eKtab
EN ع
ذاكرة الفينيق
اقرأ عينة مجانية

ذاكرة الفينيق

بقلم فرح محمد دياب

صفحة 1
تقديم

وصلني، منذ سنوات، كتاب لفرح محمّد دياب. فضاؤه الطباعيّ شبيه بالفضاء الطباعيّ لقصائد النثر. وكانت فرح، يومها، تلميذة في المرحلة المتوسّطة. وما لفتني ليس الكتاب بحدّ ذاته، ولكن طموح هذه الطفلة الكبير، سلامةُ لغتها، وأسلوبُها الذي يفوق سنّها.

فكان أن اعتصمتُ بالصمت انتظاراً لقادم الأيّام. وكرّت السبحة كتابٌ ثانٍ ترعاه المدرسة، وثالث جيء به إليّ قصد إبداء الرأي بنشره. وجيء إليّ مع هذا الكتاب بقصّة طويلة وجدتُ فيها قدرات فرح الكتابيّة.

وفرح التي لم يحُل نشاطها الكتابيُّ دون أن تكون تلميذة رصينة، جادّة، ناجحة، تمثّل ظاهرة تستدعي الدرس. يصلك أسلوبها الكتابيّ بأساليب كبار كتّاب الرواية. وإذا كان ارتباط الأسلوب بالثقافة وثيقاً يكون راقياً بقدر ما تكون ثقافة الكاتب عميقة، حضر السؤال الصعب: من أين لهذه الطفلة تلك الثقافة وهذا الأسلوب؟

شكّلت فرح ظاهرة بالأسئلة التي تثيرها كتابتها، بهذا القلق المعرفي الإبداعي الذي أحكم سلطانه على مشاعرها ووجدانها. كانت تتسقّط رحلة قصّتها من يدها إلى يدي إلى دار النشر بترقّب لافت. كانت أسئلتها التي تعصف بأمّها حين تعود من المدرسة عصراً أسئلة متمحورة حول أخبار القصّة. هل اتصل أحد بخصوصها؟ ماذا قال عن مستواها؟ هل هناك انتقادات صعبة؟

والقلق في مثل سنّ فرح ليس علامة نباهة فحسب، بل هو إشارة إلى ظاهرة إبداعيّة قيد التخلّق أيضاً، حتّى لكأنّها الزهرة وهي تبسط أكمامها لشمس الربيع تظلّ حريصة على ألّا تبذل كلّ أسرارها. وهذا ما يجعل عدوى القلق فاعلة في نفس من يراقب علامات البشارة بمستقبل مواسمها.

وإذا كانت مجموعات خواطرها السابقة التي أخذت طريقها إلى المطبعة بعض علامات مستقبلها الأدبيّ، فإنّ العلامة الأشدّ تعبيراً والأقوى هي هذه الرواية التي بين يدينا(الباكورة).

تتلازم فيها السِّيَرِيّةُ والخروجُ عليها. وشخصيّة (رحيل) فيها من (فرح) ما فيها، حتّى أنّها قد التبست بها في المسرحيّة التي قدّمها الطلّاب. واسم (رحيل) الذي أسبغته الكاتبة على بطلة روايتها، جاءت به من تجربتها الخاصة. ولعلّ تعميق رحلة (رحيل) في الرواية قد جاء عبر إسناد بطولة المسرحيّة إليها باسم جديد، هو (فرح) اسم الكاتبة. ولا يعبّر الإسمان المسبغان على الشخصيّة عن التمزّق النفسيّ المرّ الذي تعيشه الأديبة بين اسمها الذي ارتضاه لها والدها، وما صار إليه بعد رحيله فحسب، ولكنّه يعبّر عن قدرة الكاتبة على السفر من (رحيل) إلى (فرح)، على استعادة ما أراده لها والدها من اسمها أيضاً. والظروف التي ساقتها من (فرح) إلى (رحيل) ستعود فتفسح لها في المجال لكي تعبر من (رحيل) إلى (فرح).

إنّها تباشيرُ تبثّها الطفلة الأديبة. ولعلّ المسرحيّة التي حدّثها عنها والدها والتي «لم تبدأ بعد» على حدّ تعبيره، قد بدأت برحيله لترسم لها خارطة التحدّيات التي ستواجهها، ولتحدّد لها سبل التغلّب عليها. ووالد فرح ليس أباً عاديّاً ستكون سيرته القصيرة مادّة كتابيّة لها حين تبلغ مرحلة النضج الثقافيّ؛ لأنّها سيرة تستحقّ أن تُكتب.

وممّا يجدر ذكره في هذا المقام أنّ سيريّة هذه الرواية قد انفتحت، وبشكل جليّ، على تقنيّات تدلّ على المستوى الكتابيّ الذي يضجّ به قلم هذه الواعدة الوديعة. و(رحيل) لم تكن (فرح) العالم المرجعيّ في كلّ التفاصيل. ولا يوجد في حياة فرح ما يدلّ على أنّها تحاول «تجاهل تفاصيل الزمن». إنّها تراقب التفاصيل، وبعين متوقّدة، تفصيلاً تفصيلاً. وغرفتها الحقيقيّة ليست غرفتها الروائيّة. لم تملأ فراغها بكتب ميّتة. كتبها عامرة بالحياة والنشاط.

والخروج على السيريّة ليس خروجاً على الوظيفة الكشفيّة للأدب، ولكنّه علامة اقتدار فرح على توظيف التقنيّات بما يمكّنها من التوغّل أكثر داخل عالمها الذي يضجّ بالحياة المتفجّرة إبداعاً وزخماً. وهاجس الرحيل الذي يلاحقها، لن يتمكّن من بعثرة روحها، فروحها لها بكلّ ما في الكلمة من معنى.

26/10/2012

د.علي مهدي زيتون
صفحة 2
ذاكرة الفينيق

ذاكرة الفينيق: رؤىً وتطلّعات إنسانية، غنيّة بإبداعيّة الخلق/الحدث، وتركيبة/الزّمن، وصاخبة في ازدحامِ أحداثها وأفكارها التي تتجلّى في المفاهيم والمعاني، وفي مصاديقِ الحب، الموت، الفقر، اليُتم، الشّقاء، الغربة، الانبعاث، الوطن، الاستشهاد، القيم والعادات، الدّين، الخيانة، الوحشيّة، وانتماء مصاديقها إلى مفاهيم الفلسفة التي تُعيد صياغة العالم كما تُريد ذاكرةُ رحيل. ورؤيةُ مفهوم فرح لِمَا تضج بهِ هذه الذّاكرة من مسائِل وصور فلسفيّة وجوديّة تُحاكي ذاتها وتتماهى في «الموتِ، والعدمِ، والقلقِ، والعبثيّة، واللامسافة واللاشيء والدّوار والغثيان والانقباض والخوف» وما عاشتهُ ذاكرةُ الفينيق المنبعثة من رمادِ الحياةِ/الموت «كائناً صائراً إلى الزّوال» كما في مفهوم سارتر وهايدغر وكيركجارد الذين نعتوا الوجود بالعبث/عبثيّة وجود وحياة رحيل التي بلغت حالات ذاكرتها «الأحوال القصوى» لِتَعْبُرَ إلى تسمية «كارل ياسبرز» للصدفةِ والألمِ والقلقِ والمرضِ والموتِ بهذا المفهوم.ولأنّ للأحداثِ أزمنةً يميّزها «برغسون» ويفصِل بينَ نوعينِ للزمنِ هما: الزَّمنُ الموضوعي أي المتحيّزُ في المكان وهو قابل للقسمةِ. والزّمن الذّاتي أو النّفسي وهو زمن متدفّق سيَّال شعوريٌّ لا يقبَل القسمة هو «الديمومة» التي تعني أنّ الزَّمن هو تواصُلٌ متناغِمٌ يغتني فيه حاضر الإنسان من ماضيهِ ومستقبلهُ من حاضرِهِ... كان لذاكرةِ الفينيق زمن دافق بالمشاعِرِ الإنسانيّةِ الجيّاشة التي أبَتْ حدود الزَّمانِ والمكان سواء في ساعتها الجداريّة أو في تواريخ وقائعها الاجتماعيّة، والسياسيّة والوطنيّة، وقيامة الأمل/العشق، وصولاً حتّى الانبعاث والانتقال من الرحيل/للفرحِ ما جَعَلَ الزَّمان في ذاكرة الفينيق إنساناً هو كائن الأبعاد الثّلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل كما في مفهوم هايدغر. ولأنَّ: «رحيل تتمنى موتَ عقارب السّاعة» فهي قد قرّرت التحرّر من الزّمن الموضوعي والذّهاب باتجاه الزمن الذّاتي/الديمومة. وإلى ذلك يشيرماتوريه قائِلاً: «إنّ قياس الزّمن ضرورة حيوية تفرِض علينا تحديد الزّمان أرقاماً على ميناء السّاعة».

ولأنَّ لذاكرة الفينيق انبعاثها وعودَها الأبديّ للعيشِ خارج الزّمن، حيثُ أدركت رحيل أنّ الانبعاثَ مستحيل وأنّ الموتَ هو الحقيقة الوحيدة تماهت مع الفكرة الدينية القاضية بنومِ الناسِ وغفلتهم عن إدراكِ الحقيقة، ففي المأثور الديني: «النّاس نيامٌ فإذا ماتوا انتبهوا» كما تماهت مع ملحمة جلجامش، الذي أدرَكَ أخيراً، أنّ قَدَرَ الإنسان هو الموتُ أما الخلودُ فيكونُ للآلهة فقط.

ورغم ربيعيّة عمر رحيل، وعدم محدوديّة زمنِها، وآعتقادها بالعَودِ الأبديّ فإنّ ذاكرة الفينيق كانت ثورةً على الأعراف والتقاليد الاجتماعيّة والدينيّة، وثورةً على الطّقوسِ الفارغة والممارساتِ الزّائفة، ولم تَسْلَمْ الطائفيّة والمذهبيّة الجوفاء، ولا العقول الغبيّة والأقلامُ الفارغةُ من هذه الثّورةِ الإنسانيّة التي صَدَمت المجتمع وأرادت تحطيمَ معتقداتهِ لتعيدَ صياغتُه وبناءه على منظومةِ قيمِها وعَدالتِها، ودفن العمالة والخيانة والفقر والظُّلم والطبقيّة والوحشيّة تحت أنقاضِ هذه العاداتِ والتقاليد والأعراف البالية.

وتتجلّى في ذاكرة الفينيق/المزدحمة بالأحداثِ والأزمنةِ المتدافعة، نظرة «الفينيق»/رحيل إلى الوجودِ نظرة ماديّة في ما يتعلّق بمفهوم الرّوح فقد تحدّثت رحيل عن (تبعثُرِ أشلاء الرّوح) و(الروح قِطَعُ أرواحٍ لبقايا الموتى) وأنَّ الأرواح فانية باستثناء (أرواح الفلاسفة وأرواح المجانين) وأنّ النفوس المتعَبة والمنهكة أي المُثْقَلة بالإثم/العادات الموروثة، لا تستطيع الصّعود إلى السّماء، وهنا تماهي ذاكرة الفينيق مع الفارابيّين (ابن سينا والفارابي) اللذين اعتقدا بأنّ النفوس العالمة مصيرها الخلود في النعيم، أمّا النفوس الجاهلة فمصيرها الفناء، كنفوس البهائِم على عكسِ ما أرادتْهُ رحيل من خلودِ أرواح المجانين.

ومن ذاكرة عمر الفينيق الربيعيّة الموغِلة في التاريخ والدين والسياسة والمصطلحات الفلسفيّة والأَحداث الاجتماعيّة والوطنيّة، ورغم التجربة الحياتيّة القصيرة تفوّهت بحكمةِ الحياةِ «أحلى لحظات الانتظار هي تلك التي تصدأُ فيها الملاعق الذهبيّة في أفواهِ الأغنياء».
صفحة 3
وفي «عَيْبِ» هذه الذاكرة على الإنسانِ تعلُّقَهُ بالحياةِ الزّائلة وخضوعه للزّمن في وقتٍ يسخرُ الزّمن مِنْهُ تلتقي وحكمة الحسن البصري: «أيُها الإنسان إنّما أنتَ عددٌ فإذا مضى لكَ يومٌ فقد مضى بعضُكَ». وأمّا في معجمِ ذاكرةِ الفينيق الاسترجاعيّة والإنسانيّة فذاكرةٌ إنطوائيّة تحكمها سوداويّة مفرِطة ومفردات «قاتمة»: (انكسار - عزلة - انطواء - حيرة - صمت - وحدة - غربة - صراع داخلي - ظلمة - خوف - الضّباب الأسود - سواد الأرواح - عاصفة النّار...» وفي ذلك تعبير عن حالةِ الاشتباك النّفسي مع الحياةِ وما أنزلَتْهُ على رأسِ رحيل من شقاء.

وفي معجم هذه الذاكرة الإنسانيّة حقولٌ دلاليّة من القيمِ الوطنيّة والقوميّة/العروبيّة والالتزام بالإخلاص للوطنِ/الإنسان، والإيمانِ بالاستشهادِ سبيلاً لدرءِ الخطرِ عنْه ورفضاً لكُلِّ أشكال العمالة، واعتداءات عدوّ الله والإنسان إسرائيل على لبنان وفلسطين التي من خلالها عزّت ذاكرة الفينيق تخاذل وخيانة وعمالة الأنظمة العربيّة التي باتت «تأمل الإجهازِ على فلسطين وعروبتها» ولهذا كان في ذاكرة الفينيق: «الحنين إلى الوطن - حبّ الوطن - الوطن حضن دافئ - الغربة قاتلة/عن الوطن وأهلِهِ وأحبتِهِ، ففقدُ الأحبّة غربة» فكيف إذا كان الفقر يطال الأب والوطن؟

ولأنّ الأرواح تتوقُ إلى العودة إلى عَالَمِها، فقد حاولت «ذاكرة الفينيق» التحرر من قيود الزّمان والمكان، وأشارت إلى «حنين الأرواح» للانعتاقِ من الجسد والمادّة وكأنّ في هذا الحنين، وهذا التوق إلى الإياب عودة إلى مفهوم أفلاطون لذلك الذي تحدث عن حنين النّفس إلى عالمها الأول، أي عالمِ النفس، (لأنّ النّفس سجينةٌ في الجسد).

وأين الخلاص

أين القيامة الحقّ، وتحقيق الذّات؟ أليس في الحبِّ القوّة القاهِرة التي تعيدُ ترتيب العالم، وتنسيق ما فيه، بروحٍ إنسانيّة مثاليّة؟ لهذا اعتمدت «ذاكرة الفينيق» في نهاية مَسَارها على «الحبّ» باعتباره الوحيد القادر على تغيير المشهد/الدرامي المأسوي المخيف المُرعِب من أمنية رحيل العيد إلى أمنية عودة العيد، وهكذا تحررت رحيل من زمنها القاسي وتحوّلت إلى فرح... إلى الحيويّة والسّعادة التي يقول فيها نيتشه:

«في كلِّ أشكال السّعادة كبيرها وصغيرها، لا تكون السّعادة سعادةً إلّا في إمكانية النسيان أي عندما يشعر الإنسان بلحظاتِ سكونٍ في سيلِ الزّمان، فإنّ الإنسانَ الذي لا يستطيعُ أنْ يقِفَ على عتبةِ اللحظة وينسى جميع الأحداث الماضية لن يعرِف قطُّ طَعْمَ السَّعادة، ولن يستطيع أيضاً أن يوفّرها للآخرين».

هكذا نسيت رحيل ثوبَ الحزنِ وارتدت فرح رداء السَّعادة.

فريز المذبوح

9/3/2013
صفحة 4
المقدمة

فتاةٌ حبريةٌ من مدينةِ الشمس، اقتبستُ حياتها من مشاهدَ سقطت في واقعي...ونمّقتُها من مخيّلتي. رحلَ والدها فجأة، تاركاً لها بقايا انكسار تلملمها، تصنعُ منها ذاكرةً لها في زمنٍ لا يعرفُ إلاّ لغةَ الرصاص، وعالم رقمي تتنازع الأرقام فيه وتتناحر... كلّها تريد أن تزيد. وهي في الحقيقة تنقص كلّما زادت لأنها في دائرة الصفر.

مشاهدُ خيباتٍ تعيدُ نفسها، وهي تهربُ من فوضى ذكرياتها نحو مجهولٍ تحوكهُ لها الأقدار. وغشاءُ كآبة يُسدلُ على سماءِ لبنانَ بينما كُتبت حكايةُ حبٍ... من زمن الحرب، وحكايةُ ذاكرةٍ... من زمنِ الرصاص....

(1)

مازلت أكرهُ الضوء.

وهم يستقبلون العامَ الجديدَ بالأضواء.

من نافذتي أتأمَّلُ مسالخَ الطّرقاتِ المليئَةِ بالكذب، والأشجار التي تختنقُ بمشانقَ من المصابيحِ الحقيرة، وأفاعٍ من الضوءِ تزحفُ على كلِ جدرانِ المدينة، وتنفِثُ سمومها في أرض الشمس.

لما أعرف معنى العيدِ بعد، فأنا لا أعترفُ بالبدع والخرافات، والعيدُ هذهِ وتلك!

هل يأتي ليذكّرَ الفقراءَ بفقرهم؟ والأيتامَ بيُتمهم؟ والتعساءَ بحزنهم؟

اثنتا عشرة طرقة:

ثم رصاصٌ وأضواءٌ تقتحمُ الّليل.........

أحدّقُ إلى السّماءِ علّها تسقطُ في دقيقةِ الصّفر.

يحتفلونَ بالوقتِ إذ يمضي، والوقتُ يسخرُ منهم ويسيرُ إلى الوراء... فزمنُ الرّصاصِ لا يمضي.

ما أتفهَ الوقتَ، وما أتفههم.

اصمتوا، أنا كل ما أحتاج إليه هو هدوء المقابر.

لدي فراغ باتساع الكون، فكيف لهذه الأرض أن تحويني؟

جهنم ليست من نار بل هي من أنوار، وضجيج وبشر تافهين.

أغلقتُ النافذة، أسدلتُ الستائرَ كلّها.

أخافُ أن يتسرّبَ الضّوءُ إلى تلكَ الغرفةِ ويتطفَّلَ على وحدتي...أو يعبثَ بلامبالاتي.

هكذا أخطو من سنةٍ إلى سنة.

وأنا أختبئُ في فراشي، أتجرّدُ من ذاكرتي، لا أفكّرُ في شيء.

لا آبهُ لما مضى ولا يعنيني ما قد يأتي.

فأنا أتجاهلُ تفاصيلَ الزمن.

بصمتٍ أتلو أمنيتي الوحيدةَ لهذا العام قبلَ أن أغفو.

«أتمنى أن يرحلَ العيد.»

وأغمضُ عيني....
صفحة 5

(2)

«رحيل، افتحي عينيكِ يا صغيرتي، فالمسرحيّةُ لم تبدأ بعد.»
أيقظتني أصداءُ تلكَ الجملة العالقة في ذاكرتي.
فتحتُ عينيَّ وأنا خائفة.
هي جملة من المشهدِ الأخير، قالها قبلَ أن يرحل ويتركني أترقّب أحداثاً مجهولة.
أدرتُ ظهري لا أريدُ أن أدخلَ معها بأيِّ جدال، فأنا أعلمُ أنّ منطقها سيجعلني أتركُ منطقي وأدخلُ منطقَ الشوارعِ مع نفسي.
منذُ مجيئنا وأنا أكرهُ كلَّ ما في هذا البيت، أكرهُ جدرانهُ الباردةَ ببياضها الباذخ، وغرفِها التي افتُرشت بألوان زاهية متناسقة بملل...
أمّا أكثرُ ما كانَ يثيرُ غضبي فيهِ، فساعةٌ عملاقة تستندُ بكسل إلى الحائط في آخر الرواق.
كثيرة هي الأشياء التي جعلتني أشعرُ بالاختناقِ حينَ أدخلُ ذلكَ البيت،
كنتُ أحنُّ إلى غرفتي الدافئة في بيت أبي.
غرفتي التي جعلتُ الجدرانَ لا تفهمُ ما لونها والثياب لا تعي نفسها، أحنُّ إلى المرآة التي حطّمتها إلى جزءين...
هي المرآة الوحيدةُ الصادقة التي لا تدع أيّ شيء يبدو جميلاً، بل تريني إياه بوجهيهِ وقناعيهِ...
تلك غرفتي التي رتّبتها بفوضى جميلة تتناسق مع روحي. وحولَ السريرِ كتابٌ هنا وآخر هناكَ وقد اقتطعتُ صفحات منه تحدّثَ فيها الكاتب عن الوقت الساذج...
فارتمى الكتابُ بينَ عشراتِ الكتبِ التي انتحرت من أعلى المكتبة، هامداً بين روايات جرّدتها من صفحتها الأخيرة... لأنني أخاف النهايات... وأخاف قراءتها.
أحنُّ إليها بكلِّ ما تبقّى لديّ من حنين.
«ادخلي غرفتكِ» صوتٌ ذو رنين وحشيّ اقتحمني.
ضحكتُ ساخرةً في نفسي: «أحمق وهل تظنُّ أنَّ هذهِ غرفتي؟»
أغلقتُ البابَ... ثم نظرتُ إلى المرآة... لمحتُ جمالي.
لا... أنا لستُ جميلة فأنتِ أيتها المرآة كاذبة... تقنعينني بخدعةِ الضوءِ الذي أكره، كم أودُّ لو أحطّمكِ علّك تشبهين مرآة غرفتي وتفهمين حقيقةَ الجمال، ولكنّي أخافُ لو حطّمتكِ أن يغضبَ زوجُ أمي ويحطّم قلبي بكلماتهِ الجارحة. عذراً أيتُها المرآة، لن أستطيعَ أن أحرّركِ من عالمِ الضوء... عالمِ الأقنعةِ والكذب.
دخل الليل نافذةَ الغرفةِ المقفلة... فتحتُ عينيَّ وتقدّمتُ نحوَ النافذةِ مشرّعةَ إيّاها لآخرِ لفحاتِ الشتاءِ الباردةِ... أضأتُ شمعةً فوقَ الطاولةِ الخشبيةِ، ثمّ جلستُ وقد تسرّب البردُ إلى جسدي، أيقظتُ قلمَ رصاص هامداً على صدرِ الأوراق:
«أبي الحبيب، دوّامةُ الفقرِ أضاعتني، وأضاعت أمي المغلوبة على أمرِها، فما عادتْ تملكُ أيّ خيارٍ إلاّ الانصياع لأحكامِ زوجِها. مع أنّني لا أطيقُ البقاءَ في هذا المنزل... إلاّ أنّني مازلتُ بخيرٍ ومازلتُ أملكُ بعضَ أقلامِ الرصاصِ وأكداسٍ منَ الأوراقِ لأكتبَ إليكَ بقدرِ ما أشاء... ولكنّني أخافُ أن يرحلَ الشتاءُ فلا يبقى من رياحٍ تحملُ رسائلي إليكَ ولا يبقى من نسيمٍ يحملُ رائحتكَ إليّ، ومع ذلكَ سأظلُّ أرمي بأوراقي علّها..........»
وهبّتِ الرياحُ فخمدَ الضوءُ تاركاً لي دخاناً من وهم.... وهمِ الضوء.
كما تشائينَ أيّتها الرياح، ربّما لا تستطيعينَ حمل أيِّ أثقالٍ من الكلمات بعد. وأنا لا أريدُ أن أنهككِ بحملِ كلماتي.
أرجوكِ أيّتها الرياح خُذي هذهِ الورقة إلى أبي وأخبريهِ أنّني سأزورهُ غداً، أعدُكَ أبي... سأزوركَ غداً.
أغلقتُ النافذةَ فصمتَ كلّ شيئ وغرقت الغرفةُ مجدّداً بعتمتي الحزينة اليائسة...
صفحة 6

(3)

سئمت زمن المذابح والمصالح.
لا أدري ما هو الذي اختلف....ولمَ كلُّ هذهِ الفوضى العارمة حولي.
أشعرُ بالوقت يسخرُ مني.
أهوى الأخطاء التي تُغضب ذاك الذي أدعوه «عمّي»، كما تهوى الفراشاتُ أضواءَ المصابيح.... فتموت عليها...
أعيشُ خارج الزمن... لا آبه للوقت، فالوقت يسجنني ويجعلني رهينة عقاربَ صنعَها البشر لتقتل كل حلمٍ أسكنتهُ نبضات قلبي... فتشغلني نبضات الساعة عن نبضاته... ولا أسمع غير ثوانيها التي تلاحقني...وتلدغ أحلامي بلا رحمة.
أنهيت الوقت من زمني... ربما سبقته، أو سبقني... أو ربما نفاني وطردني... لكنني مازلت أملك ذاكرةَ التاريخ، الذي لن يرفضني أبداً لأنّهُ يذكرُ أفضلَ الناس ويذكرُ أسوأَهم.... ولا ينسى إلا من عبروا بسلامٍ وغَبروا....
دون أن يُعمّروا كلمة في أنفسهم أو حتى يدمروا شيئاً في نفوس الآخرين...
لا أدري كيفَ أبتعدُ عن الكتابة... وهي ما يدفعني نحو الجنون، أو كيفَ أتجاهل أقلام الرصاص وأترك الكتابة عن الزمن الرصاصي الذي جعلني لا أفهم إلا لغة الرصاص...أتوقف عن الكتابة فجأة لأمحو صفحات كثيرة كتبتها.... أمحوها ببساطة وسخرية.
ليت العالم يغرق في سحابةِ صمتٍ سوداء لا يخرج منها إلا بعد أن تعود الألوان إلى الزمن...
لكنّها لن تعود!
أيّ واقع هذا الذي عليّ أن أبقى سجينتة؟ هل هو واقع أمّي التي رمتها الأقدار في سراديب الحياة... فجرّدتها من مبادئ لطالما أوصتني بالتزامها في صغري. عجباً ما الذي قد يصنعه الفقر بالمرء... كيف جعلها تستخدم جمالها لتؤمّن «حياة كريمة»، كما كانت تقول.
أم هو واقع أنني أملك جمالها نفسه... ونسخة من عينيها الساحرتين.
أخاف أن أكون هي حين أصير بمثل سنّها.
لا محال... فأنا لم أعد أملك إلاّ الحقد على الرجال...أكره كلّ ما يتعلّق بهم، أكره أسماءهم ذات الحروف الحجريّة، أكره نفوسهم السوداء الملطّخة بدماء تنزف من أصنام الرجولة، أكرهُ رائحة العطر التي تفوح منهم، فهي تسبّب لي الدوار.
حتّى عطر الرجال شرس!! أشرسها رائحة مسك رصاصي تفوح من زوج أميّ الذي رست عليه أخيراً. فهي تريد من هو فاحش الثراء من الرجال، وهو يريد امرأة فاحشة الجمال. وكما يقال، الطيّبون للطيّبات!
أكره كل ما فيه. أكره نظراته تلك. أشعر بأن روحي ترتجف خوفاً حين أنتبه لعينيه وهما تحدّقان إليّ. كأنهُ يتلذذ بإرباكي.
كم كنت طيّباً يا أبي... «رحيل، افتحي عينيك يا صغيرتي، فالمسرحيّة لم تبدأ بعد»، جملة عالقة في ذاكرتي، كانت الجملة الأخيرة التي قالها لي قبل أن يرحل، وأنا... ما زلت أترقّب مشاهد المسرحيّة. أخاف تلك الجملة، فهي جملة وداع من نوع آخر، وللرحيل بعدها مذاق خاصّ... آمل أن لا يعاد يوماً.
كلماتها ستعيش في ذاكرتي، أخاف أن أرميها في دفتر ذكرياتي، فيقرأها أحد ما... ويستعملها، فيرحل إلى الأبد.
الرحيل هاجس من ذاكرتي يلاحقني، ويبعثر أشلاء روحي... وروحي ليست لي، هي قطع أرواح لبقايا الموتى. بعضها طيّبة، وبعضها الآخر قطع شرّيرة استحضرتها من رماد الغابة المخمدة في أرض ذاكرتي.
يقول زوج أمي: إنّني فتاة مهملة ومجنونة، وفوضويّة إلى أبعد الحدود.ولكنّني في الحقيقة أحاول تجاهل تفاصيل الزمن، فأملأ فراغ غرفتي بأغراضي، كثير من الألعاب، والأوراق، والكتب الميّتة، والأحزان والفراغ...
كل ما في الأمر أنني أؤمن بفلسفة الأشجار، تظل واقفة مهما كان الطقس عاصفاً، وإن يبست... لا تنحني.
صفحة 7
ولكن، ماذا لو أنكرت؟
ومن هو ليقوّمني؟
هو مجرّد دائرة كبيرة فارغة في حياتي المليئة بدوائر صغيرة فكل شاب يدفع لي رقم هاتفه... أجعله في حياتي رقماً مستديراً.
يقول روين سارما:
«إذا لم يشك شخص واحد أسبوعيّاً بأنك مجنون، فأنت لا تحدث تأثيراً حقيقياً في العالم». وزوج أمي يشك يومياً بأنني مجنونة. كم هذا رائع!!
ها هو الصباحُ أخيراً، مشيتُ وخطواتي تهمسُ خوفاً على الأرض فكلُّ من في البيتِ نيام.
وصلتُ إلى الجامعة بابتسامةِ تفاؤل كعادتي، هذهِ سنتي الأخيرة وأتخلّصُ من هؤلاء الذينَ ينظرونَ إليَّ بازدراء.
كعادتهِ.... شابٌ وسيمٌ ينتظرُ فتاتهُ عندَ بوابةِ المدخل، لا أعلمُ من هي... ولكن لا بُدَّ من أن تكونَ تلميذةً حسناء توازي بحسنها جماله.
أمرُّ من أمامهِ فينتابني شعورٌ غريب، هل هي هالةُ الحبِّ التي تشعُّ من عينيه؟
أتابعُ سيري بارتباكٍ أخفيهِ ناظرةً إلى الأرض...من دونَ أن أرفعَ رأسي أو ألتفتَ إليه.
أسندتُ ظهري إلى الحائطِ لأستعيدَ أنفاسي، لا يهمُّني أمره... وأعودُ إلى فلسفاتي:
«ما دام يهوى فتاة ما، إذن هو يتقاسمُ قلبهُ مع آخر... وأنا لا أعترفُ بالآخر.
أمنَ العقلاء من يستغني عن قلبه؟
هو لا يعرفُ كيفَ يديرُ مملكةَ حياته وحده، يحسبُ تلكَ الفتاة نصفهُ الآخر.
عجبتُ لمن يقولُ إنّهُ وجدَ نصفهُ الآخر، وهو قد أضاعَ نصفَ عقلهِ الأوّل.
لا أنا لستُ مثلَ هؤلاء فأنا منذُ طفولتي أعرفُ كيفَ أديرُ مملكتي وحدي، كيفَ أحبُّ نفسي التي وجدتها وحدها تستحقُّ أن أحبّها. ثمّ أنّني أكرهُ الرّجال، ألم أقل إنني أكره كل ما يتعلّق بشأنهم؟ أكره قلوبهم وعقولهم وعطورهم؟ إذاً عليّ أن أكره هذا أيضاً.»
الحبُّ هاجسٌ يلاحقني أهربُ منهُ كمن يهربُ من الموت؟
ولكنّني... بخيرٍ وحدي. استيقظتُ من شرودي ومشيتُ – وحدي.
هكذا بدأتُ نهاري الدراسي وهكذا اختتمته... برؤيته.