ذاكرة الماء
محنة الجنون العاري
لا شيء في هذا الأفق،
لا شيء أبدا، سوى الكتابة وتوسّد رماد هذه الأرض
التي صارت تتضاءل و تزداد بعدا كل يوم.
وهل للماء ذاكـــرة؟
هذا النصّ يجهد نفسه للإجابة عن بعض مستحيلاته بدون أن تخسر الكتابة شرطها.
كُتِبَ داخل اليأس والظلمة بالجزائر ومدنٍ أخرى على مدار سنتين من الخوف والفجيعة بدءًا من شتاء 1993، أي منذ ذلك اليوم الممطر جداً، العالق في الحلق كغصّة الموت والذي لم تستطع الذاكرة لا هضمه ولا محوه بين دهاليزها ورمادها، وأُنْهي بالجزائر في سنة 1995، ذات يوم شتوي عاصف على واجهة بحر خالٍ لم يكن به إلاّ أنا وامرأة من رخام ونور ونورس مجنون كان يبحث عن سمكة مستحيلة ضاعت داخل موجة جبلية.
لكن بين سنتي البدء والإنتهاء، كان هذا النصّ يُكتبُ داخل القساوة والبرودة والحياة والسرّ والمنفى، من الجزائر العاصمة، وهران، قسنطينة، عنابة الى الرباط، طنجة، المحمدية، الدّار البيضاء إلى تونس، زغوان، قابس، المونستير إلى عمّان، الرّبدة، بترا إلى دمشق، إلى باريس، ليون، مارسيليا، أفِنيون، إلى بروكسيل إلى أمستردام إلى روما، صالرنو، ميلانو، جينوفا، باري، ألبيروبيلّو إلى الجزائر مرّة أخرى.
وهل للماء ذاكرة؟
هو ذاكرتي أو بعضاً منها. ذاكرة جيلي الذي ينقرض الآن داخل البشاعة والسرعة المذهلة والصمت المطبق، ذنبه الوحيد أنه تعلّم، وتيقّن أنه لا بديل عن النوّر سوى النور في زمن قاتم نزلت ظلمته على الصدور لتستأصل الذاكرة قبل أن تطمس العيون. هو مجرّد صرخة من أعماق الظلام ضدّ الظلام، ومن داخل البشاعة ضد البشاعة. ونشيد مكسور للنوّر وهو ينسحب بخطى حثيثة لندخل زمناً لا شيء فيه ينتمي إلى الزمن الذي نعيشه.
داخل هذه الرحلة، رحلة القساوة الممتدة من 1993الي1995 وأنا أكتب هذا النصّ فوجئت بميراث الكتابة التراجيدي: جنون يقارب الإنتحار، مرض العيون والذاكرة، تساقط الشعر والخوف، خيسران البيت والأرض والبلاد، والسرية والمنفى، معاودة الحياة من الصفر في سنّ الأربعين، وإلتهام كمّ لا يُحَدّ من الورق والأقلام.. والحبر... وكثير من الخوف الذي لا يشبه الخوف.
ولكنّي فوجئت كذلك بصغر الأرض وبأصدقاء الشدّة والخوف الذين لا أملك حيالهم إلاّ المحبة والإصرار الدائم على تمجيد الجمال في معناه الأكثر نبلاً والصراخ ضد الهمجية و الموت بأعلى صوتي حتى عندما يكون ميراث الكتابة هو الإجابة التراجيدية الوحيدة الممكنة في هذا الزمن. أصدقاء فتحوا أبوابهم وصدورهم: جمال الدين بن الشيخ، دانيال ريق، جاك غاليت، جاكلين الشابي، أبو العيد دودو، محمد حسين الأعرجي، عبد اللطيف اللعبي، برينو داجنز،جاك دريدا، جلبيير غرْون غيوم، سهيل إدريس، محمّد بوعيّاد، خولة الإبراهيمي، فاني كوُلونا، بيار زراغوزي، أدونيس، كريستيان سالومون، فاطمة المرنيسي، محمد برادة، الهاشمي شريف، حنّا مينة، نبيل سليمان، الهاشمي بونجّار، رضا مالك، رشيد بوجدرة، رشيد ميموني، أحلام مستغانمي، محمد صالح حرز الله، مصطفى فاسي، توفيق بكار،جان بيار لييدو، محمّد الباردي، فتحية التريكي، نجاة الرايس، ليلى الشافعي، بقطاش مرزاق، عبد الحميد العقّار، محمد الأشعري، طوني مرّايني، جوليانا سقرينا،اسماعيل رسول، ماري فيرول، ياسمين غراسير، وأصدقاء آخرون، أتركهم بين شقوق الذاكرة المنكسرة.
سنتان من الخوف. وهل هما سنتان؟
طوال هذا الزمن النفسي الذي لا يُعدُّ ولا يُحصى كنت أحلم بشيء صغير. صغير جداً ولكنه بالنسبة لي كبير، قبل أن تسرقني رصاصة عمياء، هو أن أُنهي هذا العمل، نكاية في القتلة.
و هاأنذا بعد هذا الزمن الذي لا يساوي الشيء الكثير أمام الذين فقدوا أرواحهم، أخرج للنوّر مثقلاً برماد الذاكرة، أمشي على الملوحة والماء وفاءً لهذا الماء وتلك الذاكرة.
القسم الأوّل
الوَرْدَةُ وَالسَّيْف
(1)
4H - 00 MN
الظلمة.
أشعلت الضوء الخلفي للصّالة. شرّعت النافذة عن آخرها. خيط من الهواء البارد يتسرب عبر جسدي بهدوء.
لا شيء.
أمام هذه الكومة من الأوراق، والقصاصات الصحفية القديمة، لم أعد أتذكّر شيئاً مهمّاً سوى ما قالته العرافة لأمّي منذ أكثر من أربعين سنة، وقبل شهرين من ميلادي. كانت أمّي حاملاً بي. كانت تخطّ لها الأوشام على زندها وجسدها ووجهها وساقيها. قالت لها وهي تكتشف توازن جسدها بعد ولادات متعددة.
ـ اسمعي يا لالّة مولاتي. بطنك حمل ثلاث صبيات، تلاحقن الواحدة بعد الأخرى. قبل أن يكون رابعك صبيّاً. خامسك، أبشرك، سيكون صبيّاً جميلاً، يعشق حروف الله والكلمات وتربة الأولياء الصالحين. سَمِّيه باسمهم حتى لا يسرقوه منك مبكراً. تصدّقي كثيراً وإلاّ سيموت بالحديد.
ـ أي حديد؟؟
قالت أمّي.
ـ سكّين. رصاصة. سيارة. طائرة.
ضحكت أمّي وقتها كثيراً، وعندما كبرتُ قصتْ عليّ تفاصيل الضحكة.
ـ مجنونة العرافة. الرصاص انتهى مع الثورة. الطائرة بعيدة عنّا وهي للذين يعرفونها ويملكون خير الدنيا. والسكّين للجزارين. وأنتَ هو أنتَ، جميل كالنوار وطويل كالنخلة.
وها هو الزمن الميّت يعود، ويمتلئ رأسي بالسكاكين والرصاص والطائرات التي أركبها مجبراً، والحديد الذي أصبح حقيقة قائمة تملأ الدماغ.
ينتابني شيء من التردّد ضد الكثير من الأشياء الغامضة.
ماذا أفعل؟
هل سأبقى مرّة أخرى داخل هذا القفر الذي اسمه البيت؟ أم سأخرج؟
مسألة في غاية الحماقة. هناك شيء غامض يربطني بهذه الأرض وهذا المكان المعزول. ربّما حفنة تراب ما زلت أحتفظ بها وأرْحَل كلما كان ذلك ممكناً، أشمّ رائحتها وأشعر أن لي وطناً، حتى عندما يُسرق منّي هذا الوطن.
أقنع نفسي من جديد.
يجب أن أخرج، لأني لو بقيت هاهنا، سيكون كلّ الزمن الذي مضى من حياتي لا قيمة له، لكن !؟
إذا خرجت وانحدرت باتجاه المدينة، ستكون غوايات الشوارع قد قادتني نحو الموت.
في الليلة التي مضت، أو في ربعها الأخير (لأني لم أنَمْ إلاّ ساعات قليلة)، رأيت أشياء كثيرة في الحلم، أشياء محزنة: داستني سيارة فمزّقتني، ولكنّي في النهاية، استطعت أن أقوم مثل طفل متهور بعد أن جمعت نفسي، قطعة قطعة ثم قمت. واستطعت أن أقف على قدميّ، بالرغم من الصعوبات والاستحالات. رأيت منشاراً يقطّعني مثل قطعة خشب، وأنا أضحك بصوتٍ عالٍ وأُقهقه مثل المجنون. رأيت ذاكرتي وأنا أضعها أمامي مثل العلبة المسحورة. كنت متردّداً بين فتحها أو عدم فتحها. في النهاية صمّمت على اقتحام سرّها. قفزت من داخلها حمامات وغربان ثم بحر أزرق وألوان رمادية وروائح وعطور، وأحجار وأتربة صفراء ورقيقة مثل حبّات الرمل.
ورأيت كابوسا آخر، أحسّ تفاصيله ولكنه يستعصي عليّ الآن تذكره.
وعندما أفقت في هذا الصمت المبكّر، لم أرَ سوى بياض الحجرة ودكنة هذا الفجر، والبحر الذي خلته وسط هذا السواد منكفئاً على نفسه مثل شبح معزول ومفرط في وحدته، لم يبرح مكانه، رغم أن الشمس غيرت مواقعها آلف المرّات.
لا شيء. سوى أنا وريما والبحر والساعة الحائطية الثقيلة، ووقوقات نادرة لنوارس خلتها تحوم فوق تكسرات الموج الذي كان يتذابح في ذاكرتي. وهذه الكومة من الأوراق القديمة التي أشعر برغبة نادرة في قراءتها أو في توديعها. فهي كلّ حياتي وبعض من تمزقات هذه البلاد.
قبل أن أصمّم وأقوم من دفء الفراش، كانت الساعة الحائطية ذات العقارب الفسفورية تزحف بصعوبة نحو الرابعة وأنا أحاول جاهداً أن أقنع نفسي بضرورة القيام.
للذهاب إلى أين؟
ربّما نحو الموت.
- Merde!? Il faut que je me leve!
ثم تدحرجت بعدها خارج الفراش.
عندما نصر على النوم بعينين مفتوحتين، نتعب كثيراً.
تأملت رزنامة البرنامج اليومي، المعلقة على الباب. البريد، المطبعة، المطعم، الجنازة. ثم العودة. عشرون عصفور بحجرة واحدة، تفادياً للخروج المجاني والموت العبثي.
فتحت رزمة الأوراق. بعثرتها قليلاً على الطاولة الكبيرة. أشياء كتبتها في فترات متقطعة وقصاصات صحفية مهمّة كنت قد قصصتها لحاجة لم تأتِ أبداً.
عادة لا أكتب إلاّ عندما تجتاحني حالة ألم شفافة. عندما غادرت بيتي للمرة الأخيرة باتجاه هذا المخبأ، لم آخذ معي شيئاً مهمّاً، سوى بعض الكتب، والاشرطة، ولوحة لسلفادور دالي، وهذه الكومة من الأوراق التي أخاف عليها من قساوة هذه المدينة.
بدأت أوّرق.
فجأة قفزت أمامي هذه القصاصة.
ابتداءً من الأسبوع القادم، سيشرع في تطبيق النظام الأسبوعي الجديد. وعليه سيصير يوما الخميس والجمعة، هما نهاية الأسبوع، بدلامن يومي السبت والأحد. تمّ هذا التغيير بالاتفاق بين مختلف الوزارات والمجلس الإسلامي الأعلى. جريدة الشعب )...) 197
منذ أن اغتيل صديقي يوسف، فنان هذه المدينة وشاعرها، أصبحت لا أنام بشكل جيد. أشعر برغبة محمومة للعودة نحو الأعماق. نحو الطفولات الضائعة. نحو الحبر الأوّل ونحو رائحته ولونه البنفسجي. نحو القبلة الأولى. نحو الأشواق الأولى، وحتى نحو الدّمعة الأولى التي لم نستهلك حرارتها بعد، لكن الشعور الذي يجتاحني في البدايات الأولى لهذا اليوم، لا يريحني مطلقاً.
منذ أن انتهى الكابوس الذي رأيته في هذا الفجر وأنا أحاول بدون جدوى أن أغمض عينييّ.
هاه !! تذكرت المشهد الأخير للكابوس الذي غاب عنّي.
الساحة كانت ملأى بالناس الذين يرتدون أقمصة بيضاء، فضفاضة وعليها بقع الدم اليابسة، يلتفّون ويصرخون مثل المجاذيب حول جسد ممزّق، كانوا يرجمونه عن قرب بحجارة كبيرة ويرشقونه بالسكاكين. شظايا المخّ واللحم، تلتصق بالقضبان الحديدية الصدئة التي كانت في أيديهم. كنت أرى ذلك الرجل، أو بقاياه من شرفة الطابق الخامس حيث كنت أقيم قبل أن أنتقل نحو هذا البيت الذي صار يشبه قبراً يسكن به رجل يبدو أنه ما يزال على قيد الحياة. كانت الجثة الممزقة تشبهني.
كانت، أنا .البحر الذي أشعر بحالة استئناس لوجوده، صار غير موجود مطلقاً وكأنه غادرهذا الفضاء الضيّق. لا أسمع صوت تكسراك موجه إلاّ قليلاً. أقول في خاطري، لا بدّ أن يكون البحر قد رَحَل نهائياً عن هذه المدينة. أتشجع في أغلب أوقات الوحدة، وأخرج بحثاً عنه وعن الموجات الضائعة، وعن الوقوقات النادرة لنوارس ليلية أتخيّلها وهي تنقر بياض الموج المتكسّر على أطراف الصخور البركانية، في هذا المكان المعزول.
أترك الأوراق للحظة.
أفتح الباب والنوافذ. أملأ صدري برائحة البحر. أتمتم.
ـ الحمد لله. البحر ما يزال هنا!! البحر لم يَمُتْ.
الظلمة ما تزال قائمة .
وريما، حمامتي الصغيرة وسط هذا الخراب، ما تزال نائمة على غير عاداتها منذ بدأت هذه المدينة تأكل رأسها بشكل معلن.
القطّ الأبيض هذا الفجر لم يظهر، وهو الذي تعوّد أن يتشمم رائحتنا من بعيد، ويصغي بانتباه إلى أصوات الأواني في المطبخ، ليبدأ في المواء معلناً عن وجوده، ولنفتح له الباب للدخول. هذا القطّ تعوّد على لطف ريما معه بسرعة. فاطمة، صديقتنا التي تأوينا، هي نفسها لا تعرف من أين جاء. دخل معنا في اليوم الأوّل الذي وضعنا فيه حقائبنا عند باب فاطمة.
ريما تعودت عليه، وتعوّد هو على يديها الصغيرتين وهي تقوم فجراً، لتعطيه الحليب، وتعود لتندفن في فراشي، أمّا هو، بعد أن ينتهي من شرب حليبه، يتشمم رائحتها، يدخل بين رجليها وينام. لا أسمع إلاّ ترترته التي تعطي للنوم لذّة خاصة.
ريما نست دميتها الكبيرة، ونست ألعابها منذ الزمن الذي أعقب تنقلاتنا وخروجنا من البيت. ترحل مثل الكبار. لا تأخذ معها إلاّ كراستها الصغيرة التي كتبت على غلافها: سلطان الرماد. لا أدري من أين أتّتْ بهذا العنوان أصلاً. تسجّل فيه خواطرها عن الأصدقاء الذين اغتيلوا هذه السنة.
حياة الترحال قاسية، ولكنها ليست مستحيلة التحمل.
كلّ شيء بدأ عندما واجهتني ملامح رجل مشبوه. شعرت بظله. عندما التفتُّ نحوه عند مدخل البناية قرأت بعض غموضه. ارتبك. أدخلتُ يدي في جيبي. كنت أتحسس قطعة نقدية باردة وكان يظنّني أتحسس سلاحاً. ارتشقت عيناه بجيبي. قال بنوع من التلعثم.
ـ سألت شباب الحيّ. فوجهوني نحوك. كنت أعمل سائقاً لسيارة أجرة، عند شخص، تخلّى عنّي وأنا الآن بدون عمل. فهل تستطيع مساعدتي للحصول على عمل.
تماسكت جيداً.
ـ أنت تعرفني. أنا مجرّد أستاذ جامعي. ومع ذلك سأحاول. اِتصل بي في الأسبوع القادم.
نسيت أن أسأله عن اسمه.
كان وجهه قد اصفر أكثر، وعيناه لم تغادرا جيبي، والزغب الذي كان يملأ ذقنه وخدّيه زاد بروزاً. ثم بدأ يتوارى، حتى خرج نهائياً من مدخل البناية. عندما أطْلَلْتُ عليه، كان يجري، ويلتفت وراءه.
ولهذا احتفظت بهذه القصاصة فيما بعد.
لقد تمّ التعرف على أحد قاتلي المفكر بوخبزة مدير الدراسات الاستراتيجية. وكان قد جاءه قاتله قبل أيام يطلب منه المساعدة للحصول على عمل، وقد وعده الأستاذ بوخبزة على بذل مجهود خاص للحصول على عمل. جريدة الوطن (...) 199
في المرّة الأخيرة كنت أنا ومريم. كان يحاول أن يتتبّع حركاتنا. ثم بسرعة سبقنا إلى مدخل البناية. قلتُ لمريم. أَوقفي جارتك. تحدّثي معها في أي شيء حتى و لوكان فارغا.
كانت الجارة قادمة من السوق، بسلة شبه فارغة.
دخلت معها في حوار عن غلاء المعيشة. عن البطالة. وعن أشياء لم أولها الانتباه الكافي.
بينما كان الشاب ما يزال في مدخل البناية، يحاول أن يقرأ صناديق البريد. عندما التفت نحوه التقت عيناي بعينيه. تأكد أني تذكرته. دخل بشكل فجائي إلى الصيدلية المحاذية للمدخل. تبعته.
خرَج بسرعة.
سألت العاملة. كانت صديقة لنا.
ـ ماذا كان يريد ؟ّ
ـ لا شيء . يبحث عن طبيب أسنان. ما عجبنيش مطلقاً.
ـ لا يوجد طبيب أسنان في الحي، وهو يدّعي أنه من سكّان الحيّ.
ـ ليس من الحيّ. لم أرَهُ أبداً في حياتي.
في المساء نفسه اتصل بنا مدير الأمن الحضري لمنطقتنا ليخبرنا بقدومه شخصياً لأمْرٍ يهمُّنا. عندما وصل، كان منكسراً.
ـ كلّ ما أقوله لكما، أن تغادرا المكان. فهذا المكان مهجع للقتلة. أنتما في وضع خطير جداً.
سألنا عن التهديدات.قالت مريم:
ـ كثيرة. سلمتُ بعضها للشرطة، والبعض الآخر مزّقته. تعودنا عليها.
ـ هكذا يفعلون. يبْتذلونها بكثرتها وعندما يدخل المرء في دائرة العادة ينقضون عليه.
منذ ذلك الزمن، أصبحت كلما تحدثتُ بصوتٍ عالٍ، تنبهني ريما، وهي تضع يدها على فمي.
ـ بابا، للحائط آذان.
وكلما قمت من فراشي، أجدها ورائي، تقتفى خطواتي، بلباسها الوردي الفضفاض. تمسح عينيها النصف مغمضتين.
ـ بابا، كَانْشِ أخبار جديدة؟!
أمسد على شعرها. أنحني. تدفن رأسها في صدري.
ـ المهمّ أن الحياة ما تزال مستمرّة.
ريما، هذا الفجر، لم تستيقظ بعد. البارحة نامت صفراء، مريضة. تبدّل لون وجهها. لم يعد يعجبني مطلقاً. منذ أيام أخذتها إلى الطبيب. التحاليل لم تظهر أي شيء استثنائي. صارت نحيفة. عندما سألت الطبيب. قال.
ـ C’est peut-être L’Angoisse .
القطّ الذي تعودّت عليه، لم يظهر، ربما لأنها ما تزال نائمة. لم أعد أسمع أبداً نشيد الورّام الذي يأتي عادة من البرج القديم، من القلعة التي دخل منها الغزاة أوّل مرّة إلى هذه البلاد. الورّام لا يغادر مخابئه إلاّ عندما يسمع محرّك السيارة قد أقلع، فينفرط في السماء عالياً عالياً، يعبر البحر جماعات جماعات، باتجاه القلعة الكبيرة.تخيلت أن كلّ هذه الكائنات الجميلة قد ماتت. لكن الأمر بدا لي غير معقول.
هل يمكن لكل الأناشيد الجميلة أن تموت دفعة واحدة، وبهذه السرعة المخيفة؟ .
تذكرت كلمات صديقي الفنان، يوسف الذي اغتيل قبل يومين.
يا كلّ صديقي.
يا صديقي.
يا بعض صديقي.
يا أنا.
إني أموت في دمك الحيّ.
من يستطيع أن يغتال بحراً أو شمساً أو شاعراً؟؟!
ومع ذلك قتلوك يا صديقي. وأسكتوا البحر، وغيّبوا الشمس مبكراً.
أقوم من على الطاولة الكبيرة. أدور داخل بياض الحجرة. أطل من النافذة صوب البحر. الظلمة ما تزال تلف المكان ولا شيء يوحي بأن انشغالاً ما يملأ زوايا المدينة. شيء ما يعذبني في عمق الأعماق، لم أتعود على تحملّه بسهولة.أقول في خاطري. لا بدّ أن يكون القراصنة الأتراك الذين مرّوا على هذه الدنيا قبل الآن، قد امتصوها وحوّلوها إلى خراب بعد أن حكموها بالنصل والقيامة والخديعة.
لم يبق على الصباح إلاّ بعض الساعات. زرقة البحر ما تزال داكنة وسط ظلمة لا تخترقها إلاّ السفن الصغيرة الراسية في مكان ما داخل هذا الساحل الواسع الذي بدأ يضيق فجأة لا تظهر إلاّ أنوارها وهي تتلألأ في العمق مثل النجوم العائمة على سطح البحر.
لا يُعقل أن تُسرق المدينة بهذه السرعة. ما يزال فيها شيء من الحياة، يصرّ بشكل دائم على البقاء والمقاومة.
عدت نحو ريما. ما تزال في عمق فراشها نائمة. من حين لآخر تمتصّ أصبعها. شيء من الخوف يملأ عينيها، نصف المغمضتين. البارحة انسحبت باكراً لتنام، بعدما سجّلَتْ ملاحظاتها بصعوبة في كراستها الصغيرة التي سمّتها سلطان الرماد.
قالت وهي تحاول أن تمسح آثار النوم التي بدأت تغلق عينيها، وتغلق قلمها وكراستها.
ـ عمّو يوسف الله يرحمه كان طيباً. يضعني على ركبتيه ويقرأ لي الأشعار الجميلة، أو يريني صوراً عن لوحاته الكثيرة. كان جميلاً. يقول لي دائماً. يا ريما، نحن الفقراء لا نملك الشيء الكثير سوى كنز الكلمات الذي نورّثه لأصدقائنا وأحبّتنا. نتذكرهم به، ويتذكروننا به، أمّا الحكّام، هؤلاء الذين يملأون الشوارع بنصبهم التذكارية، والتلفزات بوجوههم، سيندثرون، من يتذكر اليوم طغاة الدنيا منذ بدء الخليقة، لكن من ينسى اليوم: شكسبير، فلوبير، الحلاّج، بشار بن برد، سرفانتس، عمر الخيام، من يتدكرقاتل بوشكين؟...هؤلاء هم ذاكرتنا وذاكرة الدنيا التي تعيشنا ونعيشها.
أرأيتِ.. يا ريما؟!
أتذكره بقساوة. أيّها الحكيم.
أقولها له. يضحك.
ثم يعيدها وهو يحاول أن يمطّط مفرداته كالعادة ويمسح على رأسه الصغير.
ـ أ.. ر .. أَ.. يـْ .. تْ !؟
(2)
4H -15 MN
جلست على الكرسي ثم اتكأت على الطاولة التي تعدّ عليها فاطمة صورها وأشرطتها.
فتحت رزمة الأوراق عن آخرها. شعرت بالرطوبة تصعد منها بقوة، لتستيقظ حساسيتي من جديد. قفزت إحدى القصاصات الصحفية أمام عيني، كانت أطرافها قد صارت صفراء مثل كتاب ديني قديم.
الإدارات الوطنية، والمؤسسات معنية بالتغيير الذي تم في ترتيب أيام الأسبوع. وعليه يصبح يوما الخميس والجمعة هما نهاية الأسبوع بدل السبت والأحد. ابتداء من الغد يصبح هذا الترتيب الجديد سارياً. جريدة المُجاهد(...)197
لم تكن الورقة تهمني كثيراً. كنت مأخوذاً ببقية الكتابات القديمة التي كانت، كلما قرأت حروفها تقذف بي بعيداً نحو ذاكرة مجروحة وقلقة.
وها أنْتِ. مريم.وسط رماد الأبجدية، تأتين دفعة واحدة، بكلك أو ببعضك. تضعين أحمر الشفاه ثم تتركين قبلة على المرآة وتكتبن تحتها. (أحبك) . تفعلين هذا عندما تضطرّين للخروج قبل دخولي إلى البيت.
عاداتك لم تتغير منذ مدة طويلة. منذ أن تعارفنا في تلك المدينة الساحلية التي لا اسم لها سوى زلازلها المتكرّرة. في المرّة الأولى حُطّمت عن آخرها. ثم حطمت ثانية وثالثة، لتبنى بعد ذلك بعيداً عن مكانها الأوّل، مدينة أخرى، بأسواقها، وبحرها، وبناياتها، لا يدخلها إلاّ المحظوظون. قُلْتِ:
ـ هل يغريك البحر ؟
ـ يملأني دائماً.رفيقي، منذ أن سرقت منّي حيطان هذه المدينة أجمل صديق. عشقته خارج المعتقل، وازددت التصاقاً به وهو يبحث عن حروفه الضائعة بين الحيطان العالية. كان يكبرني بعشر سنوات، وكنت مراهقة. كان شعلة من الوعي، مسيّساً وكنت طفلة. أعشق وأمحو قبلات النهار لأستعد للغد القريب. لكن معه الأمور تغيرت كثيراً. أُصبْتُ بكل حالاته، قبل أن تتهاوى الأسوار التي بنيناها مع بعضنا بعضً، وقبل أن أعرفك في تلك الليلة الشتوية الباردة في ذلك النزل الذي يشبه القلعة وبتنا متعانقين حتى الصباح. كنت في حاجة إلى رجل. إليك. إلى صوتك، وليس إلى حطام آلة، كلما رأيتها ارتسم في ذهنها المخدع المصنوع بالأغطية. المخدع؟
ـ أووف.. تلك كذلك قصة أخرى قاسية. ألومه أم ألوم نفسي؟؟ أشعر أن أشياء كثيرة تكسرت في داخلي، بعضها انقرض نهائياً، وبعضها الآخر، يتهاوى الآن بدوره قطعة قطعة كأحجار الوديان التي ساخت التربة التي كانت تتكئ عليها.الدنيا كانت واسعة عندما كنّا صغاراً، وعندما كبرنا ضيّقوها علينا. صرتُ امرأة في غابة موحشة.كلّ يوم أحد وأربعاء، أحمل حوائجي وانزل باتجاه السجن المركزي. خمس سنوات، بدون أن أتغيب يوماً واحداً عن طقوسي. في أيّامه الأولى كان فرحاً رغم قساوة المعتقل. كان سعيداً، لأن وجوده في هذا المكان، معناه أنه كان يحتل جزءاً من ذاكرة السلطة المرتبكة. ذات مرّة فاجأني وهو يقهقه مع زملائه بأعلى صوته و هو يقول: شَفْتِ يالاَلّه مريم. لقد صار لنا مخبأ صغير. عش عصفور، نمارس فيه حقنا في الحب والحياة.
كان العش مخدعاً، عبارة عن قماشات حُوّلَتْ في شكل مربع ، بداخلها مَطرح عسكري، من الكْران القديم. نفعل فيه ما يفعله جميع الأزواج الذين يُسمح لهم بالزيارات. نختبئ. لا ننزع ثيابنا. نندفع بعنف، نحو لذّة مسروقة، ندفع ثمنها داخل الصمت والشرط اللاإنساني. بسرعة، لنترك المكان للمنظرين بعدنا. بعدها صار المخدع جزءًا من مخيلتنا. كلما دخلتُ عليه، ارتشقت عيناه نحو مربع القماش الأبيض.
بعدها صار صامتاً مثل الخوف.
لم يعد يتحدث عن عش العصفور.
عندما ننتهي من المخدع، نجلس قبالة بعضنا البعض. ينظر إلي ملياً. أتأمّله. أكتشف لأوّل مرّة الشعرات البيضاء التي تحاول أن تختبئ عبثاً مع بقية شعر رأسه. ذات أربعاء، لم أعد أتذكر لا شكله ولا لونه. كان المفترض أن أتغيب عنه لأوّل مرّة بسبب اجتماع لجنة حقوق الإنسان التي دفعني نحوها، للإنضمام إليها، وفعلت ذلك بدون ندم، إذ اكتشفت ما يختبئ من صرخات وراء الحيطان العالية. حتى هذه المرة لم أتغيب، لأن الاجتماع أُجّل لوقتٍ لاحِق. فكرت في مفاجأته، ربما تغيرت أشكال الأسوار التي بدأت تصعد بيننا. عندما دخلت عليه شعرت بارتباكات كبيرة على أوجه أصدقائه. كانوا محرجين لشيء لم أكن أدركه. انسحبوا فجأة. رأيته يخرج من المخدع، تتبعه ثريا صديقتنا المشتركة. أدركت منذ تلك اللحظة وبشكل نهائي، أن الأشياء التي كانت تجمعنا صارت ضئيلة.
تعبتُ منه، وتعب منّي كثيراً.
غبتُ عنه والتقيت بك.
ثم قلت في خاطري. واجبي أن لا أتركه في منتصف الطريق. وإذ كان يبشرني بخروجه القريب من المعتقل، وبجدية علاقته مع ثريا قلتُ له.
ـ إني حامل.
ارتبك لحظة ثم تماسك.
ـ منذ شهور
ـ لا يعقل.
ثم بدأ يحسب على رؤوس أصابعه ويُقْسِمُ برأس والديه. أنه ليس هو، وأنه لن يعترف بالصبي الآتي، لأنه سيخرب كلّ مشاريعه مع ثريا. كان يتحدث ووجهه ملتصق بالحائط القديم. ثم التفت نحوي.
ـ مع من ؟
ـ يخصّني. جئت لأخبرك لا لأحاسبك.
التمعت عيناه بالفرح أو بالحقد. لا أدري. ثم أفرغ كلّ ما كان في خاطره. حررته من داخله. شتمني، اتهمني بكل الأوصاف. لم أردّ. كنت أرثي لحاله، وكان يدرك ذلك. ثم صمت كمحرّك عاطل.
سألني مرّة أخرى عن الكائن الذي كان يربطني بك ويكبر في بطني كالقمحة.
ـ هل هو باختياركما.
ـ لا. من رجل طروبادور، ما دُمْتَ مصرّاً على أن تعرف. التقينا في ندوة عربية لا معنى لها كالعادة سوى أنّا التقينا. كان حارّاً مثل عود النوار، وكنت أكتشفه كمن يدخل موجة، ثم بحراً، ثم.... ثم نمنا في نزل يشبه القلعة.
تحسس شعراته البيضاء وقسمات وجهه المتعبة.
ـ معه تحملين، ومعي ترفضين.
ـ لا أدري. بيني وبينك المهمّ تكسر قبل أن يأتي هذا الرجل الغاوي المولع بالموسيقى والكتب، والحروف والأبجديات الضائعة. الكثير مما كان يجمعنا أنا وأنتَ كان مزيفاً. كنّا نبني أحلاماً صنعوها لنا سلفاً.
ـ هل لأن الأنظمة سقطت، يجب أن نسقط نحن كذلك؟
ـ يا ولد الناس أنا لا أعرف السياسة، بل أحياناً أمقتها. ولكنّي أعرف أن كلّ ما بني على الخراب، يحمل في تكوينه شيئاً من الخراب.
ـ وهل هو على علم بذلك.
ـ هو الذي أقنعني بضرورة العودة إليك ومساعدتك قدر المستطاع. وعندما أخبرته بالأمر، جاء من بعيد راكضاً وهو حزين. عندما سألته لماذا جئتَ؟ وأنا على حافة الصراخ في وجهه.
قال.
ـ أنا أحبك وأخاف عليك. قلبك رهيف جداً على وضع مثل هذا.
فرحت لأنه لم يُعطني إجابة أخرى كالتي أسمعها دائماً. المجتمع صعب؟ الوالدان لا يقبلان؟! لكن... والوجاهات الزائفة. ولو فعل غير ذلك، كنت أسقطت الجنين. حرمني من هذا المبرّر الذي كنت أبحث عنه في أعماقي.
كنت في حاجة ماسة إلى رجل يحبني بقلبي المتعب، ولا يفكّر في مكاني. رجل واسع الصدر، لا يتذكر كلما رآني، الماطْلاَ العسكري والمخدع، ويصمت بعدها، أو يحدثني عن تاريخ الحرب الأهلية في أمريكا، والصراعات الدولية حول نيكاراغوا، والفيتنام، والاتحاد السوفياتي. في حاجة إلى كائن أبسط من كلّ هذه الأمور. يحدثني عن أشيائه الصغيرة. عن طفولته المدهشة. عن مدينته البحرية. تقول لي دائماً أني لستُ مسيّسة.
لم أدّعِ ذلك. لست مهيأة أبداً لأن أكون قائدة كبيرة. أفهم مثل جميع الخلائق، أننا عندما نتحدث عن الثورة، يجب أن نحسها في أعماقنا وأن نمارسها في تفاصيل حياتنا، أولاً ضد تخلّفنا الذي ينام في أعماقنا كالبرك الآسنة، وإلاّ لا معنى للكلمات. أشعر أنه وراء الخطابات الكبيرة، يختبئ كذب كبير ووراء الأشياء الصغيرة والعفوية بداهات يجب أن نتعمقها، وأن نتقن التصرّف معها.
وضع رأسه بين يديه. كان كالحطام القديم، ثم صرخ بأعلى صوته:
ـ أخرجي.
عندما خرجت لم أعد إلاّ مرّة واحدة. وقفت عند بوابات معتقل المدينة الكبير. دهشت من ضخامتها، لأوّل مرّة أكتشفها. كنت دائماً أقتحمها منحنية الرأس. قلتُ في خاطري ليكن. هو اختار وها أني أختار نهائياً، أن لا أعبر عتبة هذا المكان الذي يورثني ألماً قلبياً ضافياً.
منذ ذلك اليوم لم أره. كان ماوياً متطرفاً يحلم بتدمير الدنيا على رأس الحكام ، مع الزمن، هي التي تهدمت على رأسه.
سمعت بعدها أنه خرج بعد الإعفاء الذي شمله وشمل الكثير من زملائه. تزوج بثريا التي قاطعتني مع أني لم أكن أريد ذلك. فقد أقنعت نفسي، بحقها في فعل ما تريد. لكن علاقتهما لم تدم طويلاً، ابتلعته انشغالاته الكثيرة، ليتحول إلى تاجر عاطل ثم إلى صحفي، ثم إلى لا شيء. بينما حملت هي حقيبتها وسافرت باتجاه اسبانيا مع صديق أوروبي.
أحزن الآن لمريم. فهي بعيدة، وأنا تأكلني الأشياء الغامضة لهذا الفجر البارد.
تعود بوجهها الطفولي و تعنتها.
حاولت أن أقنعها أن تسقط الطفل. قلت لها، أن عنادها مجنون.
ـ قلبك يا مريم.
فلتت منّي بدون تقصّد
ـ ومَالُ. أنا مهددة بالموت حملت أم لم أحمل.
صممنا بعدها نهائياً أن نتزوج.
كانت الاختراقات قد بدأت منذ تلك اللحظة ولم أعد أدري إذا كنّا نحن الذين ركبنا رأسينا؟ أم رأسَانا هما اللذان ركبانا؟ لم يكن الأمر مهمّاً جداً.
قلنا. سنتزوج، سنتزوج، لماذا لا نفعلها الآن ؟ على الأقلّ لا يكبر الولد القادم مُعَقّداً، في مجتمع مريض حتى العظم بداء فقدان المناعة.
قلنا للموظف في البلدية.
ـ نريد أن نتزوج زواجاً مدنياً، قبل مجيء الطفل. أنت تعرف هذا المجتمع وطبيعته.
تقلّص وجهه، وتفحّم فجأة، بالرغم من أني رأيت إشراقة ملأته عندما دخلت مريم هي الأولى. يبدو أن حضوري النحس كالعادة هو الذي خرّب كلّ شيء.
ثم قال بلهجة الآمر والخائف في الوقت نفسه.
ـ حَبّيتُوا تباصِوْني؟؟ تورّطوني في عملة قبيحة؟؟ حرام يا لاَلّهْ. تَحّمْلي وتجيبي باش نخبّي عليك؟؟ والله ما تْكونْ.
اصفرت مريم ولم تعد قادرة على كَتْم غيظها.
ـ واشْ درتْ أنا حتى تخبّي عليّ يا ولد الناس. أنت موظف بلدية وإلا إمام زاوية؟
ـ بزوج. ألم يقُلْ. من رأى منكم منكراً، فليغيّره.
ـ من قال؟
ارتبك لحظة.
ـ ربّي؟
ـ هذا ربّك أنْتَ مش ربّي أنا. دَزْ معهم أنت وأوراقك وربّك.
ثم صفقت الباب الحديدي الخشن وراءها.
وظلت الجملة تتردد بين شفتيها.
"بلاد ميكي هذه. يصادرونك حتى في أدنى حقوقك. البلاد الوحيدة في العالم، التي يخافون فيها عليك من نفسك!؟
بدأنا نتعود من جديد على حياة الصعلكة. الحصول على ورقة تافهة، كان يحتاج إلى وساطات كبيرة لم نكن مؤهلين لها. اقتنعت مريم أن نعيش مع بعض، وطز فيهم وفي قوانينهم. كانت تكره الأوراق الإدارية كرهاً شديداً.
الحمد لله، جاءت منهم، ولم تأتِ منّا. ستسافر قريباً إلى دمشق، ونرى ماذا نفعل.
قالتها، ونحن نقطع الطريق المؤدّي إلى قاعة المحاضرات عيسات إيدير. عند البوابة، أعدنا قراءة عنوان المحاضرة الذي كان يملأ اللوح الخشبي القديم. الإنسان العربي بين الحقّ والواجب.
بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان.
قالت مريم، وهي تسحب باتجاهها الباب الخشنة لفتحها.
ـ هيا يا سيدي، لندخل لنرى وضعية هذا القرد المسكين الذي اسمه الإنسان العربي.
عندما دخلنا إلى القاعة، بل لم نتخطّ العتبات الأولى، ارتشقت عيناها بعيني أحد المحاضرين من الذين كانت المنصة تعجّ بهم. مدّت يدها إلى فمها. عرفت أنها كانت تريد أن تتقيأ. أسندتها بذراعي وتدحْرجنا باتجاه دورة المياه.
عندما تقيأت بدأت تبكي وتغسل عينيها، ثم تبكي، وتغسل وجهها.
لم أكن أعرف السبب بدقّة.
ـ واش مريم؟! من محاضرة إلى مندبة؟!
قالت وهي تحاول أن تحبس شهقتها.
ـ أتعرف. إنه الرجل الذي استنطقني، وعرّاني مرّات عديدة عند بوابة المعتقل. ها هو ذا يتحول بقدرة قادر إلى عضو في لجنة الدفاع عن حقوق الإنسان.
ـ ربما ليس هو.
قلتها وأنا لست متيقناً مما قلت.
ـ الله لا يمكن أن يكون مجنوناً ليخلق أربعين شبهاً لهذا المخلوق. واحدٌ كافٍ لأداء المهمّة الوسخة Un seul suffi pour faire le sal bouleau.
غرابة في مخلوق هذه البلاد. هو الشخص الوحيد والأوحد الذي يصلّي الفجر، ويزني الظهر، ويسرق في العصر، وفي العشاء يستغفر ربه ويصير وديعاً بين فخذي زوجته. ولا يشعر مطلقاُ بأي حرج ولا بأي تناقض أبداً. يمشي وفي داخله شخصان: واحد ميطافيزي والآخر عقلاني بينهما زجاج شفاف لا ينكسر. كلّ واحد يقبل بالآخر ولكلّ وظيفته الخاصة.
ـ لكن ما العلاقة؟!
ـ هذا الرجل الذي تراه أمامك على المنصة. كان صديق زوجي، الحميم. كان مناضلاً يسارياً. لكن سنوات السجن والاعتقال علمته كيف يكون وديعاً. باع أصدقاءه واحداً واحداً وفضح كلّ تنظيمهم السرّي. ثم بدأ يستمتع بتعذيبهم. يقول دائماً. أعدائي لكم، أمّا أصدقائي فأنا أعرف نقاط ضعفهم.هناك وجوه تنطفئ داخل الذاكرة بسرعة. وهناك وجوه لا ننساها أبداً. وجوه الناس الذين نحبهم لأوّل مرّة بصدق ويؤذوننا بعمق. الأشياء العادية وحدها تُنسى.
اليوم لم يبدأ بخير. شعرت بثقله منذ الصباحات الأولى.عندما استرجعت بعض قواها، كانت قد امتلأت بالأشياء الغامضة والخوف. قالت أنا لا أعلم، إذا كان عليّ أن أفرح أم أحزن في ظروف مثل هذه. الناس في هذه البلاد ينسون كلّ شيء بسرعة قاسية وقياسية.أرأيت كيف كانوا يصفقون عليه وهو يتباكى على وضعية الإنسان العربي؟.
قلت و أنا أبحث عن لغتي الضائعة:
ـ أوف. تعرفين هؤلاء الناس لا يتحركون إلاّ بجماعاتهم التي تتقاضى مرتباتها مقابل القيام بمهمّة التصفيق!؟
دعوتها إلى مطعم صغير في زاوية الشارع الكبير، متخصّص في البيتزا الإيطالية، لتنسى همومها، وما كدنا نجلس في المقعد الخلفي، حتى دخل علينا رجل يشبه الشرطي، أو العسكري، ولكنه لم يكن كذلك. كان خليطاً من هذا وذاك.
طلب أوراقي.
طلب أوراقها.
ركب نظارتين. حاول أن يقرأ بصعوبة كبيرة.
ثم سألنا كمن يكمش طريدة فجأة في مصيدته.
ـ متزوجان.
ـ نعم.
ـ الدفتر العائلي.
ـ ما عَنْدَنَاشْ.