صفحة 1
الخطبة الأولى
لا يُعَد سعيداً؛
مَنْ طَلَبَ ما لا يَجِدُ
(كليلة ودمنة)
كم يبدو الطريق أليفاً؛ وأنيساً؛ ومهيّجاً للعواطف والذكريات؛ بين الشارقة وأبوظبي: تقود سيارتك الخاصة؛ أو تكتري حافلة صغيرة؛ أو تدسّ جسدك بين ناس من أجناس شتى، وجنسيات شتى، فيكاد الرمل يكلمك؛ والشجر يخاطبك؛ والبشر يُساررك؛ والسماء تعاينك!
إنه طريق معبّد؛ وكان في يوم مضى من رَمْله الرمل، فلا أول له ولا آخر، ولا بداية ولا نهاية· تكاد تضيع بين جنباته، لأن الرمل رمل، شمالاً أو جنوباً؛ وهو كذلك شرقاً وغرباً·
والطريق هو الناس؛ والفكر؛ والعمل؛ والعلم؛ والفن؛ والأدب·
الطريق: الحياة·
وعلى هذا الطريق؛ بين الشارقة وأبوظبي، مروراً بدبي؛ استيقظ القلب من غفوته ذات يوم؛ وهاجت الذكرى، فحضر أبو الطيب؛ والعراق؛ وغار حراء، وبلاط الشهداء، وجبال الأوراس وبوابة الأطلسي؛ والكنعانيون؛ وجبل عامل؛ وسهل نينوى؛ وعدن؛ والبحرين؛ ومستنقعات ميسان؛ والسماء·
نعم؛ السماء·
ذات فجر؛ والشمس مختفية وخجلى من نور العلي القدير؛ وعلى هذه الطريق بين الشارقة وأبوظبي؛ رأيت الأرض ترتفع نحو السماء· وأحسست بالسماء تقترب من الأرض؛ فاصطكت أسناني، وتجمدت قدماي؛ وسمعت هاتفاً ينادي: مَنْ محبوب غيري؛ أيها الفاني؟
وما كاد صوت الهاتف يسيل مع امتداد حرف الياء الأخير؛ حتى نُشت السماء بسبابتي اليمنى؛ وَوَتَدْتُ كعب قدمي اليسرى بالأرض؛ وقلت: لا محبوب إلا أنت؛ تقدَّستْ أسماؤك؛ وتعالى اسمك؛ وعلا جلالك؛ وارتفع مقامك·
ثم توقف كلامي·
صار لساني جمرة باردة، باردة جداً· وصار جسدي كلّه جنة من نور· لأن صوت الهاتف غمرني بكاملي، وهو يقول: اقترب
اقتربتُ·
قال الهاتف: ثم اقرأ!
قرأت: الحمد لله رب العالمين
ومع امتداد حرف النون امتدت السماء نحو الأعلى؛ ونزلت الأرض إلى الأسفل؛ فرأيت في هذا الأوقيانوس من النور، شيخاً كلّي البياض؛ يقود سفينة تجرّها ستة أحصنة؛ يومي إليّ قائلاً: اتبعني؛ لترى القمة
تبعته·
واتبَعْته؛
ذلك الشيخ الأبيض؛ وهو يقود سفينة العرب، سفينة الفكر والأدب والفن·
قال: ماذا ترى فيّ؟
-: عربيّ·
وقال: وماذا أيضاً؟
-: عربيّ مسلم·
كناية عن أشواق الأرض إلى السماء والملكوت·
إمارة الشارقة
3/11/2008
صفحة 2
النبيّ
ارْتَفِعْ أيها القلبُ العامر بالحب إلى خالِقِكَ
كُنْ أنتَ مَوْلاي، كُنْ إلهي، أنْتَ يا مَنْ تُحِبّ الخلقَ أجمعين،
يا مَنْ خَلَقْتَني وخَلَقْتَ الشمْسَ والقَمَرَ
والنجومَ والأرضَ والسماء
(غوته: من مسرحية: محمد)
هؤلاء الناس العرب والمسلمون، الذين غضبوا لأن صحيفة دنماركية نشرت رسوماً كاريكاتيرية تسيء إلى النبي الكريم محمد ابن عبدالله عليه الصلاة والسلام، معهم حق لينادوا بالمقاطعة وسحب السفراء، لأن ما قامت به تلك الصحيفة عمل لا أخلاقي وتصرف مهين·
ولكن·· ماذا بعد المطالبة بمقاطعة البضائع وسحب السفراء؟ وهل هذه الدعوات والنداءات الغاضبة التي وصلت إلى أغلب الكتّاب العرب، والفقير إلى الله واحد منهم، هي ردة فعل أم مبادرة؟
وهل نحن في حاجة إلى مبادرة تواجه هذا التشويه المقصود، وما هي مقومات هذه المبادرة؟ وهل نمتلك القدرات الثقافية والأدبية والفنية والمادية، لتحويلها إلى عمل مبرمج ومقسوم على زمن؟
نعم، نحن في حاجة إلى مبادرة أو مبادرة متكاملة على هذه الصعد المتعددة الاهتمامات، ولدينا الإمكانات كافة لتنفيذها بحذافيرها، وبقوة تأثيرها، إنْ نحن درسنا بعقل وبروية وبحكمة، وفقاً لنظرة بعيدة ما قامت به إمارة الشارقة في السنوات الأخيرة، من عبور مبرمج وممنهج إلى العالم الغربي، بالزيارات الثقافية لألمانيا وفرنسا، التي قام بها الأديب المحقق الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي·
لماذا لا نبني على هذا العبور ونذهب إلى الدنمارك، ونتحدث إلى النخب الثقافية والإعلامية، بل وإلى ذلك الرسام الذي تجرأ على إهانة النبي عليه الصلاة والسلام، بما هو مكتوب بالألمانية، وبلغة الباحثة الألمانية: كاتارينا مُوْمْزن، وكتابها: غوته والعالم العربي الذي اقتبسنا منه نص غوته في مقدمة هذا الإيجاز؟
كل مستلزمات النجاح متوافرة ومتاحة، ولا ينبغي انتظار جامعة الدول العربية، أو منظمة العمل الإسلامي، أو منظمة أوابيك· بل يكفي أن تتصدى عصبة لا يتجاوز عدد أفرادها عدد أصابع الكف اليمنى لإنسان، لكي يتحدثوا إلى الناس في الدنمارك حول قصيدة: محمد الشهيرة، أو قصيدة: نشيد محمد الأكثر شهرة، لأشهر شعراء أوروبا وفلاسفتها: غوته، لكي يتعدد أداؤنا ويتنوع على قاعدة مبادرة الشارقة
في كتابها غوته والعالم العربي ذكرت كاتارينا عشرات الأسماء الأدبية والعلمية الذين امتدحوا الرسول الكريم، ونظروا بإعجاب إلى الثقافة العربية والإسلامية، واعتبروها رسالة رفيعة·
العمل الرصين، والأكثر جدوى، والأكثر تأثيراً، هو أن نخاطب الجمهور الأوروبي خاصة، بكلمات مفكريه وشعرائه، حول الرسول والإسلام والثقافة العربية· أما غير هذا فهو ردة فعل ربما تكون مؤقتة·
يقول الماجدي: هو الرئيس··· أبداً·
إمارة الشارقة
28/1/2006
صفحة 3
في ذكر الأرحام والأنساب
تعلَّموا أنسابكم،
تَعْرفوا بها أصولكم؛
فتصِلوا بها أرحامكم
(عمر ـ رضي الله عنه)
نحن من آدم، وآدم من تراب·
لكن آدم كلمة وكتاب·
هذا القول الفصل لا ينفي أن يعرف الواحد منّا منابت قومه وأسماءهم، وفضائلهم، وأيامهم، لأنهم الأصل· والأصل دليل، كما الكتاب دليل ورفيق·
ولذلك قالت العرب إنه لو لم يكن من معرفة الأنساب إلا اعتزازها من صولة الأعداء، وتنازع الأكفاء، لكان تعلّمها من أحزم الرأي، وأفضل الثواب
ولقد شهدتُ مسلةً عند جبل فيتوشا العريق في بلغاريا، نقش أحد ملوكها عليها، أسماء آبائه وأجداده، قبل نحو ألف سنة، وخمسمائة سنة أخرى، وتوقف مرافقي الذي كان يجيد العربية، عند اسم أحدهم؛ ثم قال: وهذا عُمَر·
سألتُ: عُمر، بلغاري؟
أجاب المرافق: اسأل ابن بلدك، ابن فضلان، فلربما تجد في رحلته ما يشفي الغليل؛ ويفصل بين القال والقيل، ويريك أن الكثير أصله في البدء قليل·
أما ابن فضلان، فهو: أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حماد البغدادي، صاحب الرحلة الشهيرة إلى بلاد الصقالبة، التي عرفت باسم رسالة ابن فضلان، حيث تجد فيها الفرق بين أمس واليوم·
الأمس، كان كما كان في خلافة المقتدر بالله أبي الفضل جعفر ابن الخليفة المعتضد، الذي بويع خليفة وعمره 13 عاماً، سنة 295 هجرية، والذي وصفه ابن الطقطقي بقوله: كان سمحاً، كريماً، كثير الإنفاق، أكثر من الخلع والصلات، وكان في داره ألف خادم من الروم والسودان، وكانت خزينة الجوهر في أيامه مترعة بالجواهر النفيسة
وفي زمن هذا الخليفة، ركب ابن فضلان في ألف دابة، لكشف المستور عن حالة أوروبا في حينه، بعدما رأى الوزير النبيه أبو الحسن علي بن الفرات، أن تسيير ذلك الركب إلى بلاد الصقالبة، فيه فائدة كبرى للمسلمين· والتفاصيل يجدها العارف النبيه في كتاب تلك الرحلة·
ولا تجد، حتى يومنا هذا، أي مؤسسة علمية وثقافية رفيعة في بلاد روسيا، والقوميات السلافية عموماً، إلاّ وفيها ذكر لابن فضلان·
ولا تجد ـ رعاك الله ـ عربياً يعرف أصله وفصله، إلاّ وفيه شيء من مقالة كريمة للإمام علي ـ رضي الله عنه ـ· قال أبو الحسن: أكرم عشيرتك؛ فإنهم جناحك الذي به تطير؛ فإنك بهم تصول، وبهم تطول، وهم العدّة عند الشدّة· أكرم كريمهم، وُعُدْ سقيمهم، وأشركهم في رأيك، ويَسِّر عن معسرهم
ويعرف الأديب الكاتب من بين الخلق طُرّاً، أنه منسوب إلى حاملي القلم، وحملة الكتاب، فهؤلاء عشيرة، أكرم بها من عشيرة، لأنهم شرّاح النون وما يسطرون، والكون وما به من الخاصة والعامة وهم يتفكّرون·
وقد كُنتَ ـ سلطان ـ في ثُريّا الاثنتين··!
إمارة الشارقة
11/9/2009
صفحة 4
بالقرب من الرئيس
ومثل السلطان كالدار والوزير بابها،
فمن أتى الدار من بابها ولج·
ومن أتاها من غبر بابها انزعج
(الإمام الأبشيهي)
كتب الجنرال الفرنسي أندريه مونتانيون، أحد أفضل الكتب حول الرئاسة والرئيس بعنوان رسالة في الرئاسة والرئيس قام بترجمته إلى اللغة العربية المترجم الأديب لويس الحاج، ونشر في بيروت سنة 1955·
المترجم الأُستاذ لويس الحاج، معروف لدى طبقة الأُدباء والكتّاب العرب في العراق وبلاد الشام، الذين كانوا من مدمني مطابع الكتاب في لبنان في القرن الماضي· وهو والد الشاعر المتميز أنسي الحاج، الذي انضم إلى جريدة الأخبار البيروتية التي صدرت قبل أسابيع عدة، بعد تجربة طويلة في إدارة جريدة النهار اللبنانية·
ولقد تلازم المنشئ الجيد مع المترجم الممتاز في كتاب رسالة في الرئاسة والرئيس حتى لتكاد لا تميز بين إجادة أي واحد من الاثنين· وهذا من حسن طالع الجسم الثقافي، لأنك حين تقرأ تلك الرسالة، تلقى نفسك سائحاً في خلاصة الفكر والتجربة الأوروبيّين حول هذه المسألة المهمة·
ولفت انتباهي، وأنا أتحدث عن تجويد الأُستاذ لويس الحاج في ترجمته لتلك الرسالة، كتاب آخر بعنوان أخائن أنا؟ للجنرال الروسي فلاسوف صدر باللغة العربية في بيروت سنة 1948 يعرض لتجربة هذا الجنرال الروسي الذي انشق عن بلاده أيام حرب هتلر على روسيا السوفييتية التي كان أدباء الحرب الباردة وإعلاميوها يطلقون عليها الاتحاد السوفييتي
يروي فلاسوف تفاصيل لقائه مع أدولف هتلر في العاشر من سبتمبر / أيلول سنة 1942، فيقول إنه دعي إلى المقر العام الهتلري، حيث استقبله هتلر طوال ساعة من الزمن، وكان حوله مستشاروه وجنرالاته، وبينهم عقيد يدعى كيدروف·
كان كيدروف لا يوافق على فكرة هتلر التي طرحها على الجنرال فلاسوف ومؤداها أنه يجب تشكيل عشر كتائب من متطوعين روس لمقاتلة الجيش الأحمر حول ستالينغراد·
هنا، يقول فلاسوف: تدخل الكولونيل كيدروف في الحديث، وحاول أن يقنع الفوهرر بضرورة تبديل الأساليب التي تتبعها الإدارة الألمانية في روسيا، فقاطعه هتلر بقوله: أنا أعرف منك بما يجب عمله
ولا شك في أن القارئ الفطن المطلع على مجريات الحرب حول ستالينغراد، يعرف الآن أن كيدروف وضع نفسه في مقامه الصحيح، أي أن المستشار يجب أن يُستشار، بصرف النظر عن وجهة نظر الرئيس، أيّ رئيس، لأنه - كما يقول عبد الله بن المقفع - كُتب عليه أن يكون قائلاً، وكُتب عليكم أن تكونوا سامعين·
في مقابل هذا الوضع الصحيح، يوجد في الأغلبية من المراكز العربية الراسية، المستشار الذي لا يُستشار· أو المستشار الذي لا يريد أصلاً أن يُستشار، لأنه اكتفى بما غلا ثمنه وخفّ وزنه، وفضّل أن يكون بئراً لا قرار لها، أمام رؤساء من طراز أدولف هتلر·
هتلر، رسام وصحافي وخطيب لوذعي، لكن السلطة هي السلطة، ولذلك تحيّر معه أقرب المقربين منه· ويقول الجنرال الفرنسي مونتانيون في كتابه رسالة في الرئاسة والرئيس: إن المؤهلات الفكرية والثقافية تسهم في تكوين شخصية الرئيس التي تزداد كلما اتسع نطاق مؤهلاته
هذا صحيح تماماً، أما في بلاد مرّيخستان فتمّ الطلب إلى الرئيس أن يكتب الرقم: 55 فكتب الرقم: 5 ثم بقي يفكر، ويفكر، حتى قال أخيراً: لا أعرف أين أكتب رقم 5 الآخر، على اليمين أم على اليسار؟
فأين الثّرى من الثُريّا··؟
إمارة الشارقة
15/9/2006
صفحة 5
طريق الرئيس
ليس شيء ألذّ ولا أسرّ من عزّ الأمر والنهي،
ومن الظفر بالأعداء،
ومن تقليد المنن أعناق الرجال،
لأن هذه الأمور نصيب الروح،
وحظ الذهن، وقسمة الذهن
(الجاحظ)
عتب عليّ مواطن عربي، قال: أراك تتحدث حول السياسة والرياسة بلغة القرن الثالث الهجري، بينما نحن في ذيل عالم وبداية قرن يقفز عالياً، وعالياً جداً، ليبني ثقافة جديدة في الرياسة والسياسة والحكم
ثم قال: ثم، ما لنا والساسانيين؟ إنهم في زمان ونحن في زمان آخر، ومن الخير أن نتكلم في البرلمان، والتمثيل النسبي، والرأي والرأي الآخر، وتحرير المرأة، وتأمين حقوق الطفل، ومجانية التعليم والصحة·· وهكذا·· وهكذا، وغير هذا أيضاً
الحق مع هذا المواطن العربي، فهو يرى الأمور من زاويته، وأراها من زاويته، ومن زاوية محمد، ومن زاوية الوليد وعمر وجريس ونيقولا وصالح وابن جلول وفاطمة وهند ومليكة·
ثم إن الكتابة رسالة، وأخذ وردّ، وها أنت ترى ـ يا صديقي ـ أننا، أنت وأنا، نطير بجناحين، لا بجناح واحد فأنت تنشئ العناوين، وأنا أعود إلى حِكمِ الأمم والشعوب، وإلى عاداتها وتقاليدها، وحُكّامها، فأنقل من أمهات الكتب العِظة، مثلما أنقل الكفر أيضاً· وناقل الكفر ليس بكافر· والمقصود هنا العبرة ولو قادتنا إلى العَبْرة، أو ذكر أردشير ملك الفرس، أو نيرون الروماني·
ولقد مللنا الحديث عن التفرد العربي والاستقواء العربي، بالأجنبي، لأنه حديث مشاع ومباشر، ولكن تعالَ نجرب خطاباً آخر فنقول: من أخلاق الملوك حب التفرد· وكان أردشير إذا وضع التاج على رأسه لم يضع أحد على رأسه قضيب ريحان، وإذا لبس حلة لم يُرَ على أحد مثلها، وإذا تختّم بخاتم كان حراماً على أهل المملكة أن يتختموا بمثله
هذه فضيحة عربية بجلاجل، كما يقول إخوتنا المصريون، لأن بيننا من بزّ أردشير في تبذيره وهو يظن أنه مُسْرف· ويوجد بيننا من الوعاظ من لا يعلّم الناس الفرق بين التبذير والإسراف·
والمبذرون إخوان الشيطان·
وفي قطب آخر من المعادلة نجد النقيض: كتب عمر بن الخطاب إلى معاوية: أنْ الْزَم الحق، يُنْزِلْكَ الحق في منازل أهل الحقّ، يوم لا يُقضى إلاّ بالحق
وجاء في أخبار الرياسة العربية - الإسلامية، أن أول كتاب كتبه علي بن أبي طالب في خلافته، جاء فيه: أما بعد، فإنما أهلكَ من كان قبلكم، أنهم منعوا الحق حتى اشْتُرِيَ، وبسطوا الباطل حتى اُقْتُدِيَ
وهذا هو الفرق الجليّ بين الرئيس الذي يأتي إليه الكرسي ليكون بعض تجليات أخلاقه ورياسته، والرئيس الذي يكون أصغر من الكرسي، فيكبر الكرسي، ويتضخم، حتى ليغدو الرئيس بعضاً من الكرسي·
الأول، يقصد الحق، والثاني يقصد الكرسي فقط· وقالت العرب: مَنْ قَصَدَ إلى الحق اتسعت له المذاهب حُجة، ومَنْ تعداه ضاق به أمره، وما هلك امرؤ عرف قدره
وأكْرمْ برئيس يقصده رجل في حاجة، فيقول للقاصد قبل أن ينطق هذا القاصد بكلمة واحدة: أنت عندي، لقد قُضي الأمر
إمارة الشارقة
13/1/2006
صفحة 6
الرئيس والثقافة
ليس لي أن أرجو من قوادي أن يفهموني·
ولكني أستطيع أن أطلب منهم الخضوع لي،
وتنفيذ أوامري
(هتلر)
الرئيس المقصود هنا، هو رب العائلة، ورئيس القسم، والمحافظ، والوالي، ورئيس أي دولة أيضاً·
أما الثقافة المعنية، أو مبحث هذا اليوم، فهي معرفة الرجال وتقديرهم، واختيارهم للمهمات المستعجلة والقصيرة الأمد، بعدما تدفعهم إلى الحلقة الأولى من الإدارة، آليات بناء الدولة وتطويرها، حسب الظرف والزمان·
وفي نهاية زمن حكم بني أمية، وبداية حكم العباسيين، كتب عبدالله بن المقفع، الفارسي الكسروي الذي تعرب بالبصرة في منزل أحد العراقيين القدامى، في الأدب الصغير والأدب الكبير: اعلمْ، أن الزمان الرجال· والرجال هنا المواقف الصحيحة في الزمان الصحيح والمكان الصحيح·
وهذه لا يقولها إلا مثقف بصير خبر السلطة عن قرب ووراثة، وعرف مغانمها وأهوالها، ثم قتل تلك القتلة الشنيعة، لأنه لم يعرف أن أنوف الرجال قد تصيب منه مقتلاً·
وكان أحد أبناء بني العباس طويل الأنف· فشنَّع به ابن المقفع، فحفظها له العباسي، حتى ظفر به وقتله، كما تعرفون·
وهنا سقطة المثقف الذي لا يفارق السلطة·
وهنا أيضاً سقطة هتلر·
كان هتلر لا يشعر بأن قواده العسكريين يحترمون آراءه العسكرية· ومعهم الحق في هذا، لأنه رجل رسام، وصحافي فاشل· ولكنه كان يقول لهم: إن آرائي أرفع من أن تدركوها، لأن نظركم قصير عن بلوغها· وفهمكم مغلق دونها· واعلموا جيداً أنني أريد أن أطاع
يعني، لا أحد يناقشني أبداً، فأنا الكل في الكل· أنا الكل، والكل أنا·
ألقى هتلر محاضرة على قواد جيشه في 22 إبريل/نيسان 1939 قبل الحملة على بولونيا قال فيها: عليّ وحدي الاعتماد كل الاعتماد· وبكياني مرتبط كيان الرايخ (···) ولذا فإن وجودي عنصر أساسي من الأهمية بمكان
وقال في محاضرة ثانية سبقت غزوه لفرنسا، وكأن الدنيا طوع بنانه: لما تقلدت زمام الحكم سنة 1933، كان أمامي طريق طويل من النضال المضني· وترتب عليّ إعادة تنظيم جهاز ألمانيا بكامله من الشعب إلى الجيش
هكذا، إذاً، أيها الفوهرر···!!
ماذا يفيد الناس إذا كان هتلر أو حتى ذلك الممسوس موسوليني ـ وهو روائي أيضاً ـ رساماً وصحافياً، ولكنه لا يريد أن يعرف أن العدل أساس الملك، وأن كبير القوم خادمهم، وأن العقل حجة إلهية للإنسان، مطلق إنسان، وحجة عليه أيضاً·
وقبل ذلك وبعده، فإن رأس الحكمة مخافة الله· وهذه هي الثقافة الحقيقية·
يقول الماجدي: نعم·
إمارة الشارقة
3/6/2009
صفحة 7
مذكرات الرجاء
ما شككتُ قط،
أن على فرنسا أن تجتاز محناً ضخمة،
وأن جدوى الحياة، إنما تقوم في أن أؤدي لها،
ذات يوم، خدمة مرموقة،
وأن فرصة هذه الخدمة ستواتيني
(ديغول - المذكرات: النفير)
هل للفرد دور في صناعة التاريخ؟
يرى الجنرال ديغول، أن دوراً مهماً للفرد في صناعة التاريخ· وما يقول به جنرال التحرير والأمل والثقافة، يقول به أيضاً نفر غير قليل من صناع الأحداث، وأبطال المهمات الكبرى في تاريخ البشرية·
ويرى آخرون، وهم كانوا ذات يوم يصنعون التاريخ في بلدانهم كما في خارجها، أن الجماهير هي التي تؤدي هذه المهمة الظافرة، وأن الشعب هو سيد الكلمة في هذا الشأن·
وبين الرأيين كان خلاف ونقاش وحوار، انتقل إلينا في عقود حاسمة من حياتنا، من بينها سنوات النصف الأول من القرن الماضي، حيث شهدت بلادنا العربية تناسخ نماذج عربية لحالات في بريطانيا أو أمريكا أو فرنسا أو روسيا القيصرية والشيوعية·
وفي خضم ذلك الصراع الفكري، الذي اتخذ طابع العنف، بل والعنف الشديد في أكثر الأحيان في عدد من البلدان العربية، كان ينمو نمط من الإرادة العربية، يحاول أن يتلمس دوراً خاصاً في هذا الجدل، ويبني عليه ليكوّن مهمته والأجيال اللاحقة·
هذا النمط العربي الجديد، تخلو أمامه الساحة العربية، من غير إرادته في أحيان كثيرة، أو يشق طريقه في غمار آلام ومصاعب ومحن وخسارات ضخمة في أحيان قليلة جداً·
إن سقوط أنموذج المستبد العادل العربي مع بدايات النصف الثاني من القرن الماضي، وافتضاح الطابع اللاإنساني للنظام السياسي العربي الذي تولَّد، أو تصنّع، في تنانير الحرب الباردة بين الرأسمالية والشيوعية قد جعل القول إن الخيار الثقافي هو الأمل الذي لن تستطيع المهارات المعادية لطموحات شعوبنا، القضاء عليه في ضمير كل واحد منا·
والخيار الثقافي مستنداً إلى الفهم الأوسع والأشمل للثقافة ودورها في حياتنا بعامة، هو الذي يعيد إنتاج آمالنا المهانة، وأحلامنا المغدورة، وحيواتنا المنكسرة، وأحزاننا الضخمة، ويحوّلها إلى حياة جديرة بأن تُعاش وتليق بنا أيضاً·
إن من هو جدير بهذا الخيار الثقافي، لا تكسره الأحزان الشخصية، ولا تفتر من همته نذالات أصحاب النفوس الواطئة، بل ولا تثنيه عن التصدي لهذه المهمة النبيلة حتى الخيانات التي منبعها مواطىء القدمين، لأنه هو النموذج الذي كفّته تعدل كل النماذج الأخرى في الكفّة المناوئة له·
رموز هذا الخيار الثقافي في وطننا العربي، تدرك تمام الإدراك، كما أدرك الجنرال ديغول حيال بلاده التي إذا حدث أن اتسمت أفعالها ومآتيها بما يخفض من مقامها أو يجعلها غير متقدمة، يخالجني حيال ذلك، إحساس بشذوذ غير معقول، ينبغي أن يُعزى إلى أخطاء الفرنسيين، لا إلى عبقرية الوطن
إمارة الشارقة
13/12/2007
صفحة 8
سلطان القاسمي:
بناء الإنسان بالعلم
الإنسان بُنيان الله·
ملعون من هدمه
(مأثور)
مبادرة جامعة إكستر البريطانية بمنح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، شهادة فخرية· كأحد أبرز شخصيتين في العالم تقديراً منها لجهوده في بحوث التاريخ العربي المعاصر: تعني من بين ما تعنيه نقطتين مهمتين:
الأولى: تتعلق بالشيخ الدكتور ذاته كمواطن عربي مثقف وكحاكم سياسي· ينطوي على مسؤولية مضاعفة وامتياز مكرر، ففي المسألة الأولى يتحول الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي إلى فعالية ثقافية غير تقليدية محلياً وعربياً· الأمر الذي يلقي على كاهله مسؤولية خطيرة وضخمة، في المساهمة بتطوير وتثوير حياتنا الفكرية والعلمية والثقافية على مختلف الصُعد· بينما ترتبط المسألة التالية بسابقتها، من حيث هي امتياز مكرر لأن ارتباط العلم بالقائد السياسي في تاريخنا العربي الإسلامي، تحقق في فترات شكلت صعوداً غير تقليدي في دور العرب والمسلمين حضارياً وفكرياً· نذكر ـ للمثال فقط ـ كيف كانت نتيجة هذا الارتباط بين العلم والقيادة السياسية في حياة الخليفة العباسي: المأمون بن هارون الرشيد، الذي كان في حياته عالماً أيضاً، فأنشأ دور العلم وأكرم العلماء والأدباء وحماهم من كل سطوة غاشمة، وسخّر الأموال والقدرات لنقل العلوم والفنون من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية·
أما النقطة الثانية التي تعنيها مبادرة جامعة إكستر بمنح سموه هذه الشهادة الفخرية المميزة، فخير من عبّر عنها هو الشيخ الدكتور نفسه في حديثه لتلفزيون الشرق الأوسط في لندن، بتأكيد سموه على ضرورة تطوير العلم في الوطن العربي والتركيز على جعله تعليماً عملياً، حيث إن الحصول على الشهادات ليس هو المطلوب فقط، وإنما المطلوب أيضاً هو البحوث النظرية والعلمية لتطوير الإمكانات الكثيرة والمتعددة للوطن العربي، والذي يعتمد بدوره على عقول أبنائه في عملية التطوير وليس على آخرين غرباء وبعيدين عن المنطقة·
صفحة 9
وفي هذا التلخيص الموجز لدور العلم البحثي نظرياً وتطبيقياً في حياتنا حاضراً ومستقبلاً، والاعتماد في ذلك على أبناء العروبة لتحقيق هذه النقلة الحضارية النوعية·· يصيب سموه كبد الحقيقة، ويؤشر لنقطة جوهرية لا تنال بالأماني والنوايا الطيبة وإنما بالمجاهدة والجرأة والتخطيط·
إن وقائع وتجارب، قديمة وجديدة العهد، لا تزال تثبت للمواطن العربي في هذا الوطن الممتد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، أن الذي يُراد بأرضه هو أن تتحول إلى منطقة استيراد لكل السلع من الآلة إلى الإبرة، وأن يتحول هذا المواطن العربي إلى مستهلك مستمر ودائم لكل ما يصنع خارج أرضه، وبموازاة تخطيط جهنمي رديف يمنع عنه الإفادة من التكنولوجيا حتى لو طلبها بحرّ ماله، ويحال بينه وبين أي تقدم علمي يحققه هذا المواطن العربي·
بل إنني ـ ربما ـ لا أقول جديداً· إننا، كعرب، في أتون مرحلة، نتعرض فيها إلى إرغام يرتبط بمنطق القوة الغاشمة، للحيلولة بيننا وبين العلم· وربما لا أقول كهانة إذ أجرؤ على القول إنه سيأتي علينا يوم سنُمنع فيه من التصريح أن الكندي ألّف أكثر من ثلاثمائة رسالة في الطب والفلك والفلسفة والموسيقى والشعر وغيرها!
والحقيقة أن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، في تصريحه لتلفزيون الشرق الأوسط في لندن، يقدم النقيض العربي لمقولات هذا الأتون ـ المرحلة، وهو تصريح يجد تفسيره في جهود سموه الكثيرة التي تركز على أهمية بناء الإنسان، وعلى ضرورة البدء في هذا البناء من عند اللبنات الأساسية، وأعني بذلك أطفال العرب·
إن مثقفينا وعلماءنا العرب على امتداد الساحة العربية، وخصوصاً في دولة الإمارات العربية المتحدة، مدعوون إلى مناقشة واعية لطروحات الشيخ الدكتور في هذا الميدان، وأول مستلزمات هذه المناقشة الواعية هو التجاور في حرية طرح الأفكار والمواقف البناءة بجرأة وموضوعية ومسؤولية، تماماً كما يطرحها الشيخ الدكتور·
وكم يتمنى المرء أن يسمع نبرة صوت وتحديدات الشيخ الدكتور من أفواه العديد من كبار المسؤولين العرب·
إمارة الشارقة
20/7/1993
صفحة 10
سيرة على درب المسيرة
1 ـ التلميذ يقدم مُعَلمهُ
حقاً إنه الأساس
إذا كان متيناً، والدعائم إذا كانت وطيدة،
أمكن أن نتابع عملية بناء البيت، مهما كان هذا البيت:
قصة أو رواية أو أسطورة أو تأملات، أو كان مقالاً من المقالات
(حمزاتوف)
كتب صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، في السطر الأول، من الصفحة الأولى، من تقدمته لكتاب الأخ محمد ذياب الموسى: سيرة على درب المسيرة، ما يلي: قرأتُ باستمتاع (سيرة على درب المسيرة) لأستاذي ومعلمي محمد ذياب الموسى
أستاذي ومعلمي محمد ذياب الموسى
طبع العربي، العربي الذي يتشرف بالفصحى نسباً، الوفاء· الوفاء لمن أحسن إليه· والوفاء لمن آواه، من أيّ ملّة كان· فكيف هو مع الذي علمه صغيراً، وكان إلى جانبه شاباً، ومعه كهلاً؟!
يحضر، هنا، كلام سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، في العلم والتعليم والمعرفة والصحة·
وتحضر، هنا أيضاً، سيرة الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، في مسيرة المعلمين والمؤدبين في أزمنة الإسلام وحقب العرب·
توقير المعلم، وإيفاؤه حقه من الاحترام، طريقة عربية، وسنة إسلامية، قبل أن يخلق محمد ذياب الموسى، وقبل أن يولد سلطان ابن محمد بن صقر بن خالد بن سلطان بن صقر بن راشد القاسمي·
ومنذ عرف المعلم الأستاذ محمد ذياب الموسى تلميذه الفتى سلطان بن محمد القاسمي، في سبتمبر سنة 1954، عرف فيه يقظة الذهن، وصلابة القلب، وبصيرة الضمير، وهو ما سأعود إليه في مقال قابل، بإذن الله·
وكانت العلاقة بين الأستاذ والتلميذ، كما كانت العلاقة بين هُشَيْم بن بشير الواسطي، ومحمد الأمين بن هارون الرشيد· وكما كانت العلاقة بين أبي محمد اليزيدي والمأمون: احتراماً لا يماثله إلا احترام الوالدين، وطاعة على مستوى طاعة الوالدين·
والآن، إذا ما ذهبت إلى مكاتبات هارون الرشيد، مع معلمي ولديه، وهي موجودة في أمهات كتبنا، ستجد أن مقولة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، في شأن الأستاذ محمد ذياب الموسى: أستاذي ومعلمي محمد ذياب الموسى، هي نسخة عربية متجددة، من نظرة الأمين والمأمون إلى أستاذيهما·
لكن هذه النظرة، في ظروفنا الحاضرة، تكتسب بعداً إضافياً، لأن بعض العرب يريد التنكر للعرب أجمعين· ولأن هذا البعض منا، لا يريد للكل أن يكونوا مرجعاً لنا كلنا·
فيجيء خطاب سلطان، التلميذ السابق، والكاتب، والمحقق، والمسرحي، ورجل الدولة، والحاكم، ليضع الأمر في نصابه الصحيح، بعدما وُضِع بعيداً عن تقاليد العروبة، وخلق الإسلام الحنيف·
كلمات الدكتور سلطان القاسمي، في حق الأستاذ محمد ذياب الموسى، تذكرة بفضل أهل العلم، وإفشاء لثقافة المعرفة والتعليم في بيئتنا الحالية·
إمارة الشارقة
8/11/2008