eKtab
EN ع
ذاكرة الطين
اقرأ عينة مجانية

ذاكرة الطين

بقلم مؤيد الشيباني

صفحة 1
كتابة تقفز على الأرصفة
 
هذه الكتابة لي!
 
لكن، هل يكتب إنسان لنفسِه؟
 
نعم، حين يكون في وادٍ عميقٍ من الأسئلة!
 
الأسئلة البعيدة عن السطحية والجواب الجاهز على طاولة العمى··
 
أسئلة المستقبل الذي قد يأتي ـ لا بد يأتي ـ بعيدا عن صور الذاكرة السوداء··
 
لابد لثقافة السلام، وإرادة الحياة، لكي لا نبقى مقيمين في الماضي··
 
لابد للحداثة أن تأخذ طريقها إلى الأجيال·· حداثة المواطَنَة··
 
ولابد للتاريخ أن يبقى تاريخا دون أن يتحول إلى خرافة تلد الحروب والكراهية··
 
بركانٌ من التناقض انفجر فجأة، ونوافذُ مغلقة فتحتها رياحُ التغيير·· فأصبح العراقي تحت مرمى سهام الوصف المُغرِض، أصبح محتاجا إلى وصف آخر لكي يكتمل تعريفه أمام الآخر، ذلك الذي يرفض أن يسمّي العراقي باسمه المجرد، ما لم يضف إليه ما يعكس فرزه وتوصيفه الضيق··
 
أراجع ذاكرة الطين، تلك التي لها أسماء أخرى، الحب حد الجنون، والشعر حد البكاء·· الفضاء حد الجنائن المعلقة، والأرض حد المقابر الجماعية! والمنابر حد إعلان الحروب، وأيضا الأنبياء، والقتلة، وكل متناقضات التاريخ بكامل فصوله الخرافية، التي قد لا يصدقها شخص عادي!
 
وطنٌ! يراه الحطاب غابة ً من حطب، ويراه اللصوص منجما من ذهب! ويراه أبناؤه الفقراء حلما بعيد المنال، ويراه الطغاةُ ملكية خاصة··! هذا الوطن الذي نسي أن يلتفت قليلا إلى معناه، فنسي المستقبل، وبقي هائما يبحث عن لغة تعيد له فصاحته التي سقطت على طرق الموت الممتدة شمالا وجنوبا وشرقا وغربا! الوطن الذي لم يتعب من الموت، ولم يرتوِ من أنهار الدم الجارية بين البيوت والقرى والمدن والأزمنة! الوطن الذي حين يسافر أبناؤه يحملون في حقائبهم المسلة والثور المجنح والمئذنة الملوية والقباب الزرق وحفنة طين من (يا دجلة الخير) حتى لا يستطيع أحدهم الحركة لفرط ثقل هذه الحمولة الحزينة!
 
هل نحتمل كل هذه العناوين التي تكبر وتكبر في كل مرحلة حتى لا طاقة لنا بها؟ إنها عناوين بلا حدود، كأن القيامة حدثت في هذه البقعة من الأرض كتمرين كوني للقيامة الكبرى!
صفحة 2
لماذا نبكي حين نتذكر العراق؟ نحن الذين اعتدنا المنافي منذ عقود·· وسرنا في شوارع العالم، طوافين غرباء، لا نسأل أحدا ولا ننتظر أحدا·· تلك الشوارع التي تنام وتصحو على خطواتنا الضائعة، نحن الذين فارقتنا المدن الأولى قبل عشرات السنين، ما الذي نفعله الآن؟ سيكون ضربا من العبث أن نعود! مثلما هو ضرب من العبث أن نبقى بعيدين!
 
الكتب التي لم نقرأها هناك، قرأناها هنا· والمقاهي التي طردتنا ولاحقنا روادها ببصاقهم وصراخهم هناك، احتضنتنا هنا! والبيوت الرطبة التي لم تترك لنا مكانا هناك، بنيناها هنا بقصائد الحنين إلى لا شيء! والأصدقاء الذين عرفناهم·· وهذا الرحيل الذي هو نحن لا نستطيع الغدر به، إنه ملاذنا الأجمل وشجننا وأغانينا، لا نستطيع أن نتخلى عن انتظاراتنا في سنوات الصمت والوحدة، الأشياء الخاصة، والتفاصيل الموزعة بالتساوي بين المعتاد والمباغت، دفتر أرقام الهواتف، الطرق الفرعية المؤدية إلى السكن المؤقت، نكهة الوسادة والفكرة المؤجلة·· المكان الذي انبثقت منه رائحة الورق في يوم قراءة ماطر، والصدفة التي لم نحلم بها حين يداهمنا الحب صباحا، والأيام، الأيام التي مضت، وتمضي، والتي في انتظار أن تمضي لمعرفة المجهول، ذلك الذي نخافه ونستعجله·· ونعشقه!
 
عشنا كل سنوات الخوف، بلا ثقة وبلا سقف أبوي، حتى خصوصيتنا الذاتية والفردية محرّمة علينا، صرنا كل واحد تحت نجمة، عبرنا بحر البلطيق إلى مدن الثلج والمعونات الشهرية، وغرقنا قرب سواحل استراليا·· متنا في الساحات والغرف المتسخة في قرى الفلبين، وعملنا منظمين لمواقف الحمير في باكستان، بكينا على أكتاف الغرباء، وقبلنا بربع أجورنا المستحقة، بذلنا كل ما نستطيع للحصول على جواز سفر آخر، وعندما حصلنا عليه وجدنا أنفسنا عراقيين وسنبقى كذلك، هل هي لعنة الحضارة؟ وهل نحن أحفاد أعدائنا أم بقايا الأساطير؟ هل نقول وداعا ونمضي؟ ولكن إلى أين؟
صفحة 3
هذه الكتابة لي·· وقد تقع سهوا بين يدي قارئ ما، أرجوه أن يعيدها إلي! أو يرميها في الطريق لتبقى تقفز على الرصيف بين أذهان المارة وأقدامهم··
 
إنما أتذكر في هذه الكتابة كل تلك العصور والسنوات، فإنني أتمنى أن تذهب إلى الجحيم، بكل أبعادها الثقافية والسياسية والاجتماعية، لكي نهنأ بسلام القبول والتسامح، لذا فهي كتابةُ قفز ٍ على عشرات العناوين، محاولة وقوف فاشلة عند عنوان واحد، كتابة استدراكات طويلة، وانتقال مفاجئ إلى عناوين منسية، وأخرى عالقة في الذهن· شوقٌ عارمٌ يملؤها للوصول إلى نقطة لا يمكن الوصول إليها·· التناقض والحيرة والغياب الكامل لمنطق الأشياء! إن الذي حصل في العراق ليس منطقيا ولا يتسق مع إنسانية الإنسان في أي بقعة على الأرض، وفي أي مجتمع! ترى هل أرى العراق الآن من بعيد؟ أم أراه بعيدا؟ ولماذا رغم هذه الهجرة لا يزال الهجير يلفح قلوبنا؟ ولا يزال تموز مقطـّع الأوصال على الضفاف والصحارى؟ ولماذا تلك الصورة لم تغب عن ذاكرتي بكل تفاصيلها:
 
نسوة يرتدين أجمل الملابس، ويحملن أطفالهن في ما يشبه العيد، ومعهن صرر الطعام وقناني الشراب وهن يتجمعن حول الجثث المعلقة في ساحة التحرير ببغداد، قالت الحكومة ـ بعد مجيء سلطة البعث في أواخر الستينات ـ إن هؤلاء جواسيس، ونحن نعلق جثثهم في ساحة التحرير (أمام نصب الحرية للفنان العراقي جواد سليم) لتكون عبرة لكل (من تسول له نفسه بالعبث بأمن البلاد!) ولهذا كانت الزغاريد تنبعث من النسوة المجتمعات يضحكن ويعلكن، كنت أرسم خيطا وهميا بين الزغاريد وبين الجثة المعلقة على يميني والتي قيل إنها لشاب عراقي اسمه صبيح محمد علي، هل وجدت العلاقة بينهما؟
 
ما الذي جاء بي إلى هنا، وهذا أول عهدي برؤية إنسان ميت، و·· زغاريد، وأحمر شفاه صارخ! وجثث معلقة!!! لكن هؤلاء لمن كانوا يتجسسون؟ قيل لإيران، وقيل لإسرائيل وقيل لسوريا وقيل لموسكو أو·· نسيت لمن! لكنني لن أنسى ذلك الشاب البسيط الذي كان يطاردني بأن ألتحق بحزب البعث! قلت له وأنت ما الذي يعنيك من هذا الأمر؟ وبدوت ساذجا حين عرفت أنه من الكوادر الرفيعة في الحزب، وقررت الهرب! لقد طاردني كثيرا··· يومها كانت القراءات شغلنا الوحيد حيث أنهيت للمرة العاشرة رواية (البؤساء)، وفيها يشدد فيكتور هيجو على الخيط الأساس والمتصل على مدى الرواية بين جان فالجان والضابط القميء (جافيير)! وتخيلت أن ذلك الشاب الذي يطاردني سوف ينتحر أخيرا كما انتحر الضابط، لكنني هربت! قال لي والدي: اهرب منهم، وللآن أتذكر وصفه ذات يوم من سنة 1969 حين قال: لم تروا شيئا بعد، الحديدة الحارة لم تزل ملفوفة، وسوف تكون قطعة من الجحيم يكوون بها الجميع، حتى الذين يهربون منهم!
صفحة 4
منذ أن بدأت رحلة القراءة والمتابعة وأنا أفكر بالروائي الكبير غائب طعمة فرمان الذي غاب جسدا عن العراق في العام 1958 ولم يغب عن تفاصيله اليومية الصغيرة، وبقي يكتب من موسكو عن المقهى والزقاق والحارة والنخلة وكل المفردات التي فارقها نحو أربعين عاما، حتى رحيله في أوائل التسعينات، حيث احتضنت موسكو رفاته، تلك المشاهد التي دوّنها في رواياته (آلام السيد معروف، النخلة والجيران، المرتجى والمؤمل، ظلال على النافذة، خمسة أصوات، المخاض، وغيرها) حملت كل معاني الذاكرة المكتنزة بالوطن حتى أدق التفاصيل، وحين بدأت رحلتي من محطة القطار في بغداد إلى البصرة ومن هناك إلى ساحة الصفا بالكويت سنة 1979 ثم إلى البعيد والأبعد، تعمقت العلاقة مع روايات غائب طعمة فرمان وفهمت معنى أن يجول العراقي في عواصم ومدن ومطارات الأرض ليعود في لحظة صمت إلى نفسه ويبكي··
 
وفي كل مرحلة من مراحل الاندفاع نحو الكتابة تقفز إلى المقدمة خطة عمل لكتاب عن الذاكرة، ولكن أعود إلى السؤال نفسه: ماذا أكتب؟ الذاكرة؟ حسنا لقد خرجت من العراق وعمري خمس وعشرون سنة! هل هذه السنوات كافية للإجابة عن سؤال كبير كهذا؟ لم يتسن لي هضم ماجرى في التحولات المصيرية الصعبة آنئذ، ولذلك ليس من الممكن أن أفتح نافذة الأحداث، خاصة بعد أكثر من ثلاثين عاما من البعد عن طبيعة التعايش الحقيقي، وما يفرزه بالضرورة من رؤى ومواكبة وانسجام يومي مع الناس والحياة، وإذن فإن مسارا آخر لا بد منه سوف أسميه الإجابة عن بعد، هل يحق لي ذلك؟ أزعم أن الجواب نعم·· ولكن مرة أخرى لماذا نعم؟؟ هل لأنني عراقي فحسب؟
 
***
 
لماذا يتحول التاريخ إلى خرافة؟ والخرافة إلى حروب وأحقاد؟
 
لماذا ننقل الماضي إلى المستقبل؟ فنهجر الحاضر ونقتل المستقبل!
 
أسئلة مؤجلة واجهتني بها بناتي الثلاث، اللاتي ولدن وتربين وتعلمن بعيدا عن العراق·· إنهن فصل آخر في كتاب (العراق العظيم)، وهن يكبرن دون أمل برؤية الوطن، ودون أي علامة من هناك سوى ثقافة العنف ومشهد الدم··
 
في السبعينات بدأت الأسئلة، وكنا في مواجهة متغيرات غامضة، ثم الحرب، وثم الخطاب العسكري الجديد على مجتمع مسالم، في كل تلك السنوات كانت الأسئلة ذات طابع عام أحيانا وطابع خفي أحيانا أخرى، لكن عندما بدأت التحولات السريعة بعد التاسع من أبريل / نيسان عام 2003 أصبحت تلك الأسئلة تدخل في العمق السياسي والاجتماعي والثقافي والتاريخي، بل حتى الأزياء واللهجة والأسماء والقبائل والأمكنة·· ومع كل حالة تأمل لمفردة العراق يسيطر معنى واحد وهو أن هذا البلد عجيب! لا يمكن تلخيصه أو تبسيطه·· وفي مواجهة هذه الأسئلة البريئة ثمة أخرى لم تكن صادرة فقط عن رغبة في معرفة ما، وإنما هي مبطنة ومغرضة حين تصدر عن آخرين ممن نصادفهم في هذه الرحلة الطويلة، موظف الاستقبال في فندق، سائق سيارة أجرة في بلد ما، عابر في مقهى، عناوين الصحف اليومية، صديق يومي لم يسبق له أن فتح بوابة الأسئلة عن نسب السكان طائفيا في الشمال والوسط والجنوب، وحتى محاسب المدرسة أو صاحب العمارة الذي نلتقيه في أوقات دفع الإيجار، كل هؤلاء وغيرهم يسألون!! ويضعوننا أمام السؤال: ما العراق؟
صفحة 5
عشرات، بل مئات أو آلاف من العراقيين خلال السنوات الأربعين الماضية أجابوا عن هذا السؤال بأشكال ومضامين مختلفة واستراحوا، وفي كل معرض للكتاب في دمشق، الشارقة، بيروت، أبو ظبي، القاهرة، الكويت، الدوحة، عمّان، بل وفي كل المكتبات العربية المنتشرة في زوايا الشوارع الأوروبية، تصادفني وبشكل لافت عناوين تحمل همّ العلاقة بالعراق، بحسب تجربة الكاتب وعمره وتفاصيل الحدث المقصود أو المحور الذي يدور حوله هذا الهم، ولفرط هول المضامين التي تحملها هذه النتاجات على اختلاف أجناسها فإن القارئ ـ العراقي تحديدا ـ ليس أمامه غير أن يصاب بالغثيان إذا لم نقل الصدمة والانطواء والخوف إلى درجة الندم على أنه ينتمي دون إرادته لهذا الواقع·· منها مثلا: مذكرات الشاعر محمد مهدي الجواهري، ومثلها للدكتور حسين الشهرستاني، (والهرير) الذي يصفه أحمد الحبوبي في قصر النهاية، وكذلك أوراق السيرة الذاتية لعزيز الحاج، وكتابات العلامة الراحل هادي العلوي، وحكايات بلقيس شرارة ورفعت الجادرجي، والأعمال المهمة في تاريخ العراق الثقافي لمحمد سعيد الصكار، قصص وروايات جمعة اللامي، وقصص وروايات فؤاد التكرلي وحسين الموزاني، ثم الكتابات الموجعة لعدنان الصائغ، وطارق حربي ونعيم قطان، وكتابات تنوعت بين السياسي والثقافي والاجتماعي، كالتي صدرت لسعد البزاز ونجيب الصالحي والدكتور علاء بشير وإبراهيم الزبيدي وحسن العلوي وفالح العامري، والعناوين التي حملت إثارة من نوع (كنت شبيها··· وكنت ابنا·· وكنت صديقا·· وو) إلى جانب نصوص مفاجئة ومفتوحة على الحزن العراقي الطويل مثل رواية سليم مطر (امرأة القارورة) و(أصغي إلى رمادي) لحميد العقابي و(حارسة النخيل) لسمية الشيباني و(كم بدت السماء قريبة) لبتول الخضيري، ولا أنسى الكتابات التاريخية ذات الصلة العضوية بالحقيقة العراقية مثل (الأديان والمذاهب بالعراق) للدكتور رشيد خيون·· وإنه من غير الممكن حصر عناوين هذه المكتبة الهائلة التي لم أذكر منها الأعمال الشعرية والسير الذاتية والشهادات، ولكن الذي أقصده مرة أخرى السؤال المحير ما العراق؟ وماذا أكتب عنه؟
 
كل إنسان على وجه الأرض له كتابه، سواء صدر على شكل ورق (منذ مأساة امريء القيس حتى مأساة المغربية مليكة أوفقير، ومنذ مأساة الملك لير حتى مأساة جان فالجان في البؤساء)، أو بقي محفورا في صدر صاحبه يتناقله الناس شفاهة، أو تناسته الأجيال وتلاشى في فضاء الصحارى، وفي أعماق البحار·· لكل شخص روايته سواء كتبها على شكل حكايةٍ، بتفاصيل أمكنتها وشخوصها، أو تركها للحكواتي يعيد وينقص حسب حماسة اللحظة·
صفحة 6
عندما صدرت مجموعتي الشعرية (لم يعد ما نسميه) وقد انتهيت منها في العام 2000 وطبعت بعد ذلك بثلاث سنوات، تضمنت قصيدة تحمل عنوان المجموعة نفسه، كنت أعتقد أنها جريئة حين أقول لوطني إننا افترقنا ولم يعد بيننا ما نسميه، ولكنني وجدت نفسي منهمكا فيه، في وجوده الكامل معي وفيّ ومن حولي كأنني اليوم وبعد كل تلك السنوات ما زلت أعيش فيه، وبعد صدور المجموعة واجهني تعليقان من صديقين عربيين استوقفاني طويلا في محاولة لفهم جدية طرحهما، ورحت أفكر فيما إذا كان لديّ القدرة على الأخذ بهما، الأول قال لي صديق ناقد (أخرج من الهم العراقي) وكررها صديق شاعر لم يكن يعرف الأول! يومها قلت هذه ملاحظة مهمة، ولكنني وجدت أهميتها في تكريسها، وليس التخلص منها، لأنها أصلا ليست مفتعلة، وإنما هي أنا والعراقي الذي وحده يعرف الموت! ووحده قدماه في النار·· والأكثر غرابة، وجدت نفسي لا أعرف الكتابة خارج الهم العراقي، ولا أعرف القصيدة إلا في أجواء الحزن فهل نلوم المتنبي:
 
ألا ليت شعري هل أقول قصيدةً فلا أشـــــتكي فيها ولا أتعتب ُ؟
 
هذه القصيدة قيلت بحثا عن ملاذ وليس حبا بكافور، إذ لم يعد المتنبي قادرا على العودة لا إلى حلب ولا إلى الكوفة أو بغداد، إنه الآن يمتدح (أبا المسك) للحصول على إمارة (مثلا) أو ضيعة، وربما هي بلغة اليوم المعادل الموضوعي للهوية التي نسميها جواز سفر، أي جواز سفر··
 
والمفارقة التي تقف على الضفة الأخرى تتمثل بذلك التسرع الذي يشترك فيه أحيانا المثقفون الذين من المفترض أنهم يمتلكون رؤية أوسع ويدركون جيدا مشكلة العراقي في تاريخه السياسي، لكنهم مع ذلك يصفونه بالدموي والعنيف، وأنه لا يُحكم إلا بالقوة والقسوة! وهي القسوة بعينها التي ينطلق منها هؤلاء بحكمهم على مجتمع تعرض لثنائية الإفقار والتجهيل على مر العصور، فتعددت فيه المذاهب والطبقات والثورات والاحتلالات، وأصبح متشعبا وربما هي الخاصية الإيجابية الوحيدة التي جعلت المجتمع العراقي حيا ومتجددا وقادرا على الوجود بكل معانيه، لأنه أصلا ما من مجتمع على وجه الأرض يتوحد في سلوك محدد، وإنما لا بد من جميع التناقضات التي تكوّن خليطا طبيعيا من الاستقامة والجريمة، المعرفة والأمية، الإبداع والتقليدية، التدين والإلحاد، ومختلف الثنائيات المعروفة في الحياة، وفي الحالة العراقية تتأكد هذه الحقيقة كامتداد طبيعي لمجتمع ما بين النهرين، بل يضاف إليها ذلك العطاء الخلاق الذي بدأ بالكتابة والزراعة ولم ينته بالشعر والموسيقى والقانون، بل امتد إلى أبعد من ذلك بكثير، وفي المقابل لم يعرف التاريخ بلدا حُكم على امتداد أزمنة لا حصر لها بتلك القسوة وذلك الاستبداد الذي كان عنوان كل المراحل في أي قراءة تاريخية أو معاصرة··الأمر الذي أشاع عن العراقيين هذا الوصف (لا يُحكمون إلا بالقوة!) والذي من المفترض أن يُحسب لهم لا عليهم، وفي المقابل ـ مرة ثانية ـ لم يعرف المجتمع العراقي إلا نادرا حاكما أشاع روح العمل العادل، ربما بسبب الاحتلالات التي غطت أكثر من ثلاثة أرباع تاريخه القديم والمعاصر والحديث، ثم تواصلت الصورة ذاتها في مرحلة الاستقلال وما شهده البلد من اضطرابات وإشكاليات كانت نتيجة صارخة لعدم فهم هذا الحيز الجغرافي الاستثنائي في محيطه القريب والبعيد··
صفحة 7
في هذه السطور قراءة لجزء من الأسباب، وجزء من النتائج، وهي قراءة لا تعتمد بالدرجة الأولى على المراجع التاريخية ودراسة المراحل التي مر بها العراق فحسب، وإنما إلى جانب ذلك المعطى ثمة معايشة يمتزج فيها الهم اليومي والمتابعة اللصيقة للتفاصيل الماثلة للعيان، والتي تنبسط بوضوح أمام كل منصف ومحب ـ على الأقل ـ للإنسانية، والتي شهدت في العراق انتهاكا قل مثيله قديما وحاضرا، ومع ذلك أعترف بصعوبة إجادة وإتمام هذه الرؤية الثقافية الاجتماعية التاريخية السياسية الفنية والنفسية بسبب هذا التعدد والخليط الهائل الذي وجدت نفسي مندفعا لقول شيء ما فيه، بل إن هذه السطور كانت ولا تزال حديث الحياة اليومية في كل مجال قريب أو بعيد، حين ألقت الأحداث العراقية بظلالها على صفحات الجرائد والفضائيات التي دأبت على تسميتها بـ (الشأن العراقي) هذه التسمية التي ظلت تتقدم الأخبار بحسب عدد الجثث المترامية على الأرصفة وفي المطاعم والمقاهي والتجمعات الدينية بفعل التفجيرات الانتحارية من قبل مجهولين يموتون (في سبيل الله أو على أمل أن يصل في نفس موعد الغداء مع الصالحين···)!!
 
وفي كل مفصل من مفاصل التاريخ العراقي، ثمة سبب واحد للانحدارات الهائلة على غير صعيد هو (طريقة الحكم) بينما المجتمع، رغم كل الظروف الأكثر صعوبة، يسجل أروع الإنجازات البشرية ويمنحها للآخرين هدية التلاقي في الخلق·· إنه مجتمع الخصوصية الجغرافية (نهران ولا بحر) والخصوصية الحضارية (خمس حضارات ولا استقرار) ومجتمع التناقض المذهبي والديني، مجتمع الخدمة العسكرية الإلزامية عبر التاريخ، ومجتمع مرور الخديعة ضده، التي يدركها بعد فوات الأوان!! المجتمع المظلوم بامتياز، والذي اختاره هذا الحيز الجغرافي الغريب أن يكون فأر تجارب لمن يريد الحكم، ويأتي من يقول إن العراقي دائما في الضد من الحاكم! حسنا، والحاكم العراقي أيضا ودائما ضد مجتمعه! هذه المعادلة أسست طوال مئات السنين نظرة خارجية قاصرة لم يحاول البعض فهم جوانبها، مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف النفسية التي أدت إلى استمرار هذه الحالة وكأنها حقيقة ثابتة وعضوية من الداخل·· غير أنها أصبحت كذلك بفعل التراكم الزمني الذي يراد له اليوم عملية حك مضنية لاستخراج البياض الناصع، ودائما يبقى الرهان مفتوحا ما بقيت الحياة مفتوحة على كل احتمالاتها، بحيث ـ ربما ـ نشهد نحن أو الأجيال القادمة ذات يوم بلدا مزدهرا يعيش فيه الجميع وقد تخلى عن فكرة إلغاء الآخر، بل تخلى عن التباهي والتبجح بالقتل!!! ونشهد مجتمعا لا يتكبر على المرأة ويحط من قيمتها بأبشع الأشكال، ونشهد حاكما يتردد في قبول مهمة الحكم لأنها مسؤولية صعبة، ونشهد ـ ربما ـ مجتمعا لا يصفق للحاكم مهما نطق بالدرر والخطب العصماء، وربما نشهد ذات يوم بلدا يعيد النظر بجرأة، في تفاصيل كثيرة دافع عنها سابقا بفعل عمليات التجهيل المتواصلة، ونشهد مجتمعا لا يصدق ادعاءات الحاكم بأن الحلاج زنديق ولا بد من تقطيعه وحرقه! ولا يتآمر مع المأمون ضد أخيه الأمين، ولا يقف متفرجا على جلد أحمد بن حنبل لمجرد خلاف فكري حول خلق القرآن، ولا يصفق ويهتف في مشهد قتل بشار بن برد، ولا يصدق أن الخميني دجال، وأن الله خسف الأرض بقارون الكويت·· وإلى ما هنالك من الترهات والأكاذيب التي تقود الضمير الجمعي كالقطيع إلى المذابح، مخلفة طبقات من الجهل والتطرف والتمسك بمفردات تراثية بالية ليس لها مكان في متغيرات العصور···
صفحة 8
إن إشكالية تراكم القهر وفرض الرأي الواحد أنتجت مجتمعا مقهورا غارقا في العقدة غير محاول فكها، لأنه غير متاح له ذلك عبر التاريخ، ولأن عملية الهدم أسهل وأسرع بكثير من عملية البناء ـ هدم الإنسان وبناؤه ـ وكل مفردة من مفردات الماضي والحاضر هي بالضرورة نواة لمستقبل مماثل إلا بعملية قيصرية شاقة تعيد بل تخلق توازنا جديدا يكفل صفحة جديدة في حياة الأجيال القادمة·· لقد انتفت من حياة العراقيين مفردات يومية كانت في كل مكان في العالم ضرورة قصوى تؤشر إلى الحياة، مثلا شيوع محلات بيع الزهور أو حديقة المنزل التي يجد أهله وقتا لسقيها، السينما، مثلا، فنان مسرحي عراقي تختاره الأمم المتحدة سفيرا للنوايا الحسنة، أو ـ مثلا ـ بيئة اجتماعية مرتاحة يستطيع أفرادها تنسيق الألوان في الحياة اليومية بكل تفاصيلها··· إن هذا لن يتحقق مع سيادة عقلية الحاكم الذي حتى وهو في قفص الاتهام يفتخر بل ويطالب بحقه حين يقول للقاضي الذي يسأله إجرائيا عن اسمه: أنا رئيسك ثلاثون سنة! وكأنه يقول من حقي عليك أن أبقى رئيسك لأنني أمتلك خبرة في العمل الرئاسي! وأنكم من بعدي لا تعرفون كيف تديرون البلاد، أنا وحدي أعرف وأستطيع!! وتشق هذه الكلمات طريقها بسرعة مذهلة في الخطاب اليومي العام بل حتى الثقافي والسياسي فيرددها البعض بقناعة فائقة···
 
ثمة اعتراف لا بد منه في هذه اللحظة، ربما يتلخص بسؤال: هل هذه البقعة الجغرافية التي اسمها العراق غير قادرة على الحياة؟ هذا سؤال عام! وإذاً: هل التعددية هي التي تقض مضجعه عبر التاريخ؟ وهل التاريخ هو السبب في ما حدث ويحدث؟ وهل التقسيم سينقذ أهل المكونات من الموت المجاني والتقهقر وعدم مواكبة العالم؟ وهل غياب الألفة بين مكوناته سببه الإفراط في الألفة ذاتها التي عُرف بها العراقي؟ لكن السؤال الأكبر هو: هل غياب التعريف الواضح والمحدد للعراق هو السبب في هذا العذاب الأبدي أو الذي يبدو أبديا على هذا النحو؟؟ وفي اللحظة ذاتها ثمة سؤال آخر يقفز في مواجهة الموت: أين نذهب إذاً بكل هذه الأغاني الجميلة؟ والقصيدة التي ولدت أول مرة في الحياة هنا، وصولا إلى الريادة الشعرية؟ والمجلدات التي علّمت العرب والعالم أبجدية القانون والطب والفلك والرياضيات؟ وأين نذهب بالمستقبل؟
 
***
 
هذه الكتابة لي·· لقد اختزنتها طيلة ثلاثين سنة، لفرط ما عشت تفاصيل الحداثة والتجديد، بين مدن ووجوه وحالات وظروف ومواقف وتغيرات كونية في أكثر المحطات حيرة من العمر· نعم (حيرة) لأن الوطن بقي في قيود الماضي، وكأنه لم تمر عليه خمسون سنة الماضية، لقد مرت على الجميع إلا هو!
 
وحين أكشف عنها اليوم، فإنني أقرأ أولا ما يقوله الدكتور عبد الله إبراهيم (إن كتابة المنفى تخفي في طياتها إشكالية خلافية كونها تُشكّل عبر رؤيةٍ نافذة ومنظور حاد لا يعرف التواطؤ، فتتعالى على التسطيح وتتضمن قسوة صريحة من التشريح المباشر لكل من الجماعة التي اقتلع منها والجماعة الحاضنة له· لكنها كتابة تنأى بنفسها عن الكراهية والتعصب والغلو، وتتخطى الموضوعات الجاهزة والافكار النمطية، وتعرض شخصيات منهمكة في قطيعة مع الجماعة التقليدية، وتنبض برؤية ترتد صوب مناطق مجهولة داخل النفس الإنسانية· وتتسم كتابة المنفى فضلاً عن كل ذلك بالقلق الوجودي ويسكنها الحراك والانشقاقية والسخط وفيها تعوم الأسئلة الكبرى)·
صفحة 9
من هذا المعنى، ولأنني أحب بلادي، وأحبها أيضا، سوف أقول هنا إن بلادي نسيت أن تواكب الحداثة، كما نسيت ثقافة السلام، لقد تعرّض فيها ذلك التصالح الإنساني الذي علمته للآخرين على مر العصور، لجرحٍ في العمق··
 
ففي وطن الأنهار والجسور ثمة قتل! الأنهار تغلق وتُجفف، ويُحوّل مجراها، وتنكشف قيعانها، وتُمنع عن الظامئين بل وتغلق من المصبات، ثم يصب ما تبقى منها خارج الجغرافيا العراقية! أما الجسور فيهدمها التتار، ويعلق عليها البريطانيون رجال ثورة العشرين، وهي أيضا أول هدف عسكري للطائرات الأميركية في الحربين، ثم هي وسادة مائعة للموت الجماعي (على جسر الأئمة) كأن المشهد استدعاء بيئي متوارث···
 
لم يقرأ أحد الحزن العراقي جيدا، ولم يضع أحد يده على الجانب الإنساني لما خلفته الحروب، تلك التفاصيل الصغيرة، الكبيرة، والكثيرة، التي انشغل عنها الآخرون بالديون والحدود والحقوق السياسية، بينما لم يتذكر أحد معنى أن تُمنع أسرة من البكاء على قتلاها·· ونحو ألف وثلاثمائة كيلومتر كانت ولا تزال مفتوحة على ذاكرة الرؤوس المبعثرة بين الوديان وعلى ضفاف الأنهر، بينما الخطاب القاتل والتافه يطحن أرواحنا ويسمم لقمتنا بـ (صور من المعركة) وتلك الأسماء التي كرهناها لفرط ما اصطبغت بدم الأبرياء (البسيتين، سيف سعد، الفاو، شلامجة، يوم الأيام، أم المعارك، كل عراقي بعثي وإن لم ينتم، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة، القادسية الفيلم والقادسية المهزلة، الجيش الشعبي وطريق الموت بين الكويت والبصرة، الحواسم··· الهروب الجماعي حد الخمسة ملايين والموت المجاني والمدن المحروقة) و··· ليس هذا هو المحور الأساس في هذه الكتابة! إنني أبحث حتى اللحظة عن فكرة مناسبة للإجابة عن السؤال: ما العراق؟
 
قبل الدخول في التقاطات مواضع الدم والموت في تاريخ بلادنا، لا بد من النظر إلى الضفة الأخرى، تلك المزهرة بالآدمية المفرطة، المطرزة برياحين العطاء والدعاء والصبر الجليل، ضفة الناس الذين يُقتلون ببسالة ويمنحون آخر قطرة من دمائهم لأهلهم وأرضهم، الناس الذين حوّلهم الطغاة إلى مادة للتندر، والذين كلما استقروا في فضاء الزمن قادهم حاكم إلى زواياه الضيقة، وحشرهم في مأزق جديد!
 
في ساعة لقاء عائلي حول التلفزيون تقول الصغيرة: لو أن العراق لم يحدث فيه هذا الذي يحدث، ترى من أكون؟ وأين؟ وكيف؟ وهل يمكن تخليص أهله من تركة الماضي البعيد والقريب؟
 
أين ذهبت كل تلك الحضارات؟ ولماذا لم تترك أثرها الإيجابي؟ وما كان يؤمل من التراكم الثقافي والمنجز الإنساني؟ وهل اعتادت بغداد على السقوط؟
صفحة 10
وتتساءل أختها: لماذا هذا الشرخ بين العراقي ووطنه؟ ولماذا هذا الاختلاف الشاسع بين العراقي في الداخل والعراقي في الخارج؟ وهل سينشأ جيل يحفظ تلك الإشراقات المضيئة في تاريخ العراق؟ ولكي تشارك الثالثة في الحديث تقفز وهي تتذكر مفردة تطرحها على شكل سؤال هو الأكثر إشكالية: متى يمكن بناء العراق بما يليق بمساواته مع بلدان المحيط الجغرافي القريب؟
 
الأسئلة ذاتها تتكرر بأشكال ومضامين أخرى، مثلا، في كل حوار إعلامي يجريه صحفي عربي مع مطرب عراقي لا بد من السؤال: لماذا أغانيكم حزينة؟ وهناك سؤال، يبادرنا به أحدهم تربطنا معه علاقة ما: ماذا يعني هذا الاسم ومن أين جاء؟ ونعرف إلى ماذا يرمي، وهو الذي لم يكن يوما يسأل عن معنى أي اسم! ثم يواصل الأسئلة بما تعكس انتماءات سائليها وتوجهاتهم، بل وتفرض نفسها بعد أن انفتحت البلاد على كل أشكال وسائل الإعلام، وأصبحت الكاميرا تطارد الجميع في زوايا الحياة اليومية المضطربة بين تجاذبات القوى السياسية الظاهرة والخفية، ولم يكن قبل هذا الواقع من يجرؤ على السؤال، لأنه أصلا لم يكن يعرف سوى وجوه تتكرر يوميا في الأحداث والصورة التلفزيونية الواحدة! وهو ما يؤكد كم من الحقائق طمست على مدى عشرات السنين، بل ومنذ أمد بعيد قد يصل إلى ذلك الزمن الذي كتب فيه التاريخ أناس في موقع السلطة، وبشكل أحادي الجانب والهوى·· خصوصا وأن مسألة التاريخ ـ صناعة وكتابة ـ تخص نخبة من الناس، وليس المجتمع بكامله، أي أن المجتمع يوفر عادة حيزا ضيقا من كتاب التاريخ قد يصل عددهم في العشرة ملايين نسمة، عشرة أشخاص في أحسن تقدير، ومعظم هؤلاء يعملون تحت خيمة السلطة أو السائد السياسي في أي وقت· وحتى لو وجد منهم من يملك ضميرا حيا فإن هؤلاء سوف يتعرضون للتغييب والتهميش والاتهامات التي تودي بحياتهم ومنتجهم الفكري·· ونلاحظ أن هذا حدث في زمن لم يعرف وسائل الإعلام الحديثة من كاميرا وخبر عاجل تبثه وسائل الاتصال السريعة ووكالات الأنباء، ومن ثم عناوين ما بعد الخبر وما وراء الخبر وأضواء على الخبر، وحتى مع وجود هذه المعطيات الحديثة فإن صعوبات كثيرة تعترض الحقيقة فكيف الأمر قبل مئات السنين؟ إن حقائق كثيرة طُمست عبر التاريخ، مراحل كاملة حُذفت من دائرة الضوء إلى غياهب العتمة، وما وصلنا من الأحداث الرئيسة، أمر شائع لا مهرب منه ولكن التاريخ ليس أحداثا ذات حيز مكاني وزماني محددين فحسب، بل هو تفاصيل وعوامل ومسببات وأهواء وتوجهات بطيئة وخفية تصنع الحدث وتميله بحسب خدمة مصالحها·· ولا تزال هذه الإشكالية الأخلاقية قائمة في رفض الآخر وإنكاره زمانا ومكانا وفعلا ضمن التفكير الضيق نفسه، والحساسية العمياء التي حكمت مجتمعنا مئات السنوات··