلى شارع قريب من منزلها أثناء عودته من عمله في الوزارة. لكن الحديث بينهما كان يمثّل البناء الفوقي الذي سرعان ما وجد له أساساً في حقل الغريزة.
كان مدحت جريئاً، لكنه لم يكن في حركته التي قام بها حينها يفتش عن شيء محدد على الرغم من أنه مفتش ممتاز في حياته المهنية.
لقد أمسك يدها بسرعة، ووضع راحته فوق أناملها قبل أن يتابع حديثه عن البطالة، التي يتكدس فوق حَلْمَتَيْها آلاف الشبان المتعطّشين لحليب الحياة. كانت تتوقع منه شجاعة في التحرش بها، خصوصاً وأن ملامح السنوات الأربعين تبدو بارزةً على وجهه وتُكلل هامته بشعر أسود داكن. وبأناقة تتلاءم مع رفاهية سيارته أيضاً، حصل ما كان يدور في خلدها وهي التي لم يخب ظنُّها يوماً في قدرة رجل على التحرش بامرأة.
فجأة أمسك يدها. فقابلتْه هي ببرودة الاستسلام الضمني.. لم تحرك يدها مطلقاً بعد أن أبقتها أسيرة الخبرة، فكانت مؤشراً على ولوج لاعب البورصة سوق الذهب بقوة. تذكرت دقات قلبها. وأحست وقتها أن قلبه يرقص في رؤوس أنامله: اليد، فالذراع، فالانسياق البطيء خلف اشتعال اللذّات.
كان مدحت كاذباً، فهو رجل متزوج وله أولاد. وقد أوهمها في البداية أنه أعزب يبذر الوقت في حقول الحياة وحيداً!.
«لطالما كان الكذب شعار الرجل الجبان والاحتيال هو السمة الغالبة لدى المتزوجين منهم». وافقته على تبديل وجهة السير المعدّة سلفاً. فكلاهما كان يعرف مسبقاً أنها سوف تتغير لتصبح محطة واحدة يقصدانها معاً. صعدا إلى الطابق الرابع ثم دخلا شقة سكنية فاخرة الأثاث. وقد أخبرها آنئذ أنها لأخيه التوأم، الذي يقضي إجازته مع عائلته في لندن.
لم تُعِرْ زينة الأمر اهتماماً بالغاً، إذ إنّها لا تصدّق دفء المعطف قبل أن تلبسه. لم تكذّبه حينها بل أرادت أن تصدّقه حتى رمق اللذة الأخير.
شقته السكينة بعيدة،. لديه أخ توأم، وعائلة وأولاد... لا بأس؛ فالكذب لا يكشفه إلّا الزمن. تمنت حينها لو أن حياتها تصبح حلقة في هذا المسلسل الذي بدأت تعيش أحداثه. أواني المطبخ، والجفصين الذي يبدو كأنه جرح يلتهب فوق تشققات جدران بيتها، أما الجيّد في الأمر الذي لفت انتباهها، فهو خلوّ السقف من المشانق كالتي تتدلّى من سقف غرفتها المشوّه؟!.
نظرت زينة إلى وجه الساعة، تصفحته ببطء، فكان يبكي دموع الثانية بعد منتصف الليل. لقد مضى على خلوتها وإيّاه ساعتان.
الحائط المقابل للسرير بقي غافياً على وسادة الضوء وفوق صورة والدتها.
أحست بالتعب يجتاح مفاصل ركبتيها فتمددت داخل السرير. احتضنته بوداعة استسلمت خلالها لحضن الوسادة دون أن تفكر في أي شيء ولا حتى في العدم. انتبهت فجأة إلى أن صوت قرقعة الأوراق يتعالى تحت نهديها بخجل. فتركت كل شيء على حاله، قبل أن يلثم سمعها صوت المحرك الهادر من بعيد.
لقد وصل والدها آتياً من وسط المدينة حيث تتواصل الحياة في الليل والنهار. فرافقت صوت المحرك حتى خمد خلف سكون الليل. ولكن هذه المرة خفت الصوت فجأة لتبدأ موجة أخرى لها رنّة الهمس. فأدركت أن والدها لن ينام وحده هذه الليلة؛ فالهوى يزفر أنفاسه على شكل قهقهات خافتة ملوَّنة برائحة التعرُّق والمجون.